منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


التعوذ من الفتن




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع








التعوذ من الفتن



عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: ((مَن أحب أن يسألَ عن شيء، فليسألْ عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتُكم به، ما دمت في مقامي هذا))، قال أنس: فأكثَرَ الناسُ البكاءَ، وأكثر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: ((سلوني))، فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: ((النار))، فقام عبدالله بن حُذَافة، فقال: مَن أبي يا رسول الله؟ قال: ((أبوك حذافة))، قال: ثم أكثر أن يقول: ((سلوني، سلوني))، فبرك عمرُ على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَوْلَى، والذي نفسي بيده، لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفًا في عُرْض هذا الحائط وأنا أصلِّي، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر))[1].

زاد مسلم: قال ابن شهاب: "أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، قال: قالتْ أم عبدالله بن حذافة لعبدالله بن حذافة: ما سمعتُ بابنٍ قط أعقَّ منك، أأمنتَ أن تكون أمُّك قد قارفتْ بعض ما تقارف نساءُ أهل الجاهلية؛ فتفضحَها على أعين الناس؟ قال عبدالله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبدٍ أسودَ للَحِقتُه".

وفي رواية عن أنس - رضي الله عنه -: سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه المسألة، فغضب فصَعِد المنبر، فقال: ((لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بيَّنتُه لكم))، فجعلت أنظر يمينًا وشمالاً، فإذا كل رجل لافٌّ رأسَه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يُدعَى لغير أبيه، فقال يا رسول الله، مَن أبي؟ قال: ((حُذَافة))، ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه صُوِّرت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط)).

وكان قتادة يذكر عند الحديث هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ [المائدة: 101][2].

عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء كرهها، فلما أكثروا عليه المسألة، غضب وقال: ((سلوني))، فقام رجل فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة))، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال: ((أبوك سالم مولى شيبة))، فلما رأى عمر ما بوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغضب، قال: إنا نتوب إلى الله - عز وجل"[3].

فيه مسائل:
المسألة الأولى: معاني الكلمات:
قوله: "خرج حين فرغت الشمس"؛ أي: زالت.

قوله: "فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي؟": قال ابن حجر: لم أقفْ على اسم هذا الرجل في شيء من الطرق، كأنهم أبهموه عمدًا للستر عليه.

قوله: ((أَوْلَى)): قال في الكواكب: وأولى؛ يعني: أو لا ترضون؛ يعني: رضيتم أو لا، وتكتب بالياء في أكثر النسخ، فهي تهديد ووعيد، وقيل كلمة تلهف.

قوله: ((آنفًا)): معناه: قريبًا للساعة.

قوله: ((عُرض الحائط)): بضم العين؛ أي: جانبه.

قوله: "قارفت": معناه: عملت سوءًا، والمراد الزنا.

قوله: "نساء أهل الجاهلية": هم مَن قبل النبوة؛ سموا به لكثرة جهالاتهم، وكان سبب سؤاله أن بعض الناس كان يطعن في نسبه على عادة الجاهلية من الطعن في الأنساب.

قوله: "فتفضحها": معناه: لو كنت من زنا فنفاك عن أبيك حذافة، فضحتَنِي.

قوله: "حتى أحفوه في المسألة"، وعند أحمد: "حتى أجهدوه بالمسألة"؛ أي: أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه.

قوله: "فإذا رجل إذا لاحَى الرجال": بفتح الحاء المهملة؛ أي: جادل وخاصم أحدًا.

قوله: " ثم أنشأ عمر"؛ أي: بدأ الكلام[4].

المسألة الثانية: كيفية الرضا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً:
هذه هي الأصول الثلاثة التي يسأل عنها العبد في قبره، وهي التي بنَى عليه الشيخ المجدد محمد بن عبدالوهَّاب رسالته النفيسة التي لا يستغني عنها عامي، فضلاً عن طلبة العلم، وهي: "الأصول الثلاثة وأدلتها".

وقد جاء ذكرها في أذكار الصباح والمساء، والدعاء عند الأذان.

أولاً: الرضا بالله ربًّا:
قال ابن القيم: "يتضمن الرضا بربوبيته - سبحانه - وألوهيته، والرضا برسوله والانقياد له، والرضا بدينه والتسليم له.

فالرضا بربوبيته يتضمن الرضا بتدبيره لعباده، ويتضمَّن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكونَ راضيًا بكل ما يفعله به.

والرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه، رجاءه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة له، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له"[5].

ويتضمن بأن الله هو الخالق وحده، وهو الرزاق وحده، وهو المدبر لهذا الكون وحده، وهو المتصرف فيه وحده، وهو المستحق للعبادة وحده، وهو الحاكم لهذا الكون، فلا يجوز لأحد أن يشرع قوانين يتحاكمالعباد إليها.

ثانيًا: الرضا بالإسلام دينًا:
بأن يسلم العبد أفعاله لله لا لغيره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "حقيقة الإسلام أن يستسلم لله لا لغيره، وهو معنى لا إله إلا الله"[6].

والمسلم سمي مسلمًا؛ لخضوع جوارحه لطاعة ربه.

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: "الإسلام هو: الاستسلام، وهو يتضمن الخضوع لله وحده، والانقياد له، والعبودية لله وحده"[7].

فالمستسلم لله ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر، ومَن استكبر عن الحق، ابتلاه الله باتباع الباطل.

فدين الإسلام يقوم على ثلاثة أسس، لا بدَّ من اجتماعها:
1- الاستسلام لله بالتوحيد.
2- الانقياد له بالطاعة.
3- البراءة من الشرك وأهله.

والبراءة من الشرك وأهله أحد ركني التوحيد اللذينِ ينبني عليهما؛ إذ التوحيد يشتمل على نفي وإثبات، فمَن فقَدَ أحدهما فقَدَ التوحيد، فتنفي العبودية عن غير الله، وتثبت العبودية لله وحده، كما قال -تعالى- حكاية عن إبراهيم - عليه السلام -: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف: 26 - 28].

ومن الرضا بالإسلام دينًا المحبة له، قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: "القلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به، ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه؛ لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها؛ إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه"[8].

ومن الرضا بالإسلام دينًا اعتقاد أنه هو الحق وما سواه باطل، قال -تعالى-: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، وقال -تعالى-: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19][9].

ثالثًا: الرضا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً:
اتِّباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمرٌ واجب، وفرض عين على الأمة كلها، في عسرها ويسرها، ومنشطها ومكرهها، ولا يصير المسلم مسلمًا حتى يتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع أقواله وأفعاله، حسب علمه واستطاعته.

والرضا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولاً له مظاهرُ، إذا تحققتْ، تحقق الرضا به واتباعه، وصدقت المحبةُ له.

ومن هذه المظاهر:
1- الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به:
قال -تعالى-: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

قال ابن كثير: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله"[10].

والتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو: أن نفعل مثلما فعل، على الوجه الذي فعله، من وجوب أو ندب، وأن نترك ما تركه، أو نهى عنه من محرم أو مكروه، كما يشمل التأسي به التأدبَ بآدابه، والتخلقَ بأخلاقه.

فكما أن الرب - سبحانه - واحد، فالرسول الذي أمرنا باتباعه واحد، فهما توحيدان: توحيد المرسِل، وهو الله - سبحانه وتعالى - وتوحيد متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبدون هذا لا يصير المسلم مسلمًا.

2- تحكيم سنته والتحاكم إليها:
مما يؤكِّد صدقَ الاتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحكيمُ سنته، والتحاكم إليها، وجعلُها الميزانَ الذي توزن به الأقوالُ والأفعال والأحكام، فما وافقها قُبِل، وما خالفها رُدَّ وإن قاله مَن قاله.

قال -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، وقال - تعالى -: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

وتحكيم السنة والتحاكم إليها هو الفارق بين المسلم الحريص على اتباع السنة، وبين مَن يتبع هواه بغير هدى من الله.

فمَن تحاكم إلى غير الوحي؛ فقد تحاكم إلى الطاغوت، كمَن يتحاكمون إلى القوانين الوضعية، وهذا هو حال المنافقين في كل زمان ومكان، وإن زعموا أنهم يريدون بذلك إحسانًا وتوفيقًا، أو أنهم يعملون لمصلحة الأمة، قال -تعالى-: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ [النساء: 60 - 63].

3- الرضا بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعه:
الرضا كلمة تجمع القَبولَ والانقياد، فلا يكون الرضا إلا حيث يكون التسليمُ المطلق والانقياد ظاهرًا وباطنًا لِما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ربه، وكل الْتفاتٍ أو عدول عن الوحي إلى غيره أو اعتراض عليه، فهو مناقضٌ للرضا، ودليل على النفاق، ومؤدٍّ إلى الكفر والمروق من الدين.

وقد وقعتْ طوائف من الأمة فيما يعارض الرضا ويناقضه؛ فمنهم مَن اعترض على توحيد الألوهية، كمَن وقع في الشركيات، ومنهم مَن اعترض على أسماء الله وصفاته، كالمشبِّهة والمعطِّلة، ومنهم المعترض على الشرع بالآراء والأقيسة الفاسدة المتضمِّنة تحليل ما حرَّمه الله، وتحريم ما أحله، ومنهم مَن اعترض على الشريعة بالسياسات الجائرة، والقوانين الوضعية الخاسرة، ومنهم مَن اعترض على أفعال الله وقضائه وقدره وحكمته بأنواع من الشُّبَه الإبليسية، التي تطعن في عدل الله وحكمته وعلمه.

4- الوقوف عند حدود الشريعة:
هذا الأمر ثمرة للرضا؛ فمَن رَضِي بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودينه وشرعه؛ وقف عند حدود شريعته ولم يتجاوزها إلى غيرها، ولا يكون ذلك إلا إذا أيقن المسلم أن الدين قد كَمُل؛ فليس بحاجة إلى زيادة ولا نقصان، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بلَّغ البلاغ المبين؛ فلم يترك من أمر الدين شيئًا إلا وبلغه، فإذا عَلِم المسلم ذلك وأيقن به، وقف عند حد الشريعة ولم يتعدَّها[11].

فائدة: من المعلوم أنه لا يعلم الغيبَ إلا الله، قال -تعالى-: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ [الأنعام: 59]، وقال -تعالى-: ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ [يونس: 20]، وقال - تعالى - حكاية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 188].

فكيف أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل أنه في النار، وهو أمرٌ غيبي، وكذا أخبر عبدالله بن حذافةَ بأبيه، وهو أمر غيبي؟

نقول - وبالله التوفيق -: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم من الغيب إلا ما علَّمه الله وأوحى إليه به، قال -تعالى-: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ [آل عمران: 44]، وقال - تعالى -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ﴾ [هود: 49]، وقال -تعالى-: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26، 27].

فائدة: ما هو سبب غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - من السؤال؟
سبب غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أحسَّ أنهم يشككون في نبوته.

قال ابن بطال: فَهِم عمر منه أن تلك السؤالات قد تكون على سبيل التعنُّت أو الشك، فخشي أن تنزل العقوبة بسبب ذلك، فقال: رضينا بالله ربًّا... إلخ، فرضي النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ فسكت[12].

قلت: ومما يدل على هذا المعنى قول أنس: "فإذا كل رجل لافٌّ رأسَه في ثوبه يبكي"، وقول عمر: "إنا نتوب إلى الله - عز وجل"، وفي رواية: "فبرك عمر على ركبته، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً"، وفي أخرى: "نعوذ بالله من شر الفتن".

فائدة:
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث غير ما يتعلق بالترجمة، مراقبة الصحابة أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وشدة إشفاقهم إذا غضب؛ خشية أن يكون لأمر يعم فيعمهم، وإدلال عمر عليه، وجواز تقبيل رِجْل الرجل، وجواز الغضب في الموعظة، وبروك الطالب بين يدي من يستفيدُ منه، وكذا التابع بين يدي المتبوع إذا سأله في حاجة، ومشروعية التعوذ من الفتن عند وجود شيء قد يظهر منه قرينة وقوعها، واستعمال المزاوجة في الدعاء في قوله: "اعف عفا الله عنك"، وإلا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - معفوٌّ عنه قبل ذلك.

قال ابن عبدالبر: سئل مالك عن معنى النهي عن كثرة السؤال؟ فقال: ما أدري أنهي عن الذي أنتم فيه من السؤال عن النوازل، أو عن مسألة الناس المال.

قال ابن عبدالبر: الظاهر الأول، وأما الثاني: فلا معنى للتفرقة بين كثرته وقلته، لا حيث يجوز ولا حيث لا يجوز، قال: وقيل كانوا يسألون عن الشيء ويلحون فيه إلى أن يحرم، قال: وأكثر العلماء على أن المراد كثرة السؤال عن النوازل والأغلوطات والتوليدات؛ كذا قال، وقد تقدم الإلمام بشيء من ذلك في (كتاب العلم) [13].

فائدة: يستنبط من هذا الحديث: أن البروك المنهي عنه في الصلاة إنما هو البروك على الركبتين؛ لأن عمر - كما في الحديث - برك على ركبتيه، والبروك على الركبتين في غير الصلاة غير منهي عنه، وأما في الصلاة، فمنهي عنه، ومن هذا علم أن الصحابة عندهم البروك هو على الركبتين لا على اليدين، وهذا مذهب مالك خلافًا للثلاثة، والله أعلم.


يتبع


[1] البخاري (7294)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، مسلم (2359)، كتاب الفضائل، باب توقيره - صلى الله عليه وسلم - وترك إكثار سؤاله عمَّا لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك، أحمد (12659)، والدارمي (1209).
[2] البخاري (7089)، كتاب الفتن، باب التعوذ من الفتن، مسلم (2359)، أحمد (13666).
[3]البخاري (7292)، كتاب، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، مسلم (2360)، كتاب الفضائل، باب توقيره - صلى الله عليه وسلم - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك.
[4]فتح الباري لابن حجر (13/383)، وإرشاد الساري للقسطلاني (15/39، 351)، شرح مسلم للنووي (16/161 - 167).
[5]مدارج السالكين (2/172- 173) بتصرف يسير.
[6]مجموع الفتاوى (4/245).
[7]المصدر السابق (7/247).
[8]مجموع الفتاوى (7/528).
[9]تيسير الوصول إلى الثلاثة الأصول؛ لعبدالمحسن بن محمد القاسم (88 - 91) بتصرف.
[10]تفسير ابن كثير (3/475).
[11]موسوعة محبة الرسول بين الاتباع والابتداع؛ لعبدالرؤوف محمد عثمان (165 - 185) بتصرف واختصار.
[12]فتح الباري؛ لابن حجر (1/275).
[13]فتح الباري (13/384)، وقد تقدم وجه الجمع بين النهي عن السؤال في الحديث، وبين ما ورد من الحث عن السؤال، وسؤالات الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك في المقدمة.




بارك الله فيــــك
وجزاااااااااااك خيرًا


الساعة الآن 11:43 PM.