منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


طلوع البدر في تفسير سورة العصر




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













طلوع البدر في تفسير سورة العصر





بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي من أسمائه الرحمن خالق الإنسان ومنزّل القرآن ومُردفه بالبيان على لسان نبيه العدنان الحافِظِ له بفهم الأَعلام صحابة خير الأنام عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

وبعد:

يقول الحق سبحانه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾. هي سورة مكية، أي نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة، وترتيبها في المصحف الكريم الثالثة بعد المائة (103)، الجزء (30)، الحزب (60) الربع (8)، وعدد آياتها ثلاث وعدد كلماتها أربع عشرة كلمة وعدد حروفها ثمانية وستون حرفا.

تعد سورة العصر من أعظم سور القرآن الكريم لاشتمالها على أصول الدِّين وهي الإيمان والعمل الصالح والثبات على الحق والتواصي به والصبر والتواصي به. لذا كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا التقوا قرأ بعضهم على بعض سورة العصر قبل أن يفترقوا للتذكرة والاعتبار. وقد قال عنها الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" أي تكفيهم حجة عليهم لتضمُّنها أصول الدين العظام التي تندرج تحتها جميع أحكام الإسلام وفروعه.

قال سبحانه: ﴿ وَالْعَصْرِ ﴾، الواو للقسم، وحروف القسم في العربية ثلاثة: الواو والباء والتاء، "العصر" المُقسَم به، قيل صلاة العصر لكونها أحب صلاة إلى الله، قال سبحانه: ﴿ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى ﴾. [البقرة: 238] "وفي قراءة عائشة رضي الله عنها: ﴿ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وصَلاَةِ الْعَصْرِ ﴾، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم نارا". وذهب جمهور المفسرين إلى أن المقصود بالعصر في الآية الزمان، لاشتماله على الأجيال وأعمال العباد، فهو عظيم عند الله سبحانه وتعالى لأنه تعالى لا يحلف إلا بعظيم. وقد أجاز الحق سبحانه لنفسه الحلِف بما شاء من مخلوقاته، إذ قال سبحانه، ﴿ كَلَّا وَالْقَمَرِ ﴾ [المدثر: 32]، وقال أيضا: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾ وقال أيضا: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾، وحرّم على عباده الحلف بغيره وجعله شركا أصغرا، والشرك الأصغر هو الذنب الذي سُمي في الشرع بالشرك ودلّ الدليل على أنه لا يُخرج من الملة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من حلَف بغير الله فقد أشرك"، وفي رواية: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت".

"إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ" هذه جملة جواب القسم، وقد جاء مؤَكدا بنون التوكيد المشددة ولام التوكيد المزحلَقة، والمعنى إن جميع بني ادم لفي خسارة كبرى، ف'ال' التعريف في لفظ الإنسان للجنس، أي يدخل فيها جميع جنس بني آدم، ولفظ خُسْر نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق. وقد جاءت هذه الخسارة مفَسّرة في قوله تعالى: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 103-104] وسبب خسارة النفس في النار الكفر بآيات الله وتضييع العمل بها، قال جل وعلا: ﴿ ومن خفَّت موازينُه فأُولئِكَ الذين خَسِروا أنفُسَهُم بما كانوا بآياتنا يظلِمُون ﴾ في أوّل سورة [الأعراف: 9].

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر ﴾، ثم استثنى سبحانه وتعالى من الخسارة من توفرت فيه هذه الأوصاف الأربعة وهي: الإيمان والعمل الصالح والثبات على الحق والتواصي به والصبر والتواصي به. قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ﴾ [الكهف: 107-108].

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي صدّقوا بكتاب الله وسنة رسوله وما فيهما من عقائد كالاعتقاد بوجود الله ووحدانيته والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قال سبحانه: ﴿ آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285] وقال أيضا: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15].

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ أي امتثَلوا لفعل الواجبات واجتنبوا المحرمات وسارعوا إلى فعل المستحبات وتورعوا عن المكروهات، قال سبحانه: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 105]، والعمل الصالح هو الذي تَوفر فيه شرطان: الإخلاص والمتابعة.

الإخلاص هو الابتغاء بالعمل وجه الله وثوابه، قال سبحانه: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء ﴾ وله ثلاثة قوادح:
القادح الأول: الرياء وهو إظهار العبادة للناس ابتغاء إعجابهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، قيل وما الشرك الخفي يا رسول الله، قال الرياء".

القادح الثاني: السمعة وهي تحديث الناس بالعبادة ابتغاء إعجابهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سمّع سمّع الله به" أي من سمّع في الدنيا أسمع الله عيوبه الناسَ يوم القيامة.

القادح الثالث: فعل العبادة ابتغاء مصلحة دنيوية، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".

وأما المتابعة فهي موافقة العبادة سنةَ النبي - صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]، وقال أيضا: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ [الأحزاب: 21].

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ [العصر: 3]، أي عَملوا بالحق وأَمروا به ونَهَوا عن المنكر، وقد فضّل الله سبحانه وتعالى أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - على باقي الأمم بهذه العبادة الكريمة التي لا يستطيعها إلا المؤمنون الخُلّص، قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]. وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرطان:
الشرط الأول: العلم بالمأمور به أو المنهي عنه، قال سبحانه: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ [النحل: 116]وقال أيضا: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، وقال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

الشرط الثاني: أن تكون الدعوة بالتي هي أحسن،، قال سبحانه: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125].

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر ﴾ أي صَبَروا وأمروا الناس به، والصبر مشتق من الصِّبر وهو نبات مُرّ الطعم، وشرعا هو كفّ النفس عن مساخط الله وهو ثلاثة أنواع: صبر على المأمور وصبر عن المحظور وصبر على المقدور.

فالصبر على المأمور هو جهاد النفس لتحمل مشاق الطاعات كالقيام لصلاة الصبح وإسباغ الوضوء على المكاره وإخراج الزكاة من المال والصوم في اليوم الحار والسفر إلى بلد الله الحرام لأداء مناسك الحج وطلب العلم والدعوة إلى الإسلام وغير ذلك.

وأما الصبر عن المحظور فهو جهاد النفس لاجتناب المعاصي كشرب الخمر وفضول النظر إلى النساء والكلام في أعراض الناس وغير ذلك.

وأما الصبر على المقدور فهو جهاد النفس لتحمل البلاء والرضى بالقدر، قال سبحانه: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157]، والصلوات في هذا السياق ثناؤه سبحانه وتعالى على عباده. وفي الحديث أنه لما توفيّ إبراهيم ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - عليه الصلاة والسلام -: "إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يُرضي الرب".

فمن صبر على طاعة ربه وعن معصيته وعلى قَدَره ورضي به أحيا الله ذِكْره وجعله إماما يقتدى به وأدخله الجنة، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: "بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين". وقال جل وعلا: ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾ [الإنسان: 12].

وينبغي الإشارة إلى أن العمل والدعوة والصبر داخلون في مُسمّى الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، إلا أن الحق سبحانه وتعالى أفردهم بالذكر في هذا السياق لبيان أهمية هذه الأصول وتذكير المؤمنين بها.


نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى العمل بكتابه الكريم وأن يتقبل عملنا ويستر عيوبنا، إنه جواد كريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.





الساعة الآن 12:15 AM.