منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز من أركان العقيدة .. الإيمان بالقرآن الكريم (2)

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













من أركان العقيدة: الإيمان بالكتب

القرآن الكريم (2)





القرآن كلام الله:

القرآن كلام الله تعالى وليس بمخلوق، كما زعمت بعض الفرق، أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق جبريل عليه السلام.

أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه، وقد تكلم به الله على الحقيقة اللائقة به قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6]، والدليل على أنه منزل من عند الله قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1].

والدليل على أنه غير مخلوق، قول الله سبحانه تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54]، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الخلق غير الأمر، ولو كان الأمر يندرج تحت الخلق لذكر الله سبحانه تعالى الخلق وحده، وكونه جل شأنه يذكر الأمر بعد الخلق فهذا دليل واضح وبين على أن الأمر مغاير ومخالف للخلق.

والقرآن الكريم يندرج تحت الأمر وليس تحت الخلق، وذلك بنص كتاب الله تعالى فقد جاءت آيات كثيرة تشير إلى أن القرآن الكريم أمر الله أنزله إلى عباده، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، وقال: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطلاق: 5]، ويتضح من ذلك أن القرآن الكريم كلام الله، وصفة من صفاته، وهو الذي تولى حفظه، ولا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه.

إن من يقول بخلق القرآن الكريم فقد افترى على الله الكذب؛ فإن المخلوق له بداية ونهاية، ويأتي عليه البلى، ويجوز عليه التغيير والتحريف، ويحكم عليه بالفناء، وحاشا القرآن الكريم أن تعتريه هذه الصفات التي هي من خصائص المخلوقين[1].

ومما يدل على أن القرآن كلام الله معجز بلفظه أن كل محاولات الإتيان بمثله باءت بالفشل قديماً وحديثاً، فمنذ فترة من الزمن ظهر على (الإنترنت) كلام مسجوع من تأليف عربي لا يدين بالإسلام، يعيش في أمريكا، يحاول فيه أن يقلد النسق القرآني، من حيث تقسيم الكلام إلى عبارات مسجوعة تنتهي بحرف الميم أو النون مسبوقة بمد يائي أو واوي، وظن المسكين أنه قد أتى بما لم تستطعه الأوائل، كما قال الشاعر:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل



كما ظن أنه بعمله هذا قد أبطل التحدي الذي تحدى الله به الإنس والجن حين قال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88]، وكأنه يقول: هأنذا أنا قد أتيت بمثله! وإذاً قد أبطلت التحدي، وأبطلت دعوى الإعجاز القرآني الذي قامت عليه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.. وإذاً فالإسلام ليس من عند الله، إنما هو صناعة بشرية قام بها محمد صلى الله عليه وسلم..

ولعل المسكين لم يعلم أن مسيلمة الكذاب قد قام بمثل هذا العمل من قبل، وأتى بسجعات مثل سجعاته قال: إنها مثل القرآن.

ومر الزمن وبطلت سجعات مسيلمة، وبقي القرآن يتحدى الإنس والجن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها[2].

وللرد على مسيلمة الحديث والقديم نذكر نماذج من قرآن مسيلمة لِنُرِيَ القارئ - الكريم - هذه الأضحوكة الساذجة.

يقول مسيلمة في قرآنه: "والمبذرات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمناً، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، رفيقكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والناعي فواسوه".

ومن قرآنه: "والفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل" وكان يقول: " والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس".

وكان يقول: "يا ضفدع يا بنت الضفدعين، نقي لكم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين"، وكان يقول: "ولنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم يعتدون"[3].

وقد ذكر ابن كثير عن عمرو بن العاص أنه وفد إلى مسيلمة في أيام جاهليته، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ قال: أنزل عليه: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3]، قال: ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل عليّ مثلها، فقال له عمرو: وما هي؟ فقال مسيلمة: "يا وبر يا وبر، إنما أنت إيراد وصدر، وسائرك حفر نقر" ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب.

ومن هذا الكلام السخيف الركيك أراد مسيلمة أن يعارض كتاب الله تعالى ويحاكيه، فكان أضحوكة العالم أجمع؛ والذين اتبعوه من الأعراب إنما هو للعصبية الجاهلية كما عبر بعضهم حين قال: "كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر"[4].

مكانة القرآن في نفس المؤمن:

للقرآن في نفس المؤمن مكانة ليست لأي كتاب آخر على الإطلاق.

فالقرآن هو كلام الله المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته، وكفى بذلك تعظيماً في نفوس المؤمنين.

فالمؤمن من يعظم ربه ابتداءً؛ فيعظم من ثم كل شيء يأتيه من عند ربه، فكيف بكلام ربه المنزل، الموجه إليه ليهديه سواء السبيل، وينير قلبه وطريقه، ويهديه خير الدنيا والآخرة؟

إن الكتاب الذي يصلني من مؤلف قدير في مادته؛ يكون عزيزاً عندي بمقدار ما أعرف عن ذلك المؤلف من مكانة في العلم. فكيف بكتاب رب العالمين القادر المقتدر العليم الحكيم؟!

وإن الكتاب الذي يعطيني جزءاً صغيراً من المعلومات، وفي باب واحد من أبواب المعرفة يكون عزيزاً عندي بمقدار فائدتي منه، فكيف بالكتاب الذي يحوي الخير كله ويدل عليه؟

وإن الكتاب الذي يقدمه إليّ أستاذي، وأعلم أن قراءتي له ستزيد درجاتي عنده أكون حريصاً على قراءته بقدر ما يزيدني من درجات وعلامات، فكيف بالكتاب الذي تكون تلاوته تعبداً يرفع درجاتي عند الله؟

ولله المثل الأعلى في السموات والأرض.

إنه لا يوجد كتاب في تأريخ البشرية كله نال من المكانة في نفوس أصحابه كما نال القرآن في نفوس المؤمنين.

ولا يوجد كتاب قرئ وحفظ في تأريخ البشرية بقدر ما قرئ هذا الكتاب، ولا عجب أن سماه رب العالمين "القرآن" فهو الكتاب المقروء الذي لا تفتر قراءته في ليل أو نهار في صلاة أو ذكر أو حلقة درس أو ترتيل[5].

إن لتلاوة القرآن الكريم وحفظه وتعهده بالقراءة من الفضل ما لا يخفى، ويكفي لإثبات ذلك ما جاءت به الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة وآثار الصحابة رضوان الله عليهم:

1- فمن الآيات قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29، 30]، وقد كان قتادة ا إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراءة؛ لما أثبته لهم من الأجر العظيم والثواب المضاعف، فهم لا ينعمون بالأجر وافياً، وإنما يزيدهم الله إكراماً وفضلاً.

2- قد ربط الله تعالى بين تلاوة القرآن والإيمان به؛ فقال سبحانه تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 121] [6].

3- والقرآن زاد للمسلم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 5].

والقول الثقيل هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف.. والقرآن في مبناه ليس ثقيلاً فهو ميسر للذكر، ولكنه ثقيل في ميزان الحق، ثقيل في أثره في القلب...

إن قراءة القرآن والكون ساكن في هذا زاد لكل مسلم؛ لأن القرآن ينير القلب ويعصمه من وسوسة الشيطان ومن التيه في الظلمات في هذه الحياة[7].

أما الأحاديث في فضل قراءة القرآن فهي كثيرة جداً، نأخذ منها على سبيل المثال فقط ما يلي:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احشدوا[8]، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: إني أرى أن هذا خبراً جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله. ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني قلت لكم: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن"[9].

2- وعن أبي هريرة - أيضاً - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات[10] عظام سمان؟ قلنا: نعم، قال: ثلاث آيات يقرأ بها أحدكم في صلاة خير له من ثلاث خلفات سمان"[11].

3- وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "بينما جبريل عليه السلام جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: إن هذا الباب من السماء قد فتح، ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، قال: فإن هذا الملك قد نزل، ما نزل إلى الأرض، قال: فجاء الملك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، وقال: يا محمد، أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهن نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته"[12].

4- وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول لله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين[13]: البقرة وسورة آل عمران. فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان؛ أو كأنهما غيايتان[14]؛ أو كأنهما فرقان من طير صواف[15]، تحاجان عن أصحابهما[16]، اقرءوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها[17] البطلة"[18].

5- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"[19].

مع هذا الفضل العظيم عرف السلف رضوان الله عليهم قيمة القرآن، والأجر المترتب على تلاوته؛ فحرصوا أشد الحرص على الارتباط به ليلاً ونهاراً.

فهذا جندب رضي الله عنه يقول: "أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن؛ فإنه نور بالليل المظلم، وهدىً بالنهار، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة"[20].

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، وذلك قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ [التين: 5] ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [التين: 6] قال: الذين قرءوا القرآن"[21] [22].

قال أبو عبدالله البوشنجي في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار" والحديث صحيح[23]. قال: معناه أن من حمل القرآن وقرأه لم تمسه النار[24].

وعن عائشة ل قالت: "القرآن أكرم من أن يزيل عقول الرجال"[25].

ومن العجب أن السلف كانوا يتحدثون عن المدة التي يقرأ فيها الإنسان القرآن، أو في كم يقرأ القرآن؟ قال الإمام النووي رحمه الله: "ينبغي لحامل القرآن أن يحافظ على تلاوته، ويكثر منه ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، وقد كان للسلف منهم عادات مختلفة فيما يختمون فيه القرآن:
فكان جماعة يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال ختمة، وهذا فعل الأكثرين.. "[26].

فإذا كان هذا حال السلف في قراءتهم للقرآن ومداومتهم عليه، وحرصهم على قراءته كاملاً وختمته في مدة معينة؛ فما بالك بمن لا يقرأه إلا في رمضان، أو بمن يقرأ من الكتب الهابطة أحياناً أكثر مما يقرأ من القرآن.. وقد حدث في زماننا كثيراً، وأخشى أن ينطبق علينا قول نبينا لربه سبحانه تعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30] [27].

والهجر المقصود به هنا في ضوء ما ذكره المفسرون أن هجر القرآن له جانبان:

أحدهما: يتعلق بالقرآن دون أخذ له، وهذا صنيع الكفار والمنافقين.

الثاني: يتعلق بالقرآن بعد الإقرار بأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا صنيع بعض المسلمين الذين لا يقرءون القرآن، أو يقرءونه لا يجاوز حناجرهم، فلا يعملون به، ومن هؤلاء صنف يحفظ القرآن أو شيئاً منه ثم يهجر القراءة حتى ينسى ما قد يكون حفظه منه..

ولذلك ذكر ابن حجر أن النسيان بعد الحفظ من الكبائر، وقال بأن ذلك هو ما ذهب إليه الرافعي وغيره، ونقل عن بعض العلماء أن محل كون نسيان القرآن كبيرة عند من قال به مشروط بأن يكون عن تكاسل وتهاون، وهذا احتراز عما لو اشتغل عنه بمرض مانع من القراءة، وعدم التأثيم بالنسيان حينئذ واضح؛ لأنه مغلوب عليه لا اختيار له فيه[28].

وللأسف إن هذا القرآن يجهله أهله اليوم؛ لأنهم لا يعرفونه إلا تراتيل وترانيم وتعاويد وتهاويم؛ أو يعرفونه في افتتاحيات القنوات الفضائية.. وهذا سببه الكيد اللئيم، والجهل المزري، والفساد الشامل للفكر والقلب...

إن هذا القرآن المهجور اليوم هو بصائر تهدي، ورحمة تفيض.. لمن يؤمن به، ويغتنم هذا الخير العميم: ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 203] بصائر تكشف وتنير، وهدى يرشد ويهدي، ورحمة تغمر وتفيض لقوم يؤمنون؛ فهم الذين يجدون هذا كله في هذا القرآن الكريم..[29].

المبحث السابع: ثمرات الإيمان بالكتب:

أولاً: العلم بعناية الله تعالى وكمال رحمته حيث أنزل لكل قوم كتاباً يهديهم به، ويحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة.

ثانياً: العلم بحكمة الله تعالى في شرعه، حيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم ويلاءم أشخاصهم، كما قال سبحانه تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].

ثالثاً: شكر نعمة الله تعالى في إنزال الكتب؛ فهذه الكتب نور وهدى في الدنيا والآخرة، ومن ثم يتعين شكر الله على هذه النعم العظيمة.

رابعاً: عبادة الله على بصيرة.

خامساً: العيش مع القرآن، والتعبد بتلاوته وحفظه، والعمل به، وإقامة حدوده، وتربية النفوس بحسب أوامره وتوجيهاته[30].


___________________________________
[1] العقيدة الصافية للفرقة الناجية، سيد سعيد عبد الغني، (ص: 97-98).
[2] لا يأتون بمثله، محمد قطب، (ص: 7).
[3] إعجاز القرآن، للباقلاني، (ص: 157).
[4] انظر: البداية والنهاية لابن كثير (6/331) تحقيق د. أحمد أبو ملحم وزملاؤه.
[5] ركائز الإيمان، محمد قطب، (ص: 208).
[6] موسوعة نضرة النعيم (4/1181).
[7] في ظلال القرآن، سيد قطب، (6/3745).
[8] أي: اجتمعوا واستحضروا والناس.
[9] أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب (45) فضل القرآن حديث رقم (261) (1/557).
[10] خلفات: الخلفات الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمرها. ثم هي عشار.
[11] أخرجه مسلم في كتاب المسافرين باب (فضل قراءة القرآن) (41) (1/552) حديث رقم (250).
[12] الحديث أخرجه مسلم في كتاب المسافرين باب (43) فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (1/554) حديث رقم (254).
[13] الزهراوين: البقرة وآل عمران، سميتا بذلك لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما.
[14] كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان، قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه: سحابة وغبرة وغيرهما. قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين.
[15] الفرقان: قطيعان وجماعتان.
[16] أي: تدافعان الجحيم والزبانية. وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة.
[17] أي: لا يقدر على تحصيلها.
[18] الحديث أخرجه مسلم في كتاب المسافرين باب (42) فضل قراءة حديث رقم (252) (1/553).
[19] أخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن باب (16) فيمن قرأ حرفاً من القرآن، (5/175) حديث رقم (2910)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/9) حديث رقم (2327).
[20] موسوعة نضرة النعيم (4/1228).
[21] رواه في الترغيب والترهيب (2/355) قال المنذري: رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
[22] موسوعة نضرة النعيم (4/1228).
[23] الحديث أخرجه أحمد في مسنده (4/155).
[24] سير أعلام النبلاء (13/584).
[25] موسوعة نضرة النعيم (4/1226).
[26] صلاح الأمة في علو الهمة، د. سيد العفاني، (3/23).
[27] موسوعة نضرة النعيم، (11/5691، 5692).
[28] موسوعة نضرة النعيم (11/5691، 5692).
[29] راجع في ظلال القرآن، سيد قطب، (3/1421، 1424).
[30] انظر: مقرر التوحيد، د. عبدالعزيز العبد اللطيف، (ص: 75)، والمدخل إلى الثقافة الإسلامية، مجموعة مؤلفين، (ص:131).



الساعة الآن 11:08 AM.