منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


فانظروا...ثم انظروا




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع












فانظروا...ثم انظروا









ورد الأمر بـ (السير) في الأرض في القرآن في مواضع عدة، جاء في معظمها الربط بين (السير) و(النظر) بحرف (الفاء)، نحو قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا} (النمل:69). غير أنه ورد في موضع واحد الربط بين الأمرين بحرف (ثم)، وذلك في قوله تعالى: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا} (الأنعام:11).

وقد ذكر أهل التفسير بعض التوجيهات اللطيفة لهذا الفارق، نذكرها على النحو التالي:

أولاً: قال الزمخشري: "فإن قلت: أي فرق بين قوله: {فانظروا}، وبين قوله: {ثم انظروا}؟ قلت: جعل النظر مسبَّباً عن السير في قوله: {فانظروا} فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله: {سيروا في الأرض ثم انظروا} فمعناه: إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك بـ (ثم)؛ لتباعد ما بين الواجب والمباح".

وحاصل الفرق في كلام الزمخشري: أن العطف بـ (الفاء) يفيد السببية بين (السير) و(النظر)، بمعنى أن (السير) يقتضي (النظر) والاعتبار في آثار الآخرين. أما العطف بـ (ثم) فيفيد الانفصال بين الأمرين (السير) و(النظر)، فحمل الأول على الإباحة، والثاني على الوجوب، وعطف بينهما بـ (ثم) التي تفيد التراخي. وقد رد أبو حيان هذا التوجيه، ولم يعتد به، من جهة دعوى أن (الفاء) تكون سببية لا دليل عليها، وإنما معناها التعقيب فحسب. وعلى تسليم أن (الفاء) تفيد التسبيب، فلم كان (السير) موضع سير إباحة، وفي غيره سير واجب؟ فيحتاج ذلك إلى فرق بين هذا الموضع، وبين تلك المواضع.

ثانياً: ذكر الآلوسي في "تفسيره" أن الذي اختاره غير واحد من أهل العلم، أن (السير) متحد في المواضع كافة، ولكنه أمر ممتد يعطف (النظر) عليه بـ (الفاء) تارة نظراً إلى آخره، وبـ (ثم) أخرى نظراً إلى أوله، وكذا شأن كل ممتد.

وحاصل ما ذكره الآلوسي: أن الأمر بـ (السير) واحد في الآيات كافة، لكن لما أراد أن ينبه على أهمية النظر والاعتبار بآثار الهالكين عطف بحرف (الفاء) الذي يفيد الترتيب والتعقيب، لكن لما أراد الاهتمام بـ (السير) عطف عليه النظر بحرف (ثم) الذي يفيد التراخي والتمهل.

ثالثاً: قال الخطيب الإسكافي: "إن قوله: {قل سيروا في الأرض فانظروا} (النمل:69)، يدل على أن السير يؤدي إلى النظر، فيقع بوقوعه، وليس كذلك (ثم)، ألا ترى أن الفاء وقعت في الجزاء، ولم تقع فيه (ثم) فقوله في سورة الأنعام: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا} لم يجعل النظر فيها عقيب السير، متعلقاً وجوده بوجوده؛ لأنه بعثٌ على سير بعد سير؛ لما تقدم من الآية التي تدل على أنه تعالى حداهم على استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد، وأن يستكثروا من ذلك؛ ليروا أثراً بعد أثر في ديار بعد ديار، قد عم أهلها بدمار...فدعا إلى العلم بذلك بالسير في البلاد ومشاهدة هذه الآثار، وفي ذلك ذهاب أزمنة كثيرة ومدد طويلة، تمنع النظر من ملاصقة السير، كما قال في المواضع الأُخر التي دخلتها الفاء؛ لما قصد من معنى التعقيب، واتصال النظر بالسير؛ إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملت فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار، فجعل السير في الأرض في هذا الموضع مأموراً به على حدة، والنظر بعده مأموراً به على حدة، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء عُلِّق فيها وقوع النظر بوقوع السير؛ لأنه لم يتقدم الآية ما يحدو على السير الذي حدا عليه فيما قبل هذه الآية؛ فلذلك خصت بـ {ثم} التي تفيد تراخي المدة المهملة بين الفعلين".

رابعاً: وقالوا أيضاً: إن (ثم) تدل على الترتيب مع التراخي، والفاء تدل على التعقيب، والسر في ذلك أن الأمر بالسير في هذه الآية وقع في سياق الحديث عن القرون الغابرة؛ حيث قال سبحانه: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} (الأنعام:6)، فلكثرة القرون، وإيغالها في أزمنة متطاولة، ناسب معه استعمال (ثم)، التي تدل التراخي والبعد، أما في غيرها من الآيات فلم تذكر فيه القرون، وإنما ذكرت العبر، كقوله سبحانه: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (آل عمران:137)؛ ولهذا حسُن الإتيان بـ (الفاء) هنا خلاف آية الأنعام.

خامساً: ليس بمستبعد أن يقال: إن العطف بـ (الفاء) إنما هو نظر اعتبار مسرع، يقفز مباشرة إلى رؤية نتائج التكذيب من خلال النظر في الآثار والأوابد الباقية، كآثار عاد وثمود والمؤتفكات. وفائدة هذا النظر الإيمان ابتداءًً قبل العلم.

أما العطف بـ (ثم) فيشير إلى نظر البحث والتنقيب -وهو علم أهمله المسلمون، وحفل به الغربيون، وأمكنهم من خلاله تزوير التاريخ، وتركيبه وفق ما يشتهون- هذا العلم الذي يدرس الآثار دراسة متأنية ومتروية؛ ليستخرج منها دلالتها على ما أصاب الهالكين. وفائدة هذا النظر العلم المفضي إلى الإيمان.

ولا بأس أن نشير أخيراً إلى أن أكثر المفسرين لم يطل الوقوف عند هذه الفروق بين الآيات، كونها فوارق لا تعتمد الأثر، وإنما تسريح النظر، وهو مجال واسع للعقول.





الساعة الآن 07:39 AM.