منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


شرح طائفة من الأدعية




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
شرح طائفة من الأدعية
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ؛ أما بعد :
فهذه معاشر الإخوة الكرام دعوات جامعةٌ ثابتةٌ عن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام نقف متأملين في دلالاتها العظيمة ومعانيها الرفيعة لنستفيد عند دعائنا بها الفائدة التامة المرجوة ، لأن المسلم كلما كان على علمٍ وفهمٍ ومعرفةٍ بمعاني أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذلكم أكمل في حقه وأرفع في نيل الآثار والثمار التي تترتب على هذه الأدعية المباركة ؛ فإلى جملةٍ من الأدعية الجامعة الثابتة عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم مع وقفاتٍ في بيان معانيها ودلالاتها .
 أول هذه الدعوات ما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) رواه البخاري ومسلم .
معاشر المؤمنين : هذه دعوة عظيمة وصفها أنس رضي الله عنه بأنها كانت أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يدعو بهذه الدعوة ، وهي دعوة عظيمة جامعة لخيري الدنيا والآخرة ؛ ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) .
وقد ذكر الله تعالى هذه الدعوة في القرآن الكريم عندما أخبر في كتابه عن أهل الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم ممن حجُّوا بيته الحرام أنهم يسألونه جل وعلا هذه المسألة العظيمة ، ذكر الله ذلك عنهم على وجه المدح لهم قال : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [البقرة:201] ، وقد جمعوا في هذا الدعاء بين مصلحتي الدارين الدنيا والآخرة .
قوله : ((رَبَّنَا)) نداءٌ فيه الإقرار بربوبية الله عز وجل المستلزم توحيده في العبادة وإخلاص الدين له عز وجل .
وقوله : ((آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)) هذا دعاءٌ لخير الدنيا ؛ فإن الحسنة المطلوبة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي مما يحسُن وقوعه عند العبد ، فيشمل العافية ، والصحة ، والرزق الهنيء ، والدار الرحبة الطيبة ، والزوجة الصالحة بالنسبة للرجل ، والزوج الصالح بالنسبة للمرأة ، والولد الذي تقر به العين ، والعلم النافع ، والعمل الصالح ، والأمن وغير ذلك من الأمور المحبوبة للعبد التي يحسُن عنده ويطيب له وقوعها وحصولها له .
وعندما نتأمل - معاشر الإخوة - كلام أهل العلم في المراد بالحسنة في قوله { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } فمن أهل العلم من قال : الحسنة العافية ، ومنهم من قال : الرزق ، ومنهم من قال : الدار الطيبة ، ومنهم من قال : الزوجة الصالحة ؛ فهذه كلها معانٍ يشملها قوله{ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } .
وقوله : (( وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً )) أي : وآتنا في الآخرة حسنة . والحسنة في الآخرة تتناول أموراً عديدة من دخول الجنة وتوابع ذلك من حصول الأمن من الفزع في عرصات يوم القيامة ، وتيسير الحساب وغير ذلك من الخيرات التي ينالها أهل الإيمان في اليوم الآخر ، وأعظم ذلك وأجلّه وأرفعه قدراً رؤية الله سبحانه وتعالى في جنات النعيم ، وهذا أحسن شيءٍ يناله أهل الجنة كما قال الله تعالى : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } [يونس:26] .
وقوله: (( وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) أي : اصرف عنا عذاب النار ؛ وهذا فيه الدعاء بالنجاة من النار وعدم الدخول فيها ، وهو يشمل سؤال الله تبارك وتعالى البعد عن أسباب دخول النار من المحرمات والآثام ونحو ذلك .
أيها الإخوة : إن هذه دعوة جامعة شاملة لخيري الدنيا والآخرة ، ولا غرو إذاً أن تكون أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء في صحيح مسلم أن أنس - راوي هذا الحديث رضي الله عنه - كان (( إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا )) أي : جعل حاجته في هذه الدعوة .
مثلاً : شخصٌ أراد بيتاً واسعاً ؛ فجعل طلبه للبيت الواسع في ضمن هذه الدعوة فقال " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً " وفي ضمن ذلك يريد البيت الواسع أو الولد الصالح أو الزوجة الصالحة أو نحو ذلك ، فهي دعوة تشمل خير الدنيا ، وقوله " وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً " تشمل خير الآخرة كله . فهذا من جوامع كلم رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام .
وكان عليه الصلاة والسلام يأتي بهذا الدعاء - مع إكثاره منه - بين الركنين الركن اليماني والحجر الأسود كما ثبت في سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ : (( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) ، وجاء في صحيح مسلم في حديث أنس بن مالك (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ - أي: ضعف واشتد به المرض - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ ؟ قَالَ نَعَمْ ؛ كُنْتُ أَقُولُ اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا ، - أي : كان هذا الرجل يسأل الله عز وجل أن يعجِّل له العقوبة التي أراد أن يعاقبه بها في الآخرة - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! لَا تُطِيقُهُ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ - أي لا تستطيع تحمُّل العقوبة - أَفَلَا قُلْتَ " اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " قَالَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ )) .
وروى البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قَالَ : قيلَ لَه إنَّ إخوانَك أَتوك مِن البَصرةِ - وهُو يَوْمَئِذٍ بِالزَّاوِيَةِ - لِتدعُو اللَّهَ لَهم قَالَ: اللهُمَّ اغفِر لَنا وارحمنَا وآتنَا فِي الدُنيا حَسنة وفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذاب النَّار . فاستزادُوه فَقال مِثلها ، فَقال: إِنْ أُوتِيتُم هَذا فَقد أُوتيتُم خَيرَ الدُنيا والآخِرة .
وهذا يبيّن أن هذه الدعوة دعوةٌ عظيمةٌ جامعة ينبغي على كل مسلم الإكثار منها والعناية بها والمحافظة عليها .

 الدعاء الثاني : حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى )) رواه مسلم .
وهذا الدعاء العظيم - معاشر الإخوة - جمع واشتمل على أربعة مطالب عظيمة ، وهي : الهداية والتقوى والعفاف والغنى . يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في كتابه "بهجة قلوب الأبرار " في تعليقٍ له جميل على هذا الحديث : " هذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها ، وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا ؛ فإن الهدى : هو العلم النافع ، والتقى : العمل الصالح وترك ما نهى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه ، وبذلك يصلح الدين ؛ فإن الدين علومٌ نافعةٌ ومعارف صادقةٌ فهي الهدى والقيام بطاعة الله ورسوله فهو التقى ، والعفاف والغنى يتضمن العفاف عن الخلق وعدم تعليق القلب بهم والغنى بالله وبرزقه والقناعة بما فيه وحصول ما يطمأن به القلب من الكفاية ، وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا والراحة القلبية وهي الحياة الطيبة ، فمن رُزق الهدى والتقى والعفاف والغنى نال السعادتين وحصل له كل مطلوب ونجا من كل مرهوب " .

 الدعوة الثالثة : حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يقول في دعاءه : (( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ؛ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) رواه البخاري ومسلم .
وهذه - معاشر المؤمنين - دعوةٌ عظيمة من جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في باب سؤال الله عز وجل مغفرة الذنوب ، وقد جاء هذا الاستغفار بألفاظ التعميم والشمول مع البسط والتفصيل لما يطلُب العبد من ربه تبارك وتعالى أن يغفر له ، وذلك بذكر كل معنىً بصريح لفظه دون الاكتفاء باللفظ الآخر الدال عليه ، فلو قال المسلم " اللهم اغفر لي ذنبي كله أو جميع أخطائي " فإن هذا الدعاء يشمل كل ما ذُكر في هذا الحديث ؛ لكنه أتى في هذا المقال وفي هذا السؤال بألفاظ الشمول والبسط والتفصيل ليتناول وليستحضر العبدُ أنواع أخطائه ؛ الخطأ الجديد ، والخطأ القديم ، والخطأ المعلَن ، والخطأ الخفي ، والخطأ الذي عن جِدّ ، والخطأ الذي عن هزل ، والذي عن عمد ؛ يستحضر أنواع أخطائه ، ويطلب بذكرها بالتفصيل من رب العالمين أن يغفر له ذلك كله . وإلا كما قدّمت لو قال " اللهم اغفر لي ذنبي كله أو اغفر لي كل ما صنعت " لكان الكلام أوجز وأخصر ؛ ولكن لما كان المقام مقام طلب غفرانٍ وتضرعٍ ودعاءٍ وافتقارٍ وطلب عفوٍ من الله جل وعلا جاء بهذا الأسلوب الذي فيه البسط والتفصيل (( خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي )) إلى آخر ما جاء في هذه الدعوة العظيمة .
وهذا الاستغفار الذي ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيه تعليم للأمة كيف يستغفرون الله وكيف يتضرعون إليه تبارك وتعالى وكيف يطلبون منه أن يغفر لهم الذنوب ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي )) .
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ )) أي الذنوب المتقدِّمة والذنوب المتأخرة .
((وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ )) يعني ما وقع مني من الذنوب على وجه الإخفاء والإسرار ، وما وقع مني من الذنوب على وجه الإعلان والإظهار .
ثم ختمه بقوله : (( وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ؛ أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ )) أي تقدِّم من شئت بالتوفيق والهداية ، وتؤخِّر من شئت بالخذلان .
(( وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) أي الأمور كلها بيدك ونواصي العباد معقودةٌ بقضائك وقدَرك ، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير .
فهذه دعوة عظيمة واستغفار مبارك ثبت عن رسولنا الكريم عليه صلوات الله وسلامه عليه .

 بعد ذلك الدعوة الرابعة : ما جاء في حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( قُلْ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي ، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ ، وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ )) وفي رواية ((قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ )) رواه مسلم .
وهذه الدعوة التي علَّمها النبي صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب دعوةٌ مباركة تتضمن سؤال الله عز وجل الهدى والسداد ، وهما أجلُّ المطالب وأشرف المواهب ، ولا سبيل للعبد أن يحصِّل الهدى والسداد إلا إذا وفقه الله عز وجل وهداه وسدَّده ، ولهذا جاءت هذه الدعوة يتوجه فيها العبد إلى الله عز وجل أن يهديه ويسدده .
والهدى : هو معرفة الحق تفصيلاً وإجمالاً ، والتوفيق لإتباعه ظاهراً وباطنا .
وأما السداد فهو أن يوافق الحق ، وأن يصيب الهدى والسنة ، وأن يكون ملتزماً بما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
ومما يوضح هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديثٍ آخر : ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا)) ؛ فالسداد هو موافقة الحق وإصابة سنة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه ، والمقاربة هي دون ذلك .
وقوله ((وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ ، وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ )) أي : تذكر هذين الأمرين :
تذكر بالهدى هدايتك الطريق ، أي : لو كنت ضالاً في فلاة لا تعرف الطريق وتريد الهداية إليه .
واذكر بالسداد إصابتك السهم ؛ لأن الرامي الذي يرمي ويريد أن يصيب قد لا يصيب ، قد يرمي ويقصد أن يصيب الرمية فلا يصيب ، فإذا سدَّد السهم حصلت الإصابة ، فتذكر هذين الأمرين ((وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ ، وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ )) .
وابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان علَّق هنا على هذا الدعاء فقال : " هذا من أبلغ التعليم والنصح ؛ حيث أمره أن يذكر إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته كونه مسافرا، وقد ضل عن الطريق ولا يدرى أين يتوجه، فطلع له رجل خبير بالطريق عالمٌ به فسأله أن يدله على الطريق ، فهكذا شأن طريق الآخرة تمثيلاً لها بالطريق المحسوس للمسافر إلى الله سبحانه إلى أن يهديه تلك الطريق، فحاجته إلى ذلك أعظم من حاجة المسافر إلى بلدٍ من يدله على الطريق الموصل إليها ، وكذلك السداد وهو إصابة القصد قولاً وعملاً ؛ فمثله مثل رامي السهم إذا وقع سهمه في نفس الشيء الذي رماه، فقد سدَّد سهمه وأصاب ولم يقع باطلا ، كذا المصيب للحق في قوله وعمله بمنزلة المصيب في رميه " انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى .

 ثم بعد ذلك الدعوة الخامسة : ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي ، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي ، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ )) رواه مسلم .
وهذه الدعوة هي أيضاً من جوامع دعوات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، وقد اشتملت على سؤال الله عز وجل صلاح الدين والدنيا والآخرة ، وبدأ أول ما بدأ بصلاح الدين ؛ لأنه بصلاحه يصلح ما سواه ، فتقديم الدين على ما سواه فيه فائدة الاهتمام بالدين وأن أمر الدين مقدَّم على غيره ، نعم ! لا بأس أن يهتم الإنسان بدنياه ، لكن الاهتمام بالدين مقدَّم على الاهتمام بالدنيا ، ولهذا جاء في الدعاء (( اللهم لَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا )) أي أنه لا بأس أن يهتم الإنسان بالدنيا لكن لا يجوز له أن يكون اهتمامه بالدنيا طاغياً على اهتمامه بالآخرة والدين ، ولذا جاء تقديم الدين لأنه له الأولوية بالتقديم والاهتمام ، وكثير من الناس يهتم بالدنيا والشكليات والمظاهر ويكون اهتمامه بدينه آخر شيء ، يعتني بالمظاهر ما لا يعتني بصلاح دينه وإقامة دينه ، وعلى كل حال فهذا الحديث فيه دلالة على أن الواجب على العبد أن يكون اهتمامه بدينه مقدماً على اهتمامه بأي أمرٍ آخر .
وقوله ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي)) هذا دعاء بإصلاح الدين ، أي أن يصلح الله عز وجل له دينه ، والمعنى : أن توفقني يا الله للقيام بواجباته وآدابه وسننه ومستحباته ومقتضياته على الوجه الأكمل الذي ترضاه عنا ، وذلك بأن يوفق الله عز وجل عبده للتمسك بالكتاب والسنة وفق هدي السلف الصالح الصحابة ومن اتَّبعهم بإحسان ؛ فهذا هو صلاح الدين .
ثم قال ((الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي)) أي ما اعتصم به في جميع أموري ، كما قال الله عز وجل : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران:103] وفي هذا فائدة عظيمة : أن التمسك بالدين على المنهج الصحيح فيه عصمةٌ للعبد من موبقات الفتن ومضلات الفتن ومن الوقوع في الانحراف سواءً في العقيدة أو في العمل ، وفي هذا أيضاً دلالة أنَّ إضاعة الدين فيه انفراط الأمر وضياعه كما قال تعالى : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [الكهف:28] .
وقوله : ((وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ )) هذا دعاءٌ بإصلاح الدنيا ؛ أي أن يعطيه الله عز وجل الكفاف فيما يحتاج إليه من دنياه ، وبأن يكون حلالاً ، وأن يكون معِيناً على طاعة الله عز وجل والقيام بما خلق له العباد .
وقوله ((الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي )) : أي فيها مكان عَيشي وزمن حياتي ، وفي هذا أن للإنسان معاشاً محدوداً ورزقاً مقدَّراً لن يموت حتى يستتمَّه ويستكمله .
وقوله ((وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي )) : هذا دعاءٌ بإصلاح الآخرة ، وإصلاح الآخرة يكون باللطف من الله سبحانه والتوفيق منه بالإخلاص في الطاعة وحُسن الخاتمة ليفوز بالنعيم المقيم في الجنة ورضا الله سبحانه وتعالى يوم القيامة .
وقوله : ((الَّتِي فِيهَا مَعَادِي )) أي فيها مكان رجوعي وزمن إعادتي إلى الله عز وجل { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى }[النجم:31] .
وقوله ((وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ )) : أي اجعل طول عمري وامتداد حياتي في هذه الحياة فرصةً لي وسبباً لي في إتيان الخير من القول والعمل الصالح ، وفي هذا أن طول عمر العبد مدعاةٌ للزيادة في أعمال الخير وأعمال البر والطاعة .
وقوله : ((وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ )) هذا فيه سؤال لله تبارك وتعالى أن يجعل وفاة العبد وموته وخروجه من هذه الحياة راحةً له من الشرور والمحن والفتن والابتلاء بالمعصية والغفلة .
فهذه من الدعوات العظيمة الجامعة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
يتبع

 ثم يأتي بعد هذا دعوةٌ جامعة من دعوات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله ابن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ )) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ )) رواه مسلم .
والدعوة هنا هي قوله : ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ )) ، وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام السبب الداعي للعناية بهذه الدعوة والإكثار منها ؛ لأنه جاء في أحاديث عديدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من هذه الدعوة ، مثل حديث أنس في الترمذي وابن ماجه قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: (( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ )) ، وأيضا جاء في حديث عائشة رضي الله عنها
قالت : (( دَعَوَاتٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَا : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ )) رواه أحمد .
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر من هذه الدعوة ، وهنا بيَّن السبب من إكثاره من هذه الدعوة وهو (( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ )) . وجاء في حديث أم سلمة في السياق نفسه أنها قالت ((يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ !! قَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا شَاءَ أَقَامَ وَمَا شَاءَ أَزَاغَ)) .
وهذا الحديث – أعني حديث عبد الله ابن عمرو وكذلك حديث عائشة وأنس وأم سلمة - كلها في المعنى نفسه ، فيها بيان أن العبد ليس إليه شيء من أمر سعادته وشقاوته ؛ فهدايته بيد الله ، وانصرافه عن الهدى ووقوعه في الضلال كل ذلك بيد الله عز وجل ، قال الله تعالى : {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [فاطر:8] ، وقال الله تعالى : { بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات:17] . وقال إخباراً عن حمد أهل الجنة في الجنة : {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } [الأعراف:43] ، وقال سبحانه : {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [إبراهيم:27] ، والأدلة على هذا المعنى كثيرة .
ولهذا فإن حاجة العبد ماسةٌ وضرورته ملِحَّةٌ إلى أن يكثر من سؤال الله عز وجل دائماً وأبداً أن يثبِّت قلبه على دينه، وأن يدعو الله عز وجل بهذه الدعوة العظيمة " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك " ، " اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" ؛ فالعناية بهذه الدعوة ولاسيما – معاشر الإخوة - مع كثرة الفتن في هذا الزمان ؛ فتن الشهوات وفتن الشبهات وكثرة الصوارف والصواد ، فالعبد يحتاج أن يلِحَّ على الله عز وجل وأن يكثر من هذه الدعوة العظيمة .



 بعد ذلك - معاشر الإخوة - نأتي إلى حديث آخر فيه دعاء عظيم كان يدعو به رسولنا صلوات الله وسلامه عليه وهو ما ورد في حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه قال : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) رواه البخاري ومسلم .
وهذه الدعوة - معاشر الإخوة - فيها سبعة أمور استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منها .
الأمر الأول : استعاذته من العجز ، والعجز : ضد القوة وضد القدرة ، وأصله التأخر عن الشيء مأخوذٌ من العجز وهو مؤخرة الشيء ، فالذي يتأخر عن الشيء وعن القيام به فِعله يسمى عجزاً ؛ للزومه الضعف عن الإتيان بالشيء فقيل له – أي هذا التأخر وعدم القيام بالأمر - قيل له عجز ، وهو ذهاب القدرة وعدم القدرة على فعل ما يريد الإنسان فعله . فتعوَّذَ عليه الصلاة والسلام في هذه الدعوة من العجز عن القيام بالعبادات والقيام بالمصالح الدينية والدنيوية ، وهذا أيضاً فيه تعوُّذٌ من الذنوب التي إذا ارتكبها العبد أو وُجدت منه سبّبت له عجزاً عن طاعة الله وعن القيام بعبادة الله وأعاقته عن القيام بطاعة الله .
ثم الأمر الثاني مما تعوذ به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث : الكسل وهو معطوفٌ على العجز قال : ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ )) ، والكسل : هو الفتور والتثاقل والخمول والتواني عن القيام بالأعمال الصالحة مع القدرة عليها ، أي أن لديه قدرة ولكنه خامل كسول متوانٍ فيه فتور فهذا يسمى "كسلاً " . أما إذا كان ليس عنده قدرة للقيام بها فهذا يسمى "عجز" . وبهذا نعرف الفرق بين العجز والكسل ؛ ذُكرا هنا معا قال : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ )) وعرفنا الفرق بينهما : أن العجز هو عدم القدرة على فعل ما أراد أن يفعله ، أما الكسل فهو أن يكون عنده قدرة ولكنه يتكاسل ويتوانى ويتثاقل عن القيام بها ، والنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من العجز ومن الكسل لأن كلا الأمرين يمنع العبد من أداء الحقوق الواجبة ومن تحصيل الأمور النافعة .
الأمر الثالث مما تعوَّذ به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء : الجبن ، قال : (( وَالْجُبْنِ )) .
والأمر الرابع : (( الْهَرَمِ )) . وفي بعض الأحاديث يأتي الجبن مقروناً بالبخل (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ )) فهما قرينان . والجبن : هو ترك الإحسان بالبدن ، والبخل : هو ترك الإحسان بالمال ؛ فالجبان لا يُقدِم ولا يقدِّم إحساناً ببدنه في الأمور التي تحتاج إلى قوةٍ وعزيمةٍ وهمةٍ وإقدام فيكون جباناً لا يُحسن ببدنه ولا يقدِّم ببدنه إحساناً ، والبخيل هو الذي يترك الإحسان بماله فلا يقدّم إحساناً بماله وبما وسّع الله تبارك وتعالى عليه من مال .
فإذاً الفرق بينهما : أن البخيل هو الذي لا يحسن بماله ، والجبان وهو الذي لا يحسن ببدنه .
والبخل والجبن قرينان في بعض الأدعية مثل ما أن العجز والكسل قرينان ، وقد عرفنا الفرق بينهما .
الأمر الرابع : الهرم قال ((وأعوذ بك من الهرم )) ، والهرم : أن يبلغ الإنسان في العمر إلى سن تضعف فيه حواسه وقواه ، يضعف بصره وسمعه وتضعف قدماه ويداه ويضطرب في فهمه وعقله ، وهو الذي يسمى في بعض الدعوات "أرذل العمر" وأيضا جاء في القرآن { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } [النحل:70] ، وقد جاء في بعض الأحاديث التعوذ منه ، قال عليه الصلاة والسلام : ((وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ )) .
فإذاً هذا التعوذ تعوذٌ عظيمٌ يتعوذ فيه المسلم بالله تبارك وتعالى من الهرم ؛ أي أن يصل إلى هذه الحال إلى حال الخرف وسوء التفكير وسوء التصرف فيفقِد قواه وحواسه . وهذا فيه إلى أن بقاء المسلم إلى أن يموت ممتعاً بحواسه وقواه يعدُّ نعمة عظيمة ومنة كبيرة على من يشاء تبارك وتعالى من عباده ، فيكون العبد إلى أن يموت ممتعاً بالقوى والحواس محافظاً على طاعة الله تبارك وتعالى إلى أن يتوفاه الله وهو على هذه الحال ، وقد جاء في الحديث : ((خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) .
وأعظم ما يعين على تحقق هذا الأمر ونيل هذا المطلب : أن يحافظ المسلم في شبابه وصحته على حواسه بحفظها عن الحرام والمحافظة على طاعة الله تبارك وتعالى ، ولهذا جاء في الحديث : ((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ)) .
وكذلك مما يعين على ذلك العناية بذكر الله وتلاوة القرآن وملازمة الدعاء ، ولهذا جاء عن بعض السلف وهو عبد الملك ابن عُمير رحمه الله أنه قال : "أبقى الناس عقولاً قرَأَةُ القرآن " يعني الذين يكثرون من قراءة القرآن ، تبقى لهم عقلهم سليمة في حال الكبر ، وقال الشعبي رحمه الله : "من قرأ القرآن لم يهرم " لأن هذا من أسباب حفظ العقل من الخرف ومن سوء الكبر .
الأمر الخامس : التعوذ من عذاب القبر ؛ فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر : ((أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ)) . ويأتي التعوذ من عذاب القبر في أدعيةٍ كثيرة عن النبي صلى لله عليه وسلم ، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن الناس يعذبون في قبورهم وأن أهل المعاصي يعذبون في قبورهم فيحتاج العبد أن يسأل الله عز وجل دائماً ويلح عليه كثيراً أن يعيذه من عذاب القبر .
الأمر السادس والسابع في قوله : (( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ )) ؛ وهذا تعوذ من فتنة الحياة والموت ، وفتنة المحيا : هو ما يتعرض له الإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات وأنواع الفتن التي تحصل للإنسان في حياته .
والفتنة عند الموت : قيل المراد بها أن يُفتن عند الموت ؛ أي يأتيه عند موته ما يفتنه ، وأضيفت إلى الموت لقربها منه ، فهي فتنة محيا ولكن لقربها من الموت قيل فتنة الممات ، ولهذا يقولون : "ما قارب الشيء يُعطى حكمه " ؛ فحالة الموت وإن كانت حياةً فهي شبيهة بالموت . ويجوز أن يكون المراد بفتنة الممات : أي فتنة القبر ؛ الفتنة التي تكون للناس في قبورهم ، فقد جاء التعوذ بالله عز وجل من فتنة القبر ولا يكون هذا متكرراً مع قوله في الدعاء نفسه ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ )) لأن فتنة القبر شيء وعذاب القبر شيء آخر ولهذا جاء الجمع بينهما في بعض الأحاديث كما سيمر معنا لاحقاً إن شاء الله .
وعذاب القبر مترتبٌ على فتنة القبر ، والسبب غير المسبَّب .
إذاً قول فتنة الممات يحتمل أن تكون هي فتنة القبر ولا يكون هذا مكرراً مع قوله ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ )) لأن عذاب القبر مسبَّب عن الفتنة ، فأولاً يفتنون ثم من لا يوفق في فتنة القبر يُعذَّب ، والملكان الذان يأتيان لامتحان الإنسان في قبره يسميان في بعض النصوص " الفتَّانان " ويسمى الفتَّان لأنه يفتن الناس أي يمتحنهم في قبورهم ، ويحتمل أن المراد بالفتنة أي في اللحظات الأخيرة ما قبل الموت .
وعلى كل حال الشيطان حريصٌ جداً على الإنسان ولاسيما في لحظاته الأخيرة و ((الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ)) فينبغي على الإنسان أن يجاهد نفسه على البعد عن الفتن وعن أسباب الفتن ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظه ويجنِّبه الفتن إلى أن يتوفاه سبحانه وتعالى وهو راضٍ عنه . وقد جاء في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي أن عبد الله ابن الإمام أحمد رحمهما الله قال : " لما حضر أبي الوفاة جعل يقول : "لا بعدُ ، لا بعدُ " فقلت - أي عبد الله - يا أبتِ أيُّ شيء هذا – أي ماذا تقول؟ – قال : " إبليسٌ قائم حذائي عاضٌّ على أنامله يقول لي : يا أحمد فُتَّني ، وأنا أقول له لا بعدُ أي حتى أموت " فالشيطان حريصٌ على الإنسان ولاسيما في لحظاته الأخيرة حتى يفتنه عن دينه ، والمسلم يتعوذ بالله عز وجل من الفتن ؛ فتنة المحيا وفتنة الممات ، ويتعوذ بالله من عذاب القبر فهذه تعوذات عظيمة مباركة ثابتة عن نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه.

 بعد ذلك – معاشر الإخوة – نأتي إلى حديث آخر وهو حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ )) رواه البخاري ومسلم .
وهذا الحديث فيه تعوذ من أحد عشر أمراً ، ودعاء الله وسؤاله أموراً ثلاثة ؛ فنبدأ أولاً بالأمور التي استعاذ منها عليه الصلاة والسلام على ترتيبها في الحديث :
الأول : قال ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ)) ؛ وقد سبق الكلام على معناه .
الثاني : قوله ((وَالْهَرَمِ)) ؛ وأيضا سبق الكلام على معناه.
والثالث : قوله (( وَالْمَأْثَمِ )) ؛ وهو ما يوجب الإثم ، أي يكون سبباً للوقوع في الإثم .
الأمر الرابع : ((الْمَغْرَمِ )) ؛ وهو ما يقتضي الغُرم وهو الدَّين ، أي ما يلزم الإنسان أداءه بسبب جنايةٍ أو معاملةٍ أو نحو ذلك فيتعوَّذ بالله عز وجل من المغرم ، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ الْمَغْرَمِ ؟ فَقَالَ : (( إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) رواه البخاري ومسلم .
والجمع بين المأثم والمغرم فيه إشارة إلى حق الله وحق العبيد ؛ لأن المأثم : هذا إثمٌ يتعلق بطاعة الله عز وجل ، والمغرم: هذا يتعلق بأمور الناس . فالمأثم إشارةٌ إلى حق الله والمغرم إشارةٌ إلى حقوق العبيد .
الأمر الخامس : قوله (( وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ)) ؛ وهذا سبق الكلام على معناه

والسادس : ((عَذَابِ الْقَبْرِ )) ؛ وأيضاً سبق الكلام على معناه .
والأمر السابع : (( مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ )) وقال بعده (( وَعَذَابِ النَّارِ )) ؛ فتعوَّذ بالله عز وجل من فتنة النار وتعوَّذ أيضاً من عذاب النار . وفتنة النار : هي سؤال الخزنة على سبيل التقريع والتوبيخ ، وإليه الإشارة بقوله عز وجل {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}[الملك:8] فهذه فتنة تكون للناس في النار .
((وَعَذَابِ النَّارِ)) : أي أن أعذَّب يوم القيامة في نار جهنم .
الأمر التاسع : ((مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى )) والمراد : ما يحصل بسبب الغنى من البطر والأشر والشح والبخل والتكاسل عن الواجبات وعدم أداء الزكاة إلى غير ذلك من شرور فتنة الغنى .
((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ )) يراد بالفقر هنا : الفقر المدقِع الشديد الذي لا يصاحبه خيرٌ ولا ورع ؛ حتى إن من ابتُلي بذلك يفعل أموراً لا تليق بأهل المروءة ولا تليق بالمسلم الناصح لنفسه فيكون بسبب ذلك لا يبالي في فعل الحرام أو التعدي على حقوق الناس ، وهذه كلها أمور تترتب على فتنة الفقر .
وأيضاً قيل أن فتنة الفقر : ما يحصل بسبب الفقر من السخط والقنوط والجزع ونحو ذلك .
وقيل المراد بفتنة الفقر أيضا : فقر النفس الذي لا يردُّه مُلْك الدنيا ؛ حتى لو ملك الدنيا كلها ونفسه فقيرة لا يحس بما عنده من الغنى وما عنده من النعمة .
الأمر الحادي عشر : قوله ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ )) ؛ وهذا تعوذٌ بالله من فتنة المسيح الدجال التي هي أعظم الفتن الكائنة في الدنيا ، كما يدل على ذلك حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكر في الحديث قوله : (( إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ )) ، والمراد من فتنة الدجال : ما يظهر على يديه من الأمور التي يضل بها الناس ويفتنهم عن دينهم كما هو مبيَّن وموضَّح في أحاديث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
معاشر الإخوة : هذه أحد عشر أمراً تعوَّذ منها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التعوذ الجامع ، ثم بعد ذلك سأل الله عز وجل ثلاثة مطالب :
المطلب الأول في قوله : ((اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ )) ؛ وهذا فيه أن الداء يداوَى بضده ، فالخطايا - كما قال أهل العلم - فيها من الحرارة والاشتعال ما يضادُّه الثلج والبرَد والماء البارد ، ولهذا قال : ((اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ )) .
والمطلب الثاني : قال ((وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ )) : أي نظِّف قلبي من الذنوب كما نظفتَ الثوب الأبيض من الدنس ، شبَّه نظافة القلب بنظافة الثوب الأبيض وذلك لأن زوال الدنس من الثوب الأبيض أظهر - تتبين نظافته- أما الثياب غير البيض فلا يتبين فيها مثلُ هذا كما يتبين في الثوب الأبيض
والمقصود هنا : أن يُنظَّف القلب من الذنوب كنظافة الثوب الأبيض الذي قد نُظِّف من الدنس فلم يبقَ فيه أي أثر.
الأمر الثالث : ((وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ )) ؛ والمراد بالمباعدة هنا : محو ما حصل من الخطايا وترك المؤاخذة بها ، والوقاية مما لم يقع منه ، وشبَّه ذلك بالبعد بين المشرق والمغرب مبالغة في البعد عن الخطايا والذنوب .
قال أحد العلماء -كما نقل ذلك ابن حجر رحمه الله في كتابه فتح الباري - يَحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاث ؛ فالمباعدة الواردة في الدعوة الثالثة للمستقبل ، والتنقية الواردة في الدعوة الثانية للحال ، والغَسل الوارد في الدعوة الأولى للماضي ؛ أي أنه قال : اغسل عني هذه الأشياء الماضية ، ثم ثانياً: نقي قلبي أي في الحال والحاضر ، ثم ثالثاً باعد بيني وبين خطاياي أي في ما أستقبله من أيام ؛ فبعض أهل العلم يقول إن في هذا إشارة إلى الأزمنة الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل ؛ الماضي يُغسَل ، والحاضر يُنقى والمستقبل يباعَد فيه الإنسان عن الوقوع في هذه الآثام والذنوب .

 ومن الدعوات الجامعة - معاشر المؤمنين - ما جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ )) رواه مسلم.
وهذا تعوذ جامع استعاذ فيه النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأمور:
أولاً : زوال النعمة ويكون زوالها : بعدم شكر المنعِم والتمادي في معصيته تبارك وتعالى ، واستعمال النعمة فيما يسخطه جل وعلا ، والبخل بما تقتضيه النعمة على صاحبها من أداء الزكاة ؛ فتعوذ بالله تبارك وتعالى من زوال النعمة .
ثم تعوذ بالله من تحول العافية ، وتحول العافية : أي ذهابها عن الإنسان وانتقالها عنه .
والعافية تكون في البدن، وتكون في السمع ، وتكون في البصر ، وتكون في المال ، كل هذه الأشياء تكون فيها العافية ولهذا جاء في الدعاء الآخر : ((اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي ، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي ، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي )) ، وجاء أيضا في الدعاء الآخر : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، فالعافية تشمل هذا كله.
ثم تعوذ بالله من فجاءة النقمة قال : ((وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ)) ؛ لأنه إذا انتقم من العبد وفاجأه بالنقمة فقد أحلَّ به من البلاء ما لا يقدر العبد على دفعه وردِّه ، ولو استدفع بسائر المخلوقين وإن اجتمعوا .
والفجاءة: من مفاجأة المر أي إتيانه إلى الإنسان بغتة ، فتعوذ عليه الصلاة والسلام من ذلك ثم ذكر أمراً يجمع هذا كله فقال: (( وَجَمِيعِ سَخَطِكَ )) لأنه سبحانه إذا سخط على العبد فقد هلك العبد وخسر ؛ ولهذا قال ((وَجَمِيعِ سَخَطِكَ )) فجاء بهذه الدعوة الشاملة للتعوذ بالله تبارك وتعالى من كل أمرٍ يُسخط الله عز وجل .

 ومن الدعوات الجامعة والتعوذات العظيمة : ما ثبت في حديث مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: تَعَوَّذُوا بِكَلِمَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ )) رواه البخاري في صحيحه.
وهذا التعوذ العظيم لا نقف عنده لأن معانيه سبق أن مرت معنا في الأحاديث المتقدمة.

 ومن الدعوات الجامعة : ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَشَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ )) .
وهذه استعاذةٌ جامعة تعُمُّ التعوذ بالله من كل شر ، سواء الشر الذي عمله العبد أو الشر الذي لم يعمله ، فالعبد يستعيذ من شر أعماله التي قام بها ومن شر أعماله التي سيعملها أو يخشى أن يعملها ، وجاء في رواية أخرى: ((اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمتُ وأعوذ بك من شر ما لم أعلم )) وهذا الدعاء فيه إشارة إلى أن ما يصيب العبد من شر إنما هو بسبب أعماله وإساءاته كما قال الله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [الشورى:30] .

 ومن الدعوات الجامعة : ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ )) رواه البخاري ومسلم .
وقوله ((جَهْدِ الْبَلَاءِ )) المراد به : كل ما يصيب المرء من شدة ومشقة وأمور لا يطيقها ولا يتحملها ولا يقدر على دفعها .
وقوله ((وَدَرَكِ الشَّقَاءِ )) ؛ الدرك : أي اللحوق والوصول إلى الشيء ، والشقاء: هو نقيض السعادة ، وهو الهلاك أو ما يؤدي إلى الهلاك ، وهذا يكون في أمور الدنيا والآخرة . ومعنى ((دَرَكِ الشَّقَاءِ )) أي أن يدركني .
وقوله ((وَسُوءِ الْقَضَاءِ )): أي سوء المقضي ، وهو ما يسوء الإنسان أو يوقعه في المكروه ، وهو عام في النفس والمال والأهل والولد والخاتمة ؛ يشمل ذلك كله.
الأمر الرابع : قوله ((شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ )) أي ما يحصل للقلب من ألمٍ بسبب فرح الأعداء ببلية نزلت على العبد ، وفي الدعاء (( وَلَا تُشْمِتْ بِي عَدُوًّا )) أي لا أقع في شيء يفرَح العدو عند وقوعي فيه فيشمت بي ، فتعوذ بالله تبارك وتعالى من ذلك .

 ومن الدعوات الجامعة : ما جاء في حديث زيد بن الأرقم رضي الله عنه قال: لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ، كَانَ يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا )) رواه مسلم في صحيحه .
وهذا الحديث أوله فيه التعوذ بالله من العجز ، والكسل ، والجبن ، والبخل ، والهرم ،وعذاب القبر، وهذه الأمور سبق الكلام عنها. ثم في آخر الحديث قوله : (( اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا )) ثم بعد ذلك التعوذ بقوله : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا )) .
قوله : ((اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا )) يتضمن سؤال الله عز وجل تقوى النفس ، وتزكية النفس بالإيمان والصلاح والاستقامة على طاعة الله ، وملازمة خشية الله تبارك وتعالى إلى أن ينال العبد بذلك ولاية الله .
قوله : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا )) هذا فيه التعوذ بالله عز وجل من هذه الأشياء :
أولاً: الاستعاذة بالله من العلم الذي لا ينفع ؛ لأن العلم الذي لا ينفع يكون وبالاً على صاحبه.
ثانياً : القلب الذي لا يخشع ؛ لأنه يكون قاسياً لا تؤثر فيه الموعظة ، ولا تفيده النصيحة ، ولا يؤثر فيه الترغيب والترهيب .
ثالثاً : النفس التي لا تشبع ؛ لأنها تكون متكالبةً على حطام الدنيا ، متجرئة على المال الحرام ليست قانعةً بما يكفيها من الرزق الحلال ، فلا تزال في تعب الدنيا وعقوبات الآخرة والعياذ بالله.
والأمر الرابع : الاستعاذة بالله من الدعوة التي لا يستجاب لها ؛ لأن الرب سبحانه هو الذي بيده أزمَّة الأمور يعطي ويمنع ويقبض ويبسط ، فإذا توجَّه العبد إليه في دعائه ولم يستجب له خاب الداعي وخسر ، فتوَجَه إلى الله عز وجل أن يعيذه من دعوة لا يستجاب لها ، وهذا فيه سؤال الله عز وجل إجابة الدعوة
يتبع

وهنا نلاحظ أن هذه الأمور الأربعة التي جاء التعوذ منها كل أمر مرتبطٌ بغايةٍ معيَّنة ، فالعلم غايته العمل ؛ فإذا لم يوجد فهذا يُتعوذ منه. والقلب خُلق ليخشع ؛ فإذا لم يخشع فهذا يُتعوذ بالله منه . والنفس أن تكون مقبِلةً على الآخرة وما يرضي الله عز وجل ومتجافية عن دار الغرور ؛ فإذا لم تكن كذلك وكان همّها الدنيا والجشع والطمع فهذا أمر يستعاذ بالله منه . والدعاء يراد به حصول الحاجة ونيل المراد ؛ فإذا لم تحصل الحاجة بإجابته فإنه لم ينتفع به . فهذه الأمور كلها مرتبطٌ بعضها ببعض .

 ومن الدعوات الجامعة : ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي ، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ )) رواه مسلم
هذا – معاشر الإخوة - فيه التعوذ بالله من الضلال ؛ وهو: الانحراف عن صراط الله المستقيم وسبيله القويم ، يتعوذ بالله من ذلك ؛ ولكن بين يدي الدعاء توسلات إلى الله تبارك وتعالى :
أولها : التوسل بالإسلام ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ )) : أي استسلمت وانقدتُ لأمرك ونهيك .
((وَبِكَ آمَنْتُ )) وهذا فيه التوسل بالإيمان ، وهو: الإقرار بأمور الإيمان وأصوله وهي : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره .
ثم التوسل إلى الله بالتوكل عليه (( وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ )) أي: فوضتُ أموري كلها إليك دون غيرك .
ثم التوسل إلى الله بالإنابة ((إِلَيْكَ أَنَبْتُ )) أي : إليك رجعتُ وعُدتُ إلى ما يقرِّب إليك ويدني منك .
ثم قال: ((وَبِكَ خَاصَمْتُ )) أي: بك أحتج وأدافع ، وبما مننتَ به عليَّ من الحجج والبراهين أخاصم الأعداء ، قفي هذا الاعتصام بالكتاب والسنة { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [آل عمران:101] .
وقوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ )) هذه استعاذة بعزة الله ، وعزته صفة من صفاته والله يقول : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ } [المنافقون:8] .
ثم قوله : ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)) هذا فيه توسل إلى الله بالإقرار بالتوحيد والإخلاص لله عز وجل بالعبادة .
ثم بعد ذلك جاء المطلوب قال : (( أَنْ تُضِلَّنِي)) أي أتعوذ بك من أن تضلني ، فقوله : (( أَنْ تُضِلَّنِي)) هذا متعلق بـ ((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ )) أي : أعوذ بعزتك يا الله من أن تضلني ، وهذا فيه أن الهداية والضلال بيد الله { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [الكهف:17] .
وقوله : ((أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ )) هذا ثناء على الله بصفة الحياة ، وهي حياة كاملة لم تُسبق بعدم ولا يلحقها فناء ، فالله جل وعلا منزه عن النقائص ومنزه عن الفناء تبارك وتعالى .
قال: ((وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ )) هذا تأكيد ؛ لأن الله عز وجل هو المنفرد بالحياة { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [الرحمن:26-27] .
وهنا أشير إلى فائدة نفسية جداً مستفادة من هذا الحديث وهي :
لو قيل على ضوء هذا الحديث ما هي الأمور التي تعِين العبد على السلامة من الضلال والوقاية منه ؟
والجواب على ذلك : أن نقرأ هذه الخصال العظيمة التي جاء في هذا الحديث التوسل إلى الله تبارك وتعالى بها لينجِّي عبده من الضلال ؛ فنتأمل في هذه الخصال وهي : ((لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ)) ثم نجاهد أنفسنا على تحقيقها والمحافظة عليها ؛ فإنه بهذا تكون النجاة وتكون السلامة للعبد من الضلال بإذن الله تبارك وتعالى .

 ومن الدعوات الجامعة : ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا )) رواه ابن ماجة ورواه البخاري أيضاً في كتابه الأدب المفرد .
وقد جاء رواية البخاري لهذا الحديث في كتابه الأدب المفرد أن النبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَا عَائشة عَليكِ بِجُملِ الدُعاءِ وجَوامِعه)) قالت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ومَا جُمَلِ الدُعاءِ وجَوامِعه؟ قَالَ: (( قُولي ... )) وذكر لها هذا الدعاء. فدلت هذه الرواية على أن هذا الدعاء من جوامع الأدعية وكوامل الأدعية المأثورة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا ظاهر في الحديث وواضح للمتأمل فيه.
فقوله: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ )) شاملٌ لجميع الخيرات في الدنيا والآخرة الظاهرة والباطنة .
وقوله: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ )) شاملٌ لجميع التعوذ بالله تبارك وتعالى من جميع الشرور في الدنيا والآخرة الظاهرة منها والباطنة.
وقوله : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ )) فيه تأكيد لما قبله ، وفيه أيضاً تفضيل لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم على اختيار الداعي ؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنصح لأنفسنا منا ، وأحرص علينا من أنفسنا { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } [التوبة:128] وقال الله تعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } [الأحزاب:6] فهو أحرص على الإنسان من نفسه ؛ ولهذا جاء هذا الدعاء ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ )) لأن ما دعا به صلى الله عليه وسلم أكمل الدعاء وأفضله وأنفعه لك ، وأيضاً ما تعوذ منه النبي صلى الله عليه وسلم هو شر ما تُعوِّذ منه ، فتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الشرور كلها . فهذا فيه تأكيد لما قبله من أن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وتعوذاته هي أكمل شيء وأعظمه وأحسنه للعبد .
وقوله : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ )) هذا فيه دعاءٌ بالفوز بالجنة ، وأيضا فيه دعاء بالأسباب التي توصل إلى الجنة وتدني العبد منها .
وقوله: (( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ )) هذا فيه سؤال الله عز وجل الوقاية من النار والنجاة من دخولها ، وأيضا في الوقت نفسه فيه سؤال الله عز وجل النجاة من الأسباب الموجبة لدخول النار ، وخصَّ النار هنا بالذكر مع أنها داخلة في الشر كله لأنها أشد العذاب وأبقاه .
وقوله: ((وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا )) جاء في رواية البخاري رحمه الله لهذا الحديث في كتابه الأدب المفرد : ((ومَا قَضيتَ لِي مِن قَضاءٍ فَاجعل عَاقِبتَه رشداً )) وهي مفسِّرة لهذه الرواية ، أي أن تجعل عاقبة أموري إلى رشد ، بأن تكون المآلات حميدة والعواقب طيِّبة ، فإذا ما كان قضاه الله لعبده مصيبة فتكون العاقبة خيراً بالصبر ونيل ثواب الصابرين ، وإذا كان ما قضاه الله تبارك وتعالى لعبده نعمةً فتكون العاقبة حميدةً وذلك بالشكر ونيل ثواب الشاكرين . ففي المصيبة ينال ثواب الصابرين ، وفي النعمة ينال ثواب الشاكرين .
ثم إن هذا الحديث فيه فائدة عظيمة نتعلمها من قول عائشة رضي الله عنه في أول هذا الحديث : قالت أن رسول الله  علمها هذا الدعاء وفي الرواية الأخرى : ( عليك بجوامع الدعاء ) فهذا فيه أهمية تعليم الأهل والأولاد الدعاء والعناية بهذا الباب العظيم .

 ومن الدعوات الجامعة : ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو : (( رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا ، لَكَ ذَاكِرًا ، لَكَ رَاهِبًا ، لَكَ مِطْوَاعًا ، لَكَ مُخْبِتًا ، إليك أواهاً مُنِيبًا ، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي ، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي ، وَأَجِبْ دَعْوَتِي ، وَثَبِّتْ حُجَّتِي ، وَاهْدِ قَلْبِي ، وَسَدِّدْ لِسَانِي ، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي )) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما .
وهذا الدعاء – معاشر المؤمنين – دعاء عظيم اشتمل على اثنين وعشرين سؤالاً ومطلباً ، هي من أهم المطالب وأعظمها، ومن أعظم أسباب صلاح العبد في دنياه وأخراه.
المطلب الأول : ((رَبِّ أَعِنِّي)) وهو: طلب العون من الله ، أي : وفقني للذكر والشكر وحُسن العبادة .
والثاني قوله : ((وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ )) أي لا تغلِّب علي من يمنعني من طاعتك من النفس الأمارة بالسوء ومن شياطين الإنس ِأو الجن .
والثالث قوله : ((وَانْصُرْنِي )) وهو طلب النصر من الله جل وعلا ، أي : مكِّني من الغلبة على الكفار أعدائي وأعداء دينك . وقيل انصرني : أي على نفسي الأمارة بالسوء فإنها أعدى أعدائي .
والرابع قوله : ((وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ)) بمعنى : لا تسلِّط عليَّ أحداً من خلقك.
والخامس قوله : ((وَامْكُرْ لِي )) أي: ألحِق مكرك بأعدائي وارزقني الحيلة السليمة والفكر القويم للسلامة من شرهم ودفع كيدهم بحيث لا يشعر العدو بما هديتني إليه من سبيل دفع كيدهم وعدوانهم .
والسادس قوله : ((وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ )) أي : ولا تهدي عدوي إلى طريقة دَفعِه إياي عن نفسه .
والسابع قوله : ((وَاهْدِنِي )) أي: دلني على أبواب الخيرات ، ومُنَّ عليَّ بالعلم النافع ، وبصِّرني بعيوب نفسي .
والثامن قوله : ((وَيَسِّرْ الْهُدَى لي )) أي: وسهِّل لي اتِّباع الهداية وسلوك طريقها ، وهيئ لي أسباب الخير حتى لا أستثقل الطاعة ولا أشتغل عن العبادة .
والتاسع قوله : ((وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ )) أي : وانصرني على من ظلمني وتعدَّى عليّ ، وهذا تخصيصٌ بعد قوله أولاً : ((وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ)) .
والعاشر قوله : ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا )) أي: ألهمني شكرك على نعمائك وآلائك عليّ .
والحادي عشر قوله : ((لَكَ ذَاكِرًا )) أي في الأوقات كلها ؛ قائماً وقاعداً وعلى جنب .
والثاني عشر قوله : ((لَكَ رَاهِبًا )) أي: خائفاً منك في السراء والضراء.
والثالث عشر قوله : ((لَكَ مِطْوَاعًا )) أي كثير الطوع ، وهو الانقياد والامتثال والطاعة .
والربع عشر قوله : ((لك مُخْبِتًا)) من الإخبات : وهو الخشوع والتواضع والخضوع ، والمعنى : اجعلني لك خاشعاً متواضعاً خاضعاً . ويقال أخبت إلى الله أي اطمأن إليه وخشع له وخضع ، وعلامته أن يذل القلب بين يدي ربه إجلالاً وذلاً له وانكسارا .
والخامس عشر قوله : ((إليك أواهاً مُنِيبًا )) الأواه: هو كثير الدعاء والتضرع والبكاء . والمنيب هو: التائب الراجع إلى الله في أموره . واكتفى في قوله (( أواهاً مُنِيبًا )) بصلةٍ واحدة لكون الإنابة لازمةٌ للتأوِّه ورديفاً له فكأنهما شيء واحد ، ومن ذلك قوله تعالى : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } [هود:75] ، وتقديم الجار والمجرور في هذا وفيما قبله للاهتمام والاختصاص وتحقيق الإخلاص .
والسادس عشر قوله : ((رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي )) أي بجعْلها صحيحةً بشرائطها واستجماع آدابها .
والسابع عشر قوله : ((وَاغْسِلْ حَوْبَتِي )) أي وامح ذنبي وإثمي .
والثامن عشر قوله : ((وَأَجِبْ دَعْوَتِي )) أي دعائي .
يتبع

والتاسع عشر قوله : ((وَثَبِّتْ حُجَّتِي )) أي على أعدائي في الدنيا والعقبى ، وثبِّت قلبي وتصديقي في الدنيا وعند سؤال الملكين .
والعشرون قوله : ((وَاهْدِ قَلْبِي )) أي : إلى معرفة ربي ومعرفة الحق والهدى الذي أمَر به وبَعَث به رسله .
والحادي والعشرون قوله : ((وَسَدِّدْ لِسَانِي )) أي: صوِّب وقوِّم لساني حتى لا ينطق إلا بالصدق والقول السديد.
والثاني والعشرون قوله : ((وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي )) أي : واخرج سخيمة صدري ، وهي : غشه وغله وحقده وحسده ونحوها مما ينشأ من الصدر ويسكن في القلب من مساوئ الأخلاق .
وبهذا يتبين ما اشتمل عليه هذا الحديث من المسائل العظيمة والمطالب الجليلة الدالة على عظم شأن هذا الدعاء ورفيع مكانه . وقد جاء في كتاب " الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية رحمه الله " للحافظ البزار أن هذا الدعاء كان أغلب دعاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .

 ومن الدعوات الجامعة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما جاء في حديث زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ عَمِّهِ رضي الله عنه قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ ))
فهذا التعوذ اشتمل على التعوذ بالله عز وجل من هذه المنكرات الثلاث .
المنكر الأول : منكرات الأخلاق ، يعني الأخلاق المنكرة ، الأخلاق السيئة ، فكل خُلق سيء وقبيحٍ يدخل في قوله (( أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ )) .
وقوله ((وَالْأَعْمَالِ )) أي: وأعوذ بك من منكرات الأعمال ، ومنكرات الأعمال : هي الذنوب والمعاصي والآثام التي يقع فيها الإنسان .
ومنكرات الأهواء : أي ما يدعو إليه الهوى من الشرور والمفاسد والانحرافات .
فهذا تعوذ عظيم من منكرات الأخلاق ، ومن منكرات الأعمال ، ومن منكرات الأهواء. والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثبت عنه في دعاء آخر في استفتاح الصلاة أنه قال : ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ ، واصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ )) ؛ وقوله : ((واصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ )) مثل قوله هنا : (( أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ)) أي سيِّـئها .

 ومن الدعوات الجامعة : ما ثبت في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ : (( سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ )) قَالَتْ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ؟ فَقَالَ : (( خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي فَإِذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } فَتْحُ مَكَّةَ { وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا})) رواه مسلم .
وقد جاء في رواية أخرى لهذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : (( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ؛ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ )) رواه البخاري ومسلم.
ومعنى قول عائشة رضي الله عنها (( يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ )) أي : يفعل ما أمره الله به في القرآن ، فالله سبحانه وتعالى قال له في القرآن {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} ففعل ذلك ، فكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ركوعه وسجوده يقول: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي )) فيستحب للمسلم في ركوعه وسجوده أن يدعو بهذه الدعوة العظيمة التي كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكثر منها .
وبهذا معاشر الإخوة نصل إلى ختام ذكر هذه الدعوات الجامعة والتعليق عليها ، ونسأل الله العظيم بمنِّه وكرمه أن يتقبل منا وأن يجعل ذلك في موازين حسناتنا أجمعين ، وأن ينفعنا بما علَّمنا وأن يزيدنا علما ، وأن يجعل ما تعلمناه حجة لنا لا علينا ، وأن يهدينا وأن يهدي لنا وأن يهدي بنا وأن ييسر الهدى لنا ، وأن يوفقنا إلى كل خير ؛ إنه تبارك وتعالى سميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

جزاك الله خير الجزاء اخي الكريم
وبارك الله فيك على هذا الطرح القيم و المفيد
جعله الله فى ميزان حسناتك























شكرالك
وبارك الله فيك
على الشروحات
لك تقييمي