منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز أركان الإيمان

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













أركان الإيمان



1- الإيمان بالله ذي الجلال، وبما له من صفات الكمال:

ويشمل الإيمانَ بإلهيته وربوبيته لا شريك له؛ فهو الإله المعبود بحق، لا إله غيره، ولا رب سواه، والإيمان بما وصَف به نفسه، ووصَفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإقرارها كما جاءت بلا تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.

2- الإيمان بالملائكة:

وهم عباد الله المُكرَمون، والسفرة بينه تعالى وبين رسله عليهم الصلاة والسلام، ومنهم الموكَّل بالوحي، وهو جبريل عليه السلام، ومنهم الموكَّل بالقَطْر وتصاريفه إلى حيث أمره الله عز وجل، وهو ميكائيلُ عليه السلام، ومنهم الموكَّل بالصُّور، وهو إسرافيل عليه السلام، ينفُخُ فيه بإذن الله تعالى ثلاث نفحات، ومنهم الموكَّل بقَبْض الأرواح، وهو مَلَك الموت.

3- الإيمان بكتب الله المنزَّلة على رسله عليهم السلام.

4- الإيمان برسل الله الهداة؛ هداية الدعوة والدلالة والإرشاد، وكلهم جاؤوا بالتوحيد، وبدِين الإسلام، وإن اختلفت شرائعُهم.

5- الإيمان باليوم الآخر والحساب، والجنَّة والنار.

6- الإيمان بالقدَر، وهو على أربعِ مراتب:

الأولى: الإيمان بعِلم الله تعالى المحيطِ بكل شيء.

الثانية: الإيمان بكتاب الله تعالى الذي لم يُفرِّط فيه من شيء، ويدخل فيه الإيمان بكتابةِ المقادير الخمسة: (التقدير الأزلي، كتابة الميثاق، التقدير العمري، التقدير الحولي، التقدير اليومي).

الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة.

الرابعة: مرتبة الخلق، وهو الإيمان بأن الله - سبحانه وتعالى - خالق كل شيء [1].

وهذه الأركان ذكَرها الله تعالى في قوله: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285]، وذكَرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: ما الإيمان؟ قال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبِه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدرِ خيرِه وشره..))، وفي رواية أبي هريرة: ((أن تؤمنَ بالله، وملائكته، وكُتبه، وبلقائِه، ورسله، وتؤمنَ بالبعث))[2]، وفي حديثِ أبي ذرٍّ قال: ((أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يكون الله ورسوله أحبَّ إليك مما سواهما، وأن تحترق في النار أحبُّ إليك من أن تشركَ بالله شيئًا، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله، فإذا كنتَ كذلك، فقد دخل حبُّ الإيمان في قلبِك، كما دخل حبُّ الماء للظمآن في اليوم القائظ))، قلت: يا رسول الله، كيف لي أن أعلمَ أني مؤمن؟ قال: ((ما من أمتي عبدٌ يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة، وأن الله مجازيه بها خيرًا، ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة ويستغفرُ الله منها، ويعلم أنه لا يغفرُها إلا اللهُ، إلا وهو مؤمن))[3].

وما ذُكِر هنا عن الإيمان هو قليل من كثير، والأمر يحتاج إلى شرح وتفصيل، وزيادة إيضاحٍ وبيان، لكن من "حكمة الله تعالى ورحمته - تيسيرًا على عباده، وتفضُّلاً عليهم - أن جعَل الباب الذي يلجه العبادُ إلى الإيمان دون ذلك التفصيل، فاكتفى منهم بالإجمال الذي يندرج تحته التفصيل؛ فقبِل منهم في مبدأ الأمر أن يقرُّوا بألسنتِهم وقلوبهم بأن الله سبحانه هو ربُّهم ومعبودهم بحق دون سواه، وأن محمدًا رسولُ الله، وأن جميع ما جاء به من عند ربِّه حقٌّ وصدق، وواجب العمل به، وجعَل لذلك عنوانًا هو الكلمة الطيبة: (لا إله إلا اللهُ، محمد رسول الله)، فمن قالها بلسانِه، وصدَّق بها جَنانُه، ولم يقرنها بما ينافيها من القول والعمل أو الاعتقاد، ودخَل في دين الله - كان من أهل الجنَّة برحمة الله تعالى".

وعلى أية حال، فإن على المؤمن أن يتعهدَ إيمانه، ويحاسبَ نفسه، ويفتش في داخله إن كان إيمانُه في زيادة أو في نقصان، وأن ينظر إلى أسباب نقصانه - إن كان في نقص - فيتحاشاها، ويلتمس أسبابَ الزيادة وصلاح القلب، كما كان يفعل الصحابةُ رضي الله عنهم، والسلف الصالح، ونذكر بعض أسباب زيادة الإيمان فيما يلي:

1- العلم: والمقصود العِلم الشرعي، وأوله العلم بالله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19]، العلم بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وأيامه، والعلم برسوله صلى الله عليه وسلم، وسُنَّته، وسيرته، والعلم بكتاب الله تعالى، وذلك بالتدبُّر في آياته وأوجُه إعجازه؛ فبذلك يُعرَف اللهُ ويُعظَّم.

2- العمل: لا بد أن يكونَ العمل بعِلم؛ فالعلم يسبِق العمل، والعملُ الصالح هو دليلُ الإيمان الصادق، فلا إيمان بلا عمل، وبالعمل يزداد اليقين، وبالإكثار من الطاعات والاهتمام بأعلاها - كما جاء في حديث شُعب الإيمان - يزدادُ الإيمان، وتحصُل التقوى؛ فالتقوى ثمرة أداء العبادات المفروضة والمندوبة، ومن أجلِّ الأعمال الصالحة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكَر، والتواصي بالحق؛ قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3].

يقول ابن القيم - رحمه الله -: (وكما أن الإيمان فرضٌ على كل أحد، ففرض عليه هجرتان في كل وقت؛ هجرة إلى الله - عز وجل - بالتوحيد، والإخلاص والإنابة، والتوكُّل والخوف، والرجاء والمحبة، والتوبة، وهجرة إلى رسوله بالمتابعةِ والانقيادِ لأمره، والتصديق بخَبره، وتقديم أمره وخبرِه على أمر غيره وخبره، وفرض عليه - كذلك - جهاد النفس في ذات الله، وجهاد شيطانه؛ فهذا كله فرضُ عين لا ينوب فيه أحدٌ عن أحد، وأما جهادُ الكفار والمنافقين، فقد يُكتفَى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصودُ ذلك؛ لأنه لا يتم الجهادُ إلا بالهجرة، ولا الهجرةُ والجهادُ إلا بالإيمان)[4].

5- معنى الشِّرك:

لغة: يقال: شاركه: صار شريكه، والمرأة: شريكة، والنساء: شرائك، والشِّرك - أيضًا -: الكفر، وقد أشرك بالله فهو مُشرك، وقوله تعالى: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ [طه: 32]؛ أي: اجعَلْه شريكي فيه[5].

قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، يقول ابن كثير: مبتدأ محصور في خبره؛ أي لا ظالِمَ أظلمُ ممن وافى الله يومئذٍ كافرًا، وقد روى حاتم بن أبي عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، ولم يقُلْ: (والظَّالِمون هم الكافرون)[6]؛ فالشِّرك هو الكفر، والكفرُ هو الظلم؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، قال القرطبي: (وذَكَرَ القشيريُّ أن ابنه وامرأته كانا كافرينِ، فما زال يعِظُمها حتى أسلَما، وقال القرطبي: ودلَّ على هذا قوله: ﴿ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، وفي صحيح مسلم وغيرِه عن عبدالله قال: لَمَّا نزَلت: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: 82]، شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيُّنا لم يظلِمْ نفسه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس هو كما تظنون؛ إنما هو كما قال لقمانُ لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]))[7].

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]، أورد ابنُ كثير: (قال الحافظ أبو بكر البزَّار في مسنده: عن أنس بن مالك، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: الظلمُ ثلاثة: ظلمٌ لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلمٌ لا يترك الله منه شيئًا، فأما الظلمُ الذي لا يغفره الله، فالشِّرك، وقال: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]؛ الحديث))[8]، وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]، قال ابن كثير: كقوله: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، وثبَت في الصحيحينِ عن ابن مسعود أنه قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظمُ؟ قال: ((أن تجعلَ لله ندًّا وهو خلَقك))، وذكَر الحديث[9].

والنِّدُّ في "اللغة": المِثْل والنظير[10]؛ لهذا جاء في قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]، وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ﴾ [البقرة: 165]، يقول ابنُ كثير: (أندادًا: أي: أمثالاً ونُظَراء يعبُدونهم معهم، ويحبُّونهم كحبِّه، وهو اللهُ لا إله إلا هو، ولا ندَّ له، ولا شريكَ معه...).

ولَمَّا سأل المشركون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قائلين: يا محمد، انسُبْ لنا ربَّك، فنزل قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4]، يقول ابن كثير: "يعني: هو الواحد الأحد الذي لا نظيرَ له، ولا وزيرَ له، ولا نديد له، ولا شبيهَ له، ولا عديلَ له"[11].

والمشرِكون كانوا كذلك؛ لأنهم جعَلوا لله شركاءَ، أو جعَلوا معه شركاء، يُطيعونهم، ويحبُّونهم، ويتقرَّبون إليهم، ومن هؤلاء الشركاء: الأصنام، والذين يخدمون الأصنام، والغُواة من الناس، والجن والشياطين؛ ففي تفسير قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ [الأنعام: 137]، يقول القرطبي: (قال الفرَّاء والزَّجاج: شركاؤهم ها هنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثانَ، وقيل: الغواة من الناس، وقيل: هم الشياطين، وسمَّى الشياطينَ شركاءَ؛ لأنهم أطاعوهم في معصية الله، فأشرَكوهم مع الله في وجوبِ طاعتهم)[12]، كذلك لأن هؤلاء الشياطين زيَّنوا للمشركين أن يجعَلوا لله مما ذرَأ من الحرثِ والأنعام نصيبًا؛ فذمَّ اللهُ المشركين؛ لأنهم ابتدعوا بدَعًا وكفَروا، وجعلوا لله شركاءَ وجزءًا من خلقه، وهو خالقُ كل شيء سبحانه وتعالى؛ وهو قول ابن كثير[13] في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ﴾ [الأنعام: 136].

هذا، ومن أعظم أنواع الشرك أن يستحلَّ المرء شيئًا مما حرَّمه الله عز وجل، وأن يطيع إنسانًا أو شيطانًا في تحليل شيء حرَّمه الله تعالى، أو تحريم شيء أحلَّه الله تعالى أو أباحه، أو أن يشرعَ للناس شيئًا يخالف شرع الله عز وجل؛ ففي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: 121]، يقول القرطبي - رحمه الله -: قال عكرمة: عَنى بالشيطان في هذه الآية مَرَدة الإنس من مجوس فارسَ، قال - رحمه الله تعالى -: دلَّت الآيةُ على أن مَن استحل شيئًا مما حرَّمه الله تعالى صار به مشركًا، وقد حرم الله تعالى المَيْتة نصًّا، فإذا قبِل تحليلها من غيره فقد أشرك، قال ابن العربي: إنما يكون المؤمنُ بطاعة المشرك مشركًا، إذا أطاعه في الاعتقاد، فإن أطاعه في الفعل وعقدُه سليم مستمر على التوحيد والتصديق، فهو عاصٍ؛ فافهموه[14].

ومن هنا يعلم أن شرك العرب كان في طاعةِ شياطين الإنس والجن في التحليل والتحريم والتشريع حسَب أهوائهم ومصالحهم، وفي هذا يقولُ ابن عباس رضي الله عنهما: (مَن أراد أن يعلم جهلَ العرب، فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قولِه تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ [الأنعام: 140]، قال ابن العربي: وهذا الذي قاله صحيحٌ؛ فإنها تصرَّفت بعقولها العاجزة في تنويعِ الحلال والحرام سفاهةً بغير معرفة ولا عَدْل.."[15].

هذا، وقد أشركت اليهودُ والنصارى؛ لأنهم أطاعوا الأحبارَ والرهبان في التحليل والتحريم؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31].

أما العربُ، فكان من شِركهم كذلك أنهم عبَدوا الأصنام، وتقرَّبوا إليها لتُقرِّبَهم إلى الله؛ فقد كانت تصوُّراتهم خاطئة عن الإله المعبود، الواحد السميع البصير؛ قال تعالى: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3]، ومع أفعالِهم تلك فهم يُقرُّون لله تعالى بالربوبية؛ قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [العنكبوت: 61].

بل إن إبليس - لعنه الله - أقرَّ لله تعالى بالربوبية في قوله: ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12]، وفي الآية مسائل، منها:

1- أن إبليس رأى أن النارَ أشرفُ من الطين، قال القرطبيُّ: قال ابن عباس والحسَن وابن سِيرين: أول من قاس إبليس، فأخطأ القياس، فمن قاس الدِّين برأيه، قرَنه الله بإبليس.

2- أن قياس إبليس قياسٌ خاطئ فاسد من وجوه:

أن مِن جوهر الطين الرَّزانة والسكون، والوقار والأَناة، والحِلم والحياء والصبر؛ وذلك هو الداعي لآدم - بعد السعادة التي سبَقت له - إلى التوبةِ والتواضع والتضرُّع، ومن جوهر النار الخِفَّة والطيش والحدَّة؛ وذلك هو الداعي لإبليس - بعد الشقاوةِ التي سبقت له - إلى الاستكبارِ؛ فأورَثه اللعنةَ والشقاء.

أن الخبرَ ناطقٌ بأن تراب الجنة مِسك أَذْفَر، ولم ينطق الخبرُ بأن في الجنة نارًا.

أن النار سببُ العذاب، وهي عذابُ الله لأعدائه، وليس التراب.

أن الطين مستغنٍ عن النار[16].

وأضيف إلى ما قاله القرطبي: أن النارَ - أي نار، سواء كانت من أصل نباتي أو حيواني، في أي صورة كانت؛ (بترولاً أو غازًا أو فحمًا) - إنما أصلُها من التراب، وتدبَّر قول الله تعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ [يس: 80].

3- يقول ابن عباس: (والقياس في مخالفة النص مردودٌ)[17]، ومن هنا يمكن القول بأن أشدَّ أنواع الشرك شِركُ العبادة، أو شرك الطاعة في التحليل والتحريم؛ فالحُكم والقضاء والأمر لله وحده؛ قال تعالى: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 40].

وهناك أنواع كثيرة من الشرك، منها:

1- الذَّبح لغير الله تعالى؛ قال - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]، وقال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، قال ابن كثير: أي: أخلِصْ له صلاتك وذَبْحك؛ فإن المشركين كانوا يعبدونَ الأصنام، ويذبَحون لها، فأمَره تعالى بمخالفتِهم...، والنُّسُك: الذَّبح[18]؛ قال تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنعام: 118], قال ابن كثير: (ومفهومه أنه لا يُباح ما لم يُذكَرِ اسمُ الله عليه، كما يستبيحه الكفارُ مِن أكل الميتات، وأكل ما ذُبِح على النُّصُب، وغيرها..)[19].

2- النَّذْر لغير الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [البقرة: 270]، جاء في فتح المجيد: (فهذه النذور الواقعةُ من عبَّاد القبور، تقرُّبًا بها إليهم؛ ليقضوا لهم حوائجَهم، وليشفعوا لهم - كلُّ ذلك شِرك في العبادة بلا ريب... وهذا النَّذر معصيةٌ باتفاق المسلمين، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذَر مالاً للسَّدنة، أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة..)[20].

3- الاستعاذة بغير الله تعالى، وهي الالتجاء والاعتصام؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ [الجن: 6]، جاء في فتح المجيد: )وذاك أن الرجلَ مِن العرب كان إذا أمسى بوادٍ قَفْر وخاف على نفسه، قال: أعوذ بسيدِ هذا الوادي من سفهاء قومِه، يريد كبيرَ الجن، وقد أجمع العلماءُ على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله)[21].

4- الاستغاثة بغير الله تعالى، وهي طلبُ الغوث، وإزالة الشدة؛ كالاستنصار؛ أي: طلب النصر، والاستغاثة وطلب العون، والفَرْق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثةَ لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعمُّ من الاستغاثة؛ لأنه يكونُ من المكروبِ وغيره[22]؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: 40، 41].

5- والحَلِف بغير الله تعالى شِرك: فإذا كان زعيمُ المشركين الأكبر إبليس حلَف بالله تعالى - والحلف تعظيمٌ - فقال حالفًا ومقرًّا بعزة الله تعالى: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: 82، 83]، فكيف بعباد الله المؤمنين يحلفون بغير الله؟! قال تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]، قال ابن عباس: (الأندادُ هو الشِّرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداءَ في ظُلمة الليل، وهو أن تقول: والله، وحياتك يا فلانة، وحياتي..)[23].

6- الرياء: فقد يتجنَّب المسلم ويحذَر الأمور السابقة إلا هذا النوع من الشرك، فعليه بالدعاء إلى الله تعالى بالسلامة والعافية منه، والرياء مشتقٌّ من الرُّؤية، والمراد به إظهارُ العبادة بقصدِ رؤية الناس لها، فيحمدون صاحبه، والفرق بينه وبين السُّمعة: أن الرِّياء لِما يُرى من العمل؛ كالصلاة، والسُّمعة لِما يُسمع؛ كالقراءة والوعظ والذِّكر، ويدخل في ذلك التحدُّث بما عمِله[24]؛ قال تعالى ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]، جاء في فتح المجيد: أما العملُ الصالح: فهو الخالص من الرياء، المقيَّدُ بالسُّنة[25].

وفي الدعاء: (اللهم إني أعوذُ بك أن أشركَ بك شيئًا أعلَمُه، وأستغفرُكَ لِما لا أعلَمُه..) آمين.


__________________________________
[1] السابق، ص 236، وما قبلها.
[2] السابق ص 22 - 23.
[3] انظر: معارج القبول، جزء 2، ص51.
[4] زاد المعاد، الجزء2، ص 40، المطبعة المصرية.
[5] مختار الصحاح، ص 296.
[6] ابن كثير، ص 304.
[7] القرطبي، جزء 7، ص 5319.
[8] ابن كثير، جزء1, ص 508.
[9] السابق 511.
[10] مختار الصحاح، 573.
[11] ابن كثير، الجزء الرابع، مكتبة التراث، ص 565.
[12] القرطبي، جزء 4، ص 2527.
[13] تفسير ابن كثير، جزء 4، ص 2513.
[14] القرطبي جزء 4، 2513.
[15] القرطبي جزء4،، ص 2526.
[16] القرطبي جزء 4، ص 2607.
[17] القرطبي جزء 4، ص 2607.
[18] تفسير ابن كثير، جزء 2، ص 198.
[19] السابق، ص 168.
[20] فتح المجيد، ص 162.
[21] السابق، 168.
[22] السابق، ص 170.
[23] السابق, 421.
[24] السابق ص 377.
[25] السابق، ص 378.




الساعة الآن 09:30 PM.