منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


بين الملهم والمعلم




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع











بين الملهم والمعلم



روى البخاريُّ وغيرُه عن ابن عباس - رضِي الله عنهما - قال: كان عمر يُدخِلني مع أشياخِ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنّه ممَّن قد علمتم، فدعاهم (عمر) ذات يوم ودعاني معهم.

قال ابن عباس: وما رأيته دعاني يومئذٍ؛ إلا ليريهم مِنِّي.

فقال عمر: ما تقولون في ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا... ﴾ [النصر: 1، 2] حتى ختم السورة؟

فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصَرَنا وفتَح علينا.

وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئًا.

فقال لي: يا ابن عباس، أكذلك قولك؟
قلت: لا.

قال: فما تقول؟
قلت: هو أَجَلُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعْلَمَه الله له؛ ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجَلِك، ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾.

قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم.

في هذا الحديث فوائدُ تربوية ودعوية وسياسية عظيمة، ولا غروَ؛ فالحديث بين المُلهَم المُحدَّث عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه - وبين المُعلَّم المدعُوِّ له من النبي -صلى الله عليه وسلم- بالفقه في الدين وتعليم التأويل عبدالله بن عباس - رضِي الله عنهما - فإلى فوائد هذا الحوار الماتِع بين أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

الفائدة الأولى:
جواز المراجعة والاستِفسار من المفضول للفاضل ومن الأتباع للقادة، كما راجَع هنا بعضُ أصحاب النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عمرَ بقوله: "لِمَ تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟"، وكان عمر - رضِي الله عنه - يُدخِل الناس عليه بحسب منازلهم وسبْقهم في الإسلام، وكان أهل بدر مُقَدَّمين على غيرهم، فاستَنكَر بعضُهم دخولَ ابن عباس معهم وهو من سنِّ أبنائهم.

ولم يستنكرْ عمرُ - رضِي الله عنه - سؤالَهم أو إنكارهم؛ بل أراهم حكمتَه عمليًّا في دخول ابن عباس معهم.

وكان عمر - رضِي الله عنه - نفسُه كثيرًا ما يُراجِعُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وكثيرًا ما يُراجِع أبا بكر - رضِي الله عنه - كذلك، فليس من حقِّ أحدٍ إغلاقُ باب المراجعة والاستفسار بل والإنكار، مهما علَتْ مرتبته، وسمَتْ منزلته.

وكثيرٌ من القادة - بل ومن قادة العمل الدعوي الإسلامي - اليومَ يَضِيقون ذرعًا من مراجعة بعض أتباعهم؛ بل ومن مراجعة المقرَّبين منهم لهم، وهذا خطأ جسيم، يترتَّب عليه الاختِلافُ والشِّقاق، نعم لا بُدَّ من مراعاة الآداب الواجبة مع القادة والرُّؤوس، وليس من الأدب ترك الاستفسار ولا الإنكار، إذا كان بصورته الشرعية.

الفائدة الثانية:
ضرورةُ تدعيم الصفوف الأولى والكبارِ في الدعوة إلى الله -تعالى- بالشباب، وبِمَن هم أقلُّ منزلة وخبرة ممَّن سبَقَهم في العمل الدعويِّ، على أن يكون الشباب ثقة وأهلاً لأن يُقَدَّم، وأن يكون مُستَحقًّا أن يُزاحِم أهل السبق في الدعوة، وهذا يُؤخَذ من إدخال عمر لابن عباسٍ مع كبار الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين.

فأهل الصفوف الأولى حتمًا سيَترُكون يومًا مكانَهم وعملهم، فإن لم تَتداخَل الأجيال في المسيرة الدعوية، توقَّفت وماتت بموت أصحابها وقادتها، ومن هنا يحرص الدُّعَاة إلى الله على تحميل الشباب مسؤولية الدعوة على أرض الواقع، كما يُتِيحون لهم مُعايَشة تجارِبهم، والاستِفادة من خبراتهم في شتَّى المجالات الدعوية.

ومن هذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يستعمل الشباب في المناصب العالية في الدعوة إلى الله -تعالى- وفي ميادين الجهاد والولاية.

الفائدة الثالثة:
أهميَّةُ تحلِّي القادة والرُّؤَساء بالحكمة والبَصِيرة في استعمال التجارِب، وإثبات الرأي الصحيح بالعمل كما يُثبِتونه بالقول، فلو أنَّ عمر - رضِي الله عنه - هنا اكتَفَى بقوله لأصحابه عن ابن عباس: "إنَّه ممَّن علمتم"؛ ويعني بهذا: سَعَة فهم وعلم ابن عباس ورجاحة عقله، لو اكتَفَى عمر بهذا لربَّما لم تقوَ قناعة أصحابه برأيه مثلما كان الأمر بعد أن سألهم عن الآية، فأجاب بعضهم بغير الجواب وتوقَّف آخرون، وأجاب فيها ابن عباس بمراد عمر - رضي الله عنهم جميعًا.

وقد كان عمر يُوَضِّح لأصحابه الحكمةَ من تقديمه لابن عباسٍ على غيره من أقرانه؛ كما روى عبدالرزَّاق عن مَعْمَر عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءَنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكُم فتى الكهول، إنَّ له لسانًا سَؤُولا، وقلبًا عَقُولاً.

وفي روايةٍ عند ابن سعدٍ أن عمر قال لهم - رضي الله عنهم جميعًا -: أمَا إنِّي سأُرِيكم اليوم منه ما تعرِفون به فضله.

وفي روايةٍ عند أحمد قال لهم عمر بعد إجابة ابن عباس على سؤاله: كيف تلومونني على حبِّ ما ترون؟

فهذا كلُّه يُعزِّز الثقة في نفوس الأتباع والمستأمرين تجاه قادتهم ورؤوسهم، بعكس إهمال الإيضاح والبيان؛ فإنه يُورِث تخلخُل العلاقات مع الوقت.

الفائدة الرابعة:
بيان ما ينبغي أن يكون عليه حالُ المجتمع المسلم من صَفاء القلوب وصحيح التصوُّرات والمفاهيم، فالرهط من المُهاجِرين لم يعتَرِضوا على عمر بعد أن أوضح لهم سبب تقديمه لابن عباسٍ على غيره ممَّن في عمره، وعمر لم يقدِّم ابن عباس لقرابة تشمله أو هوى في نفسه، وذلك كلُّه لصفاء قلوبهم وميلهم للحقِّ أولاً، ثم لحسن تصوُّراتهم ومفاهيمهم.

فصاحب العقل الراجح، وصاحب الفهم المسدَّد، وصاحب العمل الصحيح ينبغي أن يُقَدِّمه القادة على أولادهم والمُقرَّبِين منهم، وينبَغِي أن يقبَلَه الجميع لفضله ومكانته.

وسبب عدم اعتِراض أحدٍ من الصحابة الحاضرين على عمر - رضي الله عنهم جميعًا - بعد ما بيَّن لهم سبب تقديمه لابن عباس على غيره، تصوُّرُهم الصحيح للتفضيل والتقديم بين الناس، وكذلك لم يعتَرِضوا عليه لبُعْدِهم عن الهوى في تحديد مَواقِفِهم، فجمعوا بين حسن التصوُّر المُعرِّف والمُبيِّن للحقِّ، وبين صلاح النيَّة وحسن التوجُّه الداعي لقبول الحقِّ والإذعان له.

والمجتمع الذي يَسُود فيه تقديم أهل العقل والفهم والعلم، مجتمعُ خيرٍ وفلاح؛ مجتمعُ خير لأنه يدلُّ على صلاح قلوب أهله؛ إذ قدَّموا خيارَهم، ومجتمعُ فلاحٍ؛ لأنَّ أهل العلم والعقل هم الذين يَقُودون ركابه.


والحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.







جزاك الله خير الجزاء

بارك الله فيك
الساعة الآن 11:34 AM.