منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


أحب الأيام إلى الله




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع













أحب الأيام إلى الله[1]







عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام))؛ يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيلِ الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء))؛ رواه البخاري[2].

كثرة شُعَب البِر:
من محاسن هذا الدين أنه لم يدع خَلَّةً من خِلال الخير والبرِّ إلا رغَّب بها وحضَّ عليها، ثم يسَّر سبيلها، وبشَّر بجميل عاقبتها، وكريم مثوبتها، كما لم يدَعْ خَصلةً من خِصال الشرِّ والإثم إلا نفَّر منها وكرَّه النفوس إليها، ثم عسَّر في سبيلها وتوعَّد عليها.

مواسم كريمة:
ولما كانت شُعُب البرِّ، وهي أكثر من أن تُحصى، أجلَّ من أن ينهض بها أحدٌ من الناس بالغًا من الفضل ما بلغ، أعدَّ الله لعباده مواسم كريمة، وأتاح فرصًا مُبارَكة، في أزمنة محدَّدة، وأيام معدودة، ضاعَف لهم فيها الحسنات أضعافًا كثيرة؛ ليُسارِعوا فيها إلى الخيرات، ويتَّجِروا فيها بصنوف القُرَب والطاعات، فيعوِّض مقصِّرٌ فيها ما فاته، ويُدرِك مؤمِّل ما تمنَّاه.

من آثار رحمته بعباده:
وحكمة أخرى بالِغة، وهي أن الله - سبحانه - علم أنَّ في عباده ضعفًا وعجزًا وميلاً إلى الكسل والهوى والشهوة، فمنَحهم هذه المواسم جبرًا لضعْفهم، وعونًا لعجزهم، وإرغامًا لشيطانهم؛ وذلك أثر من آثار رحمته بهم وفضْله عليهم.

ومن فضله - جلَّت آلاؤه - أن فرَّق هذه المواسم التي اصطَفَاها في خلال العام كلِّه؛ ترغيبًا للعاملين، وتنشيطًا للخاملين، لئلا تَضعُف الهِمم، وتَفتُر العزائم، ببُعْد الشُّقة وطول الزمن.

أفضل أيام الدنيا:
ومن هذه المواسم التي اختارها الله لعبادِه، ودعاهم إلى اغتنامِ العمل فيها، أيام العشر الأُوَل من شهر ذي الحجة؛ جعلها الله أفضل أيام الدنيا، وأحب الأزمان إليه، وأدناها إلى رِضوانه وكرَمه، العمل فيها أعظمُ الأعمال، والأمل فيها أقرب الآمال، والحسنة فيها بسبعمائة ضِعف إلى أضعافٍ كثيرة لا يعلمها إلا الله - عزَّ وجل -: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].

وإذا كان يوم الجمعة، وهو موسم الأسبوع، خير يومٍ طلعت عليه الشمس كما ثبت في "صحيح مسلم"[3] وغيره، فإنَّ كلَّ يومٍ من هذه الأيام العشر خيرٌ من يوم الجمعة الذي هو ليس فيها، كما يدل ذلك على إطلاق الحديث، وكم رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وهو مَن هو اتباعًا للسنة واقتفاء للآثار، أنه قال: "ليس يوم عند الله أعظم من يوم الجمعة - ليس العشر - فإنَّ العمل فيها يَعدِل عمل سنة))[4].

تفضيل العمل في أيام العشر على الجهاد:
بل إن تفضيلَ العملِ فيها على الجهاد في سبيل الله - وهو ذِروة الإسلام ومناره - أعظم دليل على فضل هذه الأيام على الدهر كلِّه دون جدال أو استثناء؛ اللهم إلا ضربًا واحدًا من ضروب الجهاد لإعلاء كلمة الله - عزَّ وجل - هو أن يخرج المجاهد مخاطرًا بنفسه وماله، يبتغي الشهادة، ويرجو الحسنى وزيادة، ثم لا يرجع بنفسه ولا ماله، هذا النوع وحده من أنواع الجهاد، وهو أعلاها شأنًا وأجلها مكانًا، هو الذي يعدل العمل في عشر ذي الحجة أو يَزيد عليه، على أن العمل في هذه الأيام جهاد للنَّفْس والهوى، وناهيك منه[5].

وحسبك في فضْل الجهاد الذي اقترن بهذه الأيام فساوته أو أَرْبَت عليه، ما جاء في (الصحيحين) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عما يَعدِل الجهاد في سبيل الله فقال: ((لا تستطيعونه))، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: ((لا تستطيعونه))؛ ثم قال: ((مَثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يَفتُر من صلاة ولا صيام حتى يرجع))[6].

وقد أقسم الله بها تعظيمًا لها؛ فقال عزَّ من قائل: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2][7].

وإنما رفع الله قدْرَها، ونوَّه - صلوات الله وسلامه عليه - باسمها؛ لأنها خلاصة الأشهر الحرم، ومجمع أمَّهات العبادة وأصولها، وموعد الهجرة إلى الله والرحلة إلى بيتِه، والجهاد في مرضاته، وإذا كان الله اصطفى الأشهر الحرم وعظَّمها، فقد اصطفى منها شهر ذي الحجة وزاده تعظيمًا، ثم اختار عشرَه الأول فزاده شرفًا وفضلاً، فهي بلا ريب خير الأيام، وصفوة العام.

أيهما أفضل: أيام العشر من ذي الحجة أم ليالي العشر الأخير من رمضان؟
ولا يُعارِض هذا ما جاء في فضل ليلة القدر، وأنها كما قال تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3]، فإنَّ هذا الفضل ثابت لأيامها دون لياليها[8].

والحقُّ - كما قال ابن القيم - أنَّ ليالي العشر الأخير من رمضان أفضلُ من ليالي العشر من ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان، وبهذا البيان يزول الاشتباه[9].

ومن هنا كانت ليلة القدر أفضل الليالي على الإطلاق،كما أنَّ يوم النحر أفضل الأيام على الإطلاق[10]، وكفى أن سمَّاه الله تعالى يوم الحج الأكبر[11]، ويلي يوم النحر في الفضل يوم عرفة[12]، وقد صحَّ أن صيامه يُكفِّر ذنوب سنتين[13]، وما من يوم يُعتِق الله فيه الرقابَ أكثر منه في يوم عرفة[14]، وفيه يتجلَّى الله على عبادِه، ثم يُباهي ملائكتَه بأهل الموقف، وقد جاؤوا شُعثًا غُبرًا خاشعين لله، راجين من فضله رضاه[15]؛ ولئن كان يوم النحر يوم الرفادة والزيارة، فإنَّ يوم عرفة يوم التوبة والضراعة، والابتهال والطهارة[16].

سر تخصيص هذه الأيام بهذا الفضل:
هذا، وإذا استبان فضل هذه الأيام العشر، فإنَّا نحاول بعون الله وتوفيقه أن نبيِّن السرَّ في تخصيصها بهذا الفضل، مع يقيننا أنَّ مرد هذا التفضيل إليه - سبحانه - فهو الذي يفضل من شاء وما شاء، كما قال - جل ثناؤه -: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ [القصص: 68].

ولا بدَّ لنا قبل ذلك أن نقف - ولو قليلاً - على تاريخ هذه الأيام في الجاهلية الأولى، لنعرف كيف بدَّلها الله من الرجس طهرًا، ومن الضلال هدى، ومن الظلام نورًا.

لقد بدَّل العربُ في الجاهلية ملة إبراهيم حنيفًا، فملؤوا البيتَ بالرجس والأوثان، وأفسدوا الشعائر بالزور والبهتان، وقدَّموا لآلهتِهم الذبائح والقرابين، واتَّبعوا ما تتلو الشياطين، وجعلوا هذا الموسم ميدانًا لكل خرافةٍ وضلالة وشعوذة وجَهالة، حتى أَرسلَ الله رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهِره على الدين كلِّه، فمحا معالم الغواية، ورفع منار الهداية، وثبَّت دين الله في الأرض، وأعاد ملة أبيه إبراهيم طاهرة نقيَّة، استجابة لدعوته - عليه السلام - إذ قال: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 129].

وما إن تم فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا واستقرَّ الإسلام في جزيرة العرب، حتى عاد هذا الموسم ميدانًا للإيمان والنور والهدى، وإعلانًا لدعوة الحقِّ، ووسيلة أي وسيلة للتعارف والتعاون على البر والتقوى.

ولا يقولن قائل: إنَّ التمتع بهذا الموسم خاص بمن شدَّ الرِّحال إلى بيت الله الحرام، وأدَّى مناسك الحجِّ وشعائره على قواعد الإسلام، أما مَن أدَّى الفريضة أو كان عاجزًا عنها فليس له في فضيلة هذا العشر من نصيب، فإن الجواب عند من يعرف أنَّ المسلمين أمة واحدة، دينهم واحد وإلههم واحد، يتعاون حاضرُهم وغائبهم، وظاعنُهم ومقيمهم، وغنيهم وفقيرهم على المصلحة والخير العام، ولئن فات المقيم التمتُّع بمناسك الحج وشعائره، وشهود الإسلام في أكبر معالِمه وأجمل مظاهره، لا يفوته العمل وهو في وطنه لنفسه ولأمته على ما يرفع شأن المسلمين والإسلام، ويُعيد هذه الذكريات خالدةً في العالمين.

أرأيت كيف كان هذا العشر غُرَّة الدهر، وخلاصة الأيام، ومسْك الختام من كل عام؟ أوَرأيت أنَّ السعيد كل السعيد مَن وُفِّق لاغتنام فرصته، وتحصيل فضيلته، إذ كان أحب الأيام إلى الله، وأدناها إلى إحسانه ورضاه؟




_______________________________
[1] مجلة الأزهر: العدد العاشر، المجلد الثامن عشر، شوال 1366.
[2] أخرجه البخاري (969) في العيدين: باب فضل العمل في أيام التشريق.
[3] أخرجه مسلم (854) في الجمعة، ولفظه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها)).
[4] قال ابن رجب في " لطائف المعارف" (ص: 460)، وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - عن مجاهد، عن ابن عمر قال: "ليس يوم أعظم عند الله..."، وهو يدل على أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام.
[5] يقال: هذا رجل ناهيك من رجل: معناه أنه بجده وغنائه ينهاك عن تطلُّب غيره (طه).
[6] أخرجه البخاري (2785)، ومسلم (1878)، وانظر شرحه لهذا الحديث تحت عنوان: حي على الجهاد (ص: 273 - 282).
[7] كما قال غير واحد من السلف والخلف وقيل: هي العشر الأخير من رمضان، وقيل: العشر الأُول من محرم (طه).
[8] قال الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف" ص: 468، 469: " فأما لياليه - أي العشر من ذي الحجة - فمن المتأخرين - يريد به ابن القيم والله أعلم - من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه؛ لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيد جدًّا، ولو صحَّ حديث أبي هريرة: ((قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر))؛ رواه الترمذي (758) وابن ماجه (1728) من رواية النهاس بن فهم عن قتادة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا، والنهاس ضعَّفوه - لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإن عشْر رمضان فضِّل بليلة واحدة فيه، وهذا جميع لياليه متساوية لها في القيام على هذا الحديث، ولكن حديث جابر الذي خرجه أبو موسى المديني: ((ولا ليالي أفضل من لياليهن)) صريح في تفضيل لياليه كتفضيل أيامه أيضًا، والأيام إذا أُطلِقت دخلت فيها الليالي تَبَعًا، وكذلك الليالي تدخل أيامها تبعًا، وقد أقسم الله بلياليه، فقال: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]، وهذا يدل على فضيلة لياليه أيضًا.
والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال: "مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يَفضُل عليها غيرها، والله أعلم".
[9] زاد المعاد (1: 57).
[10] رواه الإمام أحمد في "مسنده" 4: 35 (19075)، وأبو داود (1765) في الحج، والحاكم في "المستدرك" (4: 221) وصحَّحه ووافقه الذهبي من حديث عبدالله بن قرط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ويوم القر))؛ وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، والقر هو: حادي عشر من ذي الحجة، سمي بذلك؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى.
[11] كما في سورة براءة، وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًّا ليقرأ صدرها في موسم الحج في السنة التاسعة، وكان أميره أبو بكر - رضي الله عنه - وكان التبليغ يوم النحر (طه)، وسمي يوم الحج الأكبر؛ لأن معظم أعمال الحج ومناسكه فيه.
[12] ولكن جاء في حديث جابر الذي رواه ابن حبان في "صحيحه" (9: 164) (3853) عن النبي - صلى الله عليه وسلم- : ((وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة))؛ وهو حديث صحيح، إسناده قوي، وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء، ومنهم من قال: يوم النحر أفضل الأيام، لحديث عبدالله بن قرط المتقدم، وانظر ما علقته (ص: 335).
[13] كما في الحديث الذي رواه مسلم (1162)، والترمذي (749)، وابن ماجه (1730)، ولفظه عند مسلم من حديث طويل عن أبي قتادة جاء في آخره: وسئل - أي رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن صوم يوم عرفة؟ فقال: ((يُكفِّر السنة الماضية والباقية)).
[14]اقتباس من حديث رواه مسلم (1348) عن عائشة قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)).
[15] اقتباس من حديث صحيح رواه الإمام أحمد في "المسند" 2: 305 (8047)، وابن خزيمة (2839)، وابن حبان (3852)، ولفظه عند أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - عز وجل - يباهي الملائكة بأهل عرفات، يقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا)).
[16] انظر أول زاد المعاد (1: 42- 68) في اختيار الله تعالى وتفضيله بعض الأشياء على بعض.





الساعة الآن 05:23 AM.