منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


المنهج القرآني في عرض قضايا بني إسرائيل .. المرحلة المكية (3)




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













المنهج القرآني في عرض قضايا بني إسرائيل

المرحلة المكية (3)

معالم قرآنية في الصراع مع اليهود




إن أية دعوة إصلاحية تقوم في مجتمع ما تستهدف تغيير الأسس الاجتماعية وإقامته حسب مفاهيم جديدة تقابل عادة بمراحل عدة، منها:
جـ- مرحلة المجادلة والمحاورة:
وإذا استمرت الدعوة في الانتشار وصمد قادتها للمغريات فلم يتنازلوا عن الحق الذي يدعون إليه، ولم تفت التهديدات في عضدهم واستمروا على منهجهم الواضح البين، لم يجد أهل الباطل مناصاً من محاولة التعرف على دعوتهم ومجادلتهم في قضاياها وطلب البراهين والحجج عليها لا رغبة في إجلاء الحق واتّباعه، بل بقصد التعجيز والتعرف على الثغرات للنفاذ منها إلى التشكيك في شأنها وصرف الأتباع عنها، بدأً بالتشكيك في أمر الرسول ورغبة في الوصول إلى إبطال أمر الدعوة نفسها وهدمها والقضاء عليها... وهذا ما عرضه القرآن ﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا * بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾ [الفرقان: 7 - 11].

لقد تصوروا أن يكون الرسول من الملائكة أو من جنس أرفع قدراً من البشر ليكون أهلاً للاتصال بالملأ الأعلى، ولم يدركوا سنة الله في الرسالات التي تقضي أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم لتتحقق الحكمة في الإرسال وهي التبليغ والبيان يقول جل شأنه في بيان هذه السنة:
﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 94 - 96].

إن كون الرسول من البشر وبلسان القوم المرسل إليهم آنس للقلوب وأدعى لإلقاء السمع إلى الهداية التي يحملها إليهم الرسول، لذلك جرت سنة الله في الرسالات السابقة على هذا المنوال، وإن كانت الأقوام تكابر وتعادي وتشكك في بداية الأمر.

يقول تعالى شأنه:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 4 - 8].

وفي ذكر موسى وقومه في سياق بيان هذه السنة الإلهية في الرسالات توجيه الإنذار إلى المشركين الذين كانوا في محادة مع الله ورسوله، وبيان أن كفر الناس جميعاً لا ينقص من ملك الله شيئاً، ولا يزيد إيمانهم جميعاً في ملك الله، ولكن الله لا يرضى لعباده الكفر.

وهذا التذكير لقوم موسى بالأنعم التي ساقها إليهم من إنقاذهم من الذل والصغار والبطش الذي كان يمارسه فرعون عليهم، إشارة من خلالها إلى نعمة الأمن التي كانت تتمتع به قريش في الجاهلية بسبب الحرم الآمن الذي كانوا يسكنون فيه ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾ [العنكبوت: 67 - 68]. وإعلام الله للبشرية جميعاً هذا الدستور الإلهي والسنة الربانية ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].

ولم يكتف المشركون بهذا بل حاولوا استغلال ظاهرة الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان يعتوره أثناء نزول الوحي إليه من تغير في ظاهره وما يعانيه من شدة عند نزوله[1]، فقالوا إنه مجنون، وذلك تنفيراً للناس منه وليقولوا إن ما أتى به محمد - صلى الله عليه وسلم - ما هو إلا ضرب من علم الكهان والسحرة ممن لهم صلة بالجن ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ[2] وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [الحجر: 6 - 15].

لقد كانت مجادلاتهم تتسم بالاستهزاء والسخرية والمطالب التعجيزية من الخوارق، ولم يكن هنالك من داع لكل ذلك لو كان القوم يبحثون عن الحق فإن حياة محمد - صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانيهم وقد علموا فيه العقل والرزانة والخلق الكريم حتى سموه الأمين فلما جاءهم بما جاءهم به تنكروا له وألصقوا به كل تهمة تخطر على بالهم[3]، ولم يكلفوا أنفسهم النظر في هذه الدعوة التي جاء بها فهي آيات بينات تدل على عظمة هذه الرسالة وجلال قدرها إنها رسالة التوحيد رسالة العبودية لخالق السماوات والأرض رسالة الارتقاء بالعقل البشري إلى تدبر ملكوت السماوات والأرض والسمو الروحي والترفع عن مستنقع عبادة الأوثان والأصنام، إنهم كانوا أمام برهانين عظيمين للتحقق من صدق الرسول لو كانوا يرومون الحق ويبحثون عنه.

التفكر في الدعوة التي جاء بها الرسول.

التفكر في حياة الرسول نفسه ونشأته وهم أعلم الناس بأحواله. هذا هو الطريق الصحيح للوصول إلى الحقيقة، ولكن القوم وضعوا نصب أعينهم التكذيب بالرسول ودعوته والبقاء على جاهليتهم فما محاوراتهم إلا لوناً من المناورة والمراوغة ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ * قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ [سبأ: 43 - 50].

لقد كان القوم يلقون بالكلام على عواهنه من غير روية وتدبر، ولكن الآيات كانت ترد عليهم بمثل هذه الردود المقنعة المفحمة التي تلجم الألسنة وتقنع العقول وتدخل الطمأنينة إلى القلوب.

ومن خلال ذلك يأتي الاستدلال بواقع بني إسرائيل لبيان أن مواقف الأقوام من رسلها متشابهة فهؤلاء بنو إسرائيل مع أنبيائهم وقد أوتوا علماً وبين أيديهم الكتب المنزلة وكلما مضى رسول جاءهم غيره وكان من أنبيائهم من كان صاحب قوة وسلطة وبراهين ظاهرة وأمارات قاهرة ومع ذلك إن لم تنبع الهداية من داخل النفس بتوفيق الله سبحانه وتعالى لم تنفع تلك الآيات والبراهين ﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 10 - 14].

هذان نبيان من كرام أنبياء بني إسرائيل وهذا ملكهما وعزهما وهذه الآيات المادية التي وهبها الله جل جلاله لهما، وساسا بني إسرائيل بالعدل والحكمة وشرائع التوراة والزبور، فهل سلّمت بنو إسرائيل لهما، وهل استطاعت الجن أن يتمردوا على ملك سليمان وهل علموا من الغيب شيئاً.

لقد اختلقت بنو إسرائيل الأكاذيب حول حياة نبي الله داود، وحول أسلوب حكم نبي الله سليمان[4]، وزعمت أنه كان ساحراً يستخدم الجن بسحره وقالوا ما قالوا وبين أيديهم البراهين القاهرة، وتمردوا على شرائع الله وقد أوتوا العلم الغزير الذي أنزله على أنبيائهم.

فلا غرابة أن تقف قريش هذا الموقف من دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إن الاستدلال بسير بني إسرائيل ومواقفهم من أنبيائهم يأتي في هذه المرحلة في غاية الإحكام للتشابه بينهم وبين مواقف المشركين من دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن ناحية تثبيت لقلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بدعوته على الحق.

ولإقامة الحجة على المعاندين وبيان أن لهم سلفاً في هذا العناد والنكران والكفر ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120].

ولو ذهبنا نستعرض السور المكية في هذه المرحلة التي ذكرت فيها الردود على شبهات المشركين حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته وما جاء به من الحق، والإشارة من خلالها إلى بني إسرائيل للاستدلال والاستشهاد بمواقفهم من أنبيائهم المتشابهة مع مواقف المشركين من قريش، لو ذهبنا نستعرض ذلك لطال بنا التطواف فهناك السور الكثيرة التي اشتملت على هذا اللون من المحاورة اقرأ في ذلك الشعراء، والنمل، والقصص، ويونس، ويس والصافات وغيرها بالإضافة إلى السور التي سقنا منها أمثلة وشواهد على أحداث هذه المرحلة، إنها سنة الله التي صرّف فيها القول وقطع دابر الحجج، وما على الرسول إلا البلاغ المبين ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 50 - 52].

إنه الجهاد بالكلمة والصدع بحقائق القرآن، ذاك كان المناسب في المرحلة المكية لتظهر معالم الحق، وتكشف سواءات الباطل، فإن أصروا بعدها على باطلهم، ولم يرفعوا رأساً بهذه الآيات وهذه الحجج والبراهين. فعلى أتباع الحق أن يتبعوا الحق الذي حملوه وليعلموا أن الهداية إلى الله جل جلاله يكتبها لعباده الذين اختار لهم السعادة ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الأنعام: 106 - 107].

ومن هنا ندرك سنة الله في هؤلاء الأقوام الذين جمع بينهم الطغيان والمنطق الجاهلي في التفكير فالجميع قد وقفوا مثل هذا الموقف وقالوا هذه المقالة ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ [الطور: 30 - 31].

﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 52 - 55].


_______________________________
[1]انظر في ذلك وصف السيدة عائشة لحال رسول الله عند نزول الوحي (... وإن جبينه ليتفصد عرقاً في الليلة الشاتية). الحديث رواه البخاري بدء الوحي 1/3. وقول رسول الله: "أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ..." المرجع السابق وانظر مسند الإمام أحمد 6/257.
[2]بالرسالة والعذاب ... انظر تفسير المحرر الوجيز 8/283.
[3] قال النضر بن الحارث: يا معشر قريش إنه والله قد نزل لكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، لقد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن لا والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر لا والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم. السيرة النبوية لابن هشام: 2/38.
[4]جاء في كتب اليهود: إن داود أخرج الشعب الذي فيها - مدينة المياه - ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وأمرّهم في أتون الآجر وهكذا صنع بجميع مدن بني عمون ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم. انظر كتاب الكتاب المقدس سفر صموئيل الثاني الإصحاح 12.






الساعة الآن 07:59 AM.