منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


هموم وهموم




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع












هموم وهموم



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرفِ الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

وبعد:
روى الترمذي وغيره بسند صحيح من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه -: يا رسول الله، قد شِبتَ؟ قال: ((شيَّبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت)).

سورٌ عظيمة تَصِف بوضوح مشهد الآخرة، يحفظها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويَشيب شعرُ رأسه منها.

مع كثرة همومه، وعظيم الحمل الذي يحمله، والأمانة التي يؤدِّيها، والمهام التي سيسأل عنها؛ إلا أن شَيبه يأتي حين يَحمِل همَّ الآخرة ويتفكَّر فيها.

شيَّبته - صلى الله عليه وسلم - هود، ونحن شيَّبتنا الدنيا، شيَّبته الواقعة ونحن شيبتنا الزوجات، شيَّبته المرسلات، ونحن شيَّبنا الأولاد، شيبته عم يتساءلون ونحن شيبتنا التجارة والوظيفة، شيَّبته إذا الشمس كورت ونحن شيَّبتنا أزقة الحياة.

الهم همَّان: هم الدنيا وهم الآخرة، وكلما كَبُر أحدهما صَغُر الآخر، وإذا دخل في القلب أحدهما خرج الآخر؛ فهما نقيضان لا يجتمعان أبدًا؛ فقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن مسعود أنه قال: سمعت نبيَّكم - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن جعل الهموم همًّا واحدًا، همَّ آخرته، كفاه الله همَّ دنياه، ومن تشعَّبتْ به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبالِ الله في أي أوديتها هلَك))، فكان - صلى الله عليه وسلم - قدوة لأمَّته فيشيب رأسه من هم الآخرة.

ربما دعا ربَّه كثيرًا، وهو يقول: ((اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ عِلمنا))، وتأمَّل فيما رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث أُبي بن كعب - رضي الله عنه – قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب ربع الليل قام فقال: ((يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتْبَعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه))، بل ويُثير عند أصحابه تلك الهموم، فيَنشغِل هو وأصحابه كيف يجمعون الناس للصلاة (وهذا قبل نزول وحي الأذان)، فذكروا النار والناقوس فذكروا أنهما لليهود والنصارى، حتى ذهب عبدالله بن زيد وهو يحمل في صدره هذا الهمَّ، وينقُل لنا أبو داود وغيره بسند صحيح هذه الواقعة؛ فعن عبدالله بن زيد أنه قال: لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يَحمِل ناقوسًا، فقلتُ: يا عبدالله، أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: ((تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: ((وتقول إذا قُمتَ إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، فلما أصبحتُ أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بما رأيت، فقال: ((إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيتَ فليؤذن به؛ فإنه أندى صوتًا منك)).

ويَرِث الأصحاب هذا الهمَّ؛ فأبو بكر - رضي الله عنه - لا يتقدَّم إلى الصلاة؛ لأنه رجل أسيف (كثير البكاء) عند قراءة القرآن، والفاروق عمر - رضي الله عنه - ينتقل إلى همِّ الآخرة حين يقرأ القرآن، كما نقل لنا الإمام البخاري من حديث عبدالله بن شداد قال: "سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، وهو يقرأ: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]".

وعلي - رضي الله عنه - يقول: "كونوا أبناء الآخرة، ولا تكونوا أبناء الدنيا، فيأتيه رجل يريد أن يكتب له عقد شراء دار، فيرى أن الرجل قد تشعَّبتْ به الهموم في الدينا، فيكتب له: اشترى ميت من ميت أرضًا في دار المذنبين، لها أربعة حدود: الحد الأول يؤدي إلى الموت، والحد الثاني يؤدي إلى القبر، والحد الثالث يؤدي إلى الحساب، والحد الرابع يؤدي إلى جنة أو نار، فقال الرجل: ما لهذا جئتُكَ، فردَّ عليه - رضي الله عنه - وقال:
النفس تبكي على الدنيا وقد عَلِمت
أن السلامة فيها ترْك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يَسكُنها
إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طابَ مسكنها
وإن بناها بشرٍّ خاب بانيها



فقال الرجل: هي وقْف لله تعالى.

وهكذا نرى الصحابة الكرام وهم يتربّون على همِّ الآخرة، كما علَّمهم رسولهم - صلى الله عليه وسلم - الذي ما ترك فسحة إلا وأرشد أصحابه من خلالها إلى ذلك؛ فقد روى أبو نعيم وغيره بسند صحيح عن ابن مسعود قال: "جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله، هذه الناقة في سبيل الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لك بها سبعمائة ناقة مخطومة في الجنة))، فنراه - عليه الصلاة والسلام - ينقُله مباشرة إلى الآخرة، فينصرف الرجل وهو يُكبِّر ويُهلِّل، وكأنه ينظر إلى نوقه السبعمائة في الجنة وهو بينها يركبها ويحلبها.

فلنقارن أنفسنا اليوم بأولئك، ولينظر أحدنا ما هي همومه، وإذا أردت أن تعرف حقيقة همومك أيها الكريم، فانظر حين تضع رأسك على وسادة النوم بماذا تفكِّر؟ وانظر إلى دعائك بماذا تدعو؟ وانظر عند سجودك بماذا تسأل؟ ستعرف حقيقة الهموم التي بداخلك، واعلم أن هموم الدنيا لا تنقطع أبدًا، فاستَعِن بالله عليها كما كان - صلى الله عليه وسلم – يقول، والحديث عند الإمام أحمد بسند صحيح من رواية ابن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حُكمُك عدْل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمَّيتَ به نفسك أو علَّمته أحدًا من خَلْقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرتْ به في عِلم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذَهاب همي، إلا أذهب الله همَّه وحزنه وأبدله مكانه فرجًا))، قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلَّمها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلَّمها.

اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم ويا مجيب دعوة المضطرين، فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه.








بارك الله فيك
الساعة الآن 07:28 AM.