منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز الإيمان بأن الله خلق الخلق لطاعته وعبادته

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع














الإيمان بأن الله خلق الخلق لطاعته وعبادته

وأنه أحصاهم وعدهم عدًّا




الإيمان بأنه خلق الخلق لطاعته وعبادته، وأنه أحصاهم وعدهم عدًّا، وأنه غني عنهم، لا يزيدون في ملكه شيئًا بطاعة، ولا ينقصون بمعصية.

والإحصاء في اللغة:
وأحْصَى الشيء: أحاط به، وفي التنزيل: ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ [الجن: 28].

والعَدَدُ في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ [الجن: 28] له معنيان؛ أحدهما: أحصى: أي أحاط علمُه بكل شيء عددًا؛ أي معدودًا، فيكون نصبه على الحال.

أحصَى كل شيء عددًا؛ أي: أحصاه إحصاء، فالعدد اسم من العد، أقيم مقام المصدر الذي هو معنى الإحصاء.

أحصى كل شيءٍ عددًا؛ أي: أحاط علمُه باستيفاء عَدَدِ كلِّ شيء، وقال الفرَّاء في قوله: ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [المزمل: 20]، قال: علم أن لنْ تحفظوا مواقيت اللَّيلِ، وقال غيره: معناه ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾؛ أي: عَلِمَ أن لن تُطيقوه، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من أحْصاها دَخلَ الجَنَّةَ)) فمعناه - والله أعلم -: من أحْصَاهَا عِلمًا، وإيمانًا بها ويقينًا بأنها صفاتُ الله جلَّ وعزَّ، ولم يُرِدِ الإحصَاءَ الذي هو العَدُّ.

قال ابن منظور:
(عدد) العَدُّ: إِحْصاءُ الشيءِ، عَدَّه يَعُدُّه عَدًّا وتَعْدادًا وعدَّةً، وعَدَّدَه، والعَدَدُ في قوله تعالى: ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ [الجن: 28] له معنيان، يكون أَحصى كل شيء معدودًا، فيكون نصبه على الحال، يقال: عددْتُ الدراهم عدًّا، وما عُدَّ فهو مَعْدود وعَدَدٌ، كما يقال: نفضت ثمر الشجر نَفْضًا، والمَنْفُوضُ نَفَضٌ، ويكون معنى قوله ﴿ أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾؛ أَي: إِحصاءً، فأَقام عددًا مقام الإِحصاء؛ لأَنه بمعناه، والاسم: العدد والعديد، وعَدَدْتُ: من الأَفعال المتعدية إلى مفعولين بعد اعتقاد حذف الوسيط، يقولون: عددْتُك المالَ، وعددْتُ لك المال، قال الفارسي: عددتك وعددت لك، ولم يذكر المال.

وفي أَسماء الله تعالى المُحْصِي هو الذي أَحْصَى كلَّ شيءٍ بِعِلْمِه، فلا يَفُوته دَقيق منها ولا جَليل، والإحْصاءُ العَدُّ والحِفْظ، وأَحْصَى الشيءَ أَحاطَ به، وفي التنزيل: ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ [الجن: 28].

أي: أَحاط علمه سبحانه باستيفاء عدد كلِّ شيء، وأَحْصَيْت الشيءَ عَدَدْته.

قال في تاج العروس:
وفى أسماء الله الحسنى: المحصي، وهو الذى أحصى كل شيء بعلمه فلا يفوته دقيق منها ولا جليل، والإحصاء: الإحاطة والإطاقة، وبه فُسِّر حديث الأسماء؛ أي: من أطاق العمل بمقتضاها.

وفي النهاية:
(حصا) في أسماء الله تعالى (المُحْصِي) هو الذي أحْصَى كل شيء بعِلْمه وأحاط به، فلا يَفُوتُه دقِيق منها ولا جَليل، والإحْصاء: العَدُّ والحفْظ.

ومنه الحديث: ((إنَّ لله تسعة وتسعين اسْمًا، من أحْصاها دخل الجنَّة)).

أي: من أحصاها عِلْمًا بها وإيمانًا، وقيل: أحْصاها؛ أي: حَفِظَها على قَلْبه، وقيل: أراد مَن استخرَجها من كتاب الله تعالى وأحاديث رسوله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَعُدَّها لهم، إلاَّ ما جاء في روايةٍ عن أبي هريرة، وتَكَلَّموا فيها، وقيل: أراد: مَن أطاق العَمَل بمقتضاها، مِثْل من يَعْلم أنه سميع بصير فيَكُفُّ لسانَه وسَمْعه عمَّا لا يجوز له، وكذلك باقي الأسماء، وقيل: أراد: من أخْطَر بِبالِه عند ذِكْرها معناها، وتَفكَّر في مَدْلولها مُعَظِّمًا لِمُسَمَّاها ومُقَدِّسًا مُعْتَبِرًا بمَعانِيها، ومُتَدَبِّرًا راغِبًا فيها وراهِبًا، وبالْجُملة: ففي كلِّ اسم يُجْرِيه على لسانه يُخْطِرُ ببالِه الوصْفَ الدَّالَّ عليه.

ومنه الحديث ((لا أُحْصِي ثَناءً عليك))؛ أي: لا أُحْصي نِعَمَك والثناءَ بها عليك، ولا أبْلغ الواجبَ فيها.

والحديث الآخر ((أكُلَّ القُرآن أحْصَيْتَ ؟))؛ أي: حَفِظْتَ.

وقوله للمرأة: ((أحْصِيها حتى نَرْجعَ))؛ أي: احْفَظيها.

ومنه الحديث ((اسْتَقِيموا وَلَنْ تُحْصُوا، واعْلَموا أنَّ خير أعْمالِكم الصَّلاة))؛ أي: اسْتَقيموا في كل شيء؛ حتى لا تَمِيلوا، ولَنْ تُطِيقوا الاستقامة، من قوله تعالى: ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ [المزمل: 20].

أي: لن تُطِيقوا عَدَّه وضَبْطَه.

قال البيهقي في الأسماء والصفات:
وإنما وقع التخصيص بذكرها؛ لأنها أشهر الأسماء وأبينُها معانيَ، وفيها ورد الخبر أن من أحصاها دخل الجنة، وفي رواية سفيان: ((من حفظها))؛ وذلك يدل على أن المراد بقوله: من أحصاها، من عدَّها، وقيل: معناه من أطاقها بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الرب بها، وقيل: معناه من عرَفها وعقل معانيها، وآمن بها، والله أعلم.

وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58].

قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ:
قوله: وقول الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].

قال شيخ الإسلام:
(العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل).

وقال أيضًا:
(العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة).

قال ابن القيم:
(ومدارها على خمس عشرة قاعدة، من كملها كمل مراتب العبودية).

وبيان ذلك: أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح، وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح.

وقال القرطبي:
"أصل العبادة التذلُّل والخضوع، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى".

ومعنى الآية: أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته؛ فهذا هو الحكمة في خلقهم.

قلت: وهي الحكمة الشرعية الدِّينية.

قال العماد ابن كثير:
"وعبادته هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام: الاستسلام لله تعالى، المتضمن غاية الانقياد والذل والخضوع"؛ انتهى.

وقال أيضًا في تفسير هذه الآية:
ومعنى الآية أن الله خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذَّبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراءُ في جميع أحوالهم، وهو خالقهم ورازقهم، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية: (إلا لآمرَهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي)، وقال مجاهد: (إلا لآمرهم وأنهاهم)، اختاره الزَّجَّاج وشيخ الإسلام، قال: ويدل على هذا قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [القيامة: 36]، قال الشافعي: لا يؤمَر ولا يُنهَى، وقال في القرآن في غير موضع: ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾ ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾، فقد أمرهم بما خُلِقُوا له، وأرسل الرسل بذلك، وهذا المعنى هو الذي قُصِد بالآية قطعًا، وهو الذي يفهمه جماهير المسلمين، ويحتجون بالآية عليه.

قال: وهذه الآية تُشْبِه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 64]، ثم قد يُطاع وقد يُعصَى، وكذلك ما خلقهم إلا لعبادته، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون، وهو سبحانه لم يقل: إنه فعل الأول: وهو خَلْقُهُم، ليفعل بهم كلِّهم الثانيَ: وهو عبادته، ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني، فيكونوا هم الفاعلين له، فيحصل لهم بفعله سعادتهم، ويحصل ما يحبه ويرضاه منه ولهم؛ انتهى.

ويشهد لهذا المعنى ما تواترت به الأحاديث.

فمنها: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها ومثلها معها أكنْتَ مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردْتُ منك أهونَ من هذا، وأنت في صلب آدم، ألاَّ تشرك - أحسبه قال: ولا أدخلك النار - فأبيْتَ إلا الشرك))، فهذا المشرك قد خالف ما أراده الله تعالى منه من توحيده، وألا يشرك به شيئًا، فخالف ما أراده الله منه، فأشرك به غيره، وهذه هي الإرادة الشرعية الدينية كما تقدَّم.

فبَيْنَ الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القَدَرية عمومٌ وخصوص مطلق، يجتمعان في حق المخلص المطيع، وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في حق العاصي؛ فافهم ذلك تنجُ من جهالات أرباب الكلام وتابعيهم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36].

الطاغوت: مشتقٌّ من الطغيان، وهو مجاوزة الحد؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الطاغوت الشيطان، وقال جابر رضي الله عنه: "الطاغوت كُهَّان كانت تنزل عليهم الشياطين"؛ رواهما ابن أبي حاتم، وقال مالك: "الطاغوت كل ما عُبِد من دون الله".

قلت: وذلك المذكور بعض أفراده، وقد حدَّه العلامة ابن القيم حدًّا جامعًا فقال: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدَّه: من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم أعرَض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته.

وأما معنى الآية فأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة من الناس رسولاً بهذه الكلمة: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]؛ أي: اعبدوا الله وحده واتركوا عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا ﴾ [البقرة: 256]، وهذا معنى (لا إله إلا الله) فإنها هي العروة الوثقى.

قال العماد ابن كثير في هذه الآية:
كلهم - أي: الرسل - يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه، فلم يزل سبحانه يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أُرْسِل إليهم، وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].

وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36].

فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 35].

فمشيئة الله تعالى الشرعيةُ عنهم منفية؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسن رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدَرًا، فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك الحجةُ البالغة والحكمة القاطعة، ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ فلهذا قال: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ [النحل: 36]؛ انتهى.

وهذه الآية تفسير الآية التي قبلها، وذلك قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ [النحل: 36]؛ فتدبر.

ودلت هذه الآية على أن الحكمة في إرسال الرسل دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين وإن اختلفت شريعتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48]، وأنه لا بد في الإيمان من عمل القلب والجوارح.

قوله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، قال مجاهد: (قضى) يعني وصَّى، وكذا قرأ أُبَيُّ بن كعب وابن مسعود وغيرهم، ولابن جرير عن ابن عباس: (وقضى ربك)، يعني: أمَر.

وقوله تعالى: ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 23] المعنى: أن تعبدوه وحده دون ما سواه، وهذا معنى: (لا إله إلا الله).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
والنفي المحض ليس توحيدًا، وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد.

وقوله: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانًا، كما قضى بعبادته وحده لا شريك له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]، ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14].

وقوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: لا تُسْمِعْهُما قولاً سيئًا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ ﴿ لا تَنْهَرْهُمَا ﴾؛ أي: لا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح: (لا تنفض يديك عليهما).

ولما نهاه عن الفعل القبيح والقول القبيح أمره بالفعل الحسن والقول الحسن فقال: ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: ليِّنًا طيِّبًا بأدب وتوقير، وقوله: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24]؛ أي: تَوَاضَعْ لهما، ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ [الإسراء: 24]؛ أي: في كِبَرِهما وعند وفاتهما، ﴿ كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].

وقد ورد في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها:
الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال: ((آمين، آمين، آمين))، فقالوا: يا رسول الله، علام أمَّنْتَ؟ قال: ((أتاني جبريل فقال: يا محمد، رَغِمَ أنف امرئ ذُكِرْتَ عنده فلم يُصَلِّ عليك، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يُغفَر له، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يُدخِلاه الجنة، قل: آمين، فقلتُ: آمين))، وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجلٍ أدرك والديه، أحدهما أو كليهما، لم يدخل الجنة))، قال العماد ابن كثير: صحيح من هذا الوجه عن أبي بَكْرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس، فقال: ألا وقولُ الزور، ألا وشَهادةُ الزور))، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت؛ رواه البخاري ومسلم، وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين))؛ رواه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم.

عن أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبَرُّهما به بعد موتهما؟ فقال: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما))؛ رواه أبو داود وابن ماجه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.

وقوله: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: 36]، قال العماد ابن كثير رحمه الله، في هذه الآية: يأمر الله تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه الخالق الرازق المتفضل على خلقه في جميع الحالات، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته؛ انتهى.

كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني، وتقدَّم أن أصله وأساسه توحيد العبادة، فلا تغفل عما تقدم.

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾؛ الآيات [الأنعام: 151].

قال العماد ابن كثير رحمه الله:
يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله: تعالوا؛ أي: هَلُمُّوا وأقبِلوا، أتلُ: أقصَّ عليكم ﴿ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ حقًّا، لا تخرُّصًا ولا ظنًّا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده، ﴿ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾، وكأنَّ في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئًا؛ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ [الأنعام: 151]، فيكون المعنى: حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به، وفي "المُغْني" لابن هشام في قوله تعالى: ﴿ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [الأنعام: 151] سبعة أقوال، أحسنها: هذا الذي ذكَره ابن كثير، ويليه: بيَّن لكم ذلك لئلا تشركوا، فحذفت الجملة من أحدهما، وهي: (وصاكم)، وحرف الجر وما قبله من الأخرى؛ ولهذا إذا سئلوا عما يقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يقول: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، كما قال أبو سفيان لهرقل، وهذا هو الذي فهمه أبو سفيان وغيرُه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: ((قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا)).

وقوله تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الأنعام: 151]، قال القرطبي: الإحسان إلى الوالدين برُّهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما، وإزالة الرِّقِّ عنهما، وترك السلطنة عليهما، و﴿ إِحْسَانًا ﴾ نصب على المصدرية، وناصبه فعل من لفظه، تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا.

وقوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153]، قال القرطبي: هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم، فإنه نهى وأمر وحذر عن اتباع غير سبيله على ما بيَّنَتْه الأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف، (أن) في موضع نصب؛ أي: أتلو أن هذا صراطي، عن الفراء والكسائي، ويجوز أن يكون خفضًا؛ أي: وصاكم به وبأن هذا صراطي، قال: والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام، (مستقيمًا) نصب على الحال، ومعناه: مستويًا قيِّمًا لا اعوجاج فيه، فأمر باتباع طريقه الذي طرَّقه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وشرَعه، ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق، فمن سلك الجادَّة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق، أفضت به إلى النار؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153]؛ انتهى.

وروى الإمام أحمد والنَّسائي والدارمي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، ثم خطَّ خطوطًا عن يمين ذلك الخط وعن شِماله، ثم قال: وهذه سبل ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ [الأنعام: 153] الآية.

وعن مجاهد: ولا تتبعوا السبل، قال: البدع والشهوات.

قال ابن القيم رحمه الله:
ولَنذكُرْ في الصراط المستقيم قولاً وجيزًا؛ فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلاً لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقَه الذي نصبه على ألسُنِ رسله، وجعله موصلاً لعبادة الله، وهو إفراده بالعبادة، وإفراد رسله بالطاعة، فلا يُشرَك به أحدٌ في عبادته، ولا يُشرَكُ برسوله صلى الله عليه وسلم أحدٌ في طاعته، فيُجَرَّدُ التوحيد، ويجرَّدُ متابعةُ الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتَمُه، فليقرأ قوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [الأنعام: 151] إلى قوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ [الأنعام: 153] الآية.

مضمون شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فأيُّ شيء فُسِّر به الصراط المستقيم فهو داخل في هذين الأصلين، ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك وتُرضِيَه بجهدِك كله، فلا يكون في قلبه موضع إلا معمور بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله، وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به، وقُلْ ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها، قال: وقال سهل بن عبدالله: (عليكم بالأثر والسُّنة؛ فإني أخاف أنه سيأتي عن قليلٍ زمانٌ إذا ذَكَرَ إنسانٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحواله ذَمُّوه ونفروا عنه وتبرؤوا منه وأذلوه وأهانوه؛ اهـ.

وعن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: ((يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذبَ من لا يشرك به شيئًا))، قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: ((لا تبشرهم فيتكلوا))؛ متفق عليه.

و(حق الله على العباد) هو ما يستحقه الله منهم من طاعته وعبادته وتوحيده وتعظيمه وخوفه ورجائه وحسن الظن به، وعليهم الإيمان والتسليم والإخلاص في كل ذلك.

و(حق العباد على الله) معناه أنه متحقق لا محالة؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاءً لهم على توحيده، وأنه منجز وعده لا محالة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: 9].

﴿ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104].

﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ [الروم: 6].

قال شيخ الإسلام:
كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاقَ مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق، إلا أنه أخبر بذلك، ووعْدُه صِدْقٌ، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقًا زائدًا على هذا، كما دل عليه الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، لكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحق، لم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه الجَبْرية والقَدَرية أتباع جهم، والقدرية النافية.

قوله: (الله ورسوله أعلم): فيه حسن الأدب من المتعلم مع من هو أعلى منزلة منه في العلم، وأنه ينبغي لمن سُئِل عمَّا لا يعلم أن يقول ذلك؛ تأدبًا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ورَدُّ العلم إلى الله جل وعلا وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يذهب للقول برأيه في تأويل أمور غاب علمها عنه؛ لكيلا يقع في الخطأ عند تفسيرها.

قوله: (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)؛ أي: التوحيد الخالص لله بعبادته وَفق ما أمر، والابتعاد عن كل ما نهى عنه وزجر، ولقد أحسن العلامة ابن القيم رحمه الله؛ حيث عرَّف العبادة بتعريفٍ جامع فقال:
وعبادةُ الرحمنِ غايةُ حبِّه
مع ذُلِّ عابده هما قطبان

وعليهما فَلَكُ العبادةِ دائرٌ
ما دار حتى قامت القطبان

ومداره بالأمر أمرِ رسولِهِ
لا بالهوى والنفس والشيطان



قوله: (ولا يشركوا به شيئًا) أي: يوحدونه بالعبادة، فلا بد من التجرد من الشرك في العبادة، من لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيًا بعبادة الله وحده، بل هو مشرك قد جعل لله ندًّا، وهذا معنى قول المصنف رحمه الله:
وفيه أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه، وفي بعض الآثار الإلهية: ((إني والجن والإنس في نبأ عظيم؛ أخْلُقُ ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكَر سواي، خيري إلى العباد نازلٌ، وشرُّهم إليَّ صاعد، أتَحَبَّبُ إليهم بالنِّعَم، ويتبغَّضُون إلي بالمعاصي)).

قوله: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا))، قال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذَّبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذَّب الله، ومن كذَّب الله فهو مشرك، وهو مثل قول القائل: ومن توضأ صحت صلاته؛ أي مع سائر الشروط؛ اهـ.

قوله: (أفلا أُبَشِّر الناس): فيه استحباب بشارة المسلم بما يَسُرُّه، وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا؛ قاله المصنف رحمه الله.

قوله: (لا تبشِّرْهم فيتكلوا)؛ أي: يعتمدوا على ذلك، فيتركوا التنافس في الأعمال، وفي رواية: (فأخبَرَ بها معاذٌ عند موته تأثُّمًا؛ أي: تحرُّجًا من الإثم)، قال الوزير أبو المظفر: (لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة، فأما الأكياس الذين إذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة، ورأوا أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة، فلا وجه لكتمانها عنهم).

وفي الباب من الفوائد غير ما تقدم:
الحث على إخلاص العبادة لله، وأنها لا تنفع مع الشرك، بل لا تسمى عبادة.
والتنبيه على عظمة حق الوالدين، وتحريم عقوقهما.
والتنبيه على عظمة الآيات المحكَمات في سورة الأنعام.
وجواز كتمان العلم للمصلحة.

المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت؛ ففيه معنى قوله: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ [البقرة: 256].

وأن الطاغوت عامٌّ في كل ما عُبِدَ من دون الله.

الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشرة مسألة بدأها الله بقوله: ﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ﴾ [الإسراء: 22]، وختمها بقوله: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 39]، ونبَّهَنا الله سبحانه على عِظَم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ﴾ [الإسراء: 39].




يتبع


وقال ابن كثير في الآية:
قول ابن كثير هذا وما بعده شرح لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾، ولا علاقة له بسورة الإسراء؛ أي: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده، ولم يُشرِكوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة، وقال زيد بن أسلم وابن إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه.

وعن ابن مسعود: لما نزلت هذه الآية قالوا: فأيُّنا لم يظلمْ نفسَهُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس بذلكم، ألم تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13])).

وساقه البخاري بسنده فقال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثني إبراهيم عن علقمة عن عبدالله رضي الله عنه، قال: لما نزلت: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: 82]، قلنا: يا رسول الله، أيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: ((ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13])).

ولأحمد بنحوه عن عبدالله قال: لما نزلت ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: 82]، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، فأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: ((إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، إنما هو الشرك)).

وعن عمر أنه فسره بالذنب، فيكون المعنى: الأمن من كل عذاب، وقال الحسن والكلبي: (أولئك لهم الأمن: في الآخرة، وهم مهتدون: في الدنيا).

قال شيخ الإسلام:
والذي شق عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط عدُمُه هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فبيَّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما دلهم على أن الشِّرك ظلم في كتاب الله، فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم؛ فإن من لم يلبِس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان من أهل الاصطفاء في قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [فاطر: 32].

وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب؛ كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8].

وقد سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أيُّنا لم يعمل سوءًا؟ فقال: ((يا أبا بكر، ألست تنْصَبُ؟ ألست تحزن؟ أليس يصيبك اللأْوَاءُ؟ فذلك ما تُجْزَوْن به))، فبيَّن أن المؤمن الذي إذا مات دخل الجنة قد يُجزَى بسيئاته في الدنيا بالمصائب، فمن سَلِمَ من أجناس الظلم الثلاثة: الشركِ، وظلمِ العباد، وظُلْمِهِ لنفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يَسْلَمْ من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء المطلق؛ بمعنى: أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى، وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه، وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إنما هو الشرك)) أنَّ من لم يشرك الشرك الأكبر يكونُ له الأمن التام والاهتداء التام؛ فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر مُعَرَّضون للخوف، لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام اللذان يكونون بهما مهتدينَ إلى الصراط المستقيم، صراطِ الذين أنعم الله عليهم من غير عذاب يحصل لهم، بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط، ومعهم أصل نعمة الله عليهم، ولا بد لهم من دخول الجنة.

وقوله: ((إنما هو الشرك)) إن أراد الأكبر، فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وُعِد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وإن كان مراده جنس الشرك، يقال: ظُلْمُ العبد نفسه، كبخله لحب المال ببعض الواجب، هو شركٌ أصغر، وحُبُّه ما يبغِضُه الله تعالى حتى يُقَدِّم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا فاته من الأمن والاهتداء بحسبه؛ ولهذا كان السلف يُدْخِلون الذنوب في هذا الشرك بهذا الاعتبار؛ انتهى ملخصًا.

وقال ابن القيم رحمه الله: قوله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]، قال الصحابة: وأيُّنا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال: ((ذلك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13])).

لما أشكل عليهم المراد بالظلم فظنوا أن ظلم النفس داخل فيه، وأن من ظلم نفسه أيَّ ظلم كان، لم يكن آمنًا ولا مهتديًا، أجابهم صلوات الله وسلامه عليه بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا - والله - هو الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل؛ فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضْعُ العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق: هما الأمن في الدنيا والآخرة، والهدى إلى الصراط المستقيم؛ فالظلم المطلق التام رافع للأمن وللاهتداء المطلق التام، ولا يمنع أن يكون الظلم مانعًا من مطلق الأمن ومطلق الهدى، فتأمله؛ فالمطلق للمطلق، والحصة للحصة.

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من شهد أنْ لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم ورُوحٌ منه، والجنَّةَ حقٌّ والنَّارَ حقٌّ، أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل))؛ أخرجه البخاري ومسلم.

قوله: (من شهد أن لا إله إلا الله)؛ أي: من تكلم بها عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها، باطنًا وظاهرًا، فلا بد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها؛ كما قال الله تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19]، وقوله: ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: 86]، أما النطق بها من غير معرفة لمعناها، ولا يقينٍ ولا عملٍ بما تقتضيه من البراءة من الشرك، وإخلاصِ القول والعملِ - قولِ القلب واللسان، وعملِ القلب والجوارح - فغير نافع بالإجماع.

قال القرطبي في المفهم على صحيح مسلم: بابٌ لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب:
هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين: إن التلفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده، بل هو مذهبٌ معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها؛ ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطل قطعًا؛ اهـ.

وفي هذا الحديث ما يدل على هذا، وهو قوله: ((من شهد))؛ فإن الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وإخلاص وصِدق.

قال النووي:
هذا حديث عظيم جليل الموقع؛ وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر صلى الله عليه وسلم في هذه الأحرف على ما يباين جميعهم؛ اهـ.

ومعنى ((لا إله إلا الله)): لا معبود بحق إلا الله، وهو في غير موضعٍ من القرآن، ويأتيك في قول البقاعي صريحًا.

قوله: ((وحده)) تأكيد للإثبات.

((لا شَرِيكَ لَهُ)) تأكيد للنفي، قاله الحافظ، كما قال تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 163]، وقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 65]، فأجابوه ردًّا عليه بقولهم: ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ [الأعراف: 70]، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [الحج: 62].

فتضمن ذلك نفيَ الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة، وإثباتها لله وحده لا شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يُبيِّن هذا ويقرِّره ويرشد إليه.

فالعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع، والتذلل رَغَبًا ورَهَبًا، وهذا كله لا يستحقه إلا الله تعالى، كما تقدم في أدلة هذا الباب وما قبله، فمن صرف من ذلك شيئًا لغير الله فقد جعله لله ندًّا، فلا ينفعه مع ذلك قول ولا عمل.

ذكر كلام العلماء في معنى (لا إله إلا الله):
قد تقدم كلام ابن عباس، وقال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) يقتضي أن يكون الشاهد عالِمًا بأنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19]، قال: واسم (الله) بعد (إلا) من حيث إنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه، قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ فإنك لما نفيت الإلهية وأثبتَّ الإيجاب لله سبحانه كنتَ ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله.

وقال ابن القيم في البدائع ردًّا لقول من قال: إن المستثنى مُخرَج من المستثنى منه، قال ابن القيم: بل هو مُخرَج من المستثنى منه وحكْمِهِ، فلا يكون داخلاً في المستثنى؛ إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: (لا إله إلا الله)؛ لأنه لم يُثبتِ الإلهية لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها له بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيته أعظمُ من دلالة قولنا: (الله إله)، ولا يستريب أحد في هذا ألبتة؛ انتهى بمعناه.

وقال أبو عبدالله القرطبي في تفسيره: (لا إله إلا الله): أي لا معبود إلا هو.

وقال الزمخشري:
الإله من أسماء الأجناس - كالرجل والفرس - يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق.

وقال شيخ الإسلام:
الإله هو المعبود المطاع؛ فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبَد، وكونه يستحق أن يُعبَد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوبَ غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألَهُهُ القلوب بحبها، وتخضع له وتذِلُّ له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده؛ ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدقَ الكلام، وكان أهلُها أهلَ الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءَه وأهلَ غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحالٍ وذوق، وإذا لم يصححها العبدُ، فالفساد لازم له في علومه وأعماله.

وقال ابن القيم:
(الإله) هو الذي تألهه القلوب محبةً وإجلالاً وإنابة، وإكرامًا وتعظيمًا وذلاًّ وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكلاً.

وقال ابن رجب:
(الإله) هو الذي يطاع فلا يعصى؛ هيبة له وإجلالاً، ومحبةً وخوفًا ورجاءً، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إلا لله عز وجل، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدْحًا في إخلاصه في قول: (لا إله إلا الله)، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.

وقال البقاعي:
(لا إله إلا الله)؛ أي: انتفى انتفاءً عظيمًا أن يكون معبودٌ بحق غير الملك الأعظم؛ فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صِرف.

وقال الطِّيبِيُّ:
(الإله) فِعَالٌ بمعنى مفعول، كالكِتاب بمعنى المكتوب، مِنْ أَلَهَ إِلَهَةً؛ أي: عَبَدَ عبادة، قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء، وإجماع منهم.

فدلت (لا إله إلا الله) على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائنًا ما كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسلُ، ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره؛ كما قال تعالى عن الجن: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾ [الجن: 1، 2]، فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرَف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك وقَبِلَه وعمل به، وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل، فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صِرف، فهي حجة عليه بلا ريب.

(لا إله إلا الله)، فإن مشركي العرب ونحوَهم جحدوا لا إله إلا الله لفظًا ومعنًى، وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظًا، وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها وهو يأْلَهُ غيرَ الله بأنواع العبادة؛ كالحب والتعظيم، والخوف والرجاء، والتوكل والدعاء، وغير ذلك من أنواع العبادة، بل زاد شركهم على شرك العرب بمراتبَ، فإن أحدهم إذا وقع في شدةٍ أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ويعتقدون أنه أسرع فَرَجًا لهم من الله، بخلاف حال المشركين الأولين؛ فإنهم كانوا يُشركون في الرخاء، وأما في الشدائد فإنما يخلصون لله وحده؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: 65] الآية.

فبهذا يتبين أن مشركي أهل هذه الأزمان أجهَلُ بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومَن قبلَهُم.

وقوله: (وأن محمدًا عبده ورسوله)؛ أي: وأشهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل، ومعنى العبد هنا المملوك العابد؛ أي: إنه مملوك لله تعالى، والعبودية الخاصة وَصْفُه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر: 36]، فأعلى مراتب العبد العبوديةُ الخاصة والرسالة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، وأما الربوبية والإلهية فهما حق الله تعالى، لا يشركه في شيء منهما ملَكٌ مقرَّب ولا نبي مرسل.

وقوله: (عبده ورسوله) أتى بهاتين الصفتين وجمعهما؛ دفعًا للإفراط والتفريط؛ فإن كثيرًا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولاً وفعلاً، وفرَّط بترك متابعته، واعتمد على الآراء المخالِفة لما جاء به، وتعسف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها، والصدوف عن الانقياد لها مع اطِّراحها؛ فإن شهادة أن محمدًا رسول الله تقتضي الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن يُعَظَّم أمره ونهيه، ولا يُقَدَّم عليه قولُ أحد كائنًا من كان؛ انتهى.

وقال تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 93 - 95].

قال ابن كثير:
أي: قد علم عَدَدَهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذَكَرِهِم وأنثاهم، وصغيرِهِم وكبيرِهِم، ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 95]؛ أي: لا ناصر له ولا مجير إلا اللهُ وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يَظلم مثقالَ ذَرَّة، ولا يظلم أحدًا.

قال القرطبي في تفسيره:
قوله تعالى: ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 95]؛ أي: واحدًا لا ناصر له، ولا مال معه لينفعه؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، فلا ينفعه إلا ما قدَّم من عمل، وقال: ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ ﴾ [مريم: 95] على اللفظ، وعلى المعنى "آتوه".

وقال البغوي في تفسيره: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: 93]؛ أي: إلا آتيه يوم القيامة ﴿ عَبْدًا ﴾ ذليلاً خاضعًا، يعني: أن الخلق كلهم عبيده، ﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴾ [مريم: 94]؛ أي: عد أنفاسهم وأيامهم وآثارهم، فلا يخفى عليه شيء، ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 95]، وحيدًا ليس معه من الدنيا شيء، وهذا قول ابن عادل في اللباب.

عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ((يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تَظَالموا، يا عبادي، كلكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستهدوني أَهْدِكُم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمتُه، فاستطعِموني أُطعِمْكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أَكْسُكم، يا عبادي، إنكم تُخطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفرْ لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقَص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيتُ كلَّ واحد مسألَتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيط إذا أُدْخِل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أوفِّيكم إياها، فمن وجد خيرًا، فليحمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومَنَّ إلا نفسه))؛ رواه مسلم.

قال النووي في شرح مسلم:
قال العلماء: معناه تقدستَ عنه وتعاليتَ، والظلم مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى، كيف يجاوزُ سبحانه حدًّا وليس فوقه من يطيعه؟! وكيف يتصرف في غير ملكه والعالَم كلُّه في مُلكه وسلطانه؟! وأصل التحريم في اللغة المنعُ، فسُمِّي تقدُّسه عن الظلم تحريمًا؛ لمشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء.

قوله تعالى: (وجعلته بينكم محرمًا، فلا تَظَالموا) هو بفتح الظَّاء مخفَّفةً؛ أي: لا تتظالموا، والمراد لا يظلمْ بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله تعالى: (يا عبادي)، (وجعلته بينكم محرمًا) زيادة تغليظ في تحريمه، قوله تعالى: (كلكم ضال إلا من هديته)، قال المازري: ظاهر هذا أنهم خُلِقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى، وفي الحديث المشهور: ((كل مولود يُولَد على الفطرة))، قال: فقد يكون المراد بالأول وصفَهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم لو تُرِكوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا، وهذا الثاني أظهرُ، وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتديَ هو من هداه الله، وبهدى الله اهتدى، وبإرادة الله تعالى ذلك، وأنه سبحانه وتعالى إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون، ولم يرِدْ هداية الآخرين، ولو أرادها لاهتدوا، خلافًا للمعتزلة في قولهم الفاسد: إنه - سبحانه وتعالى - أراد هداية الجميع جل اللهُ أن يريد ما لا يقع، أو يقع ما لا يريد.

قوله تعالى: (ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيط إذا أُدْخِل البحر)، المِخْيَطُ بكسر الميم وفتح الياء: هو الإبرة، قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه لا ينقص شيئًا أصلاً، كما قال في الحديث الآخر: ((لا يَغيضها نفقة))؛ أي: لا ينقصها نفقة؛ لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقصُ المحدودَ الفانيَ، وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه، وهما صفتان قديمتان، لا يتطرق إليهما نقص، فضربُ المثل بالمِخْيَط في البحر لأنه غاية ما يُضرَب به المثل في القلة، والمقصود التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه؛ فإن البحر من أعظم المرئيات عيانًا وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات مع أنها صقيلةٌ لا يتعلق بها ماء، والله أعلم.

قوله تعالى: (يا عبادي، إنكم تُخطئون بالليل والنهار) الرواية المشهورة: (تُخطِئون) بضم التاء، ورُويَ بفتحها وفتح الطاء، يقال: خَطِئَ يخطَأُ، إذا فعل ما يأثم به، فهو خاطئ، ومنه قوله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 97]، ويقال في الإثم أيضًا: أخطأ، فهما صحيحان، قوله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))، قال القاضي: قيل: هو على ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً حتى يسعى نورُ المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ [الأنعام: 63]؛ أي: شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((واتقوا الشحَّ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم))، قال القاضي: يحتمل أن هذا الهلاكَ هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة، وهذا الثاني أظهر، ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة، قال جماعة: الشح أشد البخل، وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور، والشح عامٌّ، وقيل: البخل في أفراد الأمور، والشح بالمال والمعروف، وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته))؛ أي: أعانه عليها، ولطف به فيها.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن فرَّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة)).

في هذا فضلُ إعانةِ المسلمِ، وتفريجِ الكرب عنه، وسترِ زلاته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها مَنْ أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته، وأما الستر المندوب إليه هنا، فالمراد به الستر على ذوي الهيئات، ونحوهم ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيُسْتَحَبُّ ألاَّ يُستَر عليه، بل تُرفَع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يُخَفْ من ذلك مفسدةٌ؛ لأن الستر على هذا يُطْمِعُه في الإيذاء والفساد، وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على مثل فِعْله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها، وهو بعدُ متلبسٌ بها، فتجب المبادرة بإنكارها عليه، ومنعِه منها على مَنْ قَدَرَ على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عَجَز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم تترتب على ذلك مفسدة، وأما جرح الرواة والشهود والأُمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغِيبة المحرَّمة، بل من النصيحة الواجبة، وهذا مجمَعٌ عليه؛ قال العلماء في القسم الأول الذي يُستَر فيه: هذا الستر مندوب، فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثَمْ بالإجماع، لكن هذا خلاف الأَوْلى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه، والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا)) إلى آخره، معناه أن هذا حقيقة المفلس، وأما من ليس له مال، ومن قل ماله، فالناس يسمونه مفلسًا، وليس هو حقيقة المفلس؛ لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما ينقطع بيَسَارٍ يحصل له بعد ذلك في حياته، وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث؛ فهو الهالك الهلاك التام، والمعدوم الإعدام، فتؤخذ حسناته لغُرَمائه، فإذا فرغت حسناته أُخِذ من سيئاتهم فوُضع عليه، ثم ألقي في النار، فتمَّت خسارته وهلاكه وإفلاسه، قال المازري: وزعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]، وهذا الاعتراض غلط منه وجهالة بيِّنَةٌ؛ لأنه إنما عوقب بفعله ووزره وظُلمه، فتوجهت عليه حقوقٌ لغرمائه، فدُفِعت إليهم من حسناته، فلما فرغت وبقيت بقيةٌ قُوبلَت على حسب ما اقتضته حكمة الله تعالى في خلقه، وعدله في عباده، فأخذ قدرها من سيئات خصومه، فوُضِع عليه، فعوقب به في النار، فحقيقة العقوبة إنما هي بسبب ظلمه، ولم يعاقب بغير جناية وظلم منه، وهذا كله مذهب أهل السنة، والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((لَتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)).

هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسُّنة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ [التكوير: 5]، وإذا ورد لفظ الشرع، ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقْلٌ ولا شرْعٌ، وجب حمله على ظاهره، قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاةُ والعقابُ والثواب، وأما القِصاص من القَرْناء للجَلْحاء، فليس هو من قصاص التكليف؛ إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاصُ مقابلةٍ، والجَلْحاء بالمد: هي الجمَّاءُ التي لا قرْنَ لها، والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله عز وجل يُمْلِي للظالِمِ، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ))، معنى يملي: يُمْهِل ويُؤَخِّر ويطيل له في المدة، وهو مشتق من الْمُلْوَة: وهي المدة والزمان بضم الميم وكسرها وفتحها، ومعنى: لم يُفلِتْه: لم يُطْلِقْه، ولم ينفلت منه، قال أهل اللغة: يقال: أفلته، أطلقه، وانفلت تخلص منه؛ انتهى.




الساعة الآن 09:44 AM.