منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز المذهب السلفي في تجريد العلو من الاستقرار

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













المذهب السلفي في تجريد العلو من الاستقرار



قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، وقال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ينزلُ ربُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟))؛ صحيح الجامع.

الأدلة السابقة - وغيرها الكثير - تدل دلالةً قاطعة على أن الله تعالى فوق العرش في السماء السابعة بذاته العليَّة، ومع ذلك فهو قريب منا ومعنا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وعلوه لا ينافي دنوه وقربه، هو الظاهر لا شيء فوقه، وهو الباطن لا شيء دونه، وهو الأول لا شيء قبله، وهو الآخر لا شيء بعده، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ويقول: ((مَن يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟))، نزولاً يليق بذاته العلية، لا يشبه نزول المخلوقات، ولا تشبهه المخلوقات في نزولها، يبقى عليًّا بذاته الشريفة رغم نزوله، ولا ينفكّ علوُّه على خلقه طرفةَ عين، وصفة العلوِّ ثابتة لله في الكتاب والسنة، بل هي دليل على إيمان صاحبها؛ كما شهِد رسول الله للجارية بالإيمان عندما سألها: ((أين الله؟))، فقالت: في السماء؛ كما في صحيح مسلم، فقال لها: ((مَن أنا؟))، قالت: أنت رسول الله، قال: ((أعتقها؛ فإنها مؤمنة)).

هذا هو الحق في مسألة العلو، وهذا هو مذهب الصحابة الكرام ومَن سار على منهجهم بالدليل والبرهان، وثبت عن السلف رضي الله عنهم تفسير (الاستواء) بالعلو والارتفاع، مع التنبيه الشديد على أنه علو وارتفاع مجرَّد عن المكان والاستقرار ونحوهما؛ لأن الله جل في علاه لا يحتاج إلى شيءٍ ليستقر عليه، ألا ترى أن السماء فوق الأرض ومستعلية عليها وهي غير مستقرة عليها ولا بحاجة إليها؛ فالله تعالى أولى بألا يلزم من استعلائه على المخلوقات كلِّها استقرارُه عليها، أو حاجته إليها سبحانه، وهو الغني عن العالمين، وقد خالف أهلُ البدع والأهواء مذهب السلف وفسَّروا الاستواء بالاستيلاء، وهذا باطل؛ لأن العرش لم يخرج عن مُلكِ الله طرفةَ عين حتى يستولِيَ عليه الله، وبعضُهم اعتمد على حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أوَّل قولَه تعالى ﴿ اسْتَوَى ﴾ بقوله: ((استولى عليه))، وهو حديثٌ لا يصح؛ كما بيَّن ذلك العلامة الألباني.

قال الألباني:

(وإن من عجيب أمرِ هؤلاء المعطِّلة النفاة لعلو الله على عرشِه أنهم يتوهَّمون من إثبات العلو إثبات المكان لله عز وجل، وهذا مما يدل على بالغ جهلهم؛ لأن الله تعالى كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة والسموات والأرض وما بينهما، وقد صحَّ في المعقول، وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل في مكان، كما قال حافظ الأندلس ابن عبدالبر رحمه الله في التمهيد (7/135، 136)، فهو تعالى ليس في مكانٍ أزلاً وأبدًا، ومع هذا الجهل البالغ فقد وقعوا فيما منه فرُّوا، لقد فروا مما توهَّموه ضلالاً، وهو الحق يقينًا، أن الله فوق المخلوقات كلها، ومنها الأمكنة، فوقعوا في الضلال الأكبر حين قالوا: إنه في كل مكان، وافترى بعض الإباضية في ذلك حديثًا نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم)؛ انتهى.

لا خلاف بين المسلمين جميعًا أن الله تعالى كان ولا شيء معه، لا عرش، ولا كرسي، ولا سماء، ولا أرض، ثم خلق الله تعالى الخلق؛ كما في حديث عمران بن حصين المروي في صحيح البخاري: أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن العرش وعما خلق الله بعد العرش، وعما كان قبل العرش، فقال عليه الصلاة والسلام: ((كان الله ولا شيء معه))، فإذا كان كذلك، فمما لا شك فيه أن مخلوقاته تعالى، إما أن يكون خلقها في ذاته تعالى، فهي حالَّة فيه، وهو حالٌّ فيها، وهذا كُفر لا يقول به مسلم، وإن كان هو لازم مذهب الجهمية وغلاة الصوفية الذين يقول قائلهم: "كل ما تراه بعينك فهو الله"، تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

وإذا كان الأمر كذلك، فمخلوقاته تعالى بائنةٌ عنه غير مختلطة به، وحينئذٍ فإما أن يكون الله تعالى فوق مخلوقاته، وإما أن تكون مخلوقاته فوقه تعالى، وهذا باطل بداهة، فلم يبقَ إلا أن الله تبارك وتعالى فوقها، وهو المطلوب المقطوع ثبوته في الكتاب والسنة، وأقوال السلف ومَن جاء بعدهم من الأئمة على اختلاف اختصاصاتهم ومذاهبهم؛ ولهذا قال الألباني:
(ومن هنا نعلم مبلغَ ضلال الجهمية ومَن تأثَّر بهم من الخلف الذين أنكروا جميعًا أن يكون الله تعالى على عرشه فوق خلقه، ثم انقسم هؤلاء على مذهبين:

الأول: مذهب الجهمية الذين ذهبوا إلى أن الله تعالى في كل مكان مخلوق، وقد جادلهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فأحسن جدالهم، وكشف به عوارهم، فقال في رسالة الرد على الجهمية:
"وإذا أردتَ أن تعلم أن الجهمي كاذبٌ على الله سبحانه وتعالى حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم، فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل:

أ- إن زعم أن الله تعالى خلق الخلق في نفسه كفَر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه!

ب- وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم دخل فيهم، كفَر أيضًا، حين زعم أنه دخل في كل مكان وحُشٍّ وقَذَرٍ.

ج- وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله أجمع، وهو قول أهل السنة".

والمذهب الآخر قول بعض غلاة النفاة للعلو:

"الله، لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه"، ويزيد بعض فلاسفتهم: "لا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه"!

قلت: وهذا النفي معناه - كما هو ظاهر - أن الله غير موجود، وهذا هو التعطيل المطلق، والجحد الأكبر، تعالى الله عما يقول الظالِمون علوًّا كبيرًا، وما أحسن ما قال محمود بن سبكتكين لمن وصف الله بذلك: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم؛ ذكره في التدمرية ص41.

وهذان المذهبان الباطلان أحدهما - ولا بد - لازم لكلِّ مَن أنكر صفة العلو لله على عرشه، كما سبق بيانه.

وإن مما يُؤسَف له شديد الأسف أن المذهب الأوَّل منهما هو السائد اليوم على ألسنة الناس في هذه البلاد، عامَّتِهم وخاصَّتِهم، فما تكاد تجلس في مجلس يذكر الله فيه، إلا بادرك بعض الجالسين فيه بقوله: "الله موجود في كل مكان"! وقد يقول آخر: "الله موجود في كل الوجود"! فإذا سارعتَ إلى بيان بطلان هذا الكلام؛ لِمَا فيه من نسبة ما لا يجوز إلى الله من كونه مظروفًا لخلقه، وما فيه من المخالفة لصفةِ علوِّه على عرشه، سارع بعض المتعالِمين إلى تأويل ذلك القول بضم جملة: "بعلمه" إليه، كأنما هو آية من كتاب الله، أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد من تأويله!

ولم يدرِ هؤلاء المساكين أنها كلمة الجهمية والمعتزلة وعقيدتهم، على ما يدل عليه ظاهر هذا القول دون أي تأويل، فإذا سمعتَ تأويلهم إياه بقولهم: "بعلمه" ظننت خيرًا، ولكن سرعان ما يَخِيبُ ظنك حينما تُوجِّه السؤال الموروث عن النبي المعصوم، الكاشف عن إيمان المرء، أو مبلغ معرفته بالله تعالى، أو العكس، ألا وهو قوله صلى الله عليه وسلم للجارية: ((أين الله؟))، قالت: في السماء، قال: ((أعتقها؛ فإنها مؤمنة))، فأنت إذا وجَّهت مثل هذا السؤال إلى العامة والخاصة وجدتَهم يُحملِقون بأعينهم، مستنكرين إياه جاهلين، أو متجاهلين أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو الذي سنَّه لنا، ثم تراهم مع ذلك حيارى لا يدرون بماذا يجيبون، كأن الشريعة الإسلامية لم تتعرض لبيانه مطلقًا لا في الكتاب ولا في السنة، مع أن الأدلة فيهما متواترة على أن الله تعالى في السماء؛ ولذلك فالجارية لما أجابت على السؤال بقولها: في السماء، شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها مؤمنة؛ لأنها أجابت بما هو معروف في الكتاب والسنة، فيا ويح مَن لا يشهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان، ويا ويل مَن يأبى، بل يستنكر ما جعله صلى الله عليه وسلم دليلاً على الإيمان، وهذا والله من أعظم ما أصاب المسلمين من الانحراف عن عقيدتهم ألاَّ يعرف أحدُهم أن ربه الذي يعبُده ويسجد له أهو فوق خلقه أم تحتهم، بل لا يدري إذا كان خارجًا عنه أو في داخله، حتى صدق فيهم قول بعض المتقدمين من أهل العلم: "أضاعوا معبودهم، وهم مع ذلك لم يبلغوا في الضلال شأن أولئك الذين حكَموا عليه بالعدم حين قالوا: "لا فوق ولا تحت..." إلخ، فحق فيهم قول بعضهم: "المعطل يعبد عدمًا، والمجسم يعبد صنمًا"؛ يشير بذلك إلى الجهمية المعطلة النفاة، وإلى المجسِّمة الممثلة الذين يثبتون الصفات مع التجسيم والتشبيه، والحق وسط بينهما كما تقدم.

وانظر إلى خطورة هذه المسألة وبالغ أهميتها، وشدة الخلاف القائم فيها بين أهل السنة من جهة، والجهمية والمعتزلة وغيرهم من النفاة من جهة أخرى، حتى قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الجيوش الإسلامية ص96:
"بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظمُ مما بين عسكر الكُفر وعسكر الإسلام"؛ انتهى، مختصر العلو للعلي العظيم.

تنبيه هام:

قاعدة السلف في الصفات قولُ الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء، فقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه)، ثم أمَر بإخراج السائل من مجلسه.

والسلف رضي الله عنهم كما أنهم يُثبِتون رب العالَمين جل في علاه إثبات وجود لا إثبات كيفية، فهم كذلك يُثبِتون صفاتِه إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.

ومن هنا يتبيَّن للقارئ اللبيب أن مذهبَ السلف أسلَمُ وأعلم وأحكَمُ، وليس العكس، خلافًا لما اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام.

وفي الختام أدعو بدعاء النبي الكريم قائلاً:

((اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِني لِما اختُلِف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))؛ صححه الألباني.









الساعة الآن 12:26 AM.