منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز ملازمة التوبة الصادقة وكثرة الاستغفار

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













ملازمة التوبة الصادقة وكثرة الاستغفار




خطر الذنوب ووجوب التوبة النصوح:

من أعلام الهداية على الطريق للسائرين، والمشتاقين إلى الجنة ونعيمها وأحوالهم: مداومتُهم على التوبة الصادقة، وكثرة الاستغفار؛ فالذنوب والمعاصي هي أسرع طريقٍ لإهلاك العباد والحرث والنسل، والذنوب قاطعة للطريق بين العبد المؤمن وبين الوصول إلى مراده ومُنَاه، والإنسان في هذه الدنيا كثيرُ الغفلة والخطأ، والشيطان والنَّفْس الأمَّارة بالسوء والهوى والغفلة كلها قواطعُ سبيل المرء عن الوصول إلى الجنة، فكم أهلكت أممًا صريعة القبور، وكم أورثت ناسًا غوائلَ الفتن والشرور، وما حالُ قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وهامان وأمثالِهم منا ببعيدٍ.

كما أن مقارفةَ الذنوب من أشدِّ ما يحجب السالكَ عن الله تعالى ورحمته، وتوفيقه وهدايته؛ لأنها تستوجب له غضب الله وعقوبته له؛ ولهذا فإن أعظم طريق للتخلص منها دائمًا يكون بالاستعانة بتقوى الله تعالى في الظاهر والباطن، وملازمة التوبة في كل حين، وقد أمَرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالتوبة والإنابة والاستغفار دائمًا؛ قال ابن القيم: "ومَنزِل التوبة أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقها العبدُ السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزلٍ آخَرَ ارتحل به واستصحبه معه، ونزل به؛ فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وقد قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]".

وقد تظاهرت دلائلُ الكتاب، والسنَّة، وإجماع الأمة على وجوب التوبة والاستغفار؛ قال الله تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وقال تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ [هود: 3]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8].

والتوبة النصوح - كما قال الإمام الشوكاني - هي التي: تنصَحُ صاحبها بتَرْك العَود إلى ما تاب عنه، وُصِفت بذلك على الإسناد المجازي، وهو في الأصل وصف للتائبين أن ينصحوا بالتوبة أنفسَهم، بالعزمِ على التَّرك للذنب، وترك المعاودة له، والتوبة فرض على الأعيان.

وقال قتادة: التوبة النصوح:
الصادقة، وقيل: الخالصة، وقال الحسن: التوبة النصوح أن يُبغِض الذنبَ الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره.

وقال الكلبي: التوبة النصوح: الندمُ بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والاطمئنان على ألا يعود.

وقال ابن سعدي: قد أمَر الله بالتوبة النصوحِ في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المُؤمِنون يوم القيامة بنُور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتَّعون برَوحه وراحته، ويُشفقون إذا طُفئت الأنوار، التي لا تُعطَى المنافقين، ويسألون الله أن يُتْمِمَ لهم نورهم، فيستجيب الله دعوتهم، ويوصلهم ما معهم من النُّور واليقين إلى جنات النعيم، وجِوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح، والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها، التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقُرْب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله.

وقال ابن القيم: النُّصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: تعميم الذنوب واستغراقها بها؛ بحيث لا تدع ذنبًا إلا تناوَلَتْه.

الثاني: إجماع العَزْم والصدق بكُلِّيته عليها؛ بحيث لا يبقى عنده تردُّد ولا تلوُّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كلَّ إرادته وعزيمته مبادرًا بها.

الثالث: تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده، لا كمن يتوبُ لحِفظ حاجته وحُرمته ومنصبه ورياسته، أو لحفظ وقته وماله، أو استدعاء حَمْد الناس، أو الهرب من ذمِّهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاءُ، أو لقضاء نهمته من الدنيا، أو لإفلاسه وعجزِه، ونحو ذلك من العلل التي تقدَحُ في صحتِها وخلوصِها لله عز وجل.

فالأول: يتعلق بما يتوب منه، والأوسط: يتعلق بذاتِ التائب، والثالث: يتعلق بمن يتوبُ إليه، فنصح التوبة: الصدقُ فيها، والإخلاص، وتعميمُ الذُّنوب بها، ولا ريب أن هذه التوبةَ تستلزم الاستغفارَ وتتضمَّنُه، وتمحو جميع الذنوب، وهي أكملُ ما يكون من التوبة.

الاستغفار فوائد وتربية:
كما أن الاستغفار والمداومة عليه من موجبات التوبة ومغفرة الذنوب، والتائب الصادق يخلص نفسه دائمًا، إما بالتوبة من ذنبٍ وقَع فيه، وزلَّت قدمُه، فيكون - كما سبق - بالندمِ والإقلاع والصدق وغيره، وإما بملازمة الاستغفار وجرَيانه على قلبه ولسانه؛ لأن الاستغفار في ذاته توبة ورجوع، وطلبٌ للغفران الدائم من الله تعالى.

وكفى بملازمة الاستغفار وكثرتِه تهذيبًا وتنقيحًا للسائر إلى الله تعالى؛ لأن ملازمةَ الاستغفار تُورِث الصادقَ المستغفر عدةَ أمور جليلة، نذكر منها:
الأول: إظهار فقره الدائم لله رب العالمين، في كل وقت من أوقاته، وذرَّة من ذراته؛ فالله هو الربُّ الغنيُّ المالك، المدبر لكل شؤون العباد والخَلق، وكلنا محتاج وفقير إليه، والاستغفار هو نوعٌ من الافتقار إليه بطلب العفوِ عن الزَّلل منه، وستر القبيح من الفِعال والأحوال، وهذا السِّتر والغفران والعفو لا يقدِر عليه إلا الله، فليس لنا من إله سواه يغفر ويعفو ويصفح، سبحانه وبحمده.

الثاني: البصيرة في الإيمان، والعلم والعمل وسائر الأمور؛ لأن الذنوبَ حجاب عن نور الله وهُداه، وحجاب عن رؤيةِ الخير والإيمان، والاستغفار لا ريبَ هو دواء الذنوب وعلاجُها، ونور القلوب وجلاؤها من الرَّان والغفلة والهوى، فبِهِ يستعين التائب بالله، وبه تزول القواطع والأكدار؛ فالاستغفار يورِثُ المستغفرَ البصيرةَ والهدى؛ فهو على نور من ربه، بل ويفتح الله له في العلم ما لم يفتح به من قبلُ لولا استغفاره، كما ذُكِر عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان إذا أغلق عليه مسألة، قام يستغفرُ ويُكثر منه، ويعفِّر وجهه بالتراب حتى يفتح الله له.

الثالث: فتح أبواب الرزق والعلم وكنوز الأخلاق له؛ لأن الاستغفار وإن كان توبةً، فهو في ذاته استعانةٌ بالله من العبد على إصلاح أحواله وأعماله، وقلبه وجوارحه، ومتى استعان العبد بالله صدقًا، أعانه الله حقًّا وفضلاً، وجاء في الحديث أن الاستغفار يرفَع الهمومَ والغموم، ويُذهِب الضوائق والشدائد، ويأتي بالفرج؛ لأنه نوع استعانة بالله تعالى، وإن كان في الحديث نوعُ ضعف، إلا أن عموم الأدلة الأخرى يدل عليه.

الرابع: أن يُكتَب العبدُ المستغفر من الذاكرين؛ لأن الاستغفار ضرب من ذكر الله تعالى، والتعلق به في كل حال وعمل، وكفى بهذا عند الله تعالى رِفعة للمستغفر؛ أن يُكتَب مع الذاكرين لله ربِّ العالمين، وتعرِفه الملائكة الكرام بكثرة ما يكتبون له من الذِّكر والتوبة والاستغفار، ويحبُّون منه ذلك على جميع أحواله وعباداته.

وهذه الأمور - وغيرها من الفوائد التي لم نذكرها - تدل على أن الغافلَ عن الاستغفار في حاله وطلبه للآخرة، إنما هو مقطوعٌ عن الله، مقطوع عن البصيرة والهدى، مقطوع عن أسباب الرِّزق وطلبِ العلم النافع، مقطوع عن الذِّكر والذاكرين؛ ولهذا فهو يشبه الميت وإن كان حيًّا يمشى بين الأحياء، وهذا لا يصح أن يكون حالَ التائب أو طالب الآخرة والجنة؛ ولهذا جاء في السنة الصحيحة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: ((والله إني لأستغفر اللهَ وأتوب إليه في اليوم أكثرَ من سبعين مرةً))؛ رواه البخاري، وعن الأغرِّ بن يَسَار المُزَنيِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوبُ في اليوم مائة مرةٍ))؛ رواه مسلم.

فهذا أمرُ رسول الله وحاله، من ملازمة الذكر والتوبة والاستغفار عشرات المرات في اليوم، وهو الذي قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، فكيف بحال مُريد المغفرة والهداية في سلوكه وسبيله إلى الله والدار الآخرة؟! ولا عجب إذا استقام حالُه بالتوبة والاستغفار أن يفرَحَ اللهُ به، ويُقبِل عليه، ويحبه ويُبصِّره ويهديه.

كما جاء عن أبي حمزة أنس بن مالكٍ الأنصاري خادمِ رسول الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَلَّهُ أفرحُ بتوبة عبده مِن أحدكم سقط على بعيره وقد أضلَّه في أرضٍ فلاةٍ))؛ متفقٌ عليه.

وفي رواية لمسلمٍ: ((لَلَّهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ، فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابه فأيِس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظِلِّها، وقد أيِس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخِطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطَأَ من شِدَّة الفرح)).

وعن أبي موسى عبدالله بن قيسٍ الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يَبسُطُ يده بالليل ليتوبَ مسيءُ النهار، ويبسط يدَه بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها))؛ رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تاب قبل أن تطلُعَ الشمس من مغرِبِها، تاب الله عليه))؛ رواه مسلم.

شروط التوبة:
فإذا وقعت التوبةُ والإنابة من صاحبها، فلا تتم على كمالها وأحسنِ حالها إلا بشروطها المتمِّمة لصحتها وقبولها؛ كما قال الإمام النووي - رحمه الله -: "قال العلماء: التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدميٍّ، فلها ثلاثة شروطٍ:
أحدها: أن يقلع عن المعصية.
والثاني: أن يندم على فعلها.
والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبدًا، فإن فُقِد أحدُ الثلاثة، لم تصحَّ توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍّ، فشروطها أربعةٌ: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حقِّ صاحبها؛ فإن كانت مالاً أو نحوه، ردَّه إليه، وإن كانت حدَّ قذفٍ ونحوه، مكَّنه منه أو طلَبَ عفوَه، وإن كانت غِيبةً، استحله منها، ويجب أن يتوبَ من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها، صحَّتْ توبتُه عند أهلِّ الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي".

المسارعة بالتوبة طريق الصادقين:
فطالِبُ الآخرة والجنة لا تغفُلُ نفسُه عن أمر التوبة والإنابة، وكثرة الاستغفار وجريانه على اللسان والقلب؛ لأنه لا يدري متى تأتيه منيَّتُه، أو تنزل نفسُه وجوارحه منازل القبر والآخرة، فربما خرجتْ رُوحه وهو مقيم على العصيان والذنوب.

كما قال ابن الجوزي - رحمه الله - في صيد الخاطر: "الواجب على العاقل أخذُ العُدَّة لرحيله؛ فإنه لا يعلم متى يَفْجَؤُه أمرُ ربه، ولا يدري متى يستدعى؟ وإني رأيت خلقًا كثيرًا غرَّهم الشباب ونَسُوا فَقْدَ الأقران، وألهاهم طول الأمل، وربما قال العالِم المحض لنفسه: أشتغِلُ بالعلم اليوم ثم أعمل به غدًا، فيتساهل في الزَّلل بحجة الراحة، ويؤخِّر الأُهْبة لتحقيق التوبة، ولا يتحاشى من غِيبة أو سماعها، ومِن كَسْب شبهة يأمُل أن يمحوَها بالورع، وينسى أن الموت قد يبغت؛ فالعاقل من أعطى كل لحظة حقَّها من الواجب عليه، فإن بغَته الموت رُئِي مستعدًّا، وإن نال الأمل ازداد خيرًا".

وكان أبو علي الروذباري يقول: مِن الاغترار أن تسيء، فيحسن إليك، فتترك التوبة، توهُّمًا أنك تسامح في العقوبات...!

وقال ابن الجوزي: ".. التسويف بالتوبة، فلو حضر العقل لحذِر من آفات التأخير، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة، والعجب ممن يجوز سلب رُوحه قبل مضي ساعة ولا يعمل على الحزم، غيرَ أن الهوى يطيل الأمد، وقد قال صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم: ((صلِّ صلاةَ مودِّع))، وهذا نهاية الدواء لهذا الداء؛ فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى صلاةٍ أخرى جدَّ واجتهد".

الخوف من الذنوب بعد التوبة:
كما أن التائب الصادق لا يقف عند حدِّ التوبة فحسب، وأن الله قد غفَر له وعفا عنه، بل من معاني التوبة الخفية على النفس أن يظل خائفًا من ذنبه وجِلاً؛ حتى لا تخدَعَه نفسه الأمَّارة بالسوء بأنه قد غُفر له ما سلف، فتحمله بإيحاءٍ خفي على مقارَفة الذَّنب بعد الذنب.

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: "ينبغي للعاقل أن يكونَ على خوف من ذنوبِه وإن تاب منها وبكى عليها، وإني رأيتُ أكثرَ الناس قد سكنوا إلى قَبول التوبة، وكأنهم قد قَطَعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غُفِرت بقي الخجَلُ مِن فِعلها.

ويؤيد الخوفَ بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدمَ عليه السلام فيقولون: اشفع لنا، فيقول: ذنبي، وإلى نوح عليه السلام فيقول: ذنبي، وإلى إبراهيم، وإلى موسى، وإلى عيسى - صلوات الله وسلامه عليهم - فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبَهم لم يكن أكثرُها ذنوبًا حقيقية، ثم إنْ كانت، فقد تابوا منها واعتذَروا، وهم بعدُ على خوف منها.

ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع، وما أحسنَ ما قال الفضيلُ بن عياض - رحمه الله -: واسوءتاه منك وإن عفوتَ، فأُفٍّ - واللهِ - لمختار الذنوب ومؤثِرِ لذةِ لحظةٍ تبقى حسرةً لا تزول عن قلب المؤمن وإن غفر له؛ فالحذَرَ الحذر من كل ما يوجب خجلاً، وهذا أمر قل أن ينظرَ فيه تائب أو زاهد؛ لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة، وما ذكرته يوجب دوام الحذَرِ والخجل".

وقريب من هذا المعنى في الخوف والوجل قولُ الله تعالى عن أهل الجنة وحالهم فيها: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: 25 - 28].

وكذلك قوله تعالى عن أهل الإيمان وحالهم وخوفهم: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 58 - 61]، وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيةِ فقلت: أهم الذين يشرَبون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: ((لا يا بنت الصِّدِّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلُّون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم، ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61])).

قال ابن القيم - رحمه الله -: "والله سبحانه وصَف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصَف الأشقياء بالإساءة مع الأمن، ومن تأمَّل أحوال الصحابة رضي الله عنهم، وجَدهم في غايةِ العمل مع غاية الخوف، ونحن جمَعْنا بين التقصير - بل التفريط - والأمن، فهذا الصِّدِّيق يقول: "وددت أني شعرة في جنب عبدٍ مؤمن"؛ ذكَره أحمد عنه، وذكر عنه أيضًا أنه كان يُمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني المواردَ، وكان يبكي كثيرًا ويقول: ابكوا، فإن لم تبكُوا فتباكَوْا، وكان إذا قام إلى الصلاة، كأنه عودٌ من خشية الله عز وجل، وأتي بطائر فقلبه ثم قال: ما صِيدَ من صَيد، ولا قطعت من شجرة، إلا بما ضيعت من التسبيح، فلما احتُضِر قال لعائشة: يا بنية، إني أصبتُ من مال المسلمين هذه العباءةَ، وهذه الحلاب، وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب، وقال: والله لوددتُ أني كنت هذه الشجرة تُؤكَل وتُعضَد، وقال قتادة: بلَغني أن أبا بكر قال: "ليتني خَضِرة تأكُلُني الدواب".

كما ذكر ابن القيم آثارًا أخرى، لم أقِفْ على تخريجها، فقال: وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى قوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور: 7]، فبكى واشتدَّ بكاؤه حتى مرِض وعادُوه، وقال لابنه وهو في الموت: وَيْحك! ضَعْ خدي على الأرض عساه أن يرحَمَني، ثم قال: بل ويل أمي إن لم يغفرِ الله لي ثلاثًا، ثم قَضَى، وكان يمر بالآية في وِرده بالليل فتُخِيفه، فيبقى في البيت أيامًا يُعاد، يحسَبونه مريضًا، وكان في وجهه رضي الله عنه خطَّانِ أسودان من البكاء، وقال له ابنُ عباس: مصَّر الله بك الأمصارَ، وفتَح بك الفتوح، وفعل، فقال: وددتُ أني أنجو لا أجرَ ولا وِزر.

وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل دموعه لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يُؤمَر بي، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلَمَ إلى أيتهما أصير، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه، وكان يشتدُّ خوفُه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى؛ قال: فأما طول الأمل، فيُنسي الآخرة، وأما اتباع الهوى، فيصدُّ عن الحق، ألاَ وإن الدنيا قد ولت مُدبِرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بَنُونَ؛ فكونوا من أبناء الآخرةِ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.

وهذا أبو الدرداء كان يقول: إن أشدَّ ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء، قد علِمتَ، فكيف عمِلتَ فيما علِمْتَ؟ وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقُون بعد الموت، لَمَا أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا دخلتم بيتًا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعيدِ تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددتُ أني شجرةٌ تُعضَد ثم تؤكل.

وهذا عبدالله بن عباس كان أسفَل عينيه مثل الشِّراك البالي من الدموع.

وكان أبو ذرٍّ يقول: يا ليتني كنت شجرةً تُعضَد، وودت أني لم أُخلَق، وعُرِضت عليه النفقة فقال: عندنا عنز نحلبها، وحُمُر ننقل عليها، ومحرَّر يخدُمنا، وفضل عباءة، وإني أخاف الحساب فيها.

وقرأ تميمٌ الداري ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [الجاثية: 21]، جعَل يردِّدها ويبكي حتى أصبح.

وقال أبو عبيدة بن الجراح: وددتُ أني كبشٌ فذبَحني أهلي، وأكَلوا لحمي، وحسَوْا مَرَقي، وهذا باب يطول تتبُّعُه، قال البخاري في صحيحه: "باب خوف المؤمن أن يحبَطَ عملُه وهو لا يشعر، وقال إبراهيم التيمي: ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذبًا، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثينَ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النِّفاقَ على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه على إيمانِ جبريل وميكائيل، ويُذكَر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمنٌ، ولا أمِنه إلا منافق".

وكان عمرُ بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشُدُك الله، هل سماني لك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني في المنافقين، فيقول: لا، ولا أزكِّي بعدك أحدًا، فسمعت شيخنا يقول: مراده: إني لا أبرئ غيرَك من النفاق، بل المراد: لا أفتح على نفسي هذا البابَ، فكل من سألني: هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأُزكِّيه.

قلت: وقريبٌ من هذا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله أن يدعوَ له أن يكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب: ((سبَقك بها عكَّاشة))، ولم يُرِدْ أن عكَّاشة وحده أحقُّ بذلك ممن عداه من الصحابة، ولكن لو دعا لقام آخرُ وآخر وانفتح الباب، وربما قام من لم يستحقَّ أن يكون منهم، فكان الإمساكُ أولى، والله أعلم.









الساعة الآن 12:43 PM.