منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


في مستقر الأرواح




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع












في مستقر الأرواح






عن مسروق قال: سألنا عبدالله (هو ابن مسعود) عن هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169]، قال: أَمَا إنَّا سألنا عن ذلك، فقال: ((أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضْر، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرحُ من الجنة حيث شاءتْ، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربُّهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يَسْأَلوا، قالوا: يا رب، نريد أن تردَّ أرواحَنا في أجسادِنا حتى نقتلَ في سبيلك مرةً أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا))[1].

عن أم هانئ أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتزاور إذا متْنَا، ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تكون النسم طيرًا تعلق بالشجر، حتى إذا كانوا يوم القيامة دخلتْ كل نفس في جسدِها))[2].

فيه مسائل:
المسألة الأولى: معاني الكلمات:
قوله: (أَمَا إنا قد سألنا عن ذلك، فقال))؛ قال القاضي عياض: وهذا الحديث مرفوع؛ لقوله: (إنا قد سألنا عن ذلك، فقال)؛ يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم.

قوله: ((أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل)): فيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة.

وقالت المعتزلة، وطائفة من المبتدعة أيضًا، وغيرهم: إنها ليست موجودة، وإنما توجد بعد البعث في القيامة، قالوا: والجنة التي أخرج منها آدم غيرها، وظواهر القرآن والسنة تدل لمذهب أهل الحق.

قال القاضي: وقد اختلف الناس في الروح ما هي؟ اختلافًا لا يكاد يحصر:
فقال كثير من أرباب المعاني وعلم الباطن المتكلمين: لا تعرف حقيقته، ولا يصح وصفه، وهو مما جهل العباد علمه، واستدلوا بقوله -تعالى-: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85].

وغلت الفلاسفة، فقالت بعدم الروح، وقال جمهور الأطباء: هو البخار اللطيف الساري في البدن، وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة، وقال آخرون: هي أجسام لطيفة مشابكة للجسم يحيا لحياته، أجرى الله - تعالى- العادةَ بموت الجسم عند فراقه، وقيل: هو بعض الجسم؛ ولهذا وصف بالخروج، والقبض، وبلوغ الحلقوم، وهذه صفة الأجسام لا المعاني، وقال بعض مقدمي أئمتنا: هو جسمٌ لطيف، متصور على صورة الإنسان داخل الجسم، وقال بعض مشايخنا، وغيرهم: إنه النفس الداخل والخارج، وقال آخرون: هو الدم، هذا ما نقله القاضي، والأصح عند أصحابنا أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن، فإذا فارقتْه مات.

قال القاضي:
واختلفوا في النفس والروح، فقيل: هما بمعنى، وهما لفظان لمسمًّى واحد، وقيل: إن النَّفْس هي النَّفَس الداخل والخارج، وقيل: هي الدم، وقيل: هي الحياة، والله أعلم.

قوله: ((فقال لهم الله - تعالى -: هل تشتهون شيئًا؟)): هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم؛ إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر، ثم رغبهم في سؤال الزيادة، فلم يجدوا مزيدًا على ما أعطاهم، فسألوه حين رأوا أنه لا بد من سؤال، أن يُرجِع أرواحَهم إلى أجسادهم ليجاهدوا ويبذلوا أنفسهم في سبيل الله -تعالى- ويستلذوا بالقتل في سبيل الله، والله أعلم[3].

قوله: (عن أم هانئ): اختلف في اسمها؛ فقيل: أم قيس، وقيل: أم هانئ الأنصارية، وهي غير أم هانئ بنت أبي طالب، بنت عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخت علي بن أبي طالب[4].

قوله: ((تكون النسم))؛ أي: الأرواح بعد الموت.

قوله: ((طيرًا))؛ أي: على شكل الطير، أو في حواصل طير على ما مرَّ.

قوله: ((تعلق بالشجر))؛ أي: تأكل منه، والمراد شجر الجنة.

قوله: ((حتى إذا كان يوم القيامة))؛ يعني: إذا نفخ في الصور النفخة الثانية.

قوله: ((دخلت كل نفس في جسدها)) الذي كانت فيه في الدنيا[5].

المسألة الثانية: مستقر الأرواح بعد الموت:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة، والصحيح أنه لا تنافِيَ بين هذه الأقوال؛ لأن الأرواح متفاوتة في مستقرِّها في البرزخ أعظم تفاوت؛ فمنها في أعلى عليين، ومنها في حواصل طير، ومنها ما يكون محبوسًا على أبواب الجنة، ومنها ما يكون مقره باب الجنة، ومنها ما يكون محبوسًا في الأرض لا تعلو روحه إلى الملأ الأعلى؛ فإنها كانت روحًا سُفْلية كما كانت في الدنيا، ومنها أرواح تكون في تنُّور من نار مثل الزُّنَاة، ومنها تكون في نهر الدم تسبح، فليس للأرواح شقيّها وسَعِيدها مستقر واحد؛ فمَن تتبع السنن والآثار في هذا الباب وكان لديه فضل اعتناء، عَرَف أنه ليس هناك تعارض بين الأدلة...[6].

وقال الألوسي الحنفي:
"هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس واختلفوا فيها، وهي إنما تتلقى من السمع فقط، واختلف في ذلك، فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله - تعالى- في الجنة شهداء كانوا أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دَين، ويلقاهم ربهم بالعفو عنهم، وهذا مذهب أبي هريرة وعبدالله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما".

قال الألباني - رحمه الله - معلقًا على كلام الألوسي:
"وهو الصحيح من الأقوال الآتية؛ لأن غيره مما لا دليل عليه في السنة، أو في أثر صحيح تقوم به الحجة كما سترى، وهو الذي جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (24 / 365)، وقال: ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله، وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك، وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم"[7].

قلتُ: الحاصل أن مستقر الأرواح على تفصيل على النحو التالي:
أرواح الأنبياء في الملأ الأعلى؛ لما ثبت في حديث عائشة - رضي الله عنها - في وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعته يقول: ((بل الرفيق الأعلى))[8].

أرواح الشهداء في حواصل طيرٍ خُضْر تسرح في الجنة، كما في حديث ابن مسعود الذي مرَّ في الباب معنا.

أرواح المؤمنين تكون طيرًا تعلق في شجر الجنة، كما في حديث أم هانئ الذي مر في الباب معنا، وحديث عبدالرحمن بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنما نسمة المسلم طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة))[9].

والفرق بين أرواح الشهداء وأرواح المؤمنين: أن أرواح الشهداء تنتقل في الجنة حيث شاءت، أما أرواح المؤمنين، فلا تنتقل.

من المؤمنين مَن يكون محبوسًا على باب الجنة؛ مثل مَن مات وعليه دَين، ففي حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن صاحبَكم قد حبس على باب الجنة بدَينٍ كان عليه))[10].

مَن يكون محبوسًا في قبره؛ كصاحبِ الشَّمْلة التي غلَّها؛ أي: أخذها خيانة قبل أن توزع الغنيمة، ثم استشهد، فقال الصحابة: هنيئًا له الجنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((والذي نفسي بيده، إن الشَّمْلة التي غلَّها تشتعل عليه نارًا في قبره))[11].

أرواح العصاة تختلفُ حسب نوع المعصية، ففي حديث سمرة بن جندب الطويل: ((أن أرواح الزناة والزواني تكون في تنُّور من نارٍ، وأن أرواح آكلي الرِّبا تسبح في نهر من الدم وتلقم بالحجارة، وأن أرواح الكذَّاب تعذب بكلُّوب من حديد يدخل في شدقِه حتى يبلغ قفاه، وأن أرواح الذي أوتِي القرآن فنام عن الصلاة المكتوبة يشرخ رأسه بصخرة))[12].

المسألة الثالثة: هل أرواح الموتى تتزاور؟
قال ابن القيم: إن الأرواح قسمان: إما معذبة، وإما منعمة.

فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي.

وأما المنعمة المرسلة غير المحبوسة، فتتلاقى وتتزاور، وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا، كل روح مع رفيقها الذي على مثل عملها.

قلت: ومما يدل على جواز التزاور حديثُ أم هانئ - رضي الله عنها - الذي مرَّ في الباب معنا، فيدل بمفهومه لا بمنطوقه، ومما يستدل به أيضًا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه: ((وإن المؤمن يصعدُ بروحِه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفِهم من أهل الأرض...))[13].

وعنه أيضًا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن المؤمنَ إذا قُبِض، أتتْه ملائكة الرحمة بحريرةٍ بيضاء، فتقول: اخرُجِي إلى روحِ الله، فتخرج كأطيبِ ريح مسك، حتى إنهم ليناوله بعضهم بعضًا يشمُّونه، حتى يأتون به باب السماء، فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غم الدنيا، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: ذُهب به إلى أمه الهاوية، وأما الكافر، فيأتيه ملائكة العذاب بمُسْحٍ، فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتنِ ريح جيفة، فتذهب به إلى باب الأرض))[14].

المسألة الرابعة: هل النفس هي الروح؟
التحقيق في ذلك أنهما شيء واحد، فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما تسمى نفسًا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة عن البدن، فتسمية الروح أغلب عليها، والله أعلم.

ومن ذلك ما وقع في كلام بعض الناس أن لابن آدم ثلاث أنفس: مطمئنة، ولوَّامة، وأمَّارة بالسوء، وهذا مجانب للصواب؛ بل الحق في هذه المسألة أنها نفس واحدة لها ثلاث صفات، فهي أمارة بالسوء، فإذا عارضها الإيمان صارت لوَّامة تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها، وتلوم بين الفعل والترك، فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنة، والله أعلم[15].

هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟
قال الألوسي: وجوابها نعم، قال الله -تعالى-: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: 42].

روى أبو عبدالله بن مَنْدَه بسنده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - في هذه الآية، قال: "بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله -تعالى- أرواح الموتى، ويُرسِل أرواح الأحياء إلى أجسادها".

والقول الثاني في الآية: أن الممسَك والمرسَل في الآية كلاهما توفِّي وفاة النوم؛ فمَن استكملت أجلها، أمسكَها عنده فلا يردها إلى جسدها، ومَن لم تستكملْ أجلها، ردَّها إلى جسدها لتستكملَه.

وعلق الألباني قائلاً: وقد واجه ابن القيم (ص 20 - 21) كلاًّ من القولين، وذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية اختار القول الثاني، ثم رجَّح هو القول الأول، ثم أفاد من التحقيق أن الآية تتناول النوعين: الوفاة الكبرى، وهي الموت، والوفاة الصغرى، وهي النوم، وبذلك فسر الآية ابن كثير، ثم قال (4/55): فيه دلالة على أنها تتجمع في الملأ الأعلى؛ كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن مَنْدَه، وغيره"[16].

هل الروح تموت كما يموت البدن؟
على خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم مَن قال بأنها تموت، واستدلوا بقوله -تعالى-: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88]، وقالوا: إذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية تموت من باب أولى.

وذهب آخرون إلى أنها لا تموت؛ فإنها خُلِقت للبقاء وإنما تموت الأبدان، قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على النعيم والعذاب للأرواح بعد مفارقتها للبدن.

والصواب أن يقال: موت النفوس: هو مفارقتها للجسد وخروجها منه، فإن أرادوا بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أرادوا أنها تعدم وتفنَى بالكلية، فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد قبضها في نعيم أو في عذاب أليم[17].



_______________________________
[1] مسلم (1887) كتاب الإمارة، والترمذي (3011) كتاب التفسير، وابن ماجه (2801) كتاب الجهاد، والدارمي (2410) كتاب الجهاد.
[2] أحمد (27387) وحسنه لغيره الألباني في الصحيحة (2/178) وقال: للحديث شاهد قوي من حديث كعب بن مالك مرفوعًا به نحوه أخرجه مالك وغيره بسند صحيح، وصححه لغيره محققو المسند (45/383).
[3] شرح مسلم للنووي (13/47 - 49).
[4] أسد الغابة (6/432).
[5] التيسير لشرح الجامع الصغير للمناوي (1/925).
[6] الروح لابن القيم (116) بتصرف.
[7] انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات؛ للألوسي الحنفي، تحقيق الألباني (99).
[8] البخاري (3670)، ومسلم (2444).
[9] أحمد (15776)، وابن ماجه (4271)، وصححه الألباني في الصحيحة (995).
[10] أحمد (20157)، وصححه الألباني في الصحيحة (3415).
[11] البخاري (4234)، ومسلم (115).
[12] البخاري (7074).
[13] البزار، وصححه السيوطي، وكذا الألباني في الصحيحة (2628)، وذكر له شواهد موقوفة، لها حكم الرفع، قال القرطبي في التذكرة: وهذه الأخبار، وإن كانت موقوفة، فمثلها لا يقال من جهة الرأي؛ انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات؛ للألوسي، تحقيق الألباني (77 - 112)، فهو كتاب ماتع ومفيد.
[14] ابن حبان (3014)، وصححه الألباني في الصحيحة (1309).
[15] انظر: "القول الرشيد في سرد فوائد التوحيد"؛ لوليد بن راشد السعدان (110).
[16] الآيات البينات ( 106).
[17] انظر: "الكواشف الجلية عن معاني الواسطية"؛ للشيخ عبدالعزيز السلمان (1/421).









بارك الله فيك (( : تسلم يا بطل

الساعة الآن 02:13 AM.