منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز الإيمان بالله تعالى وعدم الشرك به (6)

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













نماذج من التِّيه والضلال

الوصية الأولى: الإيمان بالله تعالى وعدم الشرك به (6)

ذلكم وصاكم به ( الوصايا العشر )






بين إبراهيم عليه السلام والنمرود:

ذكر الله سبحانه وتعالى ما جرى من نقاش بين إبراهيم صلوات الله عليه وبين الطاغية نمرود؛ فقد ادَّعى نمرود الألوهيةَ، وزعَم القدرة على كلِّ شيء، فقال له إبراهيم يبيِّنُ له قدرة الخالق الحق: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258]، فما كان من نمرود الذي تاه في الضلال والعمى إلا أن خذَله تفكيرُه، وانحط به إلى الحضيض فقال: ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258]، وبرهن على ذلك باقتراف جريمة منكَرة، فقتَل شخصًا وقال: أمَتُّه، وعفا عن آخر كان يُريد قَتْلَه وقال: أحيَيْتُه.

هذا المستوى من التفكير لا يحصُل من طفل صغير؛ لأن صاحب الفكر السليم عندما يسمع بأن الله يحيي ويميت، يتبادر إلى ذهنِه السليمِ قصةُ الحياة ابتداءً من العدم، وإيجادًا بكلمة: كن، فيكون حيًّا، وكن ميتًا فيكون ميتًا، أو تكون في القدرة على الإحياء بعد الإماتة الفعلية، كما في طلبِ إبراهيم من ربه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ [البقرة: 260].

وهكذا رأى إبراهيمُ الطيورَ التي ذبحها بيده، وخلط أجزاءها بعد تقطيعها، ثم نثَرها فوق الجبل في أماكنَ متفرقة، ثم دعاها فأحياها الله، وأتَتْه تطيرُ كما كانت من قبلُ، أما النمرود صاحب التفكير المسلوب، والتصرُّف الأحمق، فقد أراد أن يميت حيًّا، ويحيي حيًّا، فكان عُرْضةً للسخرية والضحكِ والاشمئزاز، ولما رأى إبراهيمُ مبلغَ حُمقِه، نقَله نقلة لا يستطيع أن يؤذيَ فيها أحدًا، وهي أشقُّ من الأولى، فقال له: إن اللهَ يأتي بالشمس من المشرق، فَأْتِ بها من المغرب، وهنا أُسقِط في يده، ووقَف حائرًا، فغضِب وطرَد إبراهيم، وظل في غيبوبته وسُكْرِه مع شياطينه.

فهذا نموذج على مبلغِ تفكير المشرك، إنه تفكيرٌ منحطٌّ، فبمجرد أن يكفُرَ الإنسان، أو أن يتنكرَ لخالقِه، فإن الله سبحانه وتعالى يسلبُه تفكيرَه السويَّ، فيفكر بإرادة مسلوبة، وبسطحية تدعو للسُّخرية، ويدبِّرُ للأمر فيأتي على عكس ما دبَّر وخطَّط.


فرعون وبنو إسرائيل:

أما فرعونُ فليس بأحسنَ حظًّا من نمرود، كلاهما ادَّعى الألوهية، وكلاهما وقَع في شرِّ تفكيره.

أ- أخبره الكهنة بأن مُلكَه سيقوَّض على يد رجل من بني إسرائيل سيولد في هذا العام، فماذا صنع؟ هداه تفكيرُه السقيم اللامسؤول إلى قَتْل كل مولود ذَكَر من بني إسرائيل، وهكذا يدفَع الشعبُ المقهور الثمنَ للحفاظ على عرش مَلِك طاغية يحكُمُهم، ولو كان مؤمنًا يخاف الله لَمَا فعل ذلك، ولَمَا أراق قطرة دمٍ حرَّم الله إراقتها، فكان تدبيرُ الله أقوى، فحفِظ موسى وسلَّمه، وجعَله يعيش في كنَف فرعون وفي منزله، وكانت نهاية فرعون على يد هذا النبي، ولم ينفَعْه ما دبَّر وخطَّط؛ لأن تدبيره وتخطيطه مِن عقله الضالِّ المنحرف المشركِ، ومثلُ هذا العقل لا يهدي إلى الرُّشدِ.

ب- قصته مع موسى بعد أن أصبح نبيًّا وجاءه بالبينات والمعجزات الباهرة التي تقطع بصحة نبوتِه، فلما رأى العصا تنقلب ثعبانًا، دعا إلى المنازلة علنًا أمام الناس، وهنا يقع فرعونُ في قُبْحِ تدبيرِه وتخطيطه، ويعجِزُ عقلُه عن التفكير السوي، فأي دعوةٍ علنية هذه التي فكَّر فيها الطاغية وهو يرى معجزةَ موسى الباهرة، وأي ثقةٍ هذه التي كان يثِقُ فيها بسَحَرة بلاده حتى يدعوَ إلى المنازلة أمام الملأ، إنه التفكيرُ المريض، فكيف يشرح الله قلبَه لتفكير سوي وهو الذي يحاربُ اللهَ ورسوله؟ وهو الذي جعل نفسه ندًّا لله! فكان تدبيرُه في تدميره، لقد اكتشف سحرةُ فرعون أنهم على خطأ، وأن فرعون ضالٌّ مضلٌّ، كما اكتشفوا صِدقَ دعوة موسى، وأن عصاه معجزةٌ إلهيةٌ خارقة لا يقف السِّحرُ أمامها، فلما وصَلوا إلى هذا اليقين، أعلنوا إسلامَهم أمام الملأ، فكانت التظاهرةُ التي أقامها فرعونُ صفعةً قوية له، خاب وخسر فيها أمام جنده وحَشْده وأتباعه، ونصر اللهُ موسى، فما كان منه إلا أن غضِب لخَسارته، فارتكب حماقةً أخرى من حماقات ضلاله؛ قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الأعراف: 117 - 124].

وفي سورة طه أخبَرنا الله تعالى عن موقف السَّحرة الذين عاندوا فرعون بقوة إيمانهم؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 71 - 73].

وهكذا فإن ضلالَ فرعون وكُفرَه دفَعاه إلى الجريمة، فقتَل رجالاً قالوا ربنا الله.

قوم صالحٍ وطيشُ عقولهم:

دعا صالحٌ قومَه ثمودَ إلى عبادة الله ونبذِ الشرك، وذكَّرهم بنِعَم الله عليهم، ثم برهَن لهم على صحةِ نبوته بمعجزة خارقة، وهي ناقةُ الله التي خرجت من الجبل، فكانت تشربُ ماءهم يومًا، وتعطيهم مقابله حليبًا، وتدَعُ لهم الماء يومًا، وأوصاهم صالحٌ ألا يمسوها بسوء، لكن زعماءَ القوم والمتجبرين فيهم تآمَروا على قتلِها؛ لأنها معجزة السماء، وهو لا يريدون معجزةً قائمة تزيد من عدد المؤمنين، لقد امتلأت قلوبُهم كفرًا وبُغضًا لصالحٍ وللمؤمنين، فكانوا يعاندون المؤمنين من قومِهم، ويتحدَّوْنَهم بإعلان الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [الأعراف: 75، 76].

ولم يكتفوا بهذا التحدِّي، بل هداهم فكرُهم الضال إلى قتلِ الناقة، وهو فكر مائل منحرف، لا يهدي إلى حق أو رُشد، فما لهم وللناقة، إنما الحقدُ والغيظ من نَبي الله صالح، فأرادوا أن ينتقموا من معجزة تؤيده، إنهم يعلَمون صِدقه، ولكنه العناد، والشيطان الذي زين لهم باطلهم، ومن شدة جهلهم وسوء تفكيرهم وتدبيرهم أنهم قتَلوا الناقة، ثم استعجلوا العذاب، هل هذا تفكير سوي؟! ﴿ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ [الأعراف: 77، 78]، وهكذا قادهم تفكيرُهم إلى الخطأ، فبدَلَ أن يندَموا على ما فعلوا ويطلبوا الصفح، استعجلوا العذاب، فأتاهم العذاب: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: 65].

نموذج كفَّار مكة:

لقد تخبَّطوا في ضلال وتيهٍ، فلم يُسعِفْهم ذكاؤهم المعهود، ولا قوة ذاكرتهم لاتخاذ قرار حكيم، بل إن شيطانَهم وفكرَهم الذي ضلَّ وانحرف زاد في عمايتِهم وضلالهم، ووقَفوا من الدعوة موقف المعاند، ليس معهم أدنى حق، ولا يؤيدهم منطقٌ سليم، بل قادهم فكرُهم إلى اتخاذ مواقفَ مضحكةٍ من الدعوة، ندرك من خلالها ما وصَلوا إليه من غباء في الفكر، وبُعدٍ عن التصرُّف السويِّ، فهذا الوليد بن المغيرة صاحبُ الرأي والمشورة في قريش يقترحُ أن تأخذَ موقفًا موحَّدًا من النبي صلى الله عليه وسلم في مَوسِمِ الحج، فيقول: "يا معشرَ قُرَيش، إنه قد حضر هذا المَوسِم، وإن وفودَ العرَبِ ستقدَمُ عليكم فيه، وقد سمِعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمِعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيُكذِّبَ بعضُكم بعضًا، ويردَّ قولُكم بعضُه بعضًا، قالوا: فأنت يا أبا عبدشمس، فقُلْ وأقم لنا رأيًا نقُلْ به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول: كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهَّان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سَجْعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرَفْناه، فما هو بخَنْقه ولا تخالُجِه ووسوسته، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرَفْنا الشِّعر كلَّه رَجَزَه وهزجه، وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشِّعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحرٍ، لقد رأينا السُّحَّار وسِحْرهم، فما هو بنَفْثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبدشمس؟! قال: والله إن لقولِه لحلاوةً، وإن أصله لعذق، وإن فرعَه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرِف أنه باطل، وإن أقرَبَ القول فيه لَأَنْ تقولوا: هو ساحر، جاء بقولٍ هو سِحر؛ يفرِّقُ بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته).

لقد عرَف الحق وردَّ كلَّ قول قالوه، لكنه لما أصرَّ على الضلال والكفر أصدَر حُكمًا كان قد ردَّه سابقًا، وهو السحر، فعاد حُكمه ليريَنا ضلالَ رأيِه وتيهِه.

وكان الأَولى بعد نفيِ كلِّ الصفات الشائنة أن يُنصِفَ في الحُكم، ويقول: نبي، لكن عقله الذي ركِب هواه خانه في الحُكم، فضلَّ وتاه، وقد بيَّن اللهُ في كتابه ضلالَ هذا الرجل، وفكرَه المريض بعد أن آتاه اللهُ المالَ والجاه، لكنه ضلَّ في الحُكم؛ وذلك لضلال فِكرِه وعقيدته؛ قال تعالى: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 11 - 25][1].

وهنا وقائعُ كثيرة ظهر فيها ضلال قريش، وتخبُّط عقولها في التيه، وعدم المقدرة على اتخاذ الموقف المناسب، حتى في أَحْلَك الساعات بالنسبة لها، وذلك يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكةَ بعشَرة آلاف مقاتل، أرادوا المقاومة مضيِّعين فرصةَ الأمان الممنوحة لهم؛ ((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومَن دخل المسجد فهو آمِن، ومَن أغلق عليه بابه فهو آمِن)).

ضلال اليهود في المدينة:

ورَد في كتاب سيرة النبي لابن هشام: "أن صفيةَ بنت حيي بن أخطب قالت: كنت أحَبَّ ولدِ أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسرٍ، لَم ألقَهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخَذاني دونه، قالت: فلما قدِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، ونزَل بقُباء في بني عمرو بن عوفٍ، غدا عليه أبي حُيَيُّ بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب، مغلِّسين، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيَا كالَّين كسلانين، ساقطين، يمشيانِ الهوينى، قالت: فهششْتُ إليهما كما كنت أصنعُ، فوالله ما التفتَ إليَّ واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ، قالت: وسمعتُ عمي أبا ياسرٍ يقول لأبي حُييِّ بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفُه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوتُه والله ما بقيتُ"[2].

هذا هو العقلُ الضالُّ الذي رأى أمامه الحقيقةَ، واعترف بها، ثم أراد أن يقاومَ النور والحق وهو يعلمُ - مما قرأ في التوراة - أنه ظاهرٌ منتصر، فأيُّ حُمق وأي ضلال أن يقف في وجه الدِّين الجديد الذي أخبر اللهُ عنه أنبياءه من قبلُ أنه ظاهر منتصر؟

إنه مشكلة العقل الجاحد، والفِكر المشرك الذي لم يُسعِفْ صاحبَه في الوقت المناسب، وقت الحاجة إليه، فأعماه عن طريقِ الحق والنور، ولبس عليه الأمرَ بعد معرفته ونصوعه، فسار معاندًا في طريق الضَّياع.

أما كان الواجب عليه أن يؤمن؟ وهو الذي قرأ التوراةَ، وعرف صفات النبي المرسَل، وأقسم في خَلوته مع أخيه أنه هو هو، وأنه يعرفه ويُثبِتُه، فلماذا وقَف ضده؟ إنه الضلالُ والعقل المظلم الذي خانه في الوصول إلى النورِ، وكانت عاقبةُ ذلك ذلاًّ له ولقومه، وإخراجًا لهم من المدينة مطرودين منبوذين، ثم ما لبث أن قُتِل بعد استسلام بني قريظة؛ لأنه كان السببَ في نقضِهم للعهد، وتحريضِهم على العدوان.


__________________________________
[1] سيرة النبي - ابن هشام ص283 ج1.
[2])) سيرة النبي لابن هشام ص141 ج2.



الساعة الآن 07:03 PM.