منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع











كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟



عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - يقول: "كان الناس يسألون رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنَّا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم))، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَن))، قلت: وما دخنُه؟ قال: ((قومٌ يهدون بغير هَدْيي، تعرف منهم وتنكر))، قلتُ: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صفْهم لنا؟ فقال: ((هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا))، قلتُ: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك))[1].

المسألة الأولى: معاني الكلمات:
قوله: "مخافة أن يدركني"، وفي رواية عند ابن أبي شيبة "وعرفت أن الخير لن يسبقني".

قوله: "في جاهلية وشر": يشير إلى ما كان من قبل الإسلام من الكفر، وقتل بعضهم بعضًا، ونهب بعضهم بعضًا، وإتيان الفواحش.

قوله: "فجاءنا الله بهذا الخير"؛ يعني: الإيمان، والأمن، وصلاح الحال، واجتناب الفواحش، زاد مسلم في رواية: "فنحن فيه".

قوله: "فهل بعد هذا الخير من شر؟" قال: ((نعم)): وفي رواية: ((فتنة))، وفي رواية عند ابن أبي شيبة: "فما العصمة منه؟ قال: ((السيف))، قال: فهل بعد السيف من تقية؟ قال: ((نعم، هدنة)): والمراد بالشر ما وقع من الفتن من بعد قتل عثمان، وهلم جرًّا، أو ما يترتب على ذلك من عقوبات الآخرة.

قوله: ((قال: نعم، وفيه دَخَن)): بالمهملة ثم المعجمة المفتوحتين بعدها نون، وهو الحقد، وقيل: الدغل، وقيل: فساد في القلب، ومعنى الثلاثة متقارب، يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشر لا يكون خيرًا خالصًا؛ بل فيه كدر، وقيل: المراد بالدَّخَن: الدُّخَان، ويشير بذلك إلى كدر الحال، وقيل: الدَّخَن كل أمر مكروه، وقال أبو عبيد: يفسِّر المرادَ بهذا الحديثِ الحديثُ الآخر: ((لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه))، وأصله أن يكون في لون الدابة كدورة؛ فكأن المعنى أن قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض.

قوله: ((قوم يَهدون)): بفتح أوله.

(بغير هَدْيي)، وفي رواية: ((يكون بعدي أئمة يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي)).

قوله: ((تعرف منهم وتنكر)): يعني من أعمالهم، وفي حديث أم سلمة عند مسلم: ((فمن أنكر برئ، ومن كَرِه سلم)).

قوله: ((دُعاة))، بضم الدال المهملة جمع داعٍ؛ أي: إلى غير الحق.

قوله: ((على أبواب جهنم)): أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم، كما يقال لمن أمر بفعل محرم: وقف على شفير جهنم.

قوله: ((هم من جلدتنا)): أي من قومنا، ومن أهل لساننا وملتنا، وفيه إشارة إلى أنهم من العرب، وقال الداودي: أي من بني آدم، وقال القابسي: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون، وجلدة الشيء ظاهرُه، وهي في الأصل غشاء البدن، ووقع في رواية: ((فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس)).

قوله: ((جُثْمان)): بضم الجيم وسكون المثلثة، هو الجسد، ويطلق على الشخص.

المراد من الحديث:
قال عِياض:
المراد "بالشر الأول" الفتن التي وقعت بعد عثمان، والمراد "بالخير الذي بعده" ما وقع في خلافة عمر بن عبدالعزيز، والمراد بالذين ((تعرف منهم وتنكر)) الأمراء بعده، فكان فيهم مَن يتمسك بالسنة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور.

قال ابن حجر:
والذي يظهر أن المراد "بالشر الأول" ما أشار إليه - أي: القاضي عِياض - من الفتن الأولى، و"بالخير" ما وقع من الاجتماع مع عليٍّ ومعاوية، وبالدَّخَن: ما كان في زمنهما من بعض الأمراء، كزياد بالعراق، وخلاف مَن خالف عليه من الخوارج.

وبالدعاة على أبواب جهنم: مَن قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ((الزم جماعة المسلمين وإمامهم))؛ يعني: ولو جار، ويوضح ذلك رواية: ((ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك))، وكان مثل ذلك كثيرًا في إمارة الحجاج ونحوه.

قوله: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)): بكسر الهمزة؛ أي: أميرهم، زاد في رواية: ((تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك))، وكذا في رواية عند الطبراني: ((فإن رأيت خليفة فالزمه، وإن ضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فالهرب)).

قوله: ((ولو أن تعَضَّ)): بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة؛ أي: ولو كان الاعتزال بالعض، فلا تعدل عنه، وتعض بالنصب للجميع، وفي رواية عند ابن ماجه: ((فلأن تموت وأنت عاضٌّ على جِذْلٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدًا منهم))، والجذل - بكسر الجيم وسكون المعجمة بعدها لام -: عود ينصب لتحتك به الإبل.

قوله: ((وأنت على ذلك)): أي العض، وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا.

المسألة الثانية: الحذر من الفتن:
الفتن - كما لا يخفى على كل لبيب ذي عقل سديد - تطل علينا برأسها، وظهرت ظهورًا واضحًا في هذا الزمان، الزمان الذي تداعت فيه كل الأمم على هذه الأمة المحمدية، بل وتداعى كل صاحب فكر ضالٍّ منحرف ملحد على أهل السنة والجماعة.

لذا حذَّرَنا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث الباب الذي مر معنا - من الفِرق ومحدثاتها، وحث على لزوم أهل السنة والجماعة، وترك ما عليه الفرق المخالِفة لها، وهذا لا يحصل عفوًا للإنسان، بل يحصل بعد الدراسة ومعرفة ما الفرقة الناجية؟ وما صفاتها؟ ومعرفة صفات وسمات الفرق الضالة؛ لأنه كما قال حذيفة - رضي الله عنه -: "مَن لم يعرف الشر يوشك أن يقع فيه".

وصدق القائل:
عَرَفتُ الشرَّ لا للش
رْ لكن لتوقِّيهِ

ومَن لا يعرفِ الشرَّ
من الناسِ يقعْ فيهِ

فمعرفة الفِرَق ومذاهبها وشبهاتها فيه خيرٌ كثير للمسلم؛ لأن هذه الفرق الضالة وما لها من شبهات - قد يغتر بها الجهَّال وينخدعون بها، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم، دعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها))، فقلت: يا رسول الله، صِفهم لنا، قال: ((نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)).

وكما قيل: الفتنة إذا أقبلتْ علِمها كلُّ عالم، وإذا أدبرتْ عَرَفها كل جاهل.

فنحن بحاجة إلى أن نرجع إلى ديننا، وأن نعتصم بكتاب ربِّنا؛ ففيه المخرج من الفتن، فنلزم كتاب الله - عز وجل - قراءة وحفظًا، وتدبرًا وفهمًا، وعلمًا وعملاً، ونلزم جماعة المسلمين وإمامهم، والتمسك بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وترك ما خالفها من الأقوال والأفكار والمذاهب المضلة.

اعلم - عبد الله - أن الفتنة نوعان:
فتنة شهوات.
وفتنة شبهات.

أما فتنة الشبهات، فالسبب فيها هو ضعف القوة العلمية، وهي العلم الذي يميز به بين الحق والباطل، وقلةُ العلم - سيما إذا قارنه نوعُ هوى - تضلُّ صاحبها ضلالاً مبينًا.

مثاله: فتنة أهل البدع من (المعطلة، والمشبهة وغيرهم؛ مثل: التأويل الفاسد، واتباع المتشابه، وتحريف الأدلة عن مواضعها، وعدم إنزالها في مناطاتها)، فإنما ابتدعوا لاشتباه الحق عليهم بالباطل، والهدى بالضلال، ولو أتقنوا العلم بما بعث الله به رسولَه، وتجرَّدوا عن الهوى، لما ابتدعوا.

أما فتنة الشهوات، فالسبب الرئيسي فيها هو ضعف القوة العملية، وهي العمل بالحق الذي تعلمته، مع الحب التام له، والبعد عن الباطل، سيما إذا قارنه ضعف النفس.

فالحاصل أنك إذا أردت النجاة من الفتن، لا بد لك من (علم نافع، وتقوى)، والعلم النافع هو ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأشرفُ العلوم هو العلم بالله، والعلم بعقيدة أهل السنة والجماعة.

فهذا يعينك - عبد الله - على فهم الأمور على حقيقتها، فلا يمرض قلبُك بأي شبهة من الشُّبه، وبالتقوى تقوى العزائمُ على ترك المعاصي والبعد عنها، فحقيقة التقوى أن يقي العبد نفسَه تعاطيَ ما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك، قال ميمون بن مِهران: المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه.

تنقسم الفتن أيضًا إلى فتنة خاصة، وفتنة عامة:
أما الفتنة الخاصة، فهي التي تقع على الإنسان في خاصة نفسه من خير وشر، وهي سنة كونية أجراها الله على عباده؛ ليبلوَهم أيهم أحسن عملاً.

أما الفتنة العامة، فهي التي تصيب عامةَ الأمة، وهذا النوع الذي خافه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته.

انظر إلى هذا الحديث؛ يوضح الفتنة الخاصة والعامة:
فعن حذيفة، قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا، قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((فتنةُ الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره - يكفِّرها: الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر))، فقال عمر: ليس هذا أريد؛ إنما أريد التي تموج كموج البحر، قال: فقلت: ما لك ولها، يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا، بل يكسر، قال: ذلك أحرى ألاَّ يغلق أبدًا، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم مَن الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ الليلةَ، إني حدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهِبْنا أن نسأل حذيفة: مَن الباب؟ فقلنا لمسروق: سَلْه فسأله، فقال: عمر[2].

لا تعرض نفسك على الفتن، وابتعد عنها:
قال ابن الجوزي - رحمه الله -: مَن قارب الفتنة، بعدت عنه السلامة، ومَن ادعى الصبر، وُكِل إلى نفسه.

وقال: فإياك أن تغترَّ بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل فأتاه ما لم يحتسب.[3]

وقال ابن حزم - رحمه الله -:
لا تُتْبِع النفسَ الهوى
ودَعِ التعرُّضَ للمحنْ

إبليس حيٌّ لم يَمُتْ
والعينُ بابٌ للفتنْ[4]


وقال الشيخ أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني - رحمه الله تعالى -:
مَن قارب الفتنةَ ثم ادَّعى ال
عصمةَ قد نافقَ في أمرِهِ

ولا يُجِيز الشرعُ أسباب ما
يورِّط المسلمَ في حظْرِهِ

فانجُ ودعْ عنك صداعَ الهوى
عساك أن تسلمَ من شرِّه [5]

اعلم - عبد الله - أن الفتنة إذا استفدنا منها ورجعنا إلى ديننا، صارت نعمة وخيرًا لنا، وإن استمرَّ بنا الغي والضلال، صارت سوءًا على سوء عياذًا بالله؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]؛ فالبلاء يكون بالشر؛ من جوع، وخوف، وقتل، ونهب، وغيره، والبلاءُ بالخير يكون بأنواع النعم والخيرات؛ من الأموال، والأولاد، والزوجات، وغيرها.

فالبلاء بضيق اليد (الفقر) يتجاوزه كثيرٌ من الناس؛ لكن الابتلاء بالسعة وانفتاح الدنيا والغنى، هذا قلَّ مَن يتجاوزه، وهذا أمر مشاهد، فلو نظرنا إلى واقع المسلمين - إلا مَن رحم ربي - وجدناهم لما فُتحت عليهم الدنيا، فرَّطوا في أمر ربهم؛ لذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فأبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسطَ عليكم الدنيا، كما بُسِطت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُلهِيكم كما أَلْهَتهم))[6].

من الأمور التي تجب على الفرد المسلم وقت الفتن: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم؛ كما أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث، وهذا الأمر واجب في جميع أحواله؛ لكنه وقت الفتن أوجبُ وآكد، وهذا الأمر أصلٌ من أصول أهل السنة والجماعة المجمَع عليها، قال الطحاوي - رحمه الله -: "ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفُرْقة زيغًا وضلالاً".[7]

اعلم - عبد الله - أن الفتن تُعرَض على كل القلوب لا يستثنى منها قلب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((تُعرَض الفتن على القلوب كالحصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قلب أشربَها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء..))[8]، والمعصوم مَن عصمه الله، فكن - أخي - على حذر، متأهبًا مستعدًّا بالعلم النافع والتقوى[9].


_______________________________
[1] متفق عليه: البخاري (7084)، كتاب الفتن، باب: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، ومسلم (1847)، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، وأبو داود (4244)، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، وابن ماجه (3979)، كتاب الفتن، باب العزلة، وأحمد (23282).
[2] متفق عليه: البخاري (1435)، ومسلم (144)، واللفظ له.
[3] صيد الخاطر؛ لابن الجوزي (41).
[4] طوق الحمامة؛ لابن حزم (127).
[5] روضة المحبين؛ لابن القيم (151).
[6] جزء من حديث متفق عليه: البخاري (6425)، ومسلم (2961)، من حديث عمرو بن عوف - رضي الله عنه.
[7] العقيدة الطحاوية (775).
[8] جزء من حديث عند مسلم (144)، من حديث حذيفة - رضي الله عنه.
[9] هذا قطر من غيث، وإلا فالحديث عن الفتن وأنواعها وسبل الوقاية منها يطول، فأدلُّك أخي إلى كتاب: "أشراط الساعة وفتن آخر الزمان"؛ للشيخ الفاضل/ مصطفى بن محمد بن مصطفى؛ فهو كتاب جامع ماتع في بابه، فقد جمع بين التأصيل العلمي والمنهج الوعظي، وكتاب: "الفتنة وموقف المسلم منها"؛ للدكتور محمد بن عبدالوهاب العقيل.






بارك الله فيك
الساعة الآن 08:44 PM.