منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز من أركان العقيدة (4)

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













من أركان العقيدة.. الإيمان بوجود الله (4)

ثمرات الإيمان بتوحيد الربوبية

توحيد العبادة أو (توحيد الألوهية)




أولاً: معنى العبادة:

العبادة لغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللاً بكثرة الوطء، وأصل العبودية: الذل والخضوع. والعبادة: الطاعة والتعبد والتنسك[1].

أما العبادة اصطلاحاً فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة[2].

وممكن أن يقال في تعريف العبادة: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، مع كمال المحبة، والذل، والخضوع، والبراءة مما ينافي ذلك ويضاده".

فيكون بذلك تعريفاً مانعاً جامعاً، وهو المختار؛ لاشتماله على المراد بالعبادة... وعلى هذا فالعبادة بهذا المفهوم هي الدين كله، فهي تشمل جميع جوانب الحياة المختلفة، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162-163].

وبهذا ندرك أن حقيقة العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين:

الأول: هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمراً ونهياً، وتحليلاً وتحريماً، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله.

فليس عبداً ولا عابداً لله من رفض الاستسلام لأمره، واستكبر عن اتباع منهجه، والانقياد لشرعه، وإن أقر بأن الله خالقه ورازقه، فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عباداً لله طائعين، فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي، بل لا بد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية، وبهذا يتحقق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5].

الثاني: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يحب الله تعالى فليس في الوجود من هو أجدر من الله بأن يُحب، فهو صاحب الفضل والإحسان، الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً، وخلق ما في السموات والأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلقه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته...

فمن عرف الله أحبه، وبقدر درجته في المعرفة تكون درجته في المحبة؛ ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس حباً لله؛ لأنه كان أعرفهم بالله، وكانت قرة عينيه في الصلاة؛ لأنها الصلة المباشرة بين قلبه وبين الله، وكان في دعائه يسأل الشوق إلى لقائه، ولذة النظر إلى وجهه سبحانه، ولما خير بين البقاء في الدنيا وبين اللحوق بربه قال: "أختار الرفيق الأعلى"[3].

إذن: لا بد في العبادة من العنصرين معاً: غاية الخضوع لله، وغاية المحبة لله...

ثانياً: أركان العبادة:

يقول ابن القيم: "العبادة تجمع أصلين - أي ركنين -: غاية الحب، وغاية الذل والخضوع.. فمن أحببته ولم تكن خاضعاً له؛ لم تكن عابداً له، ومن خضعت له بلا محبة؛ لم تكن عابداً له حتى تكون محباً خاضعاً. ومن هاهنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية؛ والمنكرون لكونه محبوباً منكرون لكونه إلهاً وإن أقروا بكونه رباً للعالمين وخالقاً لهم؛ فهذا الإقرار غاية توحيدهم؛ وهو توحيد الربوبية الذي اعترف به مشركوا العرب ولم يخرجوا به عن الشرك..[4].

ثالثاً: شروط العبادة:

للعبادة شروط أهمها ثلاثة:

الشرط الأول: صدق العزيمة:

ومعناه ترك التكاسل والتواني عن امتثال الأمر والنهي، وبذل الجهد، في أن يكون فعله مصدقاً لقوله، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2].

فهذا الفعل وهو القول بدون فعل لا يليق بالمسلم الحق العابد لله - والقرآن يستنكر هذا الفعل وهذا الخلق في صور تضخم هذا الاستنكار: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ[الصف: 3]، وهذا المقت الذي يكبر عند الله هو أكبر المقت وأشد البغض وأنكر النكر؛ وهذا في غاية التفظيع لأمر[5]؛ وبخاصة في ضمير المؤمن الحق الذي يعبد الله حق عبادته قولاً وعملاً..

الشرط الثاني: إخلاص النية لله:

وتجريدها عما سواه سبحانه، بأن لا يعبد سواه، ولا يخضع إلا له، فيكون عمله كله لله، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الأنعام: 162]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5].

الشرط الثالث: موافقة الشرع:

بأن تكون الأقوال والأعمال الظاهرة، والباطنة موافقة لما أمر الله به، أو نهى عنه، كما قال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[الشورى: 21][6].

إذن: موافقة الشرع هو التقيد بالمنهج الذي شرعه الله تعالى والتحاكم إلى كتابه العزيز؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإسلام تصديقاً بالقلب فقط دون أن يتبع هذا التصديق مدلوله العملي وهو الموافقة لشرع الله تعالى.

ولأن الإسلام لا يكون شعائر وعبادات، أو تهذيباً خلقياً وإرشاداً روحياً.. دون أن يتبع هذا كله آثاره العملية ممثلة في منهج للحياة موصول بالله الذي تتوجه إليه القلوب بالعبادات والشعائر[7].. لكن هذا كله يبقى لا قيمة له ما لم يكن موافقاً لشرع يعيشه الناس في حياتهم وانقيادهم واتباعهم..

رابعاً: أنواع العبادة:

العبادة أنواع كثيرة جداً، وهي على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: عبادات اللسان:

كالحمد لله، والشهادة، والذكر، والاستغفار، والاستغاثة، والاستجارة، والدعاء، ونحو ذلك.

المرتبة الثانية: عبادات الجوارح:

كالصلاة، والصيام، والحج، والسجود، والركوع، ونحو ذلك.

المرتبة الثالثة: عبادات القلب:

كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والخشية، والرهبة، والتوكل، ونحو ذلك.

المرتبة الرابعة: عبادات مالية:

كالصدقة والزكاة، ونحوها[8].

إذن العبادة لها أنواع كثيرة، فهي تشمل كل أنواع الطاعات الظاهرة على اللسان والجوارح، والصادرة عن القلب، كالذكر والتسبيح، والتهليل، والتكبير، وتلاوة القرآن، والصلاة والزكاة والصيام، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والرضاء بقدره، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، فهي شاملة لكل تصرفات المؤمن؛ إذا نوى بها القربة أو ما يعين عليها، حتى العادات إذا قصد بها التقوي على الطاعات كالنوم والأكل والشرب، والبيع والشراء، وطلب الرزق، والنكاح؛ فإن هذه العادات مع النية الصالحة تصير عبادات، يثاب عليها، وليست العبادة قاصرة على الشعائر التعبدية المعروفة[9].

خامساً: مفاهيم خاطئة لمفهوم العبادة:

بعض الناس لا يفهم من كلمة (العبادة) إذا ذكرت إلا الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة، ونحو ذلك من الأدعية والأذكار، ولا يحسب أن للعبادة علاقة بالأخلاق والآداب، أو النظم والقوانين، أو العادات والتقاليد.

إن عبادة الله ليست محصورة - إذن - في الصلاة والصيام والحج، وما يلحق بها من التلاوة والذكر والدعاء والاستغفار؛ كما يتبادر إلى فهم كثير من المسلمين إذا دعوا إلى عبادة الله، وكما يحسب كثير من المتدينين أنهم إذا قاموا بهذه الشعائر فقد وفوا الإلهية حقها، وقاموا بواجب العبودية لله كاملاً.

إن هذه الشعائر العظيمة والأركان الأساسية في بناء الإسلام - على منزلتها وأهميتها - إنما هي جزء من العبادة لله، وليست هي كل العبادة التي يريدها الله من عباده.

والحق أن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان، وجعلها غايته في الحياة، ومهمته في الأرض، دائرة رحبة واسعة؛ فهي تشمل شئون الإنسان كلها، وتستوعب حياته جميعاً[10]. إنها غاية الوجود الإنساني كله كما نفهم من قوله الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات: 56].

ولا أدري كيف انحسر مفهوم العبادة لدى بعض الناس - اليوم - من مفهوم شامل إلى مجرد عبادات تؤدى على نحو من الأنحاء.. كيف أمكن للمسلم أن يتصور أنه يستطيع أن يخالف تعاليم الإسلام وعبادة الله في كل شيء، فيخون أماناته كلها، فيغش ويكذب ويخون ويخدع، ويتجاوز المتاع المباح إلى المتعة المحرمة، ويقبل الذل والمهانة حرصاً على هذا المتاع.. ثم يتصور بعد ذلك أن بضع ركعات في النهار - مخلصة أو غير مخلصة، تامة أو غير تامة - يمكن أن تسقط عنه تبعاته أمام الله وتسلكه في عداد المسلمين؟! وأنه قام بالعبادة كاملة..[11].

كم تستغرق الشعائر من اليوم والليلة؟ وكم تستغرق من عمر الإنسان؟

وبقية العمر؟ وبقية الطاقة؟ وبقية الوقت أين تنفق وأين تذهب؟ تنفق في العبادة أم في غير العبادة؟ وإن كانت في غير العبادة فكيف تحقق غاية الوجود الإنساني التي حصرتها الآية: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] حصراً كاملاً في عبادة الله؟! وكيف يجوز للإنسان - من عند نفسه - أن يجعل لوجوده أو الجزء من الوجود غاية لم يأذن بها الله؟[12].

الذين حصروا مفهوم العبادة في جزء يسير من نشاط الإنسان ماذا يفعلون مع الآية ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162-163] تلك هي العبادة التي كلف بها الإنسان، تشمل الصلاة والنسك -الشعائر التعبدية- وتشمل معها كل الحياة.. هذا هو الفهم الصحيح لمفهوم العبادة...

لم تحصر العبادة قط في داخل الشعائر التعبدية، بحيث تصبح اللحظات التي يقومون فيها بأداء الشعائر التعبدية هي وحدها لحظات العبادة، وتكون بقية حياتهم (خارج العبادة)؟!

إن المفهوم الشامل للعبادة: هي تجرد كامل لله؛ بكل خالجة في القلب، وبكل حركة في الحياة، بالصلاة والاعتكاف، بالمحيا والممات، بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية؛ وبالممات وما وراءه[13].

إن العبودية الكاملة: تجمع بين الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات، فكل جزء وكل حركة وكل نشاط هو عبادة..

هذا ما فهمه المسلمون قديماً؛ إن العبادة هي كل شيء في النشاط الإنساني...

لا كما يفهمه بعض الناس اليوم حيث يتصور أنه يمكن أن يغش ويخون ويسرق ويكذب.. ثم يصلي ليشعر أنه قد قام بالعبادة..

أو حيث تتصور المسلمة أنها تستطيع أن تخالف تعاليم ربها وتخون أماناته، فتغش وتكذب وتحقد وتغتاب، وتمشي بالنميمة.. وتخرج عارية تعرض فتنتها أو متبرجة لم تحافظ على اللبس الإسلامي، فتعرض جسدها لكل عين نهمة وجسد شهواني، ثم بعد ذلك تشعر أنها إذا صلت أو صامت - والله أعلم بكيفية صلاتها وصيامها - أنها قد أدت العبادة كاملة!

إنها أفكار غريبة تلك التي تحصر العبادة في جزء بسيط من حياة الإنسان.. بل وصل الحال بالبعض أن يقول: ما للدين ونظام المجتمع، ما للدين والاقتصاد؟ ما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة؟ ما للدين والتقاليد؟ ما للدين والملبس - خاصة ملابس المرأة؟ ما للدين والفن؟ ما للدين والصحافة والإذاعة والسينما والتلفاز؟

لنأخذ بعض الأدلة والأمثلة للرد على مثل هذه الأفكار الغريبة التي حصرت مفهوم العبادة في جزء يسير من العبادة اليومية على نحو مختصر -لأن المقام ليس مقام تفصيل- على النحو الآتي:
1- قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات: 56]، إذن خلق الله الإنس والجن لا لشيء إلا لعبادته..

2- ثم إن الله - سبحانه - فرض على الناس تكاليف: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا[النساء: 36].

3- وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا[النساء: 58].

4- وقال تعالى: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 74].

5- وقال: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ[الأنفال: 60].

6- وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

7- وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].

8- وقال: ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ[الرحمن: 9].

وعشرات غيرها من التكاليف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والروحية والاعتقادية والأخلاقية...

هذا في القرآن الكريم؛ أما بالنسبة للسنة النبوية فهي - أيضاً - فرضت تكاليف ولم تحصر العبادة في جزء بسيط من حياة الإنسان، ومن ذلك:

1- قال - صلى الله عليه وسلم -: "طلب العلم فريضة..."[14].

2- وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته"[15].

3- وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"[16].

4- وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله"[17].

5- وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه عنه البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله بسبع، ونهانا عن سبع؛ أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم أو تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر[18]، وعن القسي[19]، وعن لبس الحرير، والاستبرق والديباج"[20] [21].

6- وهذه امرأة كانت تصرع وتتكشف فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت: "إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها". ففي هذا الحديث بين النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه المرأة أن صبرها على المرض هو نوع من العبادة؛ فاختارت الصبر على هذا المرض؛ لكنها طلبت من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا تتكشف، لأن التكشف مسألة شرعية، فدعا لها أن لا تتكشف.. حتى المرض عندما يصبر المسلم ويحتسب يعتبر ذلك جزءاً من العبادة يُثابُ عليه المسلم... ولذلك قال عطاء بن أبي رباح: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء.. وذكر الحديث[22].

7- اشتد الفقر برجل وزوجته، فقال لها: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي المحتاجين، فهلا سألناه أن يعطينا من المال الذي بين يديه؟ فقالت له: تريد أن تشكو الله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصبرت وصبر.

8- مر عمر رضي الله عنه وهو يعس ليلاً - يتفقد أحوال رعيته - ببيت سمع فيه بكاء صبية صغار، فدخل فوجد امرأة تضع قدراً على النار تحركه، وحولها صبية يتضاغون، فسألها: ما يبكي الصبية؟ قالت: الجوع. قال: وما هذه القدر؟ قالت: أضع فيه حصوات أقلبها حتى ينام الصبية، فإنه لا طعام لدينا، وعمر لا يأبه بنا، وهي لا تعرف أنه عمر، فقال لها: وما يدري عمر بك؟ قالت: وفيم إذن تولى أمر المسلمين؟ فبكى عمر، وذهب إلى بيت المال، ومعه تابعه، فحمل دقيقاً وسمناً، وعاد إلى بيت المرأة، فيقول له تابعه: دعني أحمل عنك يا أمير المؤمنين! فيقول: ومن يحمل عني يوم القيامة! ثم يضع الدقيق والسمن في القدر، وينضج النار حتى يتخلل الدخان لحيته الكثيفة.. ولا يغادر المكان حتى يرى الصبية قد أكلوا وشبعوا وناموا.

9- لبس أحد المجاهدين زرد الحرب استعداداً للمعركة، فقال له صاحبه: إن هناك ثلمة في الزرد عند العنق يخشى أن ينفذ منها السهم، فقال لصاحبه باسماً: إني لكريم على الله إن أصبت في هذا الموضع! ودخل المعركة، فأصابه سهم في الثلمة، فأكرمه الله بالشهادة..

وفي هذه الأمثلة الواضحة الساطعة رد على أولئك الذين يريدون أن يحصروا العبادة في جزء بسيط من حياة الإنسان.

إذن لا يمكن بداهة أن تنحصر العبادة في الشعائر التعبدية وحدها، كما ظن بعض المسلمين -اليوم- لكن العبادة هي مفهوم شامل واسع؛ وهذا ما دلت عليه الآيتان الكريمتان: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات: 56]، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162-163]..

هكذا فهم المسلمون الأوائل معنى العبادة كما فرضها الله..

كان إحساس المسلم في تلك الأجيال أنه يقوم بواجبه في سبيل الله كإحساسه بواجبه في الصلاة، هنا يعبد الله وهناك يعبد الله؛ ولا تغني إحدى العبادتين عن الأخرى؛ لأن كلاً منهما -بمفردها- لا تحقق المعنى الكامل للعبادة التي يريدها الله..[23].


يتبع




[1] لسان العرب، مادة (عبد) (9/11) والمعجم الوسيط، مادة (عبد) (ص:579).
[2] انظر: العبودية لابن تيمية، (ص:31).
[3] راجع العبودية، لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموعة التوحيد، (2/ 454).
[4] مدارج السالكين، (1/85).
[5] انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، (6/3552).
[6] أعلام السنة المنشورة، حافظ حكمي، (ص:7).
[7] انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، (1/423).
[8] المدخل لدراسة العقيدة، د. إبراهيم البريكان، (ص:141).
[9] عقيدة التوحيد، د. صالح الفوزان، (ص:66).
[10] العبادة في الإسلام، د. يوسف القرضاوي، (ص:52).
[11] راجع: هل نحن مسلمون، محمد قطب، (ص:10) وما بعدها.
[12] انظر: مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، (ص:175).
[13] انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، (3/124).
[14] أخرجه ابن ماجه في المقدمة باب (17) طلب العلم.. وضعفه النووي، لكن تلميذه جمال الدين المزي قال: إن طرقه تبلغ رتبة الحسن، ووافقه السيوطي، (راجع صحيح ابن ماجه (1/81) باب (17) حديث رقم (224)، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، (1/44) حديث رقم (183).
[15] أخرجه الترمذي في كتاب الديات باب (14) ما جاء في النهي عن المثلة، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح (4/22)، وأخرجه النسائي في كتاب الضحايا باب (37) حسن الذبح، (7/229)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/59) حديث رقم (1137).
[16] أخرجه البخاري في كتاب الوصايا باب (23) وابتلوا اليتامى...(3/195)، ومسلم في كتاب الإيمان باب (38) بيان الكبائر، (1/92) حديث رقم (145).
[17] أخرجه مسلم في كتاب الأشربة باب (13) آداب الطعام (2/1598)، حديث رقم (105).
[18] قال العلماء: المياثر جمع مئثرة وهو وطاء كان النساء يضعنه لأزواجهن على السروج، وكان من مراكب العجم، ويكون من الحرير والصوف، وقيل: أغشية للسروج تتخذ من الحرير، وقيل: سروج الديباج، وقيل: كل شيء كالفراش الصغير تتخذ من حرير. (راجع النووي بشرح مسلم كتاب اللباس والزينة حديث رقم (3).
[19] القسي: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس وهو وموضع ببلاد مصر.
[20] الحديث أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب (2) الأمر باتباع (2/70)، ومسلم في كتاب اللباس والزينة باب (2) تحريم استعمال... (2/1635) حديث رقم (3).
[21] راجع: مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، (ص:186) وما بعدها.
[22] الحديث أخرجه البخاري في كتاب المرض باب (6) فضل من يصرع.. (7/4).
[23] انظر: مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، (ص:190). وما بعدها.




الساعة الآن 11:35 AM.