منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


عمل المرء لغيره




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع














عمل المرء لغيره[1]








عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عمَلُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتَفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له))؛ رواه مسلم[2].

مثوبة الله تعالى لعبده على عمل غيره:
كثُر الجدل قديمًا وحديثًا - ولا يزال قائمًا - في مثوبة الله تعالى وجزائه لعبده على عملِ غيره، فرجونا من الله أن يَهدينا سبيلَ الرشاد؛ حتى نخلُص إلى الحق من بين هذه المعركة الثائرة، وأن يشرح بالحق صدورًا لا تزال بالجَدَل ضائقة حائرة: ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ [الأحزاب: 4].

صلاح العمل عند الله:
لا جدال في أن من أصول الإسلام البيِّنة، ألا يُقبَل عند الله عمل غير صالح، سواء أَعمِله المرء لنفسه، وهو ما قدَّمنا الحديث عنه في الجزء الأسبق، أم عمِله المرء لغيره، وهو ما نَعرِض له في هذا الحديث، ولا جدال كذلك في أن صلاح العمل عند الله - سبحانه - إنما هو ببنائه على العلم المأثور، وخُلوصه من الشرك أكبره وأصغره؛ حتى لا يبتغي به عاملُه إلا وجهَ ربِّه الأعلى.

ومن الأوليَّات التي يعرفها كل مسلم أن الإسلام بُني على الإيمان والعمل، والتعاون على البر والتقوى.

الأعمال أصناف ثلاثة:
ومما يجب التنبيه عليه في هذه المقدمة إحقاقًا للحق وإيضًاحا له، أن عملَ العبد قد ينتهي بانتهاء أجله، وقد يمتد إلى أمدٍ - قريب أو بعيد - بعد أجلِه، وربما كان عظيمًا خالدًا لا ينقطع أثره، وقد يكون المرء سببًا في عمل غيره له فيُنسَب إليه كأنه عمله، ويَلحَقه ثوابه وأجره من غير أن يَنقُص شيء من أجر العامل نفسه، ومن هنا كان الدال على الخير كفاعله، وإذًا فالأعمال أصناف ثلاثة:
1- عمل المرء لنفسه كسبًا وسعيًا وتحصيلاً من طريق متَّصِل مباشرة، لا وساطة فيه ولا سبب؛ كصلاته وصيامه وحجه، وسائر أعماله البارة التي تنتهى بموته، أو يمتد أثرها بعده إلى ما شاء الله لها أن تمتد، مسجلةً في صحيفته؛ كعلمه النافع، وتأليفه الراشد، وحبْسه الخير على أهله.

2- وعمل لم يعمله المرء لنفسه، ولكنه كان سببًا فيه أو داعيًا له ودالاًّ عليه، ولولاه ما نبت هذا العملُ ولا أَثمر؛ كمن أنقذ كافرًا، أو أرشد حائرًا، أو هدى ضالاًّ، أو علَّم جاهلاً، أو دعا إلى الرُّشد حاكمًا، أو ردَّ إلى العدل ظالمًا، لا جرم أن له أعمالاً مباشرة متَّصِلة، هي الإنقاذ والإرشاد والهداية والتعليم والدعوة والرد، وله وراءها أجور آثارها الحسنة؛ إذ كان سببًا فيها، ولولاه لهَدَمها الكفر وما بعده.

3- وعملٌ لم يعمله المرء ولم يكن له فيه سعي ولا سبب، اللهم إلا السبب العام، وهو الإيمان بالله وبما جاء به خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليه.

انتفاع المؤمن بعمله بما كان سببًا فيه بعد موته:
والحديث شاهد عدْل على أن المرء ينتفع بعمله الذي امتدَّ أثره بعد موته، كما ينتفع بعمله الذي انقطع ثوابه بموته، وعلى بُطلان ما ذهب إليه شرذمة من أهل الكلام والبدع زعموا أن الميت لا يَنتفِع بعد أن فارَق حياته بشيء ألبتَّة، وشاهِد عدْل كذلك على أنه ينتفع بما كان سببًا فيه وداعيًا له؛ فإن استثناء هذه الأعمال الثلاثة من جملة عمله دليلٌ على أنها منه، وأن سبب العمل والسعي فيه يلحقه به.

تنشئة الأولاد على الهدى والاستقامة:
لا جَرَم أن الولد من كسْبِ الوالد وسعيه، وأن ما يعمله من الصالحات فلأبيه وأمه في صحائفهما مثل أجره؛ إذ كانا السبب في وجوده وتربيته، ومن هنا كان من أعظم الأعمال أثرًا، وأجلها قدرًا، تنشئةُ الأولاد على الهدى والاستقامة، وتربيتهم على الصالحات التي يدَّخرها الوالدان لنفسيهما، وليس عليهما بعد بلوغ الجهد والوُسْع في التربية على الهداية، ألا يهتدي الولد؛ فإنَّ التوفيق للهداية بيد الله وحده، وقد قال لنبيه - صلوات الله عليه وسلامه -: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].

ويؤيِّد هذا الحديث ويفصِّله ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ مما يَلحَق المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته: عِلمًا علَّمه ونشَره، وولدًا صالحًا ترَكه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تَلحَقه من بعد موته))[3].

أصول الصالحات المذخورة:
والاقتصار على الثلاثة في حديث مسلم؛ لأنها أصول الصالحات المذخورة، التي يُردُّ إليها غيرُها، ويُقاس عليها أمثالُها؛ أو لأن الله أعلمه بالثلاثة أولاً، ثم أعلمه بما زاد عليه ثانيًا، ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114].

وقف الخيرات والمبرَّات:
وفي الحديث الحضُّ على وقْف الخيرات والمبرات الدائمة، التي يبقى ذُخْرها وأجرها ما بقيت أعيانها.

وتقييد العلم بالمُنتفَع به؛ لأن العلم الذي لا يُنتفَع به لا يُثمِر أجرًا، بل ربما كان وزرًا وبلاءًً وإثمًا على صاحبه!

((ومن سنَّ في الإسلام سنةً حسنة، فله أجرها وأجر مَن عمِل بها من بعده من غير أن يَنقُص من أجورهم شيء، ومَن سَنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر مَن عمِل بها من بعده، من غير أن يَنقُص من أوزارهم شيء))[4].

الولد الصالح:
وإنما وصف الولد بالصلاح؛ لأن الأجر قلَّما يكون من غيره، اللهم إلا أجر الصبر على مصيبته، والنكبة به، والجهاد في تقويمه!

لا جَرَم أن فِسْق الأولاد وعقوقهم من أشد البلايا والمصائب والفتن التي يَمتحن بها الله آباءهم! وأن موتهم لأهونُ هذه البلايا وأيسرُها على ذويهم!

ولا يلحق الوالدَ شيءٌ من أوزار ولده وسيئاته، إذا كانت نيّته في تربيته تحصيل الخير له والعمل على ما ينفعه في دينه ودنياه، ولم يكن مُعينًا له على فساده.

وليس دعاء الولد شرطًا في حصول أجر الوالد ومثوبته؛ فإن الأجر ثابتٌ للوالدين كلَّما عمِل عملاً صالحًا، وإن لم يدْعُ لهما، كمن غرَس شجرًا، أو أجرى نهرًا، أو وقف خيرًا، فإن له أجرها، سواءٌ دعا له مَن انتفع به أم لم يدع له.

وإنما ذكر الدعاء؛ تحريضًا للولد على الدعاء لوالديه؛ بِرًّا بهما، وشكرًا لهما، ووفاء لبعض حقهما عليه، وامتثالاً لأمر الله تعالى، واقتداءً برسله - صلوات الله وسلامه عليهم - فقد قال - جل ثناؤه -: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].

وحكى عن شيخ رسله وأنبيائه نوح - عليه السلام - دعاءه لوالديه خاصة، وللمؤمنين عامة، فقال - عز من قائل -: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ﴾ [نوح: 28].

لا جَرم أن الولد يؤجَر على الدعاء لوالديه، وأن الوالدين ينتفعان بدعاء ولدهما، علاوة على انتفاعهما بكل عملٍ صالح يعمله.

أما بعد، فها هو الحديث شمِل صِنفين من العبادة، أجمع المسلمون على مثوبتهما وعِظَم آثارهما والانتفاع بهما، وبقي النظر في الصِّنف الثالث، ندَّخره للجزء القادم، فما أجدره بجزء مُستقِل[5]، والله المستعان على قول الحق واتِّباع سبيل المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا به.



_______________________________
[1] مجلة الأزهر، العدد الثامن، المجلد الثلاثون (1378، 1959).
[2] أخرجه مسلم (1631) في كتاب الوصية بهذا اللفظ ليس غير، وهو الذي ذكره ابن القيم في كتابه "الرُّوح" ص (298)، لكن بلفظ (ثلاث) من غير هاء، ورفعه النووي في شرْحه لمقدمة مسلم (1:60) بلفظ: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية)) .. إلخ، ومن الغريب أن يَنسبه صاحب كشف الخفاء (1/99) إلى أبي داود (2880)، والترمذي (1376)، والنَّسائي (3651)، والبخاري في الأدب المفرد (38)، ويترك مسلمًا، ولعله سهوٌ منه أو من الناسخ، ومن الخطأ نسبته إلى الشيخين أو إلى البخاري وحده؛ فإنه لم يُخرِّجه في "صحيحه"، وهو المراد عند الإطلاق (طه).
[3] أخرجه ابن ماجه (242)، وابن خزيمة (2490)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (3448) من طريق مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزهري، عن أبي عبدالله الأغر، عن أبي هريرة مرفوعًا، وإسناده ضعيف؛ مرزوق بن أبي الهذيل لين الحديث، وفي الباب عن أبي قتادة عند ابن ماجه (241)، وابن حبان (93).
[4] اقتباس من حديث رواه مسلم (1017)، وقد شرحه المؤلف - رحمه الله تعالى - بعنوان: سنة حسنة.
[5] لم أقف على تتمَّة شرحه لهذا الحديث، وهو آخر ما وقفت عليه منشورًا في مجلة الأزهر، ولعل الله - سبحانه - يُقيِّض لي الوقوف على تتمة شرحه لهذا الحديث وغيره مما لم يُنشر للمؤلف - رحمه الله تعالى.







الساعة الآن 03:07 AM.