منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز من بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













من بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم



لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله على بصيرةٍ، فكان أعلمَ الناس بالله - عز وجل - وبأسمائه، كما كان أشد الخَلق كفرًا بكل ما يُعبَد من دون الله، سواء كان حجرًا، أو صنمًا، أو طاغوتًا إنسيًّا أو شيطانيًّا، وعادى قومَه في الله عز وجل؛ فقد كان ملقبًا فيهم بالصادق الأمين، ثم لما دعا إلى توحيد الله وإفراده بالألوهية، ناصَبوه العداء، وثبَت هو على توحيدِه لله، واستمروا هم على إيذائِه وإيذاء أصحابه، حتى أذِن الله تعالى لهم بالهجرة، كما كان عليه الصلاة والسلام أبصرَ الخَلق بالأمر والنهي، وقد بلَّغ دين الله عز وجل، وبيَّن شريعته، حتى جاء نصر الله والفتح، وتمت نعمةُ الله تعالى على الناس.

وكان من بصيرته صلى الله عليه وسلم أنه بدأ دعوتَه سرًّا ثلاث سنين؛ خوفًا من وَأْد الدعوة في مهدها، ثم أُمِر بالجهر بالدعوة، وأنذَر عشيرته الأقربين، فدعاهم وأنذرهم، وتحمَّل أذاهم وإعراضهم، وتكذيبهم وعداءهم؛ كل ذلك في الله عز وجل؛ أملاً في تأييد الله تعالى له، وإظهار دِينه ودعوته، وقد أتم اللهُ الأمر، وفشا الإسلامُ، وانهزَم الشِّرك؛ روى البخاريُّ عن خبَّاب بن الأرتِّ رضي الله عنه قال: شكَوْنا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّدٌ بُردةً في ظل الكعبة، وقد لاقى من المشركين شدة، فقلْنا: ألا تدعو الله لنا، فقعد وهو محمَرُّ الوجه، فقال: ((كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه، فيُشَق باثنتَيْن، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه مِن عَظم أو عصب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله لَيتمنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخشى إلا اللهَ والذِّئبَ على غَنمه، ولكنكم تستعجلون))؛ (الحديث رقم 1322، 3416)، فقد كان صلى الله عليه وسلم يرى بنور الله أن الله تعالى سيتم هذا الأمر، وسينصُر أولياءه، لكن حسب سنَّة الله تعالى لا بد من الابتلاء والتربية بالمِحَن والشدائد، ولما ضاقت على أهلِ الإيمان الأرضُ بما رحُبَت، وزُلزلوا زلزلاً شديدًا جاء الفرَجُ، وزال الكربُ، وانكشفت المِحَن، وتبدَّل الضعفُ قوة، والذِّلة عزًّا ونصرًا؛ لأنها سنَّة الله في السابقين فيمن قبلنا، وهي سنَّة ماضية إلى يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وإن كانت الآيةُ مدنيَّة، فالقاعدة مقرَّرة في القرآن المكي في مواضعَ كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]، وقد ذكَر ابن القيم في الفوائد: (سأل رجلٌ الشافعيَّ فقال: يا أبا عبدالله، أيما أفضلُ للرجُلِ أن يُمكَّن أم يُبتَلى؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يبتلى؛ فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكَّنهم)[1]؛ إيمان فابتلاء، فصبرٌ ثم تمكين..، وتلك هي البصيرةُ في دين الله عز وجل.

كان من بصيرته صلى الله عليه وسلم أنه بشَّر أصحابه بالنصر والتمكين حينما كانوا مستضعَفين مقهورينَ في مكَّة، وحينما كانوا خائفين وقد زاغت أبصارُهم، وبلغت القلوب حناجرَهم، لَمَّا اجتمعت عليهم أحزاب الكفر والشرك، وبشَّرهم بكنوز كسرى وقيصر، وقد تحققت بصيرتُه ورؤيته صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 9 - 12]، ففي غزوة الأحزاب زُلزِلوا تلك الزلزلة التي جاء الحديث عنها في سورة البقرة لَمَّا قال تعالى لهم: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وفي خِضمِّ هذه المحنة وتلك الزلزلة يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم - بعين بصيرته، وبنور الوحي -: ((إذا هلَك كسرى فلا كِسرى بعده، وإذا هلَك قيصرُ فلا قيصرَ بعده، والذي نفسي بيده، لتُنفَقَنَّ كنوزُهما في سبيل الله))[2]،وكان الناس أمام هذا الابتلاء الشديد فريقين؛ الأول: فريق المؤمنين أصحاب البصائر، وهم الذين قالوا: هذا ما وعَدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله؛ ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22].

الثاني: فريق المنافقين الذين عمِيَت قلوبهم، وفقَدوا البصيرة، وهم الذين قالوا: ما وعَدَنا اللهُ ورسوله إلا غرورًا؛ ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 12]، حتى قال أحدُهم: (كان محمدٌ يعِدُنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا اليوم لا يأمَن على نفسه أن يذهبَ إلى الغائط؛ وهو مُعتِّب بن قُشَير أخو بني عمرو بن عوف)[3]، وخاب ظنُّ المنافقين فاقدي البصيرة؛ فقد هزَم الله تعالى المشركين، ونصَر أولياءه المؤمنين، وتقهقر الأحزابُ خائبين خاسرين نادمين.

ثم بعد عام تقريبًا وفي غزوة الحديبية؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((يا ويحَ قريش، قد أكَلَتْهم الحرب، ماذا عليهم لو خلَّوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهَرني الله عليهم دخَلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعَلوا قاتَلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزالُ أُجاهدهم على هذا الذي بعَثني الله به حتى يُظهِره اللهُ أو تنفردَ هذه السَّالفة..))[4].

لقد كان صلى الله عليه وسلم يرجو إسلامَهم، وحزِن حزنًا شديدًا على إعراضهم وتكذيبِهم له؛ قال تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأنعام: 35]، كما كان لا يتمنَّى قتالَهم، لكنهم هم الذين سعَوا إلى قتاله، لم يصدِّقوه حين تلا عليهم قولَ الله تعالى: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45]، ولقد انهزَموا في بدرٍ، وولَّوُا الأدبارَ، وقتَل الله صناديدهم الذين تزعَّموا تكذيبه وإيذاءَه، وعلى رأسهم أبو جهلٍ الذي خرَج بطَرًا ورياءً ليصُدَّ عن سبيل الله، وأقسَم لينحر الجُزُر، وتُغني له القَيْنات، وتسمَع به العرب، وشرِب كؤوس المنايا، وأخزاه الله، ووقَف النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخاطبُ جِيفته ومَن معه: ((يا أهلَ القليب، هل وجدتم ما وعَدَكم ربُّكم حقًّا؟ فإني وجدتُ ما وعَدني ربي حقًّا))، فقال له أصحابُه: يا رسول الله، أتكلِّم قومًا قد جَيَّفوا؟ فقال لهم: ((لقد علِموا أن ما وعَدهم ربُّهم حقًّا))[5].

لقد طُمِست بصيرة أبي جهلٍ، وعمِي قلبُه؛ ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، فلم يرَ الحقَّ؛ لأنه عاش في ظُلمات الجهل؛ ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: 32]، وحكى اللهُ تعالى هذه المقالة عنه وعن أمثاله، وليتَهم قالوا: "اللهم إن كان هذا هو الحقَّ فاهدِنا إليه"! هذا أيضًا مِن عمَى البصيرة.

أما المؤمنون أصحابُ البصائر، فهم يرَوْن ما لا يراه غيرهم، يظنُّون بالله الظنَّ الخير، ويعلَمون علمَ اليقين - بل عين اليقين - أن اللهَ تعالى معهم، ومؤيِّدُهم، وناصرُهم، ومُكثِّرٌ عدَدَهم في عيون أعدائهم؛ ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249].

وتتابعت انتصاراتُ المؤمنين أصحابِ البصائر، وتوالت هزائمُ المُشرِكين المتغطرسين فاقدي البصائر؛ ليُعلَم أن الدعوةَ كي تصل إلى غايتها، وتتحققَ أهدافها، لا بد مِن النظر للأمور بعينِ البصيرة، وأن يتحلَّى أصحابُ الدعوة بالبصيرةِ بالواقعِ الذي يعيشُه ويمرُّ به المسلِمون، ولا شك أن أصحابَ البصائرِ يعلَمون أن طريق الدعوة ليس مفروشًا بالورود، ولكن بالأشواكِ؛ ذلك لأن غايتَهم رِضا اللهِ، والجنَّة، وطريقُ الجنة محفوفٌ بالمكارهِ والمصاعب، والآلام والتضحيات، ولا بد مِن مُكابَدة النفس، ومجاهدتِها، وحملِها على اقتحام المشاقِّ، وتحمُّل الصِّعاب، ألا تستحقُّ الجنَّة وما أعدَّ الله فيها - مما لا عينٌ رأت، ولا أُذُن سمِعت، ولا خطَر على قلب بشَر -: أن يبذلَ في سبيلها كل غالٍ وثمين؟ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].

لقد كان عليه الصلاة والسلام بصيرًا بأحوال المدعوين، خصوصًا أصحابه الكرام؛ فقد كان يختار لكلِّ مهمة مَن يصلُح لها، ويقوم بها خيرَ قيام، كما كان يكلف كلاًّ منهم بما يناسبه ويُطيقه مِن التكاليف والمهامِّ.

ومثال ذلك: اختيارُه أبا بكر الصِّدِّيقَ ليصلي بالناس وهو في مرَض الموت؛ قال ابن إسحاق: (قال الزُّهري: وحدَّثني حمزةُ بن عبدالله بن عمر أن عائشةَ قالت: لما استُعزَّ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مُروا أبا بكرٍ فلْيُصل بالناس، قالت: قلت: يا نبيَّ الله، إن أبا بكر رجلٌ رقيقٌ، ضعيفُ الصوت، كثيرُ البكاء، إذا قرأ القرآن! قال: ((مُروه فليُصلِّ بالناس))، قالت: فعُدتُ بمثلِ قولي، فقال: ((إنكن صواحبُ يوسف، فمُرُوه فليصلِّ بالناس))، فقالت: فوالله ما أقولُ ذلك إلا أني كنتُ أحبُّ أن يُصرَفَ ذلك عن أبي بكر...)[6]، وكانت هذه الواقعةُ أحدَ الأدلة التي استند إليها الصحابةُ الكرام عند اختيار خليفة المسلِمين بعد وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في سَقيفة بني ساعدة؛ فعن الحسنِ: قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: لَمَّا قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم، نظَرْنا في أمرِنا، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدَّم أبا بكرٍ في الصلاة، فرضِينا لدُنيانا مَن رضي رسولُ الله لدِينِنا؛ فقدَّمنا أبا بكرٍ[7].

ومثال ذلك - أيضًا -: تزويجُه ابنتيه لعُثْمان بن عفانَ رضي الله عنه، وإخباره بما سيجري عليه؛ فقد زوَّجه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمَّ كُلثوم بعد رقية، قال: ((لو كان عندي ثالثة، لزوجتُها عثمانَ))، وسُمِّي بذي النُّورَيْن لزواجِه من ابنتي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقالت عائشة رضي اللهُ عنها: (دخل عثمانُ على النبيِّ فناجاه طويلاً ثم قال: ((يا عُثمان، إن اللهَ - عز وجل - مُقمِّصك (ملبسك) قميصًا، فإذا أرادك المُنافِقون على أن تخلَعَه، فلا تخلَعْه لهم، ولا كرامة))، يقولها مرتين أو ثلاثة، رحِم الله ذا النورين ورضي اللهُ عنه؛ آثَر أن يُقتَل ولا يراق دمُ مسلمٍ!

مثال آخر: اختياره لِمُعاذ بن جبل رضي الله عنه ليرسلَه إلى أهل اليمن داعيًا ومُعلِّمًا، ولماذا مُعاذ؟
لأنه رضي الله عنه كان ورِعًا مجتهدًا، قانتًا عالِمًا، وتلك من أهم صفاتِ الداعية؛ فعن ورَعِه فقد ذكر أنه كانت تحته امرأتانِ تُوفِّيتا في السقم بالشام، فلما أراد دَفْنَهما أسهَم بينهما، أيتهما تُقدَّم في القبر. وعن تهجُّدِه، فقد ذكر أنه إذا تهجد بالليل قال: "اللهم قد نامتِ العيونُ، وغارتِ النجوم، وأنت حي قيوم، اللهم اجعَلْ لي عندك هدًى تردُّه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلفُ الميعاد"، وقال عنه ابنُ مسعود كما روى الشعبي: (إن معاذَ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 120]، فقال: ما نسيتُ، هل تدري ما الأُمَّة؟ وما القانت؟ فقلت: اللهُ أعلم، فقال الأمَّة: الذي يُعلِّم الخيرَ، والقانت: المُطيع لأمرِ الله عز وجل، وكان معاذُ بن جبل يعلِّم الناس..."، وعن عِلْمِه: قال أنسٌ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أعلَمُ أُمَّتي بالحلال والحرام معاذُ بن جبل))[8]؛ (رواه أحمد)، فكان اختيارُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له ليرسلَه إلى أهل اليمن داعيًا ومعلِّمًا - مبنيًّا على معرفةٍ وبصيرة، من شأنها أداء المهمة على أكمل وجه؛ فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعَث مُعاذًا إلى اليمنِ، فقال: ((إنك تأتي قومًا أهلَ الكتاب، فليكُنْ أولَ ما تدعوهم إليه شَهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله))، ولأنه عليه الصلاة والسلام المعلِّمُ الأول، والداعي القدوة، فقد زوَّده بما يساعده ويُعِينه على أداء مهمته، ومن ذلك أنه عرَّفه بيئةَ الدعوة، وهي بيئة شِرك، فكان لا بد من البدء بالتوحيد، وتَرْك الشِّرك وما يعبُدون من دون اللهِ، قبل أن يُعْلِمَهم بتكاليف الإسلام، والأمر الثاني أن الدعوةَ إنما هي الدعوةُ إلى توحيد الله عز وجل، فمَن دخل في التوحيدِ، فما عليه إلا أن يمتثلَ لأوامرِ اللهِ عز وجل؛ لذا قال في أمرِ التوحيد: ((فادْعُهم))، وفي أمر التكاليف قال: ((فأعلِمْهم))، وهذا درسٌ للدعاة كي يبدَؤوا بالأساس، وهو التوحيد؛ لأن الإسلامَ بناء[9]، ولا بد للبناءِ من أساس، ثم الأعمدة، وهي أركان الإسلام، ثم التكميلات والتحسينات، كما لا بد للبناء من سقفٍ، وهو الجهادُ في سبيل الله؛ لحمايةِ البناء من المعتدِين المجرمين، وهو ما جاء في حديث معاذ: دُلَّني على عمل يدخلني الجنة، ويباعِدُني من النار... وفي الحديثِ قال صلى الله عليه وسلم: ((رأسُ الأمر الإسلام، وعَموده الصلاةُ، وذروة سَنامه الجهادُ في سبيل الله...))[10].

إن فَهْمَ بيئة الدعوة ومراحلها وطبيعتها، وحال المدعوين، وترتيب الأولويات: مِن أهمِّ الأسس التي تساعد على نجاحِ الدعوة وبلوغ غايتها، ومن أهمِّ الدلائلِ على تحقيق البصيرة.

مع وفد ثقيف:

ولقد كان مِن بصيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يأمُرْ أحدًا بتكاليفِ الإسلام جملة واحدة، بل كان يتدرَّج معهم، ويقبَل منهم القليل؛ تألُّفًا وتيسيرًا على الداخلينِ في الإسلام؛ كما حدَث مع أهل ثقيف؛ فقد روى الإمام أحمدُ وأبو داود عن وهب قال: سألت جابرًا رضي الله عنه عن شأنِ ثقيف إذ بايَعَت، قال: اشترَطَت على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ لا صدقةَ عليها ولا جهاد...، وأنه سمِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((سيتصدَّقون ويُجاهِدون إذا أسلَموا))[11]؛يقول ابن اسحاق: "فلما أسلَموا وكتَب لهم كتابَهم، أمَّر عليهم أميرًا منهم - حسب ما طلبوا واشترَطوا - هو عثمانُ بن أبي العاصِ الذي قال: كان مِن آخرِ ما عهِد إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حيث بعَثني إلى ثقيف قال: ((يا عثمانُ، تجوَّزْ في صلاتِك، واقدر الناسَ بأضعَفِهم؛ فإن فيهم الكبيرَ والصَّغير والضَّعيف وذا الحاجة..))"[12]، ولما عاد الوفدُ إلى الطائف، أسلَم القوم، وهدمت اللاَّتُ والعزَّى، ورضُوا بأحكام الإسلام.

أمر الحُدَيبيَة:

لقد قبِل النبي صلى الله عليه وسلم شروطَ المشركين، مع كراهية الصحابة لذلك، ولكنها بصيرةُ النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صُلح الحديبية فتحًا مبينًا؛ ففي خلال عام واحد دخَل في الإسلام ما يقرُب من عشرة آلاف؛ روى البخاريُّ أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((قد سهُل لكم من أمركم))، فجاء سُهيل بن عمرو، فقال: "هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا"، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، فقال سهيل: "أما الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمِك اللهم"، ثم قال: ((هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله))، فقال سهيل: "واللهِ لو كنا نعلم أنَّك رسولُ الله، ما صدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك))، ولكن اكتب: "محمد بن عبدالله"، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((والله إني لَرسول الله وإن كذَّبْتموني، اكتُبْ محمد بن عبدالله))، فكرِه المسلمون ذلك وغضبوا منه، وأبَى سُهيل إلا ذلك، فكاتَبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ذلك[13]، ولما رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الحديبية (عام ست من الهجرة)، نزَلت سورة الفتح؛ يقول ابن كثير: (نزَلت هذه السورةُ الكريمة لَمَّا رجَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الحُدَيبية حين صدَّه المشركون عن البيت الحرامِ ليقضيَ عمرتَه فيه، وحالوا بينَه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المُصالَحة والمُهادَنة، وأن يرجِعَ عامَه هذا، ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكرُّه من جماعة من الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما نحَر الهَدْيَ ورجَع، أنزَل الله - عز وجل - هذه السورةَ فيما كان مِن أمرِه وأمرهم، وجعَل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل إليه الأمرُ؛ كما رُوِي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه وغيره أنه قال: إنكم تعُدُّون الفتحَ فتحَ مكة، ونحن نعُدُّ الفتحَ صُلحَ الحُديبية..[14]، فكان الصلحُ في ظاهره - وفيما بدا للصحابة الكرام - هزيمةً ومذلة، لكن الأمورَ آلت إلى فتحٍ ونَصر ومغانم، فكان قَبُول شروط قريش، وموافقةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن بصيرته عليه الصلاة والسلام، وقد تكلَّم ابنُ القيم - رحمه الله - في بعض الحِكَم التي تضمَّنتها هدنةُ الحديبية، فقال: "هي أكبرُ وأجلُّ من أن يحيطَ بها إلا اللهُ الذي أحكَم أسبابها، فوقَعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حِكمتُه وحمده؛ فمنها أنها كانت مقدِّمة بين يديِ الفتح الأعظم الذي أعز اللهُ به رسولَه وجُندَه، ودخل الناسُ به في دين الله أفواجًا... ومنها أن هذه الهدنةَ كانت أعظَمَ الفتوح؛ فإن الناسَ أمِن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمونَ بالكفَّار، ونادَوْهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآنَ، وناظَروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر مَن كان متخفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنةِ ما شاء الله أن يدخلَ؛ ولهذا سماه اللهُ فتحًا مبينًا.. فكان في الصورة الظاهرةِ ضَيمًا وهَضْمًا للمُسلمين، وفي الباطن عزًّا وفتحًا ونصرًا... وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ينظُرُ إلى ما وراءه مِن الفتحِ العظيم، والعزِّ والنصر من وراءِ سترٍ رقيق، وكان يُعطي المشركين كل ما سأَلوه من الشروط التي لم يتحمَّلْها أكثرُ الصحابة، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعلَمُ ما في ضمنِ هذا المكروهِ من محبوبٍ، وعسى أن تكرَهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، فكان يَدخُلُ على تلك الشروط دخولَ الواثق بنصر الله وتأييده، وأن العاقبةَ له، وأن تلك الشروط واحتمالاتها هو عينُ النصرة، وهو أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون؛ فذَلُّوا من حيث طلَبوا القدرةَ والغَلَبة، وعزَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعساكرُ الإسلامِ من حيث انكسَروا للهِ، واحتَمَلوا الضَّيْمَ له وفيه.."[15].

وليس لي من كلام بعد هذا الفيضِ الكريم، إلا أن أوجِّهَ الأنظارَ إلى أهمية البصيرةِ في الدعوة إلى الله، وأنَّ على الدعاةِ أن يجتهدوا في تحصيلِ البصيرة؛ لأنه إن لم تكنِ الدعوةُ على بصيرة، فهي تخبُّطٌ وضَياع للوقتِ والجُهد فيما لا طائل من ورائه، والله المستعان.


___________________________________
[1]الفوائد، ص 283، دار الريان للتراث، ط1، 1407هـ/ 1987م.
[2] رواه البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه في باب: الحرب خدعة برقم: (3027 ، 3028)، ورواه أيضًا عن جابر بن سمرة رقم: 2953.
[3]انظر: السيرة النبوية لابن هشام، جزء 3، ص 149.
[4]البداية والنهاية؛ ابن كثير، جزء 4، ص 165، مكتبة دار المعارف، ط 4، 1402 هـ/ 1982.
[5]السيرة النبوية؛ لابن هشام، ص 207.
[6]متفق عليه، وانظر: السيرة النبوية؛ لابن هشام، جزء 4، ص 234، دار الصفا، ط1، 1411هـ.
[7]صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، الجزء 1، ص 108.
[8]صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، الجزء 1، ص 206.
[9]كما جاء في حديث ابن عمر: ((بُنِي الإسلامُ على خَمس...))؛ البخاري برقم (8)، ومسلم برقم (16)، كلاهما في كتاب الإيمان.
[10]أخرجه الترمذيُّ وقال: حسَن صحيح (2616).
[11]مسند أحمد 3/341، وسنن أبي داود، كتاب الخراج، رقم: 3025، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/587 - 588، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: 1888.
[12]السيرة النبوية؛ لابن هشام، جزء 4، ص 342، ط. الحلبي.
[13]البخاري، كتاب الشروط، برقم: 2731، 2732.
[14]تفسير ابن كثير، جزء 4، ص 182، ط: مكتبة التراث الإسلامي، 1400هـ/1980م.
[15]زاد المعاد، جزء 2، ص 130، الطبعة المصرية.






الساعة الآن 04:19 PM.