منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . اللهم لا علْم لنا إلا ما علَّمتنا ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وزدنا علماً وأصلح لنا شأننا كله ، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى . ثم أما بعد :
أيها الإخوة الكرام : حديثنا هذه الليلة الطيبة المباركة في هذا المكان المبارك عن تقوى الله سبحانه وتعالى ، وعنوان هذا اللقاء : «وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» . وقد جاء هذا اللفظ الكريم في خاتمة بعض آي القرآن الكريم كما في قوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[الأعراف:128]، وقول الله سبحانه وتعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، وقول الله سبحانه وتعالى :{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}[طه:132] . والآية الأولى دلت على أن العاقبة -وهي المآل الحميد- في الدنيا لأهل التقوى ، والآية الثانية دلت على أن العاقبة في الدار الآخرة للمتقين ، والآية الثالثة فيها بيان أن هؤلاء الذين لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة هم أهل العمل بطاعة الله والاصطبار على امتثال أوامر الله سبحانه وتعالى إصلاحاً للنفس وإصلاحاً للآخرين .
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على هذا المعنى وتشير إليه ، كالآيات العديدة التي فيها الإخبار بأن الجنة والمفاز والنجاة إنما هي للمتقين {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا} [النبأ:31-34] {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [القلم:34] والآيات في هذا المعنى كثيرة ، من ذلكم أيضا قول الله عز وجل: { تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد:35] . فأهل الإيمان هم أهل العاقبة الحميدة والمآل الرشيد في الدنيا والآخرة ، وأهل الكفر والضلال عاقبتهم وخيمة في الدنيا والآخرة .
وإذا تأمل المتأمل هذا المعنى العظيم ومجيئه في مواضع عديدة من كتاب الله تبارك وتعالى تشتد عنايته بتقوى الله عز وجل وتعظم رغبته في تحقيقها ، والقرآن الكريم تكرر فيه الوصية بتقوى الله جل وعلا في مواضع كثيرة حتى إن ذِكر التقوى ومشتقاتها في القرآن زاد عدده على المائتين والخمسين مرة ، مما يدل على عظم شأنها ورفيع مكانتها .
وأخبر جل وعلا أن التقوى هي وصيته سبحانه للأولين والآخرين من خلقه ، وكفى بذلك دلالة على شرف التقوى وعظيم فضلها ورفعة مكانتها كما قال الله عز وجل : {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } [النساء:131] ، فهي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين من خلقه .
وهي وصية جميع النبيين لأممهم كما ذكر الله عز وجل في وصية نوحٍ وهودٍ ولوطٍ وصالح وغيرهم من أنبياء الله ورسله الكرام قولهم : {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} ، وهذه وصية جاءت من جميع النبيين لأممهم .
وكانت التقوى وصية نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم لأمته ، ولهذا ترى في أحاديث كثيرة يوصي صلوات الله وسلامه عليه بتقوى الله عز وجل؛ كحديث معاذ: ((اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)) ، وكحديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : ((وَعَظَنَا مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا ، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ)) إلى آخر الحديث . وأخبر عليه الصلاة والسلام عن مكانة التقوى وأنها من أعظم أسباب دخول الجنة عندما سُئل عليه الصلاة والسلام : ما أَكْثَر مَا يُدْخِلُ الجَنَّةَ ؟ قَالَ: ((تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ)) .
وكانت التقوى وصية السلف الصالح بينهم من صحابة وتابعين ومن تبعهم بإحسان ، فلم يزالوا يتواصون بالتقوى حثاً وترغيباً وحضا ، ولما قال رجلٌ للخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه «اتق الله» قال رضي الله عنه وأرضاه : «لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا خير فينا إذا لم نقبلها» ، وفي تقوى الله عز وجل خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف . هذا كله يبين لنا مكانة التقوى العظيمة وحثَّ اللهِ سبحانه وتعالى عباده عليها وترغيبهم فيها وذِكره جل وعلا لعاقبة أهلها الحميدة ومآلهم الرشيد في الدنيا والآخرة .
وهو جل وعلا لا تنفعه تقوى المتقين وطاعة المطيعين ، كما أنه سبحانه وتعالى لا تضره معصية العاصين ؛ فإن من اهتدى واتقى فإنما يهتدي ويتقي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، والله عز وجل غنيٌ عن العباد وعن تقواهم وعن طاعتهم وعبادتهم ، ولهذا قال جل شأنه في الحديث القدسي : ((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا)) ، وتأمل قول ربنا جل وعلا في هذا الحديث القدسي المبارك حديث أبي ذر وهو في صحيح مسلم ((أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ)) لتعلم من ذلك أن عماد التقوى وأساسها قلب العبد ، كما جاء في الحديث الصحيح عن نبينا صلوات الله وسلامه أنه قال: ((التَّقْوَى هَاهُنَا)) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ صلوات الله وسلامه عليه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؛ ((التَّقْوَى هَاهُنَا)) : أي في الصدر في القلب بمعنى : أن منبع التقوى هو قلب العبد ، يوضح ذلكم قول نبينا صلى الله عليه وسلم : ((أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ)) .
والقلب إذا عُمِر بالتقوى حقاً وصدقا معرفةً بالله وجلاله وعظمته سبحانه وتعالى وعرف وعيده وعقوبته جل وعلا أقبل القلب على طاعة الله عز وجل وتجنَّب معاصيه ، ولهذا فإن حقيقة تقوى الله عز وجل أن تجعل بينك وبين ما تخشاه من سخط الله تبارك وتعالى وقاية تقيك ، وهذا كله ينشأ من القلب الصالح الذي عُمر بتقوى الله سبحانه وتعالى، عُمِر بمعرفة الله، ولهذا قيل: « رأس العلم خشية الله سبحانه وتعالى» كما قال الله تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] . و«من كان بالله أعرف كان منه أخوف، ولعبادته أطلب، وعن معصيته أبعد» والله عز وجل يقول : {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران:30] ويقول جل وعلا : {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر:56] ؛ {أَهْلُ التَّقْوَى }: أهلٌ أن يُتقى وأن تُجتنب مساخطه والأمور التي تُغضبه سبحانه وتعالى . { وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}: أي لمن تجنَّبوا ما يسخط الله عز وجل .
ولهذا فإنه من أحسن ما عرفت به التقوى قول أحد التابعين وهو طلق بن حبيب رحمه الله : «تقوى الله عز وجل: أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله خيفة عذاب الله» . وهذا من أحسن ما عرِّفت به التقوى ، وقد وقفتُ على كلام لغير واحد من أهل العلم في الثناء على هذا التعريف وبيان مكانته وأنه من أنفس وأوجز وأحسن ما عُرِّفت به التقوى ، قال نحواً من ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والذهبي رحمه الله تعالى وابن رجب وغيرهم من أهل العلم ؛ أثنوا على هذا التعريف الجامع .
قال: « تقوى الله : عملٌ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله ، وتركٌ لمعصية الله على نورٍ من الله خيفة عذاب الله» ؛ وبهذا يُعلم أن التقوى فعلٌ وترك ؛ فعلٌ للطاعات وتركٌ للمعاصي ، ثم إن هذا الفعل وذاك الترك مبني على العلم ، ولهذا قال فيهما «على نور من الله» أي معرفةٍ ودراية بالحق والهدى لتعمله ، وعلى نور من الله أي على معرفة ودراية بالباطل لتجتنبه . ولهذا كما أن المسلم مطلوبٌ منه أن يعرف الحق ليفعله وليكون من أهله فإنه كذلك مطلوب منه أن يعرف الباطل ليجتنبه ويحذر من الوقوع فيه ، ولهذا قيل قديماً : «كيف يتقي من لا يدري ما يتقي» ؛ كيف يتقي أي الباطل والضلال والحرام والشرك والبدعة من لا يدري ما هي هذه الأشياء ، ولهذا جاء في الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال : «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي» ولهذا المتقون لله سبحانه وتعالى عرفوا الحق وعمِلوا به ، وعرفوا الباطل وتجنبوه وحذروا من الوقوع فيه محققين بهذا الفعل والترك تقوى الله سبحانه وتعالى .
وقوله رحمه الله «رجاء ثواب الله» ، و«خيفة عذاب الله» أي أن العبد يجمع في هذا الباب بين الرجاء والخوف ، الرغبة والرهبة ، والدين كله قائم على الترغيب والترهيب والرجاء والخوف ؛ الرجاء قائدٌ للخيرات ، والخوف زاجرٌ عن المعاصي والخطيئات ، ولهذا يحتاج العبد فعلاً لأن يكون من المتقين أن يعرف الحق معرفة من يريد العمل به ، وأن يعرف الباطل معرفة من يريد تركه وتجنبه والحذر من الوقوع فيه .
الآن تجد بعض أهل العلم أفردوا مصنفات في البدع ، أفردوا مصنفات في الكبائر ، أفردوا مصنفات في المعاصي لماذا ؟ كل ذلكم من باب التحذير ، لأن من لا يعرف الشر ربما وقع فيه لجهله به ، أو لجهله بخطورته ، أو لجهله بسوء عاقبته على أهله ؛ فاحتاج هذا المقام من العبد الناصح لنفسه أن يكون على دراية ومعرفة بالحق والهدى ليلتزمه ويتمسك به ويكون من أهله ، وأن يكون على دراية بضد ذلك ليحذر منه وليحذر من الوقوع فيه .
وأحد العلماء ضرب في هذا المقام مثلاً نافعاً قال فيه ما معناه : إن مثل المتقين مثل الإنسان المحتاط في طعامه حفظاً لجسده حفظاً لصحته ؛ تجد بعض الناس لا يأكل كل شيء ولا يأكل في كل وقت وإنما يأكل بمقدار ، وكثير من الأطعمة يتجنبها ولا يأكلها من الأشربة يتجنبها ولا يشربها لماذا ؟ حفظاً لبدنه ، حفظاً لصحته ، خوفاً من الأسقام والأمراض ، وكما قيل «المعِدة بيت الداء ، والحِمية رأس الدواء» ، فتجد بعض الناس عنده حمية وطريقة معينة ومسلك معيَّن في الطعام خوفاً على بدنه من الأسقام والأمراض ، ثم في الوقت نفسه يكون هذا المتقي للطيبات من الطعام حفظاً للبدن لا يكون متقياً ومتجنباً للسيئات من الآثام خوفاً من العقوبة يوم لقاء الله، ولهذا قال بعض أهل العلم قديماً : « عجباً لمن تجنب الطيبات من المطعومات خوف مضرتها كيف لا يتجنب الذنوب والآثام خوف معرَّتها!! » بل إن الحِمية من الآثام هي الحفظ الحقيقي للبدن وهي الحفظ الحقيقي لهذا الجسد ، لأن إن لم يحفظ جسده ويجنِّب جوارحه هذه الآثام عرَّض نفسه لعقوبة الله سبحانه وتعالى ، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة مرتِّبة العقوبة على فعل الآثام إجمالاً وتفصيلا ، مما يستوجب من العبد الفطن الحاذق أن يكون حذراً في هذا الباب .
ومن لطيف ما يُذكر في هذا المقام : أن رجلاً سأل أبا هريرة رضي الله عنه قال : ما التقوى ؟ قال هل سلكت طريقاً ذا شوك ؟ قال نعم ، قال ما صنعت ؟ قال : إما أن أتجاوزه ، وإما أن أميل عنه ، أو أقْصُر دونه ، قال كذلك التقوى . لاحظ هنا الذي يتجنب الشوك ؛ تجنبه للشوك مبني على دراية بخطورته ، ومضرة الشوك على قدمه ، وانتباهه لمواطنه ، وتركيزه في هذا الباب حتى لا تقع قدمه على شوكة واحدة فتؤذيه أذىً عظيما ؛ فتجده في احتياط ونظر وتأمل لماذا؟ لأنه يعرف العاقبة لو أنه أهمل في هذا الباب أو فرَّط ؛ فالمتقي هذا شأنه في تعامله مع الأمور وتعاطيه مع الأشياء يكون متنبِّهاً مستيقظاً ، بل إن العبد ربما يبلغ به الحذق والكياسة والفطنة في هذا الباب أن يبلغ الدرجة العليا في التقوى كما جاء في الحديث الذي يروى عن نبينا عليه الصلاة والسلام ((لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ)) ، وفي الحديث : ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ)) ، وفي الحديث الآخر قال : ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ )) ؛ قال ((فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ)) أي تجنبها وتجنب من الوقوع فيها (( اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ)) ؛ دينه : أي بينه وبين الله ، وعرضه: أي بينه وبين الناس ، لأنه يكون في سلامة وعافية عندما يحقق هذا المقام العظيم والمنزلة الرفيعة .
وبما سبق يُعلم أن التقوى تعني صلاح العبد ظاهراً وباطنا سراً وعلنا ، تقوى الله عز وجل صلاحٌ في الظاهر والباطن ، في السر والعلانية ، في الغيب والشهادة ((اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ)) .
إذا خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
فتقوى الله عز وجل وصفٌ لازم للمتقي أينما كان وأينما حل وأينما ذهب ، لأن الذي يتقيه وهو الله سبحانه وتعالى يراه أينما كان ويطَّلع عليه أينما ذهب ، والله عز وجل أمر في القرآن في مواضع كثيرة جداً بتقواه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا }[الأحزاب:70] ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر:18] ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [النساء:1] والآيات في هذا المعنى كثيرة يأمر عباده بتقواه ، وهو سبحانه وتعالى مطَّلع على العباد لا تخفى عليه منهم خافية {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق:14] {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك:14] ، فالله عز وجل مطلع على العباد ، ولهذا قال العلماء : إن أعظم معِين للعبد على تحقيق التقوى معرفة الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وجلاله وعظمته وقدرته وبطشه وانتقامه وعقوبته وسخطه إلى غير ذلك ، فإن هذا كله مما يعين العبد أعظم إعانة على تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى .
فإذاً تقوى الله جل وعلا صلاحٌ في الظاهر والباطن ، في السر والعلانية ؛ صلاح في الباطن : بالاعتقاد السليم والإيمان الراسخ والعقيدة الثابتة إيماناً بالله وبملائكته وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، وصلاح في الظاهر : بفعل الأعمال الصالحات والطاعات الزاكيات وأنواع القربات .
وتأمل هذا المعنى في بيان حقيقة التقوى في آية البِر في سورة البقرة حيث قال الله سبحانه وتعالى : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ } أي أهل هذه الصفات المذكورات { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)} ؛ وإذا نظرت في هذه الصفات المذكورة في هذه الآية المباركة التي خُتمت بقوله { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } أي أهل هذه الصفات تجد أنها جمعت صلاح الباطن بالاعتقاد الصحيح { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } هذه كلها عقائد راسخة ثابتة مستقرة في القلب ، وصلاحٌ في الظاهر فيما ذكر بعد ذلك من الأعمال الصالحة { وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} إلى تمام الآية هذه كلها أعمال صالحة وطاعات زاكية وقربات .
وفي قوله { وَالصَّابِرِينَ } تنبيهٌ على دخول أعمال القلوب في هذا المقام -مقام التقوى- ، فأهل التقوى حقاً من صلحت قلوبهم بمحبة الله وخشيته والصبر على طاعته وحُسن التوكل عليه والعمل في نيل رضاه سبحانه وتعالى، وصلحت بالعقائد الزاكية الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، وصلحت جوارحهم بفعل ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال .
يتبــــــــــــــــــــع

وانظر أيضا أوصاف المتقين في قول الله سبحانه وتعالى في أوائل السورة -سورة البقرة- قال جل وعلا: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)}من هم ؟ ما هي صفاتهم؟ ما هي نعوتهم؟ ما هي حِليتهم؟ قال : {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ } أي أهل هذه الصفات {عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} . وقوله جل وعلا { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } هذا وصفٌ جامع لهؤلاء أهل التقوى . { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } : أي بكل ما غاب عنهم مما أخبرتهم به رسل الله ، لأنهم يتلقون ما جاءت به الرسل بالقبول والتسليم دون تردد ودون شك ودون ارتياب كما قال الله سبحانه وتعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } [الحجرات:15] أي أيقنوا ولم يشكُّوا فتلقوا ما جاء به الرسل بالقبول والتسليم « من الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم» . فهم يؤمنون بالغيب ، ما هو الغيب؟ كل ما غاب عنهم مما أخبرتهم به رسل الله ، ولهذا قال العلماء في كتب التفسير يدخل تحت هذه الجملة : الإيمان بالله ، والإيمان بالكتب ، والإيمان بالرسل ، والإيمان باليوم الآخر ، كل هذه الأمور من الإيمان بالغيب ، من الإيمان بالغيب : أي بما غاب عن الإنسان لكنه يؤمن به تصديقاً للمرسلين .
انظر مثالاً لطيفاً في هذا الباب : جاء في الحديث الصحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال : ((يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَوْنَ فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيُقَالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَصَدَّقْنَاهُ)) ؛ نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرنا في جملة ما أخبرنا به أن الأنبياء بلَّغوا ، قال عليه الصلاة والسلام ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ)) ؛ أخبرنا في أحاديث كثيرة أن الأنبياء بلَّغوا البلاغ المبين وأنهم ما تركوا خيراً إلا دلوا أممهم عليه ولا شراً إلا حذَّروا منه ، ولهذا أثنى الله على هذه الأمة أمة محمد عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه وتعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] ، فمن خصائص هذه الأمة الكريمة المباركة أنهم شهداء على الناس أي الأمم السابقة .
الشاهد من ذلك : إيمان المؤمن بالغيب وهو كل ما أخبرت به رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه ، كم من التفاصيل التي جاء الكتاب والسنة عن أمور مغيَّبة لكن المؤمن يؤمن بها ولا يتردد ، يؤمن بها إيماناً جازما ، أعطيكم مثالاً أيضاً جميلاً ونافعا : النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث : ((مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)) ، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر : ((إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ)) وقال: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ)) ، و((مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا)) ؛ كل هذا نؤمن به ونصدِّق وإن كان المسلمون لا يرونهم لكنهم يؤمنون بذلك وهم من ذلك على يقين ، ويؤمنون بأن هذا الملك يقول: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا»، «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وهم لا يسمعون صوته لكن يؤمنون أنه يقول ذلك ، تصديقاً منهم بكلام الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام . هذا كله من حِلْية أهل التقوى وزينة أهل التقوى وجمال أهل التقوى ؛ إيمانهم بما أخبرت به رسل الله عليه صلوات الله وسلامه أجمعين مما لا يرونه ولا يسمعونه لكنهم يؤمنون به وهم منه على يقين ، لاشك في ذلك عندهم ولا ريب .
فإذاً تقوى الله عز وجل: اعتقادات قلبية وأعمال ظاهرة وطاعات عديدة يتقرب بها المتقي إلى الله سبحانه وتعالى.
والآيات التي جاءت في بيان التقوى وبيان أوصاف أهلها وحليتهم ونعوتهم في كتاب الله سبحانه وتعالى كثيرة جداً، ولهذا القرآن كله كتاب لتحقيق تقوى الله ، وكلما ارتبط العبد بهذا القرآن الكريم قراءةً وتأملاً وتدبراً وعملاً بهذا القرآن هداه لكل خير وكل فضيلة وكان بذلك من المتقين . تأمل هذا المعنى في الآية الكريمة المتقدمة : {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} ، {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} في آيات عديدة .
فالقرآن كتاب هداية لأهل التقوى لأنهم هم الذين ينتفعون بهدايات القرآن ، هم الذين يتعظون بعظات القرآن ، هم الذين يذَّكرون { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [ق:37] وهؤلاء هم أهل تقوى الله سبحانه وتعالى ، قال جل وعلا : {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9] وقال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } [فصلت:44] ، وقال جل وعلا: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29] ، فالقرآن هو كتاب التقوى وكلما كان العبد معتنياً بهذا الكتاب ولا يكون حظه منه مجرد القراءة أو مجرد الحفظ بل لابد من الفهم ولابد من العمل ، ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله : « أُنزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملا» ، لا يكون العبد من أهل التقوى ومن أهل القرآن بمجرد القراءة لحروفه لأن القرآن أُنزل ليُعمل به ، لأن القرآن كتاب هداية كتاب تقوى لله سبحانه وتعالى ، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه : « إذا سمعت الله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعِها سمعك ؛ فإنه إما خيرٌ تُؤمر به أو شر تُنهى عنه» فالعبد عندما يكون ذا عناية بكتاب الله عز وجل ذا عناية بسنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام فهماً لهما وعملاً بهما وقياماً بما دلَّا عليه من الهدى والحق والخير كان بذلك من المحققين لتقوى الله سبحانه وتعالى ، ولهذا حظ العبد من التقوى بحسب حظه من هدايات القرآن وبحسب حظه من هدي النبي الكريم عليه صلوات الله وسلامه وعلى جميع النبيين .
ثم إن هذه التقوى هي الجمال الحقيقي للعبد وهي الحلية الحقيقية وهي الزينة الحقيقية للعبد ، وإذا عري العبد من تقوى الله سبحانه وتعالى أيُّ شيء يفيده لباسه ؟ وأيُّ شيء تفيده زينته ومظهره؟. إذا لم يكن للعبد لباس من تقوى الله وخشيته والخوف منه ومراقبته واتقاء مساخطه سبحانه وتعالى أيُّ شيءٍ تفيده حليته الظاهرة وزينته الظاهرة؟! ولهذا قال الله سبحانه وتعالى : {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } [الأعراف:26] ، وقال الله عز وجل في موضع آخر:{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات:7-8] . فالزينة الحقيقية والجمال الحقيقي هو تقوى الله جل وعلا هو اللباس الحقيقي {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } ، وأما إذا كان العبد يعتني بمظهره وحِليته الظاهرة وأما الداخل فخرابٌ تباب ليس فيه خشية ، ليس فيه مخافة ، ليس فيه تجنب لمساخط الله تبارك وتعالى أيُّ شيءٍ تنفعه هذه الحلية ؟
وهذه الزينة الظاهرة لن تدخل مع العبد في قبره ولن تكون في عِداد صالح عمله يوم يلقى الله جل وعلا ، وإنما الذي يدخل مع العبد في قبره ويكون مرافقاً له في قبره وفي حشره عمل العبد الصالح وتقواه لله سبحانه وتعالى وعمله بخشية الله سبحانه وتعالى هذا الذي يكون مرافقاً للعبد ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ((يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاَثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ)) ؛ فالعمل الذي هو تقوى الله والعمل برضاه سبحانه وتعالى والسعي في تحقيق ذلك هو الجمال الحقيقي وهو الذخر وهو السبب للفوز بالعاقبة الحميدة والمآل الرشيد في الدنيا والآخرة .
والله عز وجل هدى عباده في كتابه العظيم للتي هي أقوم ودلهم لما فيه عزهم وفلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة وعرفنا في مقدمة هذا الحديث أن تقوى الله عز وجل أعظم وصية وهي وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين من خلقه كما تقدَّم معنا في قوله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } [النساء:131] فعناية العبد بهذه الوصية العظيمة التي هي وصية الله للأولين والآخرين من خلقه وأخذُه بهذه الوصية مأخذ الحزم والعزم والجد والعناية الفائقة هو الذي يكون به نجاته وتكون به عاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة .
والآيات التي في القرآن والتي فيها الأمر بالتقوى جاءت على أنواع :
 من هذه الأنواع : جاء ذكر التقوى مضافاً إلى الله { اتَّقُوا اللَّهَ } وهذا في آيات كثيرة جداً ، والله عز وجل وهو أهل التقوى وأهل المغفرة ، قد قال عز وجل : {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } [آل عمران:30] .
 والنوع الثاني : آيات فيها الأمر بتقوى النار { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [آل عمران:131] ، { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6] ، فجاءت آيات فيها الأمر باتقاء النار .
 وجاءت آيات فيها اتقاء اليوم الآخر {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ } [البقرة:281] ، وهذه ذُكر أنها من آخر أو آخر ما نزل على نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه .
فجاء الأمر بتقوى الله ، وجاء الأمر بتقوى النار لأن النار هي موطن العقوبة للمضيِّعين للتقوى والمفرِّطين فيها ، وجاءت آيات باتقاء يوم المرجع والمآب لأن في ذلك اليوم يجزي الرب سبحانه وتعالى المحسِن بإحسانه والمسيء بإساءته {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم:31] ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالمتقين {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32] أعلم بالمتقين ؛ ولهذا يجب على العبد أن يُعِدَّ لهذا اليوم عدَّته قبل أن يندم ندامةً عظمى في ذلك اليوم لا تفيده ، أيُّ شيء يفيده في ذلك اليوم إذا قال: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } [الزمر:56] ؟ ماذا يفيده في ذلك اليوم لو قال : { لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر:57] أي شيء يفيده ؟ ماذا يفيده أن يندم في ذلك اليوم ؟ ولهذا العقل والفطنة والنباهة أن يأخذ العبد نفسه مأخذ الحزم مادام في دار العمل ؛ دار التقوى وتجنب المساخط تجنب الآثام تجنب الأمور التي تسخط الله تبارك وتعالى ، أما يوم القيامة فهي دار الجزاء .
فينبغي على العبد أن يكون عظيم التذكر لهذه الوصية العظيمة ، وأن تكون هذه الوصية نصب عينيه وموطن اهتمامه وعنايته ، وينبغي أن تُعقد مجالس عديدة للوصية بالتقوى والتواصي بها ، ولا خير في الناس إذا لم يتواصوا بتقوى الله عز وجل ، ولا خير فيمن أوصي بتقوى الله واستنكف أو استكبر أو تعاظم أن يوصى بتقوى الله سبحانه وتعالى ، بل ينبغي على العبد أن يعتني بهذه الوصية عناية عظيمة ؛ محافظةً عليها في نفسه وتحقيقاً لها ، وعنايةً بمن يعول وبأهله وصيةً لهم بتقوى الله والعمل بمرضاته ، وقد مر معنا قول الله سبحانه وتعالى :{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [طه:132] فالعاقبة الحميدة والمآل المبارك والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة إنما هي للمتقين .
وفي هذا المقام ثبتت دعوات عظيمة في هذا الباب عن نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه ومن ذلكم : ما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعِفَّةَ وَالْغِنَى)) ، وجاء في صحيح مسلم عن نبينا صلى الله عليه وسلم أو من مأثور الدعاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم : ((اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا)) . فجدير بالمسلم أن يُعنى بهذه الدعوات لأنه لن يكون من المتقين إلا إذا جعله الله من المتقين ، لن يكون من أهل التقوى إلا إذا جعله الله سبحانه وتعالى من أهل التقوى ، لأن الهداية بيد الله والتوفيق بيد الله يهدي من يشاء سبحانه وتعالى ؛ فيلازم هذه الدعوات وغيرها من الدعوات المأثورة عن نبينا عليه الصلاة والسلام ويجاهد نفسه على العمل بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله ، والترك لمعصية الله على نورٍ من الله خيفة عذاب الله حتى يحمد العاقبة و «عِنْدَ الصَّبَّاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى » .
ونسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبأنه الله الذي لا إله إلا هو أن يصلح لنا شأننا كله وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر . اللهم اغفر لنا ذنبنا كله؛ دقه وجلَّه ، أوله وآخره ، سره وعلنه ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات . اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِّغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

بارك الله فيــــك
وجزاااااااااااك خيرًا


جزاك الله خير الجزاء اخي الكريم
وبارك الله فيك على هذا الطرح القيم و المفيد
جعله الله فى ميزان حسناتك