منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


أصناف الخلق أمام الحق




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













أصناف الخلق أمام الحق







قال - تعالى -: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [البقرة: 200 - 202].

يا إخوة الإسلام:
إنَّ علاقة الإنسان بالدُّنيا تتخذ شكلاً من أشكالٍ ثلاثة:
الأولُ: التكالُب عليها، والعمل على جَمعها، واستغلالُ نعم الله في التمتُّع بشهواتها.
الثاني: البعدُ عنها، واجتنابُها، والتقليل من أهميَّتها.
الثالث: الاعتدالُ في طلب الدنيا والآخرة.

فالمتكالبون عليها: هم الذين يطلبونها لا ليأخذوا حظَّهم منها، ويُنفقوا على أهلهم وأرحامِهم، ويُطعِموا المساكين والفقراءَ، ولكنهم يطلبونَها؛ ليتعالَوْا بها على الناس، ولحبِّ الظهور بين الأغنياء، وقد عاب الله صنيعهم، وذمَّ تصرُّفاتهم؛ فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: 1 - 8].

وكأنَّ الله يقول لهؤلاء المتكالبين على الدنيا، المنشغلين بالتفاخر والتَّباهي بكثرةِ ما جمعوا من متاعها: شغلَكم الفخرُ عن العمل للآخرة، حتى مِتُّم ودُفنتم في المقابر، وفيها تنتبهون فلا تجدون عملاً صالحًا ينفعُكم ويُنجيكم من عذاب أليم، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه -: ((النَّاس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا)).

وإذا قلتَ لهؤلاء: اعملوا للآخرة، ولا تنسَوْا نصيبكم من الدنيا، وأحسِنوا كما أحسنَ الله إليكم، رَدُّوا قائلين: نحن نعلمُ ذلك، ولسنا في حاجة إلى تنبيهاتكم، فيرد اللهُ عليهم زعمَهم: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ [التكاثر: 5، 6]؛ أي: لو تعلمون حقًّا، لشاهدتم دارَ العذاب، ولجعلتُم النار نُصبَ أعينكم، ولعملتم على الوقايةِ منها، والهروبِ من عذابها، وأنَّكم لتُسألون يوم القيامة عن هذا النَّعيم الذي تعيشون فيه.

وقد قصَّ الله - سبحانه وتعالى - نماذجَ وصُورًا لهؤلاء المتكالبين على الدنيا، المنشغلين بجمعِها والتفاخُر بما جمعوا، ومن هؤلاء قارونُ: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: 76] قدَّم أهلُه له النَّصيحة، وقالوا له: لا تغترَّ بمالِك، ولا تتكبَّرْ على الناس، ولا تبطَرِ النِّعمة؛ إنَّ الله لا يحب المفتخرين، وقالوا له: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77]، ولكنَّه لم يرتدعْ عن غيِّه، ولم ينته عن بطَرِه وفخره، فخرج على قومه في زينتِه مفتخرًا متعاليًا؛ فأخذه اللهُ أخذَ عزيز مقتدر، فخسف به الأرض: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: 81].

ويقصُّ القرآن الكريم علينا المحاورةَ التي دارت بين رجلٍ متكالبٍ على الدنيا، منحه الله الغنى والثراء؛ ولكنَّ الثَّراء أذهله، فنسي الله الذي يسيطر على أقدار الناس - وبين رجُل مؤمن، معتزٍّ بإيمانه، ذاكرٍ لربِّه، يرى أن النِّعمة دليل على المنعمِ، موجبةٌ لحمده وذِكره، لا لجحوده وكفره: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا ... (وهو المغرور) ﴿ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ... ﴾ [الكهف: 32، 34] (قال المتكالب على الدنيا لصاحبِه المؤمن) ﴿ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ [الكهف: 32 - 36]، لقد ظلم نفسَه بكفره وتمرُّدِه وتكبره، فنسي ربَّه، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أنَّ هذه الجنانَ المثمرة لن تبيدَ أبدًا، وأنكر قيام الساعة، وقال: وهَبْها قامتْ، فإن قامت القيامة، فسأَجِد هنالك الرِّعايةَ والجنان، أليس مِن أصحاب الجنان في الدُّنيا؟ فلا بدَّ أن يكون محظوظًا في الآخرة أيضًا؛ فردَّ صاحبه المؤمن عليه: ﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾ [الكهف: 37، 38]، وردَّ عليه صاحبُه الفقير المؤمن الذي لا مال له، ولا جنَّة عنده ولا نفرَ، ولكنَّه معتزٌّ بإيمانه بالله، يواجهُ صاحبَه المغرورَ المتكبِّر، ويذكِّره بالله الذي خلَقه من العدم من ماءٍ وطين، وجعله رجلاً سويًّا، ويردُّ عليه - أيضًا - بأنه آمن بالله، ولا يُنكر وجودَه، ولا يشركُ به أحدًا من خلقِه، ويحضُّه على التفكُّر، فيقول له: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾ [الكهف: 39]، كان جديرًا بك عندما تُعجَب بجنَّتك أن تقول: ما شاءَ الله لا قوَّة إلا بالله؛ أي: ما شاء فعَلَ، وقدرتُه وقوَّتُه تبقى، فتُفوِّض أمرَك وأمرَ جنَّاتك إلى الله، ولكنَّ الكافرَ بعد هذه النصائحِ لم يرتدعْ عن غيِّه، ولم يرجعْ عن تكبُّره وغرورِه؛ فكان العقابُ الذي ذكَّره به المؤمنُ: ﴿ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴾ [الكهف: 40 - 43].

ولعلَّك تدرك المقارنة بين قولِه - سبحانه وتعالى - في عقاب قارون: ﴿ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: 81]، ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴾ [الكهف: 43].

وقصَّ المولى - سبحانه وتعالى - قصَّة رجل ثالث من المتكالبين على الدنيا، الكافرين بنِعَم الله، المنكرين لقدرته؛ ذلك هو فرعونُ، قال - تعالى -: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴾ [النازعات: 15 - 19].

أخبَرنا ربُّنا أنه قال لسيِّدنا موسى: اذهب إلى فرعونَ الذي طغى وتكبَّر، وتعالى وافتخر، فقلْ له: أتريد أن تزكِّيَ نفسَك، وأن تطهِّرها من الشرك والوثنية، والكِبْر والتعالي؟ وقل له أيضًا: هل تريد أن تتعلَّم العلم؛ لكي تخشى الله وتتقيَه؟ ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، جادِلْه أولاً يا موسى بالمحاجَّة الكلامية، فإن لم تنفعْ معه هذه المحاجَّةُ وتلك النصائحُ، فأظهِرْ له تلك المعجزة: ألقِ عصاك، فستنقلب حيَّة تسعى: ﴿ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى ﴾ [النازعات: 20]، ولكنَّ فرعون لم يتعظْ بذلك: ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 21 - 24]؛ فكان العقابُ الذي ذكره الله بقوله: ﴿ فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ [النازعات: 25]، وبعد أن قصَّ علينا قصَّة هذا الكافرِ المتكالب على الدُّنيا، المغترِّ بقوتِه وجاهِه، قال لنا: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ [النازعات: 26].

نعَمْ، في ذلك عظةٌ لِمَن يتَّعظ، وعبرةٌ لمن يعتبر، ولمن ينظر بعقله ويفكِّر به، ما حالُ مراكزِ القُوى الذين تكبَّروا وافتخروا، وكفروا وانحرفوا عن شرع الله، وتحوّل عدد منهم إلى الشيوعية؟ لقد انتقم الله منهم، وأذاقهم لباسَ الخزيِ في الدنيا، وأمرُهم في الآخرة إلى الله ربِّ العالمين.

وإذا كان اللهُ قد خسف بقارونَ الأرضَ، فقد أخبرنا أنَّ الدار الآخرة أعدها: ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ﴾ [القصص: 83].

وإذا كان الله قد جعل جنانَ الكافر خاويةً على عروشها، فقد حذَّرنا من الحياة الدنيا، ومن الغرور والتفاخر بما فيها: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ [الكهف: 45]، حياة قصيرة، ماءٌ ينزل، فيحتكُّ بالنبات، فيصبحُ هشيمًا تذروه الرياح، فما أقصرَها حياةً وما أهونَها حياةً!

وإذا كان الله قد أغرق فرعونَ، فقد نَجَّى بدنَه بعد الغرق والموت؛ ليكون لمن خلفه آيةً: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ [يونس: 92].

أقولُ: إذا كان الله - سبحانه وتعالى - قد انتقم من هؤلاء المتكالبين المتكبِّرين المتعالين بهذه الأنواع من الانتقام؛ فهذا عقابٌ دنيويٌّ، وما أُعدَّ لهم في الآخرة أدهى وأمَرُّ، قال - تعالى -: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 18].

ويقول - سبحانه وتعالى - في شأن آل فرعون: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46].

وبجانب هذا النوعِ المتكالب على الدنيا، يوجدُ صنفٌ آخرُ انقطع عن الدنيا، وتخلَّى عن مُتعِها، وتكاسَلَ وتباطَأَ عن جمعِ نصيبِه منها، وتعلَّل بقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]، وبقول الرسولِ وقد رأى شاةً ميتة: ((والَّذي نفسي بيده، للدُّنيا أهونُ على الله من هذه الشاة على أهلِها)).

وهؤلاء قد ذمَّهم الله، كما ذمَّ المتكالبين على الدنيا، وعاب عليهم تصرُّفاتِهم؛ فقال - سبحانه -: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ [الحديد: 27].

يحدِّثنا القرآن عن جماعة انقطعوا عن الدنيا، وحرَموا أنفسَهم نعيمَها، وابتدعوا من عند أنفسِهم الرَّهبنة؛ ظنًّا منهم أنها تقرِّبهم إلى الله، فألزموا أنفسَهم الابتعادَ عن الدنيا وعن متطلباتها، ولكنَّهم - بعد فترة - لم يستطيعوا الاستمرار على ذلك؛ حيث غلبتْهم شهواتُهم، واستولتْ عليهم أنفسُهم، فوقعوا في مأزِق، أيلبُّون نداء الإلزام؟ بالامتناع عن الدنيا كما ألزموا أنفسهم ذلك، أم يلبُّون نداء الجسد ومتطلَّباته؟ وفي ذلك يقول ربُّنا: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ [الحديد: 27]، وبذلك أخلفوا ما عاهدوا الله عليه، وانحرفوا عمَّا رسموه لأنفسِهم؛ فاستحقُّوا الذمَّ في الدنيا، واللعنة في الآخرة، ولهم سوءُ الدار.

ويحذِّرنا الرسول من ذلك فيقول: ((لا رهبانيةَ في الإسلام))، أورد صاحب المجالسة وجواهر العلم بسنده عن إبراهيم التيمي، قال: (لقي عيسى ابن مريم - عليه السلام - رجلاً، فقال له: ما تصنع؟ قال: أتعبد. قال: من يعولك؟ قال: أخِي. قال: أخوك أعبد مِنك) المجالسة وجواهر العلم (3/ 123)، أخوك أكثرُ عبادةً لله منك؛ لأنَّه يؤدِّي حق ربِّه بالعبادات، ويؤدي حقَّ أسرته بالسعيِ على الرِّزق.

ويروي لنا أنسٌ عن رسول الله فيقول: دخل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المسجد، فإذا حبلٌ ممدود بين الساريتين (العمودين)، فقال: ((ما هذا الحبل؟))، قالوا: هذا حبلٌ لزينبَ، فإذا فتَرَتْ - أي: كلَّتْ عن القيام في الصلاة - تعلَّقتْ به؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((حلُّوه؛ ليُصلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا فتَرَ فليرقُدْ)).

وروى أنس فقال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها - عدُّوها قليلةً - فقالوا: أين نحن من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر؟ قال أحدُهم: سأصلِّي الليل أبدًا، وقال الثَّاني: وأنا أصوم الدَّهر أبدًا، ولا أفطرُ، وقال الآخرُ: وأنا أعتزل النِّساء فلا أتزوَّج أبدًا، فجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا واللهِ، إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكنِّي أصوم وأُفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النِّساء؛ فمن رغِب عن سنَّتي، فليس مني))[1].

وبهذا نعيب على إخوانِنا المنقطعين عن العمل، الملازمين للأضرحة، النَّاصبين أنفسَهم للمسألة، الباسطين أيديَهم للاستجداء.

وإذا كان الله - سبحانه وتعالى - قد ذمَّ المتكالبين على الدنيا، والمنقطعين عنها، فقد أثنى على المعتدلين في طلب الدنيا والآخرة، وكان من دعائهم: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]؛ فتقبل اللهُ أعمالَهم ودعاءهم: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [البقرة: 202].

وقد أثنى اللهُ عليهم، وشكَر لهم صنيعَهم، فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19].

وعن أبي جُحيفة قال: آخى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين سَلمان وأبي الدَّرداء، فزار سلمانُ أبا الدَّرداء، فرأى أمَّ الدرداء متبذِّلة، فقال ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، فجاء أبو الدَّرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كُلْ؛ فإني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكلَ، فأكلَ، فلمَّا كان الليلُ ذهب أبو الدَّرداء يقومُ، فقال له: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقومُ فقال له: نَمْ، فلمَّا كان آخرُ الليل - عند السَّحَر - قال سَلْمان: قُمِ الآن فصلَّيَا جميعًا؛ فقال له سلمانُ: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، وإنَّ لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا؛ فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((صدقَ سلمانُ))[2].


_______________________________
[1] متفق عليه.
[2] رواه البخاري.






الساعة الآن 06:35 AM.