منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


بدأ الإسلام غريبًا




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع










بدأ الإسلام غريبًا




لما جاء الوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء، خرج فزعًا إلى بيته، فاستقبلته خديجة رضي الله عنها تطمئنه حتى هدأ ذهبت معه إلى ورقة بن نوفل، الذي سمع منه قصته ثم قال له كلمة قوية: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، رواه البخاري.

فهي سنة في الأنبياء جميعًا، بل وفي دعوتهم، فكل من دعا بها عودي، لكن الله ينصر من ينصره: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: 51]، ويقول تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: 5/ 6].

وكان ذلك شأن الإسلام والرسالات السابقة من قبله يعرف ذلك من عرف سنة الله في خلقه حتى أن البخاري أخرج في صحيحه من قول هرقل لأبي سفيان: (وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم).

ولقد جاء الإسلام فاتبعه الضعفاء وعاداه الأقوياء، فنصر الله من نصره وخذل من خذله.

فلقد أخرج البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.

و ذكر ابن كثير في البداية والنهاية قال: وثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش برمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم، فكان بلال صادق الإسلام وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك: أحد أحد، فمر عليه أبو بكر الصديق وهو يعذب فاشتراه من أمية بعبد له أسود فأعتقه وأراحه من العذاب.

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة، وكان أبو جهل الفاسق الذي يغرى بهم في رجال من قريش إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حُلمك ولنغلبن رأيك ولنضعن شرفك وإن كان تاجرًا قال: والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به، لعنه الله وقبحه.

وكانوا يضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضرب الذي به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له اللات والعزى إلهان من دون الله فيقول نعم!! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم.

فانظر - رعاك الله - لتعلم من ذلك أن طريق الأنبياء ومن تبعهم ينصره الله بعد أن يظهر للناس تمسكهم بدينهم، وعملهم بشرع ربهم سبحانه وتعالى، فينصرهم ويؤمنهم في ديارهم ويجعل الحياة رغدًا عليهم، فإن غيَّروا تغيَّر الأمر، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: 11].

وقوله سبحانه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال: 53].

ولقد أخرج الطبري وابن كثير وغيرهما في تفسير سورة النور عند قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فذكروا عن أبي العالية قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سرًا وهم خائفون، لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموها فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله أن يصبروا، ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليست فيه حديدة، وأنـزل الله هذه الآية، فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله تعالى قبض نبيه - صلى الله عليه وسلم - فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه فأدخل عليهم الخوف فاتخذوا الحجزة والشرط وغيروا فَغُيِّر بهم.

يقول المولى سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55].

في الآية الكريمة معان واضحات ولمحات طيبات، وإرشاد كريم ووعد محقق، فالآية الكريمة أولًا تفسر قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7]، فالإيمان وعمل الصالحات هما سبيل النصر.

وهي ثانيًا بيان العمل الذي من أجله يمكن الله، عز وجل للمؤمنين في الأرض، وهو: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾، وهذا بيان لوظيفة الخلق: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وهي الهدف من الحكم بما أنـزل الله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [يوسف: 40].

نصر الله وتحقيق وعده:
ففي غمرة الأحداث السياسية وصراع أمم الأرض ينسى المسلمون أن الله نصر نوحًا - صلى الله عليه وسلم - لما دعاه: ﴿ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [ القمر: 10]، ونصر هودًا وصالحًا عليهما السلام على كثرة عدوهم وقلة ناصريهم من البشر، ونصر إبراهيم ولوطًا وسائر أنبيائه ورسله، ثم قال لهذه الأمة: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: 55].

وقد تحقق الوعد للمؤمنين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا في أمة لا ينظر إليها أحد إلا بعين الاحتقار والاستصغار، فإذا بهم يملكون فارس والروم واليمن وإفريقية، ويتوغلون في أوربا ذلك لما حقق القوم الشرط: ﴿ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، حقق الله لهم الوعد فاستخلفهم في الأرض وأعمل فيهم سنته في كونه ﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ لكن الشيطان أغوى أجيالًا من بعدهم: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 56]، ففقدوا بتخليهم عن الوفاء بالشرط: ﴿ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، فقدوا تحقق الوعد، فإذا ببلادهم تهان بالكافرين والملحدين واليهود والمجوس والصليبيين وأعوانهم وأضرابهم من الفجرة المجرمين، فكان أن غاصت بقاع واسعة من بلاد المسلمين تحت الشيوعية ونارها، وبلاد أخرى تحت الصليبية وكفرها، وكان أخيرًا أن وقع بيت المقدس أسير اليهود، أشباه القردة والخنازير، قتلة الأنبياء، والمغضوب عليهم، الملعونين في كتاب رب العالمين.

فهل من عودة إلى العزة والنصر والتمكين؟ الجواب: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [النور: 55].

لكن ينبغي علينا هنا أن نعلم ما هو هذا الشرط؟ إنه الإيمان وعمل الصالحات.

أما الإيمان فأركانه ستة: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره».

وهو الأساس الذي لا ينبغي أن نغفل عنه لحظة ولا نهمل منه شيئًا.

أما عمل الصالحات فمعناه فعل المأمورات واجتناب المحظورات طاعة لله وإيمانًا برسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيدخل فيها تصحيح الاعتقاد وضبط العبادات على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ويدخل فيها كذلك تنظيم البيوت من بر للوالدين، وإحسان للزوجات والأبناء، ومراعاة لحقوق الجوار، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وغض للبصر، وحفظ للفرج، وانتهاء عن الربا والغش والظلم، كل ذلك وأمثاله داخل في قوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، لكن الآية جاءت في سورة النور وهي السورة التي نـزلت مؤذنة بعهد جديد في حياة الرسالة الخاتمة من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان نـزولها عقيب غزوة بني المصطلق التي جاءت بعد غزوة الأحزاب والتي نـزلت في شأنها سورة الأحزاب وبينهما وقت قصير حيث كانت غزوة الأحزاب آخر غزوة تهاجم فيها جيوش المشركين المسلمين فتقاتلهم في المدينة وبعدها قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم». هذه رواية البخاري. وفي رواية البزار عن جابر، رضي الله عنه، بلفظ: «لا يغزونكم بعد هذا أبدًا، ولكن أنتم تغزونهم».

فجاءت سورة النور تطهر المؤمنين ليقوموا بواجب الجهاد والدعوة ليتأهلوا بالطهارة والطاعة ليكونوا محلًا لنصر الله تعالى، فيطهرهم بهذه الأوامر الشرعية التي فصلتها السورة الكريمة، وأجملتها الآية الجامعة العظيمة في قوله تعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، وإن كانت كلمة ﴿ الصَّالِحَاتِ ﴾ تعني المأمورات امتثالًا، والمنهيات اجتنابًا، فإن مأمورات سورة النور تصبح مقصودة بطريق الأولى، فإقامة الحدود المشروعة وحفظ الألسنة عن الخوض في أعراض الخلق وغض البصر عن المحارم وحفظ السمع وآداب الاستئذان في البيوت وتعليم الأطفال ذلك وحفظ الجوارح والفروج كل ذلك من الصالحات، وبنظرة عابرة إلى السورتين نرى الكثير من الأوامر ومنها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور].

وفيها: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور].

و فيها: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور: 37]، وفي سورة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب: 9-14].

وفيها: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23 ].

وفي السورتين الإرشادات القويمة والأوامر التي تحيا بها الأمة المستقيمة لتكون محلًا لنصر رب العالمين، فليس العدد ولا العدة إنما النصر، نصر الله ينصر الذين آمنوا: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: 51]، والذي ينظر بعين الإنصاف لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنـزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 38 - 40].

والذي يستعرض الآيات التي نـزلت في غزوة بدر، وفي غزوة الأحزاب، وفي غزوة حنين وغيرها يعلم أن الله سبحانه وتعالى أيد المسلمين في بدر بالملائكة المسومين يقاتلون معهم، وأيدهم يوم الأحزاب بريح وجنود، فنصر عبده وأنجز وعده، وهزم الأحزاب وحده، ويوم حنين صرف الجموع الغفيرة عن ميدان القتال، ففروا وولوا مدبرين، وأنـزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنـزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. والمتدبر لحدث الهجرة يعلم أن الله أبطل كيد الكافرين، وأخذ بأبصارهم عندما خرج من بيته وعندما جاءوه عند الغار ورد عنه سراقة بن مالك وأكبه عن جواده عندما لحق فسلمه في رحلته وخيب الله الكافرين في سعيهم.

بهذا يعلم كل مسلم أن عليه واجبًا لا يجوز أن يتخلى عنه في عمل الصالحات وهو سبب نحو نشر دعوة الإسلام وعودة العز لأهله وإرجاع الأرض المسلوبة وعودة المسجد الأقصى والأندلس وبخارى وسمرقند وسائر الأرض السليبة المنـزوعة، وأن الأمر ليس إلا بنصر الله العزيز الحكيم، لا بالدعاوي الفارغة الجوفاء ولا الحناجر العالية، ولا الأصوات المبحوحة والمسيرات الطويلة، إنما بإقامة شرع الله ودينه، جاءت الآية التالية في سورة النور بعدها بقوله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: 56].

فبالجباه الساجدة، والأيدي المتوضئة، والأنفس الزكية، والأجساد المتطهرة، والألسنة المحفوظة، يقع النصر والتمكين، وبذلك يشعر كل أحد أن عليه واجبًا نحو النصر، نحو القدس، نحو دماء المسلمين، نحو ديار المسلمين، فليؤد كل أحد الواجب عليه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7]، فكيف تطلبون نصره وأنتم تفرطون في شرعه: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف».

فليؤد كل واحد أمانته، وليراقب الله في رعيته، لينصرنا الله ويمكن لنا في أرضه بديننا الذي رضيه لنا ويبدل خوفنا أمنًا، وفقرنا غنى لنقيم شرعه فنعمل بدينه، والله يؤيدنا ويؤيد كل من آمن به وانتهج شرعه.






الساعة الآن 04:35 PM.