منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز الدعوة واساليبها في القرآن الكريم

مميز




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
الدعوة واساليبها في القرآن الكريم


تُعد الدعوة القرآنية موضوعا في غاية الأهمية والقيمة المضمونية في عصرنا الحاضر والعصور السابقة، وهذه الأهمية تستدعي اقتضاءً الوقوف على مفهوم الدعوة ومنطلقاتها في النص القرآني، عبر المجالات الموصلة إليه، والمتمثلة في استقصاء المعنى اللغوي والاصطلاحي للدعوة ثم البحث في مستويات التقارب بين هذين المعنيين، ليتسنى لنا فهمها فهما أوليا نجعله مرقاة للوصول إلى مفهوم الدعوة في القرآن الكريم، والتعرف على الأساليب الـتي ارتكز عليها النص القرآني في أداء هذا المضمون المعرفي وكيفية إيصاله إلى عقول الناس وقلوبهم .
فالدعوة في اللغة أن (تقول دعا يدعو دعاءً، وفلان داعي قوم وداعية قوم: يدعو إلى بيعتهم دعوة. والجميع دعاة) وجاء في (تهذيب اللغة) إن الدعوى اسم لما تدعيه، والدعوى تصلح أن تكون في معنى الدعاء لو قلت: اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين، والدعوة كما نُقِلَ عن الليث: الدعاء والادّعاء والدعوة هي الحلف يُقال: دعوة فلان في بني فلان ، والدعوة كذلك الوليمة، والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة ، واحدهم داع ، ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين .
وذكر صاحب (لسان العرب) معنى الدعوة بقوله (دعا الرجل دعوا ودعاءً: ناداه، والاسم الدعوة .
ودعوت فلانا أي صحت به واستدعيته، وتداعى القوم، دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا، ودعاه إلى الأمير: ساقه. وقوله تعالى: (وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) (الأحزاب : 46)، (معناه داعيا إلى توحيد الله وما يقرِّب منه ) .
نستشف من هذا أن المعنى اللغوي للدعوة يضم مجموعة من المفاهيم التي تجعل من الدعوة قاسما مشتركا بينها، فهي تأتي بمعنى طلب البيعة وعقد الحلف بين قوم وقوم آخرين، وتأتي بمعنى الادِّعاء، وأخرى بمعنى الدعوة للوليمة، وتكون بمعنى المناداة للشخص، ودعوة الناس إلى بدعة أو دين .
أما الدعوة في الاصطلاح فهي: (محاولة الداعي استمالة الناس نحو هدف مـعـيـن وإقناعهم به إقناعا تطمئن إليه عقولهم، وترضى عنه قلوبهم ، وتنشرح لـه صدورهم ويخـالط وجدانهم، ويسري في مشاعرهم ، ويمتزج بكيانهم، ويصبح إيمانا راسخا، كي يتهيأ لهذا الإيمان أن يكون محركا لكل ما يصدر عنهم من فكر وعاطفة وسلوك به يؤمنون وبتوجيهه يعملون وفي سبيله يبذلون وعنه ينافحون ومن أجله يستشهدون) .
وإذا ما نظرنا في النص القرآني نجده قد تناول الدعوة بطريقة تتساوق ومتطلبات المرحلة الانتقالية في المجتمع البشري، على وفق سنن اجتماعية وعقائد دينية جديدة، صاغها النص القرآني في آياته ضمن رؤية شمولية محكمة، تهدف إلى التغيير الجذري للمعتقدات السائدة في ذلك المجتمع ولكثير من أعرافه الاجتماعية، هذه الرؤية تمثلت بالدعوة إلى الإسلام والدين الجديد الذي يشاطر الأديان السابقة عليه بأربعة أهداف، مثّلت هذه الأهداف المحور العام الذي دارت حوله الدعوات السابقة جميعها، ثم جاء الإسلام ليؤكدها ويزيد عليها الكثير من القضايا الأساسية للنهوض بواقع المجتمع البشري، وهذه الأهداف هي :
1 ـ توحيد الله تعالى وعبادته .
2 ـ تصديق الرسالات.
3 ـ الترغيب في نعيم الدنيا والآخرة .
4 ـ الترهيب من عذاب الدنيا والآخرة .
هذه هي الأهداف العامة للرسالات السماوية كافة ، مهما اختلفت شرائعها ، وتباينت أزمانها وأساليبها ، فقد جاء القرآن الكريم مؤكدا على أن يكون إبلاغ الدعوة وإيصالها إلى أذهان الناس قائما على قاعدة تعاملية تقتضي الابتعاد عن العنف والإجبار على الامتثال لمضمون الدعوة، وهذا يدل على أن الدعوة الإسلامية هي (محاولة تغيير الرأي العام نحو سلوك أخلاقي يكون عليه مجتمع ما إلى سلوك إسلامي مؤسس على الإيمان بالله والتلقي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كل القوانين والنظم التي لها ارتباط بشؤون الحياة) ، وهذا المعنى لمفهوم الدعوة الإسلامية ما هو إلا نتيجة حتمية تمخضت عن التواؤم القائم بين مجموعة من أساليب التعبير في النص القرآني، أخذت على عاتقها مهمة تثبيت هذه الدعوة، ونشرها في المجتمع الإنساني، لتكون الأداة الفاعلة في عملية التغييــر الجذري لذلك المجتمع .

أنماط الأساليب الدَعَويَّة في القرآن الكريم يمثل النص القرآني الوعاء الذي ضم بين دفتيه مضامين الدعوة الإسلامية، ذلك أن الدارس للدعوة الإسلامية، يجد نفسه أمام ظاهرة متفرّدة في طبيعتها وخصائصها، لم تسبق بمثلها، ولم يأتِ بعدها ما يماثلها أو يقرب منها ، لأن كتابها -القرآن الكريم- قد جمع في نصه الرباني بين جوانب ثلاثة من المستحيل أن تجتمع لغيره .
فهو أولا الدين والرسالة، وهو ثانيا أسلوب العرض والتبليغ للرسالة، وهو ثالثا وفي الوقت نفسه دليل صدق الرسالة ومن هنا نقول إن القرآن الكريم في عرضه للدعوة وإيضاح مضامينها اعتمد مجموعة من أساليب التعبير، استطاع من خلالها مخاطبة العقل والوجدان في آن واحد، فخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية ، لأن عملية إدراك الجمال الفني الرفيع تشي بحسن الاستعداد لتلقي التأثير الديني، حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع، مستوى التعبير عن العقيدة، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال التي تبلغ في العقيدة حدَّ الكمال .
وخاطب العقل بما احتوى ذلك التعبير من مضامين مكتنزة بتراكيب إبداعية وألفاظ تمتهن مهمة النفاذ إلى العقل لاتسامها بقدرة الإقناع، وبما ضمَّ النص المقدس أيضا من صيغ تؤدي الغرض على أكمل وجه لتظهر به الدلالة للمتلقي ، من هنا كان التعبير القرآني في بلورته لأفكار الدعوة يقوم على مسار الفن حينما يخاطب العقل والوجدان، لذا جاءت أساليب الدعوة منتشرة على مسار النص القرآني وفي موضوعات مختلفة ، فكانت أهم الأساليب التي اعتمدها النص القرآني في مجال الدعوة هي :
1 ـ أسلوب الحوار.
2 ـ أسلوب المحاجَّة.
3 ـ أسلوب ضرب الأمثال.
4 ـ أسلوب التذكير.
5 ـ أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

أولا : أسلوب الحوار:
يُعَدُّ الحوار من الأساليب التي أخذت حيزا كبيرا في النص القرآني، ذلك لأنه من الأساليب العربية الأصيلة التي وظّفها النص القرآني لخدمة الدعوة الإسلامية.
ولو أردنا أن نقف على مفهوم الحوار في القرآن الكريم، لا بد لنا ابتداءً من استقصاء معناه اللغوي، ثم مفهومه في الاصطلاح، فهما بمثابة المنفذ الذي نمرر من خلاله بحثا عن مفهوم الحوار القرآني .
فالحوار في اللغة مراجعة الكلام بين طرفين تخاطبا وذكر الأزهري (ت370هـ) في تهذيب اللغة معنى المحاورة فقال (المحاورة: مراجعة الكلام في المخاطبة تقول: حاورته في المنطق وأحرت له جوابا، وما أحار بكلمة) ولم يجانب ابن منظور مقولة الأزهري في معنى (الحوار) عندما قال (وكلمته فما رَجَعَ إليَّ حَوَاراً ومحاورة، وأحار عليه جوابه: ردّه، وأحرت له جوابا وما أحار بكلمةٍ، والاسم من المحاورة الحوير، تقول: سمعت حَويرَهما وحِوارَهما، والمحاورة: المجاوبة، والتحاور: التجاوب، وتقول: كلمته فما أحار إليّ جواباً وما رجع إليَّ حويراً ولا حويرة ولا محورَة ولا حواراً ، أي ما ردّ جواباً، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة) .
ونخلص مما تقدم إلى أن (الحوار، والحوير، والمحاورة) بمعنى واحد لأنها مشتقة من الفعل (حار) بمعنى رجع، فالحوار لغة هو تبادل الكلام بين شخصين على سبيل التخاطب والمراجعة ، فلا يتحقق الحوار إلا بإرجاع الكلام من أحد الطرفين على الآخر .
أما الحوار في الاصطلاح (فهو أن يتناول الحديث طرفان فأكثر، عن طريق السؤال والجواب، بشرط وحدة الموضوع أو الهدف، فيتبادلا النقاش حول أمر معين، وقد يصلان إلى نتيجة، وقد لا يقنع أحدهما الآخر، ولكن السامع يأخذ العبرة ويكوّن لنفسه موقفا) ، والمحاورة (هي المراجعة في الكلام بين طرفين، لبث شكوى أو غرام، أو تفصيل أمر، أو تهدئة خاطر، أو نحو ذلك من الأغراض التي تقتضيها الحال والمقام ) .
وإذا ما انتقلنا إلى النص القرآني بحثا عن مادة (الحوار) فإننا نجدها قد وردت في ثلاث آيات فقط، وهي قوله تعالى حكاية على لسان صاحب الجنتين: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) (الكهف : 34)، وقوله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف : 37)، وقوله تعالى : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة : 1).
ومن هذه الآيات وما سبقها يتحدد مفهوم الحوار في القرآن الكريم بأنه (أسلوب قرآني يحكي محاورة كلامية بين طرفين أو يخبر عنها، هادف إلى بيان معان إسلامية مقصودة ومحددة) وهذا يعني أن (غاية الحوار القرآني رد العقل إلى التفكير المنظم الهادئ، وبيان فساد موقف الخصم... وأكثر ما يكون ذلك للرد على قول قاله الكافرون، أو على موقف غير منطقي من مواقفهم، يتسم بالزيغ والضلال) ، فقد تعامل النص القرآني مع العقل الإنساني على وفق رؤية أسلوبية تسعى إلى إدخال العقل في نطاق الوجدان، وجعل التلقّي مشتركا بينهما في ضوء تعبير فنّي يعمل على إقامة الموازنة بين طرفي المعادلة، عن طريق مخاطبة حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية، مما يؤدي إلى ترجمتها من لدن العقل إلى استجابة محضة، قائمة على أساس التأثر الوجداني .
وبعد استقراء الباحث للنصوص القرآنية المشتملة على أسلوب الحوار وجد أنه ينقسم على قسمين :
1 ـ حوار دنيوي (أرضي).
2 ـ حوار آخروي (غيبي).
وهذا التقسيم قائم بالأساس على ثنائية الزمان والمكان التي يجري الحوار ضمن إطارها في النص القرآني .
فالحوار الدنيوي (الأرضي): هو حكاية القرآن لحوار أرضي واقع في عالم الشهادة، ونقله لمقولات القائلين على ألسنتهم نقلا تلقائيا، لا مبالغة فيه ولا افتعال، فتصاغ المعاني على ما يقتضيه أسلوب إعجازه .
وأمثلة هذا النمط من الحوار كثيرة في القرآن الكريم، فقد شغل مساحة أكبر من نظيره على أرضية الحوار القرآني، من ذلك قوله تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(البقرة : 133)
أما الحوار الآخروي (الغيبي): فهو عبارة عن نمط من الحوار ابتكره القرآن الكريم إذ لم يكن معهودا في أنماط الحوار مثيل له، وهذا النمط الحواري يحكي أحوال النعيم والعذاب في الآخرة كما في سورة الأعراف من وصف أهل الجنة وأهل النار, وأصحاب الأعراف، فلما جاء القرآن بهذه الأوصاف التي لم تكن معهودة في الأساليب العربية انماز منها بذلك .
يتضح مما تقدم أن هناك رابطا موضوعيا يؤسس عليه الحوار القرآني، وهذا الرابط يقوم على ثلاثة مرتكزات: الأول: هو الواقع الخارجي ومقتضياته السياقية، والثاني: هو موضوع الحوار أو فكرته التي يرمي إلى طرحها والعمل على معالجتها ، والثالث: بيان المستوى الفكري للمتحاورين، وبتوافق هذه الجوانب الثلاثة يتكون النسق الحواري بتشكلاته الصياغية ودلالاته المضمونية، ويكون أسلوبا ذا أهمية كبيرة في بلورة الأفكار الدَعَويَّة في النص القرآني، وإيصالها إلى الناس، عن طريق مخاطبة العقل وتحريك الوجدان نحو الاستجابة للمفاهيم والأفكار المطروحة على أرضية ذلك الحوار .

ثانيا: أسلوب المحاجَّة:
تُعد المحاجة أسلوباً تعبيرياً له طاقات فاعلة في شحذ العقل وجمع شتات أفكاره المبعثرة، وتصويبها نحو قضية معينة قابلة للعرض والنقاش، في حلقة محكمة من الأفكار التي تعمل المحاجّة على بلورتها بشكل تطمئن إليه النفس، وتؤمن بصحته .
والمحاجة اسلوب ورد في النص القرآني وهو يحمل شحنة من الأفكار الدعوية التي يرمي إلى مخاطبة عقل المتلقي بها، وحمله على التفاعل معها، وإدراك أبعادها الموضوعية التي تسعى إلى الكشف عما يحتويه الوجود من خفايا ومعجزات دالة على قدرة صانعها وعظمتـه في إنشاء ذلك الوجود .
والمحاجة في اللغة: مأخوذة من مادة (حجّ) وهذه الأخيرة تدل على القصد، فقد جاء في معجم مقاييس اللغة (الحاء والجيم أصول أربعة، فالأول: القصد، وكل قصد حج، ثم اختص بهذا الاسم القصد إلى البيت الحرام للنسك، ومن الباب المحجة، وهي جادة الطريق، وممكن أن تكون الحجّة مشتقة من هذا لأنها تُقصَد أو بها يُقصَد الحق المطلوب، يقال: حاججت فلانا فحججته أي غلبته بالحجة، وذلك الظفر يكون عند الخصومة والجمع حجج والمصدر الحجاج) فتكون الحجة بذلك وسيلة لإثبات غاية فهي قصد مشفوع بالدليل لتوثيق فكرة يسعى الشخص المحاجج إلى إقناع الآخر بها .
المحاجة في الاصطلاح: (الحجاج (gumentation20): جملة من الحجج التي يُؤتى بها للبرهان على رأي أو إبطاله، أو هو طريقة تقديم الحجج والاستفادة منها. والحجة هي البينة ومنها قولهم: البيِّنة على المدعي .
وقد وردت مادة (حاجّ) في آيات كثيرة من النص القرآني، ويبـدو أن أغلـب الآيات التي ورد فيها الفعل (حاجّ) كانت في الحديث عن توحيد الله في دينه ، من ذلك قوله تعالى: (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ) (الأنعام : 80)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) (الشورى : 16)، وقوله تعالى: (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) (آل عمران : 20).
وتأسيسا على هذه النصوص المقدسة وما سبقها يتجلى مفهوم المحاجة في القرآن الكريم بأنها أسلوب تعبيري قائم على أساس عرض الفكرة في إطار مكوناته النصيّة، قصد الإفهام والتأثير في المتلقي، من خلال نقض أفكاره بطريقة أسلوبية تتناسب مع مقتضيات المقام وطبيعة الموضوع، حتى يأتي الأسلوب محيطا بفكرته ويحقق الغاية المبتغاة من وراء هذه الصياغة التي تنطوي على الدليل الذي يثبت الحجة.

ثالثا : أسلوب ضرب الأمثال :
الأمثال جمع مثل، وهذه الكلمة لها جذر لغوي في اللغات الاخرى، وهي جميعها أفعال دالة على المشابهة .
ولو بحثنا عن المعنى اللغوي للمثل في العربية لوجدنا أقوال المعجميين تتراوح بين خمسة مداليل في تحديد معنى (المَثَل) بفتحتين وهذه المداليل هي :
1 ـ الشبه.
2 ـ المِثل ( بالكسر) والنظير .
3 ـ الصفة .
4 ـ العبرة والحجة والآية والحديث .
5 ـ المثال والحذو والشاخص .
أما معنى المثل في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في وضع تحديد موحّد له، لذا جاءت تحديداتهم متباينة تبعا لاختلافهم في وجهات النظر ، وينحصر مجمل الخلاف باتجاهين: (اتجاه تفسيري، يُعنى بإبراز جوانب من خصائص المعنى المصطلح عليه .
واتجاه بياني، يبرز جوانب أخرى تغفل ما ذكره الآخرون) .
نفهم من هذا أن هذه التعاريف على اختلافها ضيقا واتساعا ترجع إلى طائفتين تؤكد الأولى اعتبار المورد والمضرب، والغرابة والسيرورة في المثل، في حين تتجاوز الأخرى هذه القضايا مؤكدة على الجوانب البلاغية فيه .
وقد عرض الدكتور الصغير تعريفات كلتا الطائفتين فيما أقامه من موازنة بين تلك التعريفات، فخرج من هذه الموازنة بتعريف اصطلاحي ينص على أن المثل (صورة حية ماثلة لمشهد واقعي أو متخيل ، مرسومة بكلمات معبرة موجزة، يؤتى بها غالبا لتقريب ما يضرب له من طريق الاستعارة أو الكناية أو التشبيه، مع لحاظ بعض الشروط :
الأول: وجود علاقة المشابهة بين الحالتين: الأولى والثانية .
الثاني: السيرورة والتداول بين الناس. الثالث: عدم التغيير في لفظه الموضوع له .
ولعل هذا التعريف الجامع بين آراء الطائفتين يخرج ما ليس من المثل منه ، ويثبت ما يقتضيه التبادر في العرف العام من لفظ المثل، والتبادر علاقة الحقيقة كما يقول الأصوليون) .
أمَّا مفهوم المثل في القرآن الكريم، فقد تعددت الأقوال في تحديده هو الآخر، وتباينت ضيقا واتساعا، وقد قام الدكتور الصغير بعرض هذه الآراء أيضا، والموازنة بينها للخروج بتحديد شامل لمفهوم المثل في القرآن (28) فحدده بقوله (ويرجّح عندي أن يكون المثل في القرآن قد استعير لكل شأن ذي بال ولكل حدث مستغرب، ولكل قصة أُريد بها العبرة، ولكل وصف لم يتعارف عليه العرب من ذي قبل، ولكل معنى لم تستطع الإفهام سبر غوره، وتشخيص فحواه إلا بتقريبه تنظيرا وتمثيلا حتى تداوله الناس، واستوعبته العقول .
وهو بهذا التحديد، يصاحب المثل في اللغة من وجه، والمثل في الاصطلاح من وجوه، فالمشابهة والتنظير والوصف والإبانة من اللغة في التبادر إلى إدراك معنى اللفظ والعظة والعبرة - باعتبارهما سببين لضرب المثل - والشأن العجيب - والغرابة ، والسيرورة من الاصطلاح .
وزاد المثل القرآني على هذه المعطيات بما له من رصيد مجازي ، وأفق استعاري، وطبيعة تشبيهية مضافا إلى الاستعمال في المورد الحقيقي) .
ولعل هذا التحديد يحمل في طياته صفة الشمولية، إذ إنه أوضح الموضوعات التي سيق المثل القرآني لمعالجتها والتي أوضحت - هي الأخرى - الهدف المبتغى من وراء سوق المثل في القرآن، ثم بيّن أوجه الالتقاء بين المثل بمعناه اللغوي والاصطلاحي والمثل القرآني، وزاد على ذلك إيضاح الميزة التي انماز بها المثل القرآني وهي الأداء البياني القائم على أساس ما يمتلكه من رصيد مجازي، وأفق استعاري، وطبيعة تشبيهية، فضلا عن ذلك فإن التحديد أوضح أن المثل في القرآن مورده حقيقي وليس افتراضياً.
أما طبيعة الموضوعات التي عالجها المثل القرآني، فإنها تكمن في أن المثل جاء متساوقا والظروف الموضوعية ومقتضيات المصلحة العليا للدعوة الإسلامية فقد عاد متماسكا كالحلقة المحيطة ببيئته العامة التي اتسمت بطابعين حسب المراحل الزمنية للدعوة الإسلامية: الأول: طابع البيئة المكي، وقد جاء فيه المثل مراعيا المستوى البدائي الذي كان عليه الناس وقتذاك، والأصل التشريعي الذي تقتضيه الرسالة السماوية في حثها على ضرورة الاهتداء، والتغيير الجذري في العقائد، والتذكير بالآخرة وتوحيد الله تعالى .
الثاني: طابع البيئة المدني، وقد انصبّ الاهتمام فيه على عملية تقويم المجتمع وإصلاحه، وحثه على الفضائل حينا، وكشف خطط المنافقين ومن ظاهرهم من اليهود وشراذم المشركين حينا آخر، ووصف الجنة وما فيها من نعيم دائم، والاعتداد بقيادة الأمة، وتوجيه العناية لكتاب الله في أغلب الأحيان .
وتأسيساً على هذا يكون المثل القرآني قام بعملية رصد لمشكلات الواقع البشري، ثم وضع الحلول لهذه المشكلات على أساس رؤية موضوعية شاملة صيغت في تعابير فنية محكمة .

رابعا: أسلوب التذكير:
أسلوب التذكير من الأساليب التعبيرية التي مثّلت أحدى المحاور التي دارت حولها مفاهيم الدعوة في القرآن الكريم، فقد انماز النص القرآني من الأساليب العربية المعهودة بابتكاره أسلوبا لم يكن معهودا فيها وهو أسلوب التذكير الذي يُعد موعظة لأهل الدين فهو بالخطابة أشبه ولكنه يخالفها بعض المخالفة .
ولمعرفة معنى التذكير في اللغة، ننظر إلى قول الأزهري في تهذيبه إذ يقول: (الاستذكار: الدراسة للحفظ، والتذكّر تذكُّر ما أُنسيته، وقال الفراء: يكون الذكرى بمعنى الذكر، ويكون بمعنى التذكير في قوله: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (ص : 46) .
نفهم من المعنى اللغوي أن لفظتي (التذكير والذكرى) أصل لمعنى واحد وهو تذكير الشخص بشيء نسيه، وكلتاهما تأتي بمعنى الوعظ والإرشاد. وهذا المعنى للتذكير يتواءم ومعنى (التذكُّر) الذي يعني (استحضار المعلومات والمعارف والأخبار التي سبق وأن اقتناها الإنسان أو العقل ثم غفل عنها أو نسيها... وهو نوع من المراجعة الفكرية والتأملية الجادة لحقائق ومعادلات ومعارف مطروحة من أجل اكتشاف حقيقة أعمق) إذ (يلاحظ على قوى الإدراك الحسي أنها تنقسم على قسمين قسم للإدراك والقسم الآخر للحفظ، فالخيال (خزانة للصور) والحافظة الذاكرة (خزانة المعاني) فيعمل التذكُّر على (استحضار الصورة المخزونة في الذهن بعد غيبة عن الإدراك أو حفظه من أن يغيب عن الإدراك) (37) وبهذا تتضافر عملية التذكير مع التذكُّر في استحضار مكونات المعادلة المبتغاة من أجل الوصول إلى النتيجة والهدف الذي سيقت المعادلة من أجلهما.
أما الاتجاهات الموضوعية لأسلوب التذكير في القرآن الكريم ، فإنه يصب اهتمامه في اتجاهين:
1 ـ التذكير بنعم الله تعالى على عباده، فالله تعالى أنعم على خلقه بنعم كثيرة ذَكّرهم بها في القرآن الكريم بغاية إرجاعهم إلى فطرتهم التي جبلوا عليها، إذ إن (التذكير بنعم الله يوقظ القلب الغافل وينبهه إلى ما يرتع فيه من خيرات عظيمة ونعم جليلة فيكون ذلك أدعى للاستجابة لهدي الله والدخول في طاعته) من ذلك قوله عزّ وجلّ : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف : 26).
2 ـ التذكير بأحوال الأمم السابقة وما جرى عليها من أهوال، مثل قوله تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ * وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيــة كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْـرِفْـتــُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ * قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ * فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) (الأنبياء :9- 15).
مما تقدم يتضح لنا مفهوم التذكير في القرآن الكريم بأنه قانون الهي يعمل على تنشيط واستحضار آصرة الترابط بين ذهن الإنسان وخزينه المعرفي، والعمل على تقليص المسافات المتباعدة بينهما، على وفق معادلة تتخذ من النظام العلائقي بين الإنسان ومدبر شؤونه (الله تعالى) أساسا لها .

خامسا: أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لقد رافق هذا الأسلوب نزول القرآن الكريم في مراحله كافة ، وفي سوره جميعا، فهو لم يقتصر على مدة زمنية محددة كانت مدعاة للتعامل بهذا الأسلوب مع الواقع الاجتماعي، ولم يقتصر على سورة دون أخرى، بل جاء مواكبا للمراحل والأحداث التي مرّت بها الدعوة الإسلامية وهي تعمل على استئصال الفكر الوثني من جذوره ، وتجذير الفكر التوحيدي والإيمان المطلق بالله تعالى بدلا عن عبادة الأوثان والأصنام .
وهذا الأمر يظهر أهمية هذا الأسلوب ومدى فاعليته في نشر الدعوة الإسلامية.
ويبدو من النصوص الواردة في المعجمات اللغوية التي تناولت المفهوم اللغوي لمفردتي المعروف والمنكر ، أن المعروف جاء مقترنا بالمنكر على سبيل التضاد.
ولو بحثنا عن تحديد أدق لمفهوم المعروف والمنكر بانفصال كل واحد منهما عن الآخر لوجدنا الشريف الجرجاني (ت816هـ) يحدد (العرف) بأنه (ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول وهو حجة أيضا لكنه أسرع إلى الفهم وكذا العادة وهي ما استمر الناس عليه على حكم العقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى) ثم نجد الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) يحدد المنكر بأنه (كلُّ فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه ، أو تتوقف في استقبـاحه واستحسـانه العقـول فتـحكم بقبـحه الشريعة) .
ومن هذه التعريفات لمفهومي المعروف والمنكر ، يتضح لنا أنها بُنيت على قاعدة التضاد بين هاتين المفردتين من حيث الكينونة، فأينما وُجد المعروف وُجد المنكر قرينا له على سبيل التضاد في المعنى .
وأما النص القرآني فقد ورد فيه المعروف والمنكر في مواضع كثيرة مؤكدا الضدية بينهما ومتخذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسلوبا لنشر الدعوة الإسلامية (ولعل أوضح ما يمثل اعتماد الدعوة على الأمر بالمعروف قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف : 199)، وقد حفّ بالعرف في هذه الآية العفو والإعراض عن الجاهلين حتى لكأنهما شرح المقصود بالعرف الذي كلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر به) ومما تقدم يتجلى مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النص القرآني بأنه أسلوب ذو رؤية تعبيرية تتسم بالشمولية لماهيات الأمور المتعارف على حسنها وما يناقضها من الأمور المستقبحة، وعرضها في سياق وحدة نصيّة مكثفة تعمل على استقطاب مكونات تلك الأمور ووضعها في نسق تعبيري يحمل شحنات متضادة تسهم في بيان ماهيتها وتجليها للعقل البشري بوضوح من خلال الموازنة بينها فيختار العقل منها ما هو حسن ويدع ما هو مستهجن قبيح .
وبعد هذا العرض الذي تضمن إيضاحا لمفهوم الدعوة وأساليبها في القرآن الكريم، لا بد لنا من تسليط الضوء على حقيقة ذات أهمية عالية وهي أن القرآن الكريم خاطب العقل البشري في هذه الأساليب بطريقتين ، أمّا بطريقة الخطاب المباشر للعقل ، وأما مخاطبته عن طريق الحواس التي تقوم بمهمة نقل الشعور المادي المحسوس إلى العقل وهو يقوم بتحليل الآثار الواصلة إليه من الحواس وعرض المادة المنقولة للتعامل معها على أساس الرفض أو القبول .
وهذا الشيء بحد ذاته ينقض ادعاءات القائلين بأن الإسلام قد انتشر بحد السيف وقام على أساس الجبر والإكراه ، فالدين الإسلامي مُؤسس على مرتكز الدعوة بأساليبها وصياغاتها وصورها، فهو يخاطب (العقل والوجدان) معا فلا إكراه في الدين البتة ، وهذا ما يفسر لنا كون الإسلام رسالة خالدة على مرّ العصور واختلاف الأجيال، بالنظر إلى شمولية القرآن الكريم لجميع الأزمان والعصور بوصفه دستورا عمليا للدين الإسلامي .

الساعة الآن 04:05 AM.