منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > قسم التربية والتعليم > الفن الادب الشعر > القصص
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


بقلم العضو كيف كان

بقلم العضو




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
يحسب بعض الناس أنَّ مشاكلهم هي أعظم مآسي العالم ... ويرى آخرون أن البؤس ما هو إلا جرعات مضاعفة ومبالغة للألم ، وأنه لا يوجد إلا في رواية البؤساء وشقيقاتها من القصص الخيالية !!
لكن .. هناك مَن يعيشون بيننا -على نفس هذا الكوكب- وهم يكابدون الهم ويصارعونه .. أشخاص -يظن أكثر البشر- بأنهم لا يوجدون إلا في الأساطير! .. لكنهم معنا .. حتى في تلك الدول المغلفة بقماش حريري مزين بالذهب والألماس .. في الداخل هم موجودون .. في الأعماق حيث الظلام .. حيث لا تصل أشعة الشمس ، فتنعدم الرؤية!


كانت تأكل قطعة كبيرةً من الحلوى ، وتقف بحذر وهي تراقب -من بعيد- أمها التي تطهو الطعام في المطبخ بينما توزعت شقيقاتها في أنحاء المنزل لتبدأ كل منهن عملها .. بقيت واقفة بانتظار لحظة مناسبة ، وحينما تأكدت بأن الجميع لا يرونها جرت بخفة وسرعة عَبْرَ الممر المؤدي إلى حديقة المنزل ، ثم خرجت إلى الشارع دون أن يلاحظها أحد ، فهي معتادة على القيام بـ هكذا أمور!
بحثت بعينيها -المفتوحتين لأقصى حد- عن أي مخلوق في شارع البيت القديم المملوء بالأزقة ، وسرعان ما سمعت صوتاً قريباً فاتجهت نحوه وفمها المفتوح يرسم على وجهها ابتسامة غريبة .. وجدت مجموعة من الفتية يلتفون حول شخص لم تتمكن مِن رؤيته .. لكن ذلك لم يكن مهماً بالنسبة لها .. المهم بأنها -أخيراً- وجدت شخصاً ما ، فانطلقت منها ضحكة عالية بنبرة غير طبيعية جعل
ت الكل يلتفتون وجسدهم يرتعش ذهولاً ، وما إن رأوها حتى تعالت صرخاتهم وتشتت جمعهم: "المجنونة! .. إنها مَرمَر المجنونة!!"


اتسعت ابتسامها أكثر وركضت نحوهم صارخة وهي ترى كلاً منهم يفر بنفسه ، فلم يبقى إلا الشخص الذي كانوا يحاصرونه .. كان ذاك الشخص طفلة .. لا بل طفلتين! .. كانت الأولى متجمدة مِن الخوف وعيناها البنيتان القاتمتان قد اتسعتا من الذهول لدرجة يُخيَّل للناظر بأن شعرها الأسود الطويل سيصبح أبيضاً! .. أما الأخرى فكانت بملابسها الرثة القذرة تقف خلف الأولى تحتمي بها وهي تغمض عينيها بذعر وشعرها البني الأشعث يغطي وجهها .. سمعت رفيقتها تهمس بصوت مبحوح: "مَرمَر!"
فتحت ذات الشعر البني عينيها العسليتين باستغراب ورفعت رأسها ، فلما رأت بأن أولئك الفتية -الذين كانوا حولها- قد اختفوا تغيرت ملامحها القلقة البريئة إلى معالم حادة قاسية لا تليق بطفلة ، ودفعت الفتاة التي كانت أمامها أرضاً بعنف وهي تصرخ بها: "ابتعدي!" ، فقالت صاحبة الشعر السود باستغراب واستنكار: "رغد؟!"

أخذت رغد تنظر إليها بكره ثم رمقت الفتاة المجنونة بازدراء ، وردت الأخيرة عليها بنظرات بلهاء وهي تمتص حلواها -التي كانت ترافقها طيلة ذلك الوقت- ، فما كان من رغد إلا أن سحبت الحلوى بقوة جعلت المسكينة تصرخ غضباً بأعلى صوتها وبكل ما استطاعت مِن قوة ، ولأنها لم تكن قد ابتعدت عن المنزل فإن صرخاتها وصلت لمسامع أمها التي تركت ما بيدها مباشرة وركضت نحو الشارع منادية بخوف: "مريم!"
اتجهت نحو ابنتها -التي واصلت صراخها وهي تحاول استعادة الحلوى- واحتضنتها ، ولسببٍ ما اهتزت رغد لما رأت ذلك المشهد .. رفعت أم مريم رأسها وصرخت: "لماذا تفعلون كل هذا بابنتي؟! حتى إن لم تكن تفهم ما يفهمه مَن في عمرها .. لكن ذلك لا يعني بأنها بلا مشاعر! .. ارحموها!"

رمت رغدُ أمَّ مريمَ بنظرة حاقدة ثم لاذت بالفرار ، فسارعت صاحبة الشعر الأسود باللحاق بها وهي تنادي باسمها ، وفي داخلها كانت تتساءل: "كيف لرغد أن تخاف مِن فتيان حمقى وهي التي لا تبالي بمواجهة مَرمَر التي يخشاها الكثيرون!"
رغد كانت تستمر بالجري متجاهلة تلك الفتاة التي حمتها .. لكنها توقفت فجأة مما سمح للفتاة باللحاق بها .. نظرَت حيث تنظر رغد ، فوجدتها تراقب صبياً يلاحقه نفس الفتيان الذين كانوا يحاصرونها ..
كان ذلك الصبي مميزاً عن البقية بهندامه المنظم ورأسه المرفوع عالياً ومشيته الثابتة وكأنه مِن عالم آخر ، فصاح أحد الفتيان بسخرية: "انظروا إليه .. يظن نفسه أميراً علينا!"
التفت الصبي إلى الفتية وأخذ يرمقهم باستحقار ، فاندفعوا نحوه بغضب: "نعم؟!! .. إلام تنظر؟!"
هز الصبي رأسه يميناً ويساراً كأنه يقول: "لا فائدة من الحديث معكم ومع أمثالكم!" فاستفزتهم تلك الحركة وهجموا عليه وهم يصيحون بغضب ، ورموه على الأرض وابتعدوا قائلين بحنق: "يبدو بأنه نسى مَن هو ومَن أبوه!!"


اعتدل جالساً على الأرض وهو يتذكر بألم كيف كان يعيش برفاهية في مدينة أخرى .. عائلته كانت معروفة بثرائها الفاحش ولها هيبتها! .. لا يدري مِن أين وكيف اُتُّهِم والده باختلاس الأموال لينقلب الوضع كله ، فأصبح محاطاً بعيون الشامتين وأحداق المشفقين واستحقار الناس الذين عاملوه كما يعاملون المجرمين! .. تقرر أن ينتقل هو وأمه هرباً من الناس ريثما يبقى والده ليثبت براءته .. لم يتوقع أحد أن أخبارهم قد وصلت للمكان الجديد قبلهم ، فزارت -الأخبار- كل البيوت متزينة بحليٍّ مغشوشة ومجوهرات مقلدة بمهارة من الأكاذيب والإشاعات السيئة عنهم .. أحس بحركة بالقرب منه ، فرفع رأسه ورأى صبياً يقاربه بالعمر يمد له يده ليساعده على الوقوف وعلى محياه ابتسامة هادئة ، فنهض بمساعدة ذلك الصبي الذي سأله بمرح:
"هل أنتَ جديد هنا؟ لَم أرك مِن قبل"


اطمأن له ولأسلوبه فرد بعفوية: "نعم .. لقد انتقلتُ إلى هنا منذ أسبوعين ..اسمي نادر ..." فقاطعه الصبي بذهول: "ابن المُختلِـ ..."
ووضع يده على فمه بسرعة وإحراج ، فقال نادر بحدة وقد أحس بالدم يغلي في عروقه: "نعم! أنا ابن المُختلِس المظلوم! ..." وتابع بتهكم: " أتساءل مَن هو أبوك أنت!!؟"
بجدية وهدوء شديدين أجابه: " توفي قبل خمس سنوات .. ولحقت به أمي العام الماضي!"

انطفأت ملامح نادر عند سماعه لذلك الكلام فبقي صامتاً محرجاً بينما ابتسم ذاك قائلا: "أنا اسمي عادل وعمري ثمان سنوات ..."
أشار لطفلة ذات شعر أسود وعينين بنيتين قاتمتين ، وأكمل: "تلك أختي شذى .. عمرها خمس سنوات"
ابتسم نادر قائلاً: "إما أنك تحب الحساب كثيراً .. أو أنك ثرثار!"
أخذ عادل يضحك ، ثم قال: "كلاهما صحيح! .. ولولاهما لما أصبحت أعمل محاسباً في إحدى المحلات القريبة! .. الآن لدي وظيفتان!"


سار مع أخته نحو مكان ما ، فتبعهما نادر وقال له:
"أحقاً تعمل؟! .. ووظيفتان أيضاً؟! .. أهذا صحيح؟!"
رد عادل وهو يتابع السير: "وأذهب إلى المدرسة أيضاً .. إن لم تصدقني فتعال .. أنا ذاهب الآن إلى مكان عملي لأني نسيت دفتري هناك وحينها ..." قاطعه نادر حينما أشار إلى طفلة -كانت مختبئة وتراقبهم من بعيد بعينين عسليتين تبدو فيهما الكراهية- وهو يقول:"من تلك الطفلة؟ .. إنها مخيفة!"
أجابه عادل بسرعة بعد أن نظر إلى الطفلة: "تقصد رغد .. إنها بعمر أختي .. كانت تعيش مع والديها وشقيقها الذي يصغرها بعامين .. كان على والدها الكثير من الديون ، وكان والدها يردد دائماً بأن الفتيات لا فائدة منهن وأنه يتمنى لو يكبر ابنه سريعاً ليعتمد عليه! .. وقبل أربعة أشهر اختفى هو وزوجته وابنهما بعد أن طلبا مِن ابنتهما أن تنتظرهما في المنزل! ... لقد تخليا عنها!!"
تمتم نادر بذهول: "أتعني بأنهم تركوها على الأبد؟!"
هز عادل رأسه إيجاباً وهو يقول: "رغد طفلة غريبة! .. طباعها حادة خبيثة! ... إنها ترفض المساعدة من الناس وتكرههم .. كما أن معظم الناس هنا يكرهونها أصلاً! .. لكن شذى تحبها! .. على أية حال .. وصلنا"

كان الثلاثة -نادر وعادل وأخته- قد وصلوا إلى سوق صغير فيه العديد من المتاجر البسيطة المتراصة وكان هناك بعض الأطفال الذين ينقلون بعض المعدات والأشياء الثقيلة مِن وإلى المحلات تحت وطأة الشمس .. همس نادر وهو يراقبهم:
"هذا إذاً عملك الثاني؟ .. ما مقدار المال الذي يعطونك إياه؟"
أجاب بسرور: "سبعون ريالاً في الشهر .. وثلاثون ريالاً شهرياً مِن عمل المحاسبة .. أي مائة كاملة!"
اقترب أحد الأطفال منهم وخاطب عادل قائلا: "أيها الطالب المجد! .. إن كنت تبحث عن دفترك فهو عند سمير .. اذهب على منزله"

وعلى الفور اتجه عادل نحو إحدى الأزقة وهو يقول لنادر -الذي يلاحقه-: "سمير أصغر مني بسنة ونصف .. لا يملك المال الكافي للدراسة ، فاضطر إلى العمل خاصة بعد أن أصيب والده بكسر في ساقه قبل أيام .. هاهو المنزل إنه قريب!"
أخذ عادل يطرق باب البيت وأصوات مزعجة تصدر من الداخل .. فتح سمير الباب وقال: "هذا أنت عادل؟ .. تفضل ومن معك"
وأفسح لهم الطريق ليدخلوا ، وهناك فوجئ نادر بوجود العديد من الأطفال في الداخل -رغم ضيق المكان وصغر حجمه- .. كان بعضهم يلعب هنا وهناك مصدرين أصواتاً مزعجة ، وآخر يبكي وبجواره فتاة تحاول تهدئته ، وكذلك صدر من إحدى زوايا البيت المكتظة بكاء طفل رضيع .. ذهب سمير لإحضار الدفتر في حين همس عادل لنادر:
"جميع هؤلاء إخوة سمير .. عددهم إحدى عشر .. أكبرهم في الخامسة عشر وأصغرهم ذو خمسة أشهر!! .. كما سمعتُ أن إحداهن حامل وستلد بعد شهور"

كرر نادر بعدم فهم: "إحداهن؟!!"
فهمس له عادل بشيء جعله يصرخ:
"والده متزوج من أربع؟!!"
وفي اللحظة نفسها كان سمير قد عاد ، فحدق بهم بحقد فسارع عادل بسحب دفتره من يد سمير وأمسك بأخته وقال بابتسامة بريئة:
"شكراً .. أراك غداً!"
وخرج مسرعاً ونادر خلفه ، فتابعا السير معاً والشمس على وشك الغروب .. عرف نادر قصة أخرى غريبة عن فتاة يتيمة في مثل عمرهما تعيش مع أمها وشقيقاتها السبع ، ويقول الناس عنها بأنها مجنونة واسمها مريم لكن معظم الناس يسمونها مَرمَر!




كان ذلك النهار بالنسبة لنادر يوما .. حافلاً! .. وتم ذلك بحلول المساء .. إذ عاد نادر إلى المنزل باكياً .. فقد سمِع خبراً أكيداً يقول بأن والده سُجن بسبب تلك التهم الباطلة! .. -(دمعة)- ...

وبحلول المساء دخل عادل إلى بيته الصغير ووضع أخته النائمة في سريرها ثم خرج من الغرفة وأخذ يبكي .. اعتاد في كل ليلة على كبت حزنه والتظاهر باللامبالاة ولا ينزع القناع إلا بعد نوم أخته .. -(دمعتان)- ...

ولم يعلم بأن أخته تبكي معه .. اعتادت ألا تبكي إلا إذا بكى أخوها .. حتى يسمع أنينه ولا ينتبه لأنينها ، فلا يعرف بأمر بكائها وهي تدعي جهلها بموضوع بكائه! ..
-(ثلاث دمعات)- ...

وفي كل مساء كانت الملامح المخيفة تختفي من وجه الطفلة رغد ليحل محلها الضعف والانكسار ، فتبكي مِن عذابها ووحدتها .. ومِن حاجتها إلى مَن رماها! -(أربع)- ...

وكذلك في المساء أحياناً يستغل سمير نوم عائلته ليتسلل إلى خارج المنزل فيحصل على حريته في البكاء .. فقرٌ وجهلٌ .. وغباء!! -(خمس)- ...

وفي كل مساء .. تجلس مريم بسذاجة لتراقب السماء من خلال النافذة ، فيسمع لها صوت غريب .. أحياناً كانت تضحك .. بل تنفجر ضحكاً دون سبب! .. وأحياناً تبكي .. بل تنفجر بالبكاء!
لكن .. لا أحد يعرف ما إذا كان هناك سبب أم لا .. أعني .. البعض يرى تلك الدموع هي الأكثر صدقاً .. وآخرون يرونها .. بلا معنى ... -(فكانت صفراً!!)- ...!




الساعة الآن 06:09 PM.