منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


دين الفطرة




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع










دين الفطرة[1]







عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((كل مولود يُولَد على الفطرة؛ فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه؛ كمَثَل البهيمة تُنتَجُ البهيمةَ، هل ترى فيها جدعاءَ؟))؛ رواه الشيخان[2].

ليس بِدَعًا من الأمر أن نتصرَّف في اختيار الأحاديث النبوية، تَبَعًا لتصرُّفه - صلوات الله وسلامه عليه - في ضروب العلم والحكمة، وفنون التزكية والهداية؛ فقد آتاه الله الكتاب ومِثلَه معه، وجمَع له فيهما من علوم الأوَّلين والآخرين ما يَكفُل بعضُه السعادةَ العليا للناس أجمعين: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

المفردات:
الفطرة: أصل الفطرة الشق، ثم أُطلِق على الابتداء والاختراع، والفطرة هيئة الخَلْق وحاله، والمراد بها في الحديث ما فَطَر الله عليه الخلقَ من معرفته والإقرار به.

يهوِّدانه، أو يُنصِّرانه، أو يُمجِّسانه: أي يجعلانه يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، بالتعليم والتلقين.

واليهود مِن هادَ الرجل: إذا رجع وتاب، وإنَّما لَزِمهم هذا الاسم؛ لقول موسى - عليه السلام - ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: 156].

والنصارى أمَّة المسيح ابن مريم - عليه السلام - سُمُّوا بذلك؛ لأنهم نصروه أو نصر بعضهم بعضًا، وقال الجوهري: أُخِذت هذه التسمية من قرية (ناصرة) التي أقام بها عيسى - عليه السلام.

والمجوس قوم يعبدون الشمسَ والقمر والنار، واقتصر بعضهم على وصْفهم بعبادة الشمس والقمر، وآخرون على وصفهم بعبادة النار، وهم طوائف، يُثبِتون أصلين اثنين مُدبِّرَين قديمين، يقْتَسمان الخير والشر؛ يُسمُّون أحدَهما: النور، والآخَرَ: الظُّلمة.

البهيمة: هي كل ذات أربع قوائم ولو في الماء؛ أو كل حي لا يُميِّز.

تُنتَج: يقال: نُتِجت الناقةُ فهي منتوجة، وأنتجت فهي نَتُوج، إذا وضَعتْ.

جَدْعاء: جدع الأنف: قطعه؛ وكذا الأذن، واليد، والشفة، وجُدِع البعير قُطِع، فهو أجدع، وجُدِعت الناقة فهي جدعاء.

معرفة الله وتوحيده:
فطَر الله الناس جميعًا على معرفته وتوحيده ودينه الحق، وأعدَّهم لقَبُوله، فما يولَد مولود إلا وهو مُستعِدٌّ لهذا الدين الحنيف؛ حتى لو تُرِك وشأنه، لما ابتغى غير الاسلام دينًا؛ ذلك بأنه مُجاوِبٌ للعقل السليم، مساوقٌ للنظر المستقيم، مُشاكِل للطبائع النقية والنفوس الزكية، التي كُتِب لها أن ترقى في مراقي الكمال، ويُصدِّق هذا قول الله - جل ثناؤه -: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30].

المراد بولادة المولود على الفطرة:
وجليٌّ أن ليس المراد بولادة الطفل على الفطرة، أنه حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدينَ الحق، إنما المراد أن كلَّ مولود، فإنه يُولَد على محبَّته لفاطره، وإقراره له بالربوبية، حتى إذا خُلِّي ونفسه، لم يَعدِل عن الإسلام إلى غيره؛ وذلك كما يولد على محبته لما يلائمه من الأغذية والأشربة، وعلى اهتدائه إلى ما ينفعه ودفْع ما يضره.

لِمَ اقتصر -صلى الله عليه وسلم- على الأبوين في إضلال الطفل؟
ولا يزال الطفل نزَّاعًا إلى الخير، سائرًا في طريق الهدى، حتى يصِل إلى الكمال المقدَّرِ له، ما لم تُصِبه القوارع، وتَصرِفه عن الحق الصوارفُ؛ من وليٍّ يُضلِّه، أو بيئةٍ تُفسِده، أو شيطان من شياطين الإنس والجن يستهويه فيُهلِكه، وإنما اقتصر -صلى الله عليه وسلم- على الأبوين في إضلال الطفلِ وإفساد فطرته بالتهويد والتنصير والتمجيس؛ لأنهما أسبقُ الناس إلى رعايته والقيام عليه.

من روائع التشبيه:
ومن روائع التشبيه أن يُمثِّل النبي -صلى الله عليه وسلم- الطفل المسكين - وقد جنى عليه أبواه هذه الجِنايةَ النَّكراء - بالبهيمة ينتجها أهلها تامَّة الخلق، ثم يَعْدون عليها فيَجْدَعُونها ويُغيِّرون خِلقتَها.

العبرة بالإيمان الشرعي:
ولا يَعزُبنَّ عن الفؤاد أنه لا عِبرة بهذا الإيمان الفطري في أحكام الشريعة الغرَّاء؛ وإنما العبرة بالإيمان الشرعي المكسوب بالنظر والاختيار؛ ولهذا تَوارث الكفار وأبناؤهم الذين لم يبلُغوا الحُلُم؛ لأنهم - وإن أسلموا إسلامًا فطريًّا - لم يُسلموا إسلامًا شرعيًّا يعتدُّ به.

السرُّ في إسلام الكثير من الأجانب:
ولقوة هذا الدين ومتانته؛ لا نزال نلمَس سلطانَه على النفوس - وإن تبدَّلت - أثرًا ظاهرًا؛ ولعل هذا هو السر في إسلام الكثير من الأجانب عنه؛ رجوعًا إلى فطرتهم الأولى، على حين لا يرتدُّ سُخْطة لدينه مَن خالَطت بَشَاشةُ الإسلام قلبَه.

هل جميع الأطفال وُلدوا على الفطرة؟
وبعدُ، فهل العموم المستفاد من القضية الكلية مراد في الحديث؟ وبعبارة أوضح: أوَلَدُ آدمَ كلهم هُيِّئوا للإسلام وأُعِدوا له، لم يَشُذَّ منهم أحد، أم أن فيهم من وُلِد غير قابلٍ له؟

سؤالٌ مهمٌ، لا ينبغي أن نُجاوِز هذا المكان قبل أن نجيب عنه.

لقد ذهب إلى الرأي الأول أكثر العلماء، ولكن الذي يطمئنُّ له القلب، ويشهد به الحِسُّ، وتعضدُه دلائل العقل والنقل - هو الرأي الثاني، وأن من بني آدم من وُلِد مطبوعًا على الكفر، نائيًا عن الحق، غير مهيَّأ له، ولكنه شاذٌّ نادر لا يضر عموم الحكم في شيء، على أن صيغة (كل) تُستعمَل أحيانًا بمعنى الكثير الغالب.

وبهذا التأويل اليسير نُجيب عن مِثل غلام الخضر الذي جاء في مسلم[3] أنه طُبِع على الكفر، ولو عاش لأرهَق أبويه طُغيانًا وكفرًا، وبهذا التأويل نقضي على شبهات ثائرة، وهواجس متردِّدة حائرة، وسبحان من لا يُسأل عن ما يفعل، ومن لو شاء لآتى كلَّ نفس هُداها!

تحديد المراد بالفطرة:
أجملنا القول في المراد بالفطرة، ثم أحببنا أن نفصِّله هنا بعض التفصيل؛ إذ إنَّ الفطرة هي أساس البحث في علوم النفس والتربية، والأخلاق والاجتماع.

اختلف العلماء في تحديد المراد بالفطرة، وأشهر الأقوال وأصحُّها، وهو الذي اعتمدنا عليه في معنى الحديث، أنَّ المراد بها الإسلام.

قال ابن عبدالبر: إنه المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]؛ الإسلام، واحتجُّوا بقول أبي هريرة في بعض روايات الحديث: اقرؤوا إن شئتم ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ ﴾ [الروم: 30] الآية.

وقد قدَّمنا أن معنى ولادة الطفل على الإسلام، استعداده له، فلسنا إذًا بحاجة إلى أن نَعُد هذا رأيًا ثانيًا.

وذهب قوم إلى أن المراد بالفطرة العهد الذي أخذه الله تعالى من بني آدم حين أَشهَدهم على أنفسهم: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ [الأعراف: 172].

والحق أن هذا - كما قال صاحب الكشاف[4] - من قبيل التمثيل والتصوير، ومعناه أنه نَصَب لهم الأدلة على ربوبيَّتِه ووحدانيَّتِه، حتى شَهِدَت أبصارُهم وبصائرهم، وميَّزت بين الضلال والهدى، والحق والباطل، فكأنَّه أشهدهم على أنفسهم، وكأنهم قالوا: بلى، وهذا القول قريب من سابِقه.

ورجَّح ابن عبدالبر أن المراد بالفطرة الخِلْقة؛ أي: يُولَد سليمًا لا يعرف كُفْرًا ولا إنكارًا، ثم يعتقد إذا بلغ الحُلُم.

وقال ابن المبارك: إن المراد أنه يُولَد على ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة، فكأنه أوَّلَ الفطرةَ بالعلم، وهو مردود بأنه لو كان كذلك، لم يكن لقوله: ((فأبواه يهوِّدانه)) معنى؛ لأنهما فعَلاَ به ما هو الفطرة التي وُلِد عليها [5].

سبب ورود الحديث:
وإذا كان سبب ورود الحديث مرجِّحًا للمراد، إن لم يكن نصًّا فيه، فقد روى الإمام أحمد وغيره في سبب هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث سريةً، فأفضى بهم القتل إلى الذرِّية، فقال لهم: ((ما حَمَلكم على قتْل الذرِّية؟)) قالوا: يا رسول الله، أليسوا أولاد المشركين؟ قال: ((أوَليس خياركم أولاد المشركين؟))، ثم قام النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا فقال: ((ألا إن كل مولود يُولَد على الفطرة، حتى يُعرب عنه لسانُه))[6].

فهذا دليلٌ على أنهم وُلِدوا غير كفار، ثم طرأ عليهم الكفر بعد.

نزعات الفطرة واتجاهاتها:
وكما اختلف العلماء في معنى الفطرة، اختلف المربُّون في نَزعاتها واتجاهها؛ فمنهم من ذهب إلى أنها خيرٌ محض، ومنهم من ذهب إلى أنها شرٌّ محض، ومنهم من رأى استعدادها للخير والشر جميعًا، ومنهم من رأى خلوَّها منهما جميعًا.

والذي يشير إليه الحديث - وهو ما رجَّحناه من قبل - أن النفوس في جِبلَّتها إلى الخير أمْيَل، ما لم تَعرِض لها الآفات، وتَصرِفها الصوارف[7].

حُكْم من مات من غير أطفال المسلمين:
ومن هنا رجَّح المحقِّقون من العلماء نجاةَ من مات من أطفال غير المسلمين، خلافًا لمن قال: هم مُلحَقون بآبائهم، وخلافًا لمن توقَّف في شأنهم.

قَبُول النفوس للتغيير والتهذيب:
وفي قوله: ((فأبواه يُهوِّدانه...)) إلخ، دليل على قَبُول الفِطَر للتغيير والتهذيب، واستعداد النفوس للتعليم والتأديب، خلافًا لمن قاس الخُلُق على الخَلْق، والصورة الباطنة على الصورة الظاهرة، وزَعم أن الأخلاق لا يُتصوَّر تغييرها ألبتة، وقد عقد الغزالي لتغيير الأخلاق بالرياضة فصلاً ممتعًا في كتاب رياضة النفس من الإحياء، لم يدع مقالاً لقائل[8].

من فوائد الحديث:
وفي الحديث تقدير للأسباب، وأنها لا تنافي قضاء الله وقَدَره، وكل ميسَّرٌ لما خُلِق له.

وفي الحديث إشارة إلى وجوب العناية بأمر الأطفال منذ الولادة إلى أن يبلُغوا الحُلُم.

وفي الحديث رمزٌ إلى يُسْر هذا الدين وسماحته، وأن الأنبياء وورثة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - إذ يدْعون عباد الله إلى الله، ويُخرجونهم من الظلمات إلى النور، فإنما يُعيدون الفِطَر سيرتَها الأولى، ويرفعون النفوس إلى محلها الأرفع.




_______________________________
[1] مجلة الأزهر، العدد الثامن، المجلد الرابع عشر، شعبان (5) 1362.
[2] أخرجه البخاري (1385) في الجنائز، ومسلم (2658) في القدر.
[3] أخرجه مسلم (2661) في كتاب القدر.
[4] الكشاف؛ للزمخشري 2:.176.
[5] بقيت آراء أخرى في "شفاء العليل"؛ لابن القيم، وفي كتاب الجنائز من "فتح الباري" - لم نجد حاجة إلى ذِكرها (طه).
[6] أخرجه أحمد في "مسنده" 3: 435 (15588) من حديث الأسود بن سريع، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 5: 216: رواه أحمد بأسانيد، والطبراني في " الكبير" (833) و"الأوسط" (2005)، وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح.
[7] للأستاذ الكبير محمد فريد وجدي صفحات ممتعة (في تقسيم الفطر، واستعداد النفوس للعقيدة السليمة أو عدم استعدادها)، من كتاب "الإسلام في عصر العلم" (طه).
[8] إحياء علوم الدين 3: 56 بيان قَبُول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة.





الساعة الآن 09:06 AM.