منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


تنبيه الهمام فيمن لهم أجران (1)




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع









تنبيه الهمام فيمن لهم أجران (1)



قال ابن القيِّم - رحمه الله -:

وإذا تأمَّلتَ أحوال هذا الخلق، رأيتَ الاختيار والتَّخصيص فيه دالاًّ على ربوبيَّتِه تعالى ووحدانيَّته، وكمال حِكمته وعلمه وقدرته، وأنَّه الله الذي لا إله إلاَّ هو؛ فلا شريك له يَخْلق كخَلْقِه، ويختار كاختِيَاره، ويُدبِّر كتَدْبيره؛ فهذا الاختيار والتدبير والتخصيص المشهودُ أثَرُه في هذا العالَم مِن أعظم آيات ربوبيَّتِه، وأكبر شاهدٍ على وحدانيَّته، وصفات كماله، وصِدْق رسله، فنُشير منه إلى يسيرٍ يَكون مُنبِّهًا على ما وراءه، دالاًّ على ما سواه[1].

فسُبحان الذي خلقَ كلَّ شيءٍ فأحسنَ خَلْقه، سبحانه يَخْلق ما يشاء ويختار، سبحانه خلقَ الإنسان في أحسن صورةٍ وكرَّمه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].

سبحانه خلق البشَر، وفضَّل بعضهم على بعض؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [النحل: 71].

واصطفى من البشَر ومن الملائكة رُسلاً، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [الحج: 75].

وفضَّل النبيِّين بعضَهم على بعض،قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: 55].

واصطفى من الرُّسل أولي العَزْم، وهم: محمَّد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - عليهم السَّلام - قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب: 7].

واصطفى من أُولي العزم الخليلَيْن: محمَّد، وإبراهيم؛ قال تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125].

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في حديث عبدالله بن مسعود: ((ولو كنتُ متَّخِذًا خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكنَّه أخي وصاحبي، ولكن صاحبكم خليل الله))[2]، والخُلَّة: هي تمام المَحبَّة.

وأفضل البشَر على الإطلاق محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أنا سيِّد ولَدِ آدم يوم القيامة، وأوَّل مَن ينشقُّ عنه القبر، وأوَّل شافعٍ، وأوَّل مشفَّع))[3].

واصطفى من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، كما في حديث استِفْتاح الصلاة من حديث عائشة، قالَتْ كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا قام من اللَّيل افتتَح صلاته فقال: ((اللَّهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطِرَ السَّموات والأرض، عالِمَ الغيب والشَّهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يَخْتلفون، اهدني لِما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك، إنَّك تَهْدي مَن تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ))[4].

وخلقَ سبحانه السَّموات سبعًا، فاختارَ منها العُليا، فجعَلها مُستقَرَّ المقرَّبين من ملائكته، واختَصَّها بالقُرب من كُرسيِّه ومِن عرشه.

واختَصَّ سبحانه الفردوسَ على سائر الجِنان، كما في حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إنَّ في الجنَّة مائةَ درجةٍ، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدَّرجتين كما بين السَّماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنَّه أوسَطُ الجنَّة، وأعلى الجنَّة أراه))، قال: ((وفوقه عرش الرَّحمن، ومنه تَفجَّرُ أنهارُ الجنَّة))[5].

وخلَق سبحانه الأمم واختصَّ منهم أمَّة النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].

وكما في حديث بَهْز بن حكيمٍ عَنْ أَبيه عَنْ جَدِّه قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنتم مُوفُون سبعين أمَّةً، أنتم خَيْرُها وأكرَمُها على الله))[6].

وخلقَ سبحانه الأرض، واختَصَّ منها مكَّة والمدينة وشرَّفَهما، ففي شأن مكَّة، قال تعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 1]، وقال تعالى: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ﴾ [التين: 3].

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في حديث عديِّ بن حمراء: ((والله إنَّكِ لخَير أرض الله وأحبُّ أرض الله، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منك ما خرَجت...))[7].

وقال في شأن المدينة كما في حديث سَعْد بن أبي وقاص قالَ: قالَ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي أحرِّم ما بين لابَتَيِ المدينة أن يُقطَع عِضاهُها، أو يُقتَل صيدُها))، وقال: ((المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، لا يدَعُها أحدٌ رغبةً عنها إلاَّ أبدلَ الله فيها مَن هو خيرٌ منه، ولا يثبت أحدٌ على لأْوَائها وجهدها، إلاَّ كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة))[8].

وكما في حديث أبي هريرة أَنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ الإيمان ليَأْرِزُ إلى المدينة، كما تأرز الحيَّة إلى جُحرِها))[9].

وفضَّل سبحانه مِن الأرض المساجد؛ قال تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [النور: 36].

واختصَّ منها المسجد الحرام، والنبويَّ والأقصى؛ ‏ففي "الصَّحيحين" من حديث أبي هريرة قال: قالَ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلاَّ المسجد الحرام))[10].

وأمَّا المسجد الأقصى - ردَّه الله - عزَّ وجلَّ - إلينا، وقَيَّض له أمثال عمر بن الخطَّاب، وصلاحِ الدِّين الأيوبي، ورزَقَنا صلاةً فيه؛ اللهم آمين - فقَدْ قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في شأنهما كما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: ((لا تُشدُّ الرِّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - والمسجد الأقصى))[11].

وأخرج سبحانه من الأرض الزرع، وفضَّل بعضها على بعض في الأكُل؛قال تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 4].

وخلقَ سبحانه الشهور، وفضَّل رمضان، والأشهُرَ الحرُم، قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36].

وهي: رجب، وذو الحجَّة، وذو القَعْدة، والمُحرَّم؛ لحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الزَّمان قد استدارَ كهيئته يوم خلق الله السَّموات والأرض، السَّنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حرمٌ، ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القَعْدة وذو الحجَّة والمُحرَّم، ورجَبُ مُضر الَّذي بين جُمادى وشعبان))[12].

وخلقَ الأيام والليالي، وفضَّل يوم الجمعة على سائر أيَّام الأسبوع، ويوم عرَفة ويوم النَّحر على سائر أيام العام، وليلةَ القدر على سائر ليالي العام، وليلة الجمعة على سائر ليالي الأسبوع[13].

أمَّا عن تَفْضِيل يوم الجمعة، ففي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خير يومٍ طلعَتْ فيه الشَّمس يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخِل الجنة، وفيه أُخرِج منها))[14].

ويوم عرفة كما في حديث عائشة قالت: قالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من يومٍ أكثر مِن أن يُعتِق الله فيه عبدًا من النَّار من يوم عرفة، وإنَّه ليَدْنو ثُمَّ يُباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟))[15].

أمَّا عن ليلة القدر،فقال تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].

وأما عن يوم النحر، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في حديث عبدالله بن قرط: ((أعظم الأيَّام عند الله يوم النَّحْر، ثمَّ يوم النفر))[16][17].

وفضَّل سبحانه بعض الأعمال على بعض؛ تارةً بفضل العامل ومكانته عند الله، كما هو الشأن في زوجات النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمهات المؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ﴾ [الأحزاب: 31]، وكما هو الشأن في أمة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحديد: 28][18].

وكما في حديث عبدالله بن عمر قال: قالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجلٍ استأجر أُجَراء، فقال: مَن يعمل لي من غدوة إلى نصف النَّهار على قيراطٍ؟ فعمِلَت اليهود، ثمَّ قال: من يعمل لي من نصف النَّهار إلى صلاة العصر على قيراطٍ؟ فعملت النَّصارى، ثمَّ قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشَّمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنَّصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملاً، وأقلُّ عطاءً، قال: هل نقَصْتُكم من حقِّكم؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه مَن أشاء))[19].

قال ابن حجر - رحمه الله -:
وفي الحديث تفضيل هذه الأمة، وتوفير أجْرِها، مع قلَّة عمَلِها[20].

وكما هو الشأن في أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "الصحيحين" مِن حديث أبي سعيد الخدري قالَ: قالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تَسبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدكم أنفقَ مِثلَ أحُدٍ ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه))[21].

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -:
أنتم أكثر صلاة وصيامًا من أصحاب محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: ولِم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدُّنيا، وأرغبَ في الآخرة[22].

وتارةً تتَفاضل الأعمال بِفَضْل الإخلاص والمتابعة؛ قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].

قال ابن كثير - رحمه الله -:
والله يُضاعف لمن يشاء؛ أيْ: بِحَسب إخلاصِه في عمله[23].

وقال السعديُّ - رحمه الله -:
وذلك مال المنفق من الإيمان والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها[24].

وكما قال تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 271].

قال ابن كثير - رحمه الله -:
فيه دلالةٌ على أنَّ إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنَّه أبعد عن الرِّياء، إلاَّ أن يَترتَّب على الإظهار مصلحةٌ راجحة[25].

وأمَّا المتابعة فهي الأصل الثاني لقبول العمل؛ قالَ رَسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "الصحيحين" من حديث عائشة: ((مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ))[26].

وقال تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2].

قال الفضيل بن عياض - رحمه الله -:
أحسنُ عملاً: أخلَصُه وأصوَبُه؛ فإنه إذا كان العمل خالصًا، ولَم يكن صوابًا؛ لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولَم يكن خالصًا؛ لم يُقبل حتَّى يكون خالصًا صوابًا، والخالص إذا كان لله، والصواب إذا كان على السُّنة[27].

وما ينبغي الإشارة إليه أنَّ المتابعة للنبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - نوعان:
1 - متابعةٌ واجبة:
وهي في أصل مشروعيَّة العمل وتحقيق شروطه وأركانه وواجباته التي لا يصِحُّ إلاَّ بها، وهذا القِسْم مؤثِّر في قبول العمل، فإنْ تحقَّقَت فيه هذه المتابعة، وإلاَّ أدَّى إلى بُطْلان العمل؛ كما في حديث عائشة - رضي الله عنها -: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ)).




يتبع


2 - متابعة في كمال العمل:

وهي متابعة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هَدْيِه الكامل في الأعمال، وهذا القسم به يَزْكو العمَل، ويزداد الأجر، فكلَّما كان العمَلُ على هديه، ازدادَ العامل أجرًا وثوابًا.

وتارةً تتَفاضل الأعمال بالمُداومة عليها، كما في حديث عائشة قالت: قالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى أدوَمُها وإنْ قَلَّ))[28].

وكما في "الصحيحين" من حديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعندي امرأةٌ، فقال: ((مَن هذه؟))، فقلتُ: امرأةٌ لا تنام تصلِّي، قال: ((عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يَمَلُّ الله حتَّى تَملُّوا))، وكان أحبَّ الدِّين إليه ما داومَ عليه صاحبُه[29][30].

اعلم - رحمك الله - أنَّ المشقة ليست هي الغرَض المرجُوَّ من العبادة، قال ابن حجَر: في الحِكْمة من نَهْي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن التشدُّد في العبادة إشارةٌ إلى كراهية ذلك، وخشية الفتور والملَل على فاعله؛ لئلاَّ ينقطِعَ عن عبادةٍ التزمَها؛ فتكون رجوعًا عمَّا بذل لربِّه من نفسه[31].

قال القاضي عياض - رحمه الله - في معنى ((عليكم مِن العمل ما تُطيقون))؛ أيْ: ما لكم بالمداومة عليه طاقة[32].

قال ابن رجب - رحمه الله -:
المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل، والأخذُ منه بما يتمكَّن صاحبه من المداومة عليه[33].

قال ابن حجر - رحمه الله -:
اشتَغِلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومةَ عليه[34].

وتارة تتفاضل الأعمال باعتبار الأوقات والأزمان، وقد تقدَّم طرفٌ منها؛ فمثلاً فضْل الزمان: فضَّل الله - عزَّ وجلَّ - العمل في العشر من ذي الحجَّة، كما في حديث ابن عباس أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما العمَلُ في أيَّامٍ أفضلَ منها في هذه)) قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ((ولا الجهاد، إلاَّ رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يَرْجع بشيء))[35].

والعمل في ليلة القدر؛ قال تعالى: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3].

كما في حديث أبي هريرة قال: قالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدَّم من ذنبه))[36].

وكذا العمل يوم عرفة، كما عند "مسلم" من حديث عائشة قالَتْ: قالَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من يومٍ أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النَّار من يوم عرَفة، وإنَّه ليَدْنو ثُمَّ يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟))[37].

وكما في حديث أبي قَتادة أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثلاثٌ مِن كلِّ شهرٍ، ورمَضانُ إلى رمضان، فهذا صيام الدَّهر كلِّه، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنَة الَّتي قبله والسَّنة الَّتي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السَّنة الَّتي قبله))[38].

أمَّا عن فضْل المكان: فقد تقدَّم الكلام على فَضْل المساجد الثلاثة، وزيادة الأجر فيها، وكذلك مكة تتضاعف فيها الحسنات كما تتضاعف فيها السيِّئات، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25].


_______________________________
[1] "زاد المعاد" 1/ 12- 20 بتصرُّف وزيادات.
[2] مسلم (2383).
[3] مسلم (2278).
قد يقول قائل: كيف الجمع بين ما ذَكْرته من تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبين ما وردَ من النهي عن التفضيل بينهم، كما في قوله تعالى: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285].
وكما في الحديث: ((لا تفضلوني))، وفي رواية: ((لا تُخيِّروا بين الأنبياء))، وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قال أنا خيرٌ من يونس بن متَّى، فقد كذب))؟
(قلت): قد جمع العلماء بينهما من وجوه:
1- قيل: إنَّ هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وهذا لا يصحُّ، حتَّى تتحقق المُعارَضة، وحتَّى يُعلم التاريخ.
2- قيل: إنَّ هذا على سبيل التواضع والأدب مع الأنبياء، وهذا فيه بُعد؛ لأنَّ السبب في النهي يقتضي خلافَ ذلك؛ فإنه كان رَدًّا وزَجْرًا للذي فضَّل بينهم؛ لذا غضبَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - واحْمرَّ وجهه، وذلك يدلُّ على أن التفضيل يُحرَّم.
3- قيل: إنَّ النهي لعدم الخوض في الجدل والمماراة؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى قلَّة الاحترام عند المماراة.
4- قيل: إنَّ النهي لمنع تفضيلِ مُعيَّن من الأنبياء على مُعيَّن، وهذا ما رجَّحه القُرطبي في "المُفهم".
5- قيل: لا تفضِّلوني عليه في العمل؛ فلعلَّه أكثر عمَلاً منِّي، ولا في البلوى والامتحان، فإنه أعظم منِّي مِحْنة، قاله ابن قُتَيبة.
6- قيل: إنَّ النهي عن التفضيل المبنِيِّ على غير علم وعلى غير وحي.
7- قيل: إنَّ النهي عن تفضيل ذات النبوَّة أو الرسالة؛ لأنَّهم فيها سواء.
والراجح والله أعلم: أن النهي يُحمَل على التفضيل على وجه الحَمِيَّة والعصبية، أو ما كان مبنيًّا على غير علمٍ أو ما يؤدِّي إلى فتنة وانتقاصٍ لبعض الأنبياء.
قال ابن حجر - رحمه الله - في "الفتح" 6/ 141: قال العلماءُ في نَهْيه عن التفضيل بين الأنبياء: إنَّما نُهيَ عن ذلك مَن يقول برأيه، لا مَن يقول بدليل، أو مَن يقوله بحيث يؤدِّي إلى تنقيص المفضول، أو يؤدِّي إلى الخصومة والتَّنازع، أو المراد: لا تُفضِّلوا بجميع أنواع الفضائل؛ بحيث لا يُترَك للمفضول فضيلة، وهذا ما رجَّحه الشيخُ ابن عُثَيمين، وشيخنا العزازي؛ انظر: "المفهم" 19/ 140، و"تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (117)، و"ماذا يعني انتمائي لأهل السُّنة والجماعة" لشيخنا العزازي (199).
[4] مسلم (770).
[5] البخاري (2790).
[6] (حسن) أحمد 43/ 353، والترمذي (3001)، وابن ماجَهْ (4287)، وحسنه الألباني في "المشكاة" (8265).
[7] (صحيح) الترمذي (3925)، وابن ماجه (3108)، وصححه الألباني في "المشكاة" (2724).
[8] مسلم (1363).
[9] (متفق عليه) البخاري (1876)، ومسلم (147).
[10] (متفق عليه) البخاري (1190)، ومسلم (1394).
[11] (متفق عليه) البخاري (1189)، ومسلم (1397).
[12] (متفق عليه) البخاري (3197)، ومسلم (1679).
[13] في المسألة نزاع، وهذا ما رجَّحه ابن القيم في "الزَّاد"، وحكى هذا القولَ الإمامُ الشوكاني عن الحافظ العراقي؛ "نيل الأوطار" 3/ 240.
[14] مسلم (854).
[15] مسلم (1348).
[16] (صحيح) أبو داود (1767)، وأحمد 41/ 366، وصححه الألباني في "المشكاة" (2643).
[17] المقصود بيوم النَّفْر: يوم النَّفر الأول وهو الثاني عشر من ذي الحجة، ويوم النَّفر الآخر هو الثالث عشر من ذي الحجة.
[18] من كتاب "تجريد الإتباع في بيان أسباب تفاضل الأعمال"؛ للدكتور إبراهيم بن عامر الدحيلي بتصرف واختصار وزيادة، فليسامحني - جزاه الله الجنَّة.
[19] البخاري (4359).
[20] "الفتح" 4/ 449.
[21] (متفق عليه) البخاري (3673)، ومسلم (2541).
[22] "لطائف المعارف" لابن رجب (448).
[23] "تفسير ابن كثير" 1/ 693.
[24] "تفسير السَّعدي" 1/ 157.
[25] "تفسير ابن كثير" 1/ 701.
[26] (متفق عليه) البخاري (2697)، ومسلم (1718).
[27] ذكره البغَويُّ في "تفسيره" 4/ 369.
[28] (متفق عليه) البخاري (6464)، ومسلم (1866).
[29] (متفق عليه) البخاري (43)، ومسلم (1870).
[30] الملال: استِثْقال الشيء، ونفور النفس عنه بعد محبَّتِه، وهو مُحالٌ على الله تعالى باتِّفاق، وفي إطلاق ذلك على الله أقوالٌ:
أولاً: فسَّروا "حَتَّى" بمعناها اللَّفظي في انتهاء الغاية على أقوال:
1- قال الإسماعيليُّ وجماعةٌ: إنَّما أُطلِق الملال على الله على سبيل المقابلة اللفظيَّة؛ كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40].
2- قال القرطبي: هو من باب تسمية الشيء باسم سببه؛ لأنَّ الله لَمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن يقطع العمل، عبَّر عن ذلك بالملال.
3- قال الهروي: معناه لا يَقْطع عنكم فضله حتَّى تملوا سؤاله، فتَزْهدوا في الرغبة إليه.
ثانيًا: ذهب آخرون إلى تفسيرها كالآتِي:
1- تقدير "حَتَّى" بمعنى: إذا، فيكون المعنى: لا يملُّ الله إذا مللتم.
2- تقدير "حَتَّى" بمعنى: الواو، فيكون المعنى: لا يمل الله، وتَملُّون أنتم.
3- تفسير "حَتَّى" بمعنى: حين، فيكون المعنى: لا يمل الله حين تملون.
(قلت): استحسن شيخنا العزازي الأقوال الثلاثة الأخيرة.
سُئل الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: هل نَفْهم من حديث: ((إنَّ الله لا يَملُّ حتَّى تملُّوا)) المتَّفَقِ عليه أنَّ الله يُوصف بالملل؟
فأجاب: مِن المعلوم أنَّ القاعدة عند أهل السنة والجماعة أنَّنا نَصِف الله - تبارك وتعالى - بِما وصف به نفْسَه من غير تمثيلٍ ولا تكييف، فإذا كان هذا الحديث يَدلُّ على أنَّ لله مَللاً، فإنَّ ملل الله ليس كمثل مللنا نحن، بل هو مللٌ ليس فيه شيء من النقص؛ "المجموع الثمين فتاوى العقيدة" 1/ 49 فتوى رقم (19) نقلاً من "بلوغ الأماني تَهْذيب فتح الباري" لشيخنا عادل بن يوسف العزازي 1/ 144.
[31] "الفتح" 3/ 375.
[32] "إكمال المُعْلم" 3/ 147.
[33] "الفتح" 1/ 165.
[34] "الفتح" 1/ 102.
[35] البخاري (969).
[36] (متفق عليه) البخاري (1901)، ومسلم (181).
[37] مسلم (1348).
[38] مسلم (2801).




بارك الله فيــــك
وجزاااااااااااك خيرًا


الساعة الآن 06:48 AM.