منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع











لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا




عن عائشةَ - رضي الله عنها - زوجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعون، فأخبرني: ((أنه عذاب يبعثه الله على مَن يشاء، وأن الله جعله رحمةً للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد))[1].

فيه مسائل:
المسألة الأولى: معاني الكلمات:
قوله: (قالت: سألت)، وفي رواية أحمد: (أنها سألت).

قوله: ((أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء))؛ أي: من كافر أو عاصٍ.

قوله: ((فجعله الله رحمة للمؤمنين))؛ أي: من هذه الأمة، وعند أحمد: ((فالطاعون شهادة للمؤمنين ورحمة لهم، ورجس على الكافر)).

قوله: (صابرًا)؛ أي: غير منزعج ولا قلق، بل مسلِّمًا لأمر الله، راضيًا بقضائه.

قوله: ((يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له))، فلو مكث وهو قلق أو متندم على عدم الخروج، لما وقع به أصلاً ورأسًا، وأنه بإقامته يقع به؛ فهذا لا يحصل له أجر الشهيد، ولو مات بالطاعون.

قوله: ((الطاعون)): بوزن فاعول، من الطعن، عدلوا عن أصله، ووضعوه دالاًّ على الموت العام كالوباء، ويقال: طعن فهو مطعون وطعين، إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح، فهو مطعون؛ هذا كلام الجوهري.

وقال الخليل: "الطاعون: الوباء".

وقال صاحب النهاية: "الطاعون: المرض العام الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان".

وقال أبو بكر بن العربي: "الطاعون: الوجع الغالب الذي يطفئ الروح؛ كالذبحة، سُمِّيَ بذلك؛ لعموم مصابه، وسرعة قتله".

وقال أبو الوليد الباجي: "هو مرض يعم كثيرًا من الناس فيجهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدًا، بخلاف بقية الأوقات فتكون الأمراض مختلفة".

وقال عياض: "أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسمي طاعونًا؛ لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا".

وقال الحافظ في الفتح: "المراد بالطاعون المذكور في الحديث الذي ورد فيه الهرب عند الوعيد: هو الوباء وكل موت عام"[2].

المسألة الثانية: نص الحديث على أن الطاعون كان عذابًا، ثم جعله الله رحمة للمؤمنين:
والسؤال: هل العاصي من هذه الأمة يكون الطاعون له شهادة، أم يختص بالمؤمن كامل الإيمان؟
فيه احتمالات:
الأول: يقال: لا يكرم بدرجة الشهادة؛ لشؤم ما كان متلبسًا به من المعاصي؛ لقوله - تعالى -:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية: 21].

ووقع في حديث ابن عمر ما يدل على أن الطاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة؛ ففيه: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا))[3]؛ فهذا يدل على أن الطاعون سببه المعصية؛ فكيف يكون شهادة؟

الثاني: أن يقال: تحصل له درجة الشهادة؛ لعموم الأخبار الواردة، ولا سيما في الحديث عن أنس مرفوعًا: ((الطاعون شهادة لكل مسلم))[4].

ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترح السيئات مساواةُ المؤمن الكامل في المنزلة؛ لأن درجات الشهادة متفاوتة، كنظيره من العصاة إذا قُتل مجاهدًا في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، مقبلاً غير مدبر.

قلت: والراجح - والله أعلم - أنه تحصل له درجة الشهادة إذا توافرت فيه الشروط؛ وذلك لعموم الأدلة.

قال ابن حجر:
"وهذا قيد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون، وهو أن يمكث بالمكان الذي يقع به، فلا يخرج فرارًا منه؛ كما تقدم الحديث عنه في الباب قبله صريحًا"[5]، وقوله: ((يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له)) قيدٌ آخر، هي جملة حالية تتعلق بالإقامة، فلو مكث وهو قلق أو متندم على عدم الخروج ظانًّا أنه لو خرج لما وقع به أصلاً ورأسًا، وأنه بإقامته يقع به؛ فهذا لا يحصل له أجر الشهيد ولو مات بالطاعون، هذا الذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث، كما اقتضى منطوقه أن مَن اتصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت بالطاعون، ويدخل تحته ثلاث صور: أن مَن اتصف بذلك فوقع به الطاعون فمات به، أو وقع به ولم يمت به، أو لم يقع به أصلاً ومات بغيره عاجلاً أو آجلاً"[6].

وقال أيضًا: "يستفاد من الحديث أن مَن لم يتصف بالصفات المذكورة، لا يكون شهيدًا ولو وقع الطاعون ومات به فضلاً عن أن يموت بغيره، وذلك ينشأ عن شؤم الاعتراض الذي ينشأ عنه التضجر والسخط لقدر الله وكراهة لقاء الله، وما أشبه ذلك من الأمور التي تفوت معها الخصالُ المشروطة، والله أعلم"[7].

المسألة الثالثة: هل يستوي شهيد المعركة مع شهيد الطاعون؟
أما من ناحية الأجر، فيحتمل؛ لحديث عتبة بن عبدالسُّلَمِي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يأتي الشهداء والمتوفَّون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا وريحها كريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك))[8].

أما من ناحية الأحكام الدنيوية، فيختلف شهيد المعركة عن شهيد الطاعون؛ منها: أن شهيد المعركة لا يغسل، ويكفن في ثيابه التي مات فيها، أما شهيد الطاعون، فيغسل ويكفن الكفن الشرعي.

المسألة الرابعة: حكم الفرار من الأرض التي وقع بها الطاعون؟
الفرار من الأرض التي وقع بها الطاعون له ثلاث صور:
1- من خرج لقصد الفرار هروبًا من الطاعون، فهذا يتناوله النهي الوارد، كما عند البخاري وغيره من حديث عبدالرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه)) [9].

والراجح أن النهي للتحريم كما هو عند الشافعية، ويؤيده حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فناء أمتي بالطعن والطاعون))، قالت: فقلت: يا رسول الله، هذا الطعن قد عَرَفناه، فما الطاعون؟ قال: ((غدة كغدة الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفارُّ منها كالفار من الزحف))[10].

2- مَن خرج لحاجة لا لقصد الفرار، مثاله مَن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته، ولم يكن الطاعون قد وقع، ووقع في أثناء تجهيزه؛ فهذا لم يقصد الفرار أصلاً؛ فلا يدخل في النهي.

3- مَن عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها، وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون، فهذا محل النزاع[11].

فوائد:
1- إذا أراد دخول بلد وعلم أن الطاعون فيها، فلا يدخلها؛ لحديث عبدالرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه))[12].

2- المدينة لا يدخلها الطاعون؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يدخل المدينةَ المسيحُ ولا الطاعون))[13].


_______________________________
[1] البخاري (6619)، كتاب القدر، وأحمد (24358).
[2] عون المعبود (14 - 15/5).
[3] ابن ماجه (4019)، وله شواهد، وحسنه ابن حجر في الفتح ( 271/10)، والألباني في الصحيحة (4009).
[4] البخاري (2830)، مسلم (1916).
[5] يشير إلى الحديث عن عبدالرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((وإذا سمعتم به بأرض، فلا تقدَمُوا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه)) البخاري ( 5730).
[6] الفتح ( 10/273 ).
[7] الفتح (10/274).
[8] أخرجه أحمد (17651)، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (10/274)، وله شاهد من حديث العرباض بن سارية: ((يختصم الشهداء والمتوفَّون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفَّون في الطاعون؛ فيقول الشهداء: إخواننا، ويقول المتوفَّون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول الله - تبارك وتعالى -: لا، انظروا إلى جراحهم، فإن كانت جراحهم تشبه جراح المقتولين، فإنهم معهم ومنهم، فإذا جراحُهم قد أشبهت جراحَهم))؛ أخرجه أحمد (17159)، والنسائي (3164)، وحسن إسناده الحافظ (10/274)، زاد الكلاباذي في "معاني الأخيار" وهذا الوجه في آخره ((فيلحقون بهم))؛ كذا أخرجها الطبراني في الكبير (13/169)، وحسن الزيادة الألباني في الجامع الصغير وزيادته (1/1401).
[9] البخاري (5729)، ومسلم (2219).
[10] أحمد (26936) قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (2/128): رواه أبو يعلى وأحمد بن حنبل بسند صحيح، وأصله في الصحيح بغير هذا السياق.
[11] انظر الفتح (10/265 - 266).
[12] البخاري (5729)، ومسلم (2219).
[13] البخاري (5731).





جزاك الله خير
الساعة الآن 06:33 PM.