منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز آداب العلم والفتيا

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













آداب العلم والفتيا






من آداب الفتوى: الثبات وتحمُّل المشاقِّ والمتاعب التي يُلاقيها في هذا الباب؛ ومن ذلك الصبر على ما يلاقيه من تعنُّت الناس عليه وشدتهم عليه، ونبذه أحيانًا بالألقاب السيئة، أو بالتطاول بالسفاهة عليه، وكل ذلك مما ينبغي له تحمُّله واحتساب الأجر فيه عند الله عز وجل.

كذلك يصبر على المستفتين ممن فيه بلادة، أو سوء فهم، أو جهل، فيتحمَّله ويصبر عليه، ويُعلِّمه، ويستفسرُ منه، ويُلقي عليه الأسئلة التي تُعِينه على توضيح سؤاله، وكل ذلك من الصبر الذي يُؤمَر به المؤمن، وكذلك أيضًا حُسن الاستقبال ومراعاة الضعيف من هؤلاء الذين هذه حالهم.

كذلك من آداب الفتوى المحافظةُ على أسرار المستفتين، فعرضُ السائل لسؤالِه للمفتي ومباحثته له، ومناقشته، ليستخرج منه أمورًا كثيرة، يُعَدُّ بعضُها من الأسرار، بل ربما كان في الفتوى نفسها صراحة - حتى لو لم يباحثه ولم يناقشه المفتي - سرٌّ في ذلك، وما يَرِد من هذه الفتاوى مما يدخُلُ ضمن مفهوم المحافظة على السر، منه ما تدعو المحافظة عليه الحفاظ على وضع الشخص نفسه، وعدم تعرُّضه للحرج والمذمَّة، لو عُلم أمرُه.

ومنها ما تستدعي المحافظةَ عليه المصلحةُ العامة للأمة، والله - عز وجل - نهى عن إشاعة الفاحشة بين المسلمين، كما في قول الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19]، وكذلك مما يؤكد المحافظة على الأسرار قول الله - عز وجل - في الفتوى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، فالسرُّ يُعَدُّ من الأمانات.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع))، ليس كل ما يسمع يُلقِيه، حتى ولو كان سرًّا من أسرار المستفتين، ولو كان ذلك مما يجب كتمُه ربما لا يعتني به، فكل ما في نشرِه من أخبار المستفتين من الناس، كل ما في نشره مضرَّة، سواء كان ذلك في الشخص نفسه، أو في المصلحة العامة، يجب ستره؛ ولذلك نقل ابن حجر قال: "الذي عليه أهل العلم أن السر لا يباح إذا كان على صاحبه مضرة"، وهذا الضابط واضحٌ وظاهر سواء كانت المضرة عائدة على الشخص أو عائدة على عموم المسلمين، من إشاعة الفاحشة أو غير ذلك من الأمور التي فيها تأثير على الحفاظ على الكليات والضروريات، سواء كان ذلك في الدِّين، أو في النفس، أو في العقل، أو في المال، وما يدخل في ذلك من حُسن أخلاق المسلمين، ورعاية المجتمع، والمحافظة على أخلاقهم، وكل ما يُوهِم ذلك أو يضرُّه، فهو داخلٌ فيما يجبُ سترُه من أسرار المسلمين لدى المستفتين.

كذلك من الآداب: الرفق، وحسن التعامل؛ يعني أن يكون المفتي رفيقًا، وحسَن التعامل مع الآخرين من المستفتين، فالرفق وحسن التعامل من الخصال الحميدة، والآداب المجيدة، فعليه الرفق مع المستفتين، والمعاملة الكريمة اللائقة بهم، ومن ذلك: وجوب ردِّ السلام على مَن سلم، وصيانة اللسان من الألفاظ السيئة من السباب أو فُحش الكلام البذيء، ومن السخرية مع من يعامله، وهكذا مما كان فيه سوءٌ يخالف المبدأ الذي دعا إليه الإسلام، وقد جاءت أحاديث تدل على وجوب الرفق بالآخرين، وأن ذلك حسن، والنهي عن المشقة عليهم، ومن ذلك مثلاً حديث عائشة: ((مَن ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومَن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به)).

ومن ذلك أيضًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شر الرعاء الحطمة)).

سبق أن قلنا: إن الرعاء هم رعاة الإبل، والحطمة: التي يكسر بعضها بعضًا، أو يجرح بعضها بعضًا، أو يضر بعضها ببعض، وهذا جاء على سبيل المثل، وهو عامٌّ. حتى لو كان اضطرارًا في أحاديث الرعية... فإنه داخلٌ في معنى هذا الحديث.

ويجب على المُفتي أن يراعي هذا الخلق الكريم.

العاشر من أخلاق المفتي: أن يجتنب ما يُغيِّر حالَه، فالإفتاء بلا شك عملٌ ثقيل يحتاج إلى ذهن صافٍ؛ حتى يستطيع المفتي أن يتصوَّر الواقعة التي تُعرَض عليه، ويستطيع أن يحدِّد الحكم المُناسب لهذه الواقعة، وأن يفهمه جيدًا، وأن يتحقق من تطابُقِ الأوصاف وجميع ما تحتاجه الفتوى، كل ذلك يحتاج إلى ذهن صافٍ؛ لذا وجب عليه أن يجتنب ما يُغيِّر حاله، سواء كان ذلك من غضب، أو من عطش زائد، أو من شبعٍ مفرط، أو من جوعٍ أيضًا زائد، أو من حر زائد، أو من بردٍ زائد، أو وهو يدافعه الأخبثان أو أحدهما، المقصود كل ما من شأنه أن يُشوِّش على ذهنه، ويمنعه من الدقة من الفهم والتصوُّر وهو في حال الفتيا، فهو ممنوع من الفتيا في هذه الحال.

وأخذ العلماء ذلك من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان))، والغضب إنما مُنع منه؛ لأنه يُشوِّش الذهن، ويَدخُل فيه كلُّ ما يُغيِّر حاله وعقله.

وفي خطاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "إياك والضجرَ والقلق والتأذي بالناس، والتنكر بالخصوم في مواطن الحق"، وهذا يُؤكِّد على أنه يبتعدُ عن كل ما يُشوِّش عليه حالَه؛ حتى يكون ذلك مُعينًا له على إتمام الفتوى.

كذلك من آداب المفتي: دلالة المستفتي على ما ينفعه، سواء كان ذلك بدلالة على المباح حينما يحظر عليه أمرًا من الأمور، أو بالعدول عن جواب سؤاله إلى ما هو أنفع له، أو بالإجابة بأكثر من السؤال، أو بدلالته على المفتي إن لم يحضره الجواب.

ففي هذه الأحوال الأربع - وربما يأتي غيرها - المفتي يحرص على دلالة المستفتي على ما ينفعه؛ من دلالته على ما ينفعه إذا حظر عليه الأمر أن يدلَّه على المباح، كما في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمرٍٍ جَنِيبٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكل تمر خيبر هكذا؟))، قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تفعَلْ، بعِ الجمع بالدراهم، ثم ابْتَعْ بالدراهم جَنِيبًا))، والشاهد في الحديث: ((لا تفعل))، نهى عن هذه المعاملة؛ لأنها ربا.

ثم دلَّه على المعاملة الصحيحة، وقال: ((بعِ الجمع بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جَنِيبًا))، يعني بع التمر الذي فيه شيءٌ من الرداءة كما تذكر، واشتر بالدراهم تمرًا جيدًا.

فنهاه عن الربا، وبيَّن له الطريق الصحيح الذي يسلكهُ، لتحقيق غايته ومطلبه للحصول على تمر جيد، فهنا لَمَّا حظر عليه الأمر، بيَّن له الطريق والوجه المباح الذي يتحقَّق به غرضه.

كذلك من الأحوال العدولُ عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع للسائل، قد يُسأل فيعدل بالجواب إلى ما هو أنفع له، لكن مع تنبيهه على سؤاله بطريقٍ ما، ومن ذلك قول الله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ [البقرة: 215] إلى آخر الآية، فقد سألوا في هذه الآية عن المُنفَق؛ يعني ماذا يُنفِق؟

جاء الجواب بذكر المصرِف الذي تؤدَّى إليه النفقة، أين توضع النفقة؛ لأن ذلك أهم مما سألوا عنه.

الحال الثالثة الإجابة بأكثر مما سأله؛ إتمامًا للفائدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا سُئِل عن التطهُّر بماء البحر، بماذا أجاب؟ ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))، فأجاب إلى ما سئل عنه، وأضاف له إضافة أخرى نافلة، ممكن أيضًا أن يُضاف إضافة نافعة.

والحال الرابعة دلالته على المفتي إذا لم يعرِف الجواب ولم يحضُرْه جواب، يدلُّه على عالِم مؤهَّل يفتيه في فتياه، فهذا أيضًا لا شك أنه من الأمانة، ومن دلالة المستفتي على ما ينفعه.

وقد كان هذا من شأن الإمام أحمد رحمه الله، كان يفعل ذلك، يدل على أهل المدينة، وعلى الشافعي، وعلى إسحاق، إذا جاءته مسألة لم يعرفها، يقول له: اذهب إلى حلقة المدنيين؛ يعني المالكية، أو اذهب إلى الإمام الشافعي، أو اذهب إلى الإمام إسحاق، يدله على مَن يُجِيبه على مسألتِه، ويعلَمُ أن هذا الأمر - يعني دلالة المفتي المستفتي على مفتٍ آخر - هو أيضًا موضع مسؤولية، فالإنسان يحرِصُ عليه، ولا يسوقه أو يدله على أي شخص، فالإنسان يحرص على أن يكون الذي يدله عليه مؤهلاً.

كذلك من آداب المفتي: الامتناع عن الفتوى عند خفاء المسألة، وهذا الذي قلنا: إنه إذا جاءه مسألة لا يعرفها، فلا يتردد بأن يقول: لا أدري، أو تراجعني غدًا لأبحث، أو اذهَب إلى العالِم الفلاني، "فلا أدري" هي عصمة المفتي، كما قال بعض السلف: "إن (لا أدري) إذا تركها المستفتي أُصيبت مَقاتِلُه"؛ يعني جاءه أمرٌ عظيم، فالمفتي لا يجوزُ له أن يتقدَّم أو يُقدِم على فتوى وهو لا يحسنها ولا يتقنها، أو يشك أو يتردد في المسألة المسؤول عنها، بل إذا جاءه مسألة فيها شيءٌ من الخفاء عليه، فإنه يتوقَّف عنها، ويقول: لا أدري، ويدله على مَن يُفتِيه في مسألته، ومن أخطرِ الأمور هجوم المفتي على الفتيا وهو لا يحسنها، وقد قال الإمام ربيعة أبو عبدالرحمن: "ولَبعضُ مَن يفتي ها هنا أحق بالسجن من السُّراق"؛ لأنهم يُفتون بلا علم، فنهى عن استفتائهم.

وابن مسعود رضي الله عنه يُبيِّن للعالِم أنه لا يستنكف ألاَّ يجيب عن بعض المسائل، يقول: "مَن أفتى الناس في كل ما يستفتونه فيه، فهو مجنون"؛ لأنه ليس من عالِم يعرف كل المسائل، ويسعى أن يعتذر، ويقول: لا أدري، لبعض المسائل.

وينقل الأئمة والعلماء في آداب الفتوى عن الهيثم بن جميل قال: شهدتُ مالك بن أنس سُئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري؛ يعني كم أجاب عنها؟ أجاب عن ستَّ عشرة مسألة، ولم يُجِب على اثنتين وثلاثين مسألة، والله ما أجاب.









الساعة الآن 12:46 PM.