منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (6)

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (6)



أبوبكر الصديق:

أحقُّ الصحابة أنْ نبدأ حديثَنا عنه هو سيِّدُنا أبو بكر العظيم، الذي ما عرَف المسلمون بعدَ الرسل إنسانًا أفضل منه، ولا أتقى، ولا أورع، ولا أرحم، ولا أسدَّ رأيًا منه، ولا أقوى، ولا أبقى أثرًا له بعدَ وَفاتِه منه.

إنَّه سيِّدُنا وحبيبُنا الخليفةُ الأوَّل أبو بكرٍ عبدالله بن عثمان التيمي القرشي، وُلِدَ بعدَ ولادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، ونشَأ في رُبوع مكَّة، وكان في قومه قبلَ الإسلام ذا مكانة عالية؛ لما كان يتمتَّع به من الخلُق الزكي، والسُّلوك الرَّضِيِّ، والكرم السَّخيِّ، والرَّأي السَّديد، كان يعمَلُ في التجارة، وكان من ذوي اليَسار؛ يُطعِم الطعام، ويتفقَّد الأرامل والأيتام، ويَقرِي الضيف، ويُعِينُ الضعيف.

يدلُّ على ذلك ما رواه البخاري[1] في "صحيحه": عن عُروة بن الزبير - رضِي الله عنه - أنَّ عائشة - رضي الله عنها - زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالت: لم أعقلْ أبويَّ قطُّ إلا وهما يَدِينان الدِّين، ولم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار بُكرةً وعشيَّة، فلمَّا ابتُلِي المسلمون خرَج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلَغ برك الغماد، فلقيه ابن الدغنة[2]، وهو سيد القارَّة فقال: أين تريدُ يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أنْ أسيحَ في الأرض وأعبُدَ ربي، قال ابن الدغنة: فإنَّ مِثلَك يا أبا بكر لا يَخرُج ولا يُخرَج؛ إنَّك تَكسِب المعدوم، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتحملُ الكلَّ، وتَقرِي الضيف، وتُعِين على نَوائب الحقِّ، فأنا لك جارٌ، ارجعْ واعبدْ ربَّك ببلدك.

فرجَع وارتحلَ معه ابن الدغنة فطافَ ابن الدغنة عشيَّة في أشراف قريش فقال لهم: إنَّ أبا بكرٍ لا يَخرُج مثله ولا يُخرَج، أتُخرِجُون رجلاً يَكسِب المعدوم، ويصلُ الرَّحِمَ، ويحمل الكلَّ، ويَقرِي الضيف، ويُعِين على نَوائِب الحقِّ، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكرٍ فليعبُد ربَّه في داره فليُصَلِّ فيها ما شاء، وليَقرأ ما شاء ولا يُؤذِينا بذلك؛ فإنَّا نخشى أنْ يفتن نساءنا وأبناءنا.

فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكرٍ، فلبث أبو بكرٍ بذلك يعبُد ربَّه في داره ولا يستَعلِن بصَلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكرٍ فابتنى مسجدًا بفناء داره وكان يُصلِّي فيه ويقرأ القُرآن فينقذف عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظُرون إليه، وكان أبو بكرٍ رجلاً بكَّاء لا يملك عينَيْه إذا قرأ القُرآن، فأفزَعَ ذلك أشرافَ قريش من المشركين، فأرسَلُوا إلى ابن الدغنة فقدم فقالوا: إنَّا كُنَّا أجَرْنا أبا بكرٍ بجوارك على أنْ يَعبُد ربَّه في داره، فقد جاوَز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنَّا قد خشينا أنْ يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإنْ أحبَّ أنْ يقتصر على أنْ يعبُد ربَّه في داره فعل، وإنْ أبى إلا أنْ يُعلِنَ بذلك فاسأله أنْ يردَّ إليك ذمَّتك فإنَّا قد كرهنا أنْ نخفرك، ولسنا مُقرِّين لأبي بكرٍ الاستعلان.

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكرٍ فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإمَّا أنْ تقتصر على ذلك وإمَّا أنْ ترجع إليَّ ذمَّتي؛ فإنِّي لا أحبُّ أنْ تسمع العرب أني أُخفِرتُ في رجلٍ عقدت له، فقال أبو بكر: فإنِّي أردُّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله - عزَّ وجلَّ[3].

والحديث يدلُّ على أمورٍ عدَّة ربما نشيرُ إليها في مناسباتٍ أخرى، ولكنَّ الشاهد هنا إثبات مكانة أبي بكر في الجاهليَّة، وذكر صفات له كريمة يعترف بها رجال قريش.

كان أبو بكر - رضِي الله عنه - أوَّلَ القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدَّهم يقينًا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غَنَاء، وأحوطهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحدبهم على الإسلام، وأمَنَّهَم على أصحابه، وأحسنهم صُحبةً، وأفضلهم مناقب، وأكثرَهم سوابق، وأرفَعهم درجةً، وأقربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشبههم به هديًا وخُلُقًا وسمتًا، وأوثقهم عنده، وأشرفهم وأكرمهم عليه منزلةً.

صدَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما كذَّبه الناس، وآساه حين بخل الناس، وقام معه حين عنه قعَدُوا، وصَحِبَه في الشدَّة أكرَمَ صُحبة، وكان رفيقَه في الهجرة، ومواطن الكُربة، ففاز بالنُّصرة وبنزول السكينة؛ قال تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40].

جمَع الله به أمَّةَ الإسلام، وكان موقفه عظيمًا يومَ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ صعد المنبر وقال: أيها الناس، مَن كان يَعبُد محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومَن كان يعبُد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموتُ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].

وكان موقفه عظيمًا في سقيفة بني ساعدة، وكان موقفه عظيمًا عندما ارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، لقد كان كالجبل لا تُحرِّكه العواصف ولا تزيلُه القَواصِف، أرسَل الجيوش لفتْح البُلدان ونشْر دِين الله، أثنى عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((لو كنت متَّخذًا خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكن أخوَّة الإسلام أفضل))؛ رواه البخاري ومسلم[4].

وفي رواية مسلم للحديث: ((... ولكنَّه أخي وصاحبي، وقد اتَّخذ الله صاحبَكم خليلاً)).

وفي روايةٍ له: ((... ولكنَّ صاحبكم خليلُ الله)).

وممَّا يدلُّ على فضْله وثَناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه أنَّه - صلوات الله عليه وسلامه - خرَج في مرض موته عاصبًا رأسه حتى صعد المنبر، فحَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: ((إنَّ عبدًا خيَّره الله بين أنْ يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده))، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له وقال الناس: انظُروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبدٍ خيَّره الله بين أنْ يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا؛ فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ من أَمَنِّ الناس عليَّ في صُحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متَّخذًا خليلاً من أمَّتي لاتَّخذت أبا بكر خليلاً، إلا خلةَ الإسلام، لا يبقينَّ في المسجد خَوْخَةٌ إلا خَوْخة أبي بكر))[5].


___________________________________
[1] البخاري برقم 3905.
[2] ابن الدغنة اسمه مالك، وقد ضبطه القسطلاني بفتح الدال وكسر الغين وفتح النون مخففة، وبضم الدال والغين وفتح النون مشددة ("سيرة ابن هشام" 20/12).
[3] "صحيح البخاري" برقم 3905.
[4] البخاري 3656- 3657- 3658، مسلم 2383.
[5] البخاري 3904، ومسلم.




الساعة الآن 07:49 PM.