منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


دلالات تربوية من سورة الضحى




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع










دلالات تربوية من سورة الضحى




﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 1 - 11].

لا شكَّ أن الله - تعالى - وليُّ المؤمنين، وهذه الولاية تجدُ معانيَها في النصرة والرعاية، والهداية والإرشاد... إلخ، بَيْدَ أن الله - تعالى - يختبرُ عباده المؤمنين فيضعهم في مواطن الابتلاء؛ لينظر ماذا يفعلون؟ فإنه رغم ابتلاء الله - تعالى - للعبد، فهو لا يخرج عن موطن ولاية الله - تعالى - له، وقد تكلَّمت سورة الضحى عن مثالٍ عملي لهذا الابتلاء؛ فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاء؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فإذا كان الرجل صُلْبَ الدين يُبتَلى الرجل على قدر دينه، فمن ثَخُن دينه ثَخُن بلاؤه، ومن ضَعُف دينه ضَعُف بلاؤه))[1]، وليس هناك بلاءٌ أشدُّ من أن يفارقَ الحبيبُ حبيبَه، ولو بُرْهةً من الزمن، ولذلك كان أشدُّ بلاء على النبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يفترَ عنه الوحي وينقطع فترة من الزمن.

كما أنه لا شك أيضًا أن الأصل أن ولاية الله - تعالى - لعبده ظاهرة، ولا تنقطع عنه أبدًا، فهو دائم الاتصال بالمنبع الذي يستقي منه أحكام دينه، فهو يتعلَّم من كتاب الله وسنة نبيِّه أحكامَ دينه فيعلِّم غيره ما تعلَّمه منهما، لكن أحيانًا يجد الداعية أن المنبع الذي يستمد منه ما يروي ظمأه قد بَعُد عنه، وذلك حينما تكون المسألة التي يبحث عنها قد استعصتْ عليه فلا يجد حكمَها في الكتاب أو السنة؛ وذلك لقصورِ بحثه، أو أن ثَمَّة حجبًٍا لا تزال تَحُول بينه وبين الوصول إلى حكم الشارع - سبحانه - في تلك المسألة، وهنا يثور التساؤل:
ماذا عليه أن يفعل؟ هنا تجيب سورة الضحى على هذا التساؤل؛ لتؤكد أن المسلم لا بدَّ وأن يستقي أحكام دينه من النَّبْعَين الصافيين: الكتاب والسنة، وأن يقفَ عندهما فلا يأخذ من غيرهما، ولا يحاول أن يجتهد برأيه في مسألة قطع فيها الكتاب أو السنة بحكم غاب عنه، ولم يصل هو إليه؛ لذا عليه أن يسكت ويظل يبحث حتى يصل إلى حكم الله - تعالى - فيهما، وهذا هو الأدب الذي تعلَّمه نبي الله محمد - صلى الله عليه وسلم - عندما انقطع عنه مصدر التلقي عن الله - تعالى - حيث فتر عنه الوحي فلم يؤلِّف آية أو يخترع سورةً؛ وإنما ظلَّ ساكتًا منتظرًا الوحي، رغم استهزاء المشركين به، واتهامهم له بأن شيطانه قد انقطع عنه، إنه كان من الممكن أن يدحضَ افتراءهم عليه بسورة يؤلِّفها أو يخترعها، لكنه لم يفعل، أو أن يتكلَّم بكلامٍ لا يخرج عن إطار ما سبق أن فَهِمه من القرآن من مبادئ، وإنما ظل ساكتًا ليعلِّم البشرية كلها أنه لا ينطق عن الهوى، وإنما هو وحي يوحى، وحتى يَقتَدِي به غيرُه في هذا السلوك بأن يسكتَ حينما لا يعلم حكم الله - تعالى - في المسألة؛ فعن جندب بن سفيان - رضي الله عنه - قال: اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يَقُم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة، فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكونَ شيطانك قد تركك لم أرَه قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ [الضحى: 1 - 3][2].

و(الضحى) قال عنه الإمام البقاعي: هو أشرف النهار وألطفه، وهو زهرته وأَضْوَؤُه، وهو صدره، وذلك وقت ارتفاع الشمس، ويتمَّيز هذا الوقت غالبًا بالهدوء النسبي، الذي يتناسب مع يوم جديد، وبَدْء استئناف العمل بعد انقطاعٍ دام طوال الليل، وقد عطف معه المولى - سبحانه - (الليل)، وليس مطلق الليل هو المقصود، وإنما خصَّ - سبحانه - ذلك الوقت الذي تسكن فيه الخلائق، فقوله (سَجَى)؛ أي: هدأ، قال - سبحانه -: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾، فهو وقت انقطاع وفتور، فلا تجد في هذا الوقت غالبًا مستيقظًا ولا ضوءًا منيرًا، وغالبًا ما يكون ذلك في آخر الليل، إلا أنه لا يلبث حتى ينكشف هذا الليل الساجي بضوء النهار الواضح، وذلك كله كناية عن فترة انقطاع الوحي، ثم نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى.

وهنا يؤكِّد المولى - سبحانه و تعالى – لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أن سبب انقطاع الوحي عنه لم يكن وداعًا له أو هجرانًا؛ إنما كان ذلك مثل ظاهرتي الضحى وسجي الليل، فلا يلبث الليل في سَجَاه حتى يأتي الضحى ويستأنف العمل، وفي ذلك دلالة عظيمة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأتِ بآية إلا بإذن الله، فهو القائل في كتابه: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد: 38].

وعن خديجة - رضي الله عنها - أنها قالت: لما أبطأ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحيُ جزع من ذلك جزعًا شديدًا، فقلت مما رأيت من جزعه: لقد قلاك ربُّك لما يرى من جزعك، فأنزل الله: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ [الضحى: 3][3].

يقول - سبحانه -: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ [الضحى: 4، 5].

وهنا يلفتُ القرآنُ انتباهَ النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ومَن اتبع هداه إلى حقيقة هامة، ألا وهي أن ما عند الله - تعالى - من الخير والنعيم في الدار الآخرة وما أعدَّه للمتقين، هو خير من نعيم الدنيا الزائل، وأن عطاء الله - تعالى - لا ينفدُ حتى الرضا، وهذا العطاء في الدارينِ الدنيا والآخرة، لكن عطاءه الذي ادَّخره لعباده في الآخرة خير وأبقى؛ قال - سبحانه -: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 18 - 21].

والعطاء المقصود في سورة الضحى هو الوحي، والمعنى أن وحي الله - تعالى - لن ينقطع عن نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك، فهذا ما طلبه النبي وهذا ما يُرضِيه - صلى الله عليه وسلم - لذا استجاب الله - تعالى - له فأنزل عليه آياته في كل وقت وكل حين، حتى أتم الله عليه النعمة وأكمل الدين؛ قال - سبحانه -: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

وهكذا يتعلَّم المؤمن أن خير ما يُعطِيه الله له في هذه الدنيا هو العلم الذي يتوصل به لمحاسن الأخلاق وحسن العشرة مع الناس، العلم الذي يعبدُ الله به، فيَصِل به إلى أعلى الدرجات والجنان في الدار الآخرة إن شاء الله؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن يُرِد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم))[4].

قال - تعالى -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6 - 8].

ثم تنتقل السورة إلى المنِّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - حاكيةً قسطًا من طفولتِه منذ أن تُوفِّي والدُه في صغره وتولَّى تربيته جدُّه، ثم عمه أبو طالب، ونصره في دعوته رغم كونه على الشرك، فقد أواه الله - تعالى - في أكثر من بيتٍ ليعلمَ فضل هذا المجتمع عليه، حيث تربَّى في بيت مرضعته حليمة السَّعْدِية، ثم في بيت أمه، ثم في بيت جده، ثم في بيت عمه، وفي ذلك دلالة على أهمية ترابط المجتمع أُسريًّا وعائليًّا، وأن صلة الرحم تتحقَّق بالتكافل والترابط اجتماعيًّا، وهنا يتعلَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - فضل ربِّه عليه، ويتعلم أهمية تحمل صعوبات الدعوة لأجل أهله وعشيرته؛ يقول - سبحانه -: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: 23]، فيستشعر دفءَ البيئة التي تربَّى فيها وترعرع، بالرغم من ظروف الموت وفراق الأحبة التي لازمت حياتَه منذ أول مولدِه حتى كبرت سنُّه، وتحمل الرسالة، فكان ذلك صورة من صور عطاء الله له بإصلاح شأنه في الدنيا.

كما تعرضُ السورة صورةً أخرى من عطاء الله - تعالى - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بإصلاح شأن آخرتِه؛ حيث هداه الله - تعالى - للحق، تأمَّل قوله - تعالى -: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 52].

وليس ذلك معناه أنه كان على الشرك قبل نزول الوحي عليه، ففي الحديث أنه كان يتعبَّد في غار حراء الأيام ذوات العدد قبل أن ينزل لأهله؛ فالأنبياء جميعًا معصومون عن الشرك، وإنما المقصود بذلك أن يهتديَ لطريق الحق الذي يتعلَّم به تعاليم شرع الله - تعالى - كما في قوله - تعالى -: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 48].

فالشريعة الإسلامية جاءت بأحكامٍ قد انتظمت بها أمور الدنيا والآخرة على السواء، فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن نفسِه في صغره قبل البعثة أنه كان ينقلُ مع الغلمان الحجارةَ للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا بن أخي، لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: فحلّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًّا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانًا - صلى الله عليه وسلم[5].

كما أنه لما بلغ العشرين هاجت حربُ الفجار بين قريش ومَن معها من كنانة، وبين قيس عيلان في شعبان شهر الله المحرَّم، بعد حلف الفضول، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينبل عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها[6].

وأما في شبابه، فقد مرَّ على مجلس لهوٍ فنام ولم يستيقظ حتى انقضى؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((فواللهِ، ما هممت ولا عدتُ بعدهما لشيء من ذلك، حتى أكرمني الله - عز وجل - بنبوته))[7]، فذلك كله يدلُّ على أنه لا يكفي أن يتَّصِف النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفات الصدق والأمانة والتوحيد حتى يكون من المهتدين، وإنما يتعيَّن أن يتلقى المنهج الرباني الكامل الذي يرسم به حياته فيَصِل دينه بدنياه.

وتعود السورة مرةً أخرى لتعرضَ صورة من صورِ فضل الله - تعالى - على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - لكن هذه المرة لا تعرضُ فضل الله عليه بإصلاح دنياه ومعاشه فحسب، أو فضله عليه في الآخرة فحسب بهدايته للإسلام، وإنما تعرض له صورة الفضل والعطاء الذي أعطاه الله له في الدين فأصلح به دنياه؛ إذ أغناه الله - تعالى - بعد الفقر، هذا الغنى الذي قصدته الآية ليس المقصود به ما ينعم به الإنسان من مال أو سلطان، وإنما المقصود بذلك الرضا الذي يكمن في قلب المؤمن؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس))، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد أفلح مَن أسلم ورزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه)).

قوله - سبحانه -: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 9 - 11].

ثم تختتم السورة بوصية الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بثلاث وصايا، تلك الوصايا تدل بجلاءٍ أن ما أصابه من فضل الله - تعالى - حال يُتْمه وفقره وضلاله، لم يكن محضَ صدفة؛ وإنما هو تدبيرُ الله له حتى ينفِّذ تلك الوصايا الثلاث بعد أن مرَّ بتجربتها، فيكون وصاية الله له بحقوق اليتامى والمحتاجين قد وقعت فيمَن يحمل همَّهم؛ لأنه كان من قبلُ يتيمًا ومحتاجًا:
فأما يتمه، فذلك داعٍ إلى أن يرفقَ باليتيم ويرعاه، ويهتم بأمره فلا يقهره ويظلمه.

وأما فقره، فذلك داعٍ لأن يرفقَ كذلك بالسائل والمسكين، فلا يَنْهَره ويغلظ في معاملته، وبهذين الأمرين ينهض المجتمع على أفراد تم العناية بهم في إطار الأسرة الكبيرة، ألا وهي المجتمع المسلم، في الوقت الذي تنهار فيه أركان الأسرة الصغيرة بوفاة راعيها وربِّها، وهو الأب، كما ينهض المجتمع على فكرة التضامن الاجتماعي، فمتى كفل المجتمع أفراده الضعفاء فأغناهم عن السؤال، وفتح لهم فرصة الغنى والعفاف، ولو بالكلمة الطيبة، فهنا ينصلح حال المجتمع ويظهر الحب بين أفراده، فلا يكون هناك محلٌّ للجريمة أو لاغتصاب الحقوق، طالما أن أبناءه متضامنون متعاونون، يحب بعضهم بعضًا.

وأما ضلاله وعدم اهتدائه للشرع - في فترة ما قبل الرسالة كما بيَّنا - فإنه - سبحانه - قد منَّ عليه بالنبوة والرسالة، فكان ذلك داعيًا أن يُحدِّث منشرحًا مسرورًا عن فضل ربه، ونعمته عليه وعلى عباده حتى يهتدوا للإسلام مثله.

فالحديث مع الغير عن نعم الله - تعالى - وتذكيرهم بفضله - سبحانه - أول ما يوقظ الإيمان في القلوب، ولذلك ترى القرآن الكريم ينبِّه على هذه الحقيقة بالإكثار من الآيات التي تتحدَّث عن الكون، والخلق، والإيجاد، والنِّعم، فإذا ما تذكر الإنسان نِعَم الله - تعالى - عليه استشعر فضله، ومن ثَمَّ عَرَف حقَّ الله عليه، فيحملُه ذلك على شكره وعبادته، فيتبدَّل حاله من غافلٍ عن عبادة ربه إلى مجتهدٍ ومطيع، لكنه حين يُدرِك ذلك يعلمُ كذلك أنه ما يزال مقصِّرًا في شكر ربه، ومقصرًا في عبادته باستغلال هذه النِّعم فيما أمره الله - تعالى - وشرع، ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ))[8]، وقد أورد البخاري هذا الحديث تحت عنوان: (لا عيش إلا عيش الآخرة)، وكان ابنُ عمر، يقولُ: "إذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصباحَ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ، وخُذْ من صحتِك لمرضك، ومن حياتك لموتك"[9]، وهكذا يتحوَّل الحديث عن نعم الله - تعالى - إلى عملٍ بشكر المُنعِم، وأداء النِّعَم فيما فرضه الله - تعالى - وشَرَعه.


_______________________________
[1] رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج1 ص99 رقم 120، ومثله عند أحمد والبيهقي، وهو حديث حسن.
[2] رواه البخاري ج 4 ص 1892، رقم 4667.
[3] رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 667. رقم 4214، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه؛ لإرسال فيه، تعليق الذهبي في التلخيص: صحيح مرسل.
[4] رواه البخاري ج 3 ص 1134 رقم 2948.
قال النووي تعليقًا على هذا الحديث عند مسلم: (معناه أن المعطي حقيقة هو الله - تعالى - ولست أنا معطيًا إنما أنا خازن على ما عندي ثم أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به فالأمور كلها بمشيئة الله - تعالى - وتقديره).
[5] رواه البخاري ج 1 ص 143 رقم 357.
[6] ابن كثير البداية والنهاية ج 2 ص290 - 291، وقاله ابن إسحاق.
[7] ذكره ابن الأثير، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ج 2 ص 287، وصححه الحاكم والذهبي.
[8] رواه البخاري ج 20 ص33 رقم 5933
[9] رواه البخاري ج 20 ص 39 رقم 5937






الساعة الآن 07:15 PM.