منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


ولا تقتلوا أنفسكم




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيرا ، أما بعد :
أولاً السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأسأل الله جل وعلا أن يكتب لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح ، وأن يهدينا إليه جميعاً صراطاً مستقيما ، وأن يوفقنا لكل خير يحبه ويرضاه في الدنيا والآخرة
أيها الإخوة الأكارم : موضوع هذه الكلمة هوعن قوله تعالى : « وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » ، وهذه جزء آية في سورة النساء ، ولهذا فإن من الحسن بنا ونحن نتدارس هذا الجزء من الآية أن نقف على الآية بتمامها وأن نقف على السياق الكريم الذي وردت فيه هذه الآية لتتم لنا الفائدة وليكمل لنا المقصود ولنحسن تدبر كلام الله تبارك وتعالى .
يقول الله جل وعلا : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)}
هذا السياق الكريم فيه توجيه لأهل الإيمان ومخاطبة لهم بما يقتضيه الإيمان من طاعة الله وامتثال أوامره والانقياد لحُكمه والبعد عما نهى عنه تبارك وتعالى ؛ مما يحقق للمسلم ويكفل له سعادته وفلاحه وفوزه في الدنيا والآخرة ، ولهذا صُدِّر هذا السياق بنداء أهل الإيمان بوصف الإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ، وكثيراً ما يأتي هذا النداء في القرآن الكريم ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين بوصف الإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ، يناديهم بهذا الوصف العظيم الذي يقتضي من أهله الاستجابة لله والامتثال لأمر الله والانقياد لحكمه تبارك وتعالى والإذعان لشرعه ، فالمؤمن مطيعٌ لربه ممتثلٌ لأمره منقادٌ لشرعه قائمٌ بما يأمره به تبارك وتعالى ، وكلما ازداد فيه وصف الإيمان ازداد حفظاً ومحافظةً على أوامر الرحمن ، وإذا ضعف فيه وصف الإيمان ضعفت الاستجابة وضعف الانقياد ، ولهذا يكثر في خطابات الرب تبارك وتعالى لأهل الإيمان بفعل الأوامر وترك النواهي نداءهم بهذا الوصف {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ؛ وهذا فيه تذكير لهم أن إيمانهم بالله سبحانه وتعالى يقتضي الاستسلام الكامل لله والانقياد التام لحكم الله ، وكيف يكون مؤمناً بالله تبارك وتعالى كما ينبغي ثم لا ينقاد !! كيف مؤمناً بالله تبارك وتعالى كما ينبغي ثم لا يمتثل أمر الله عز وجل !! فالمؤمن يعلم أن أمر الله تبارك وتعالى فيه الرشاد وفيه الهداية وفيه الفلاح وفيه السعادة في الدنيا والآخرة ، وما أهمل عبد أمر ربه تبارك وتعالى إلا وكان إهماله سبباً في نقص فلاحه وضعف سعادته وتوالي المصائب عليه في الدنيا والآخرة .
وهنا نستفيد فائدة عظيمة ومهمة نفيدها من هذه الآية ونظائرها مما جاء في القرآن : أن المؤمن مما يعينه على فعل الأوامر وترك النواهي والانقياد لأمر الله أن يتذكر وصف الإيمان ، أن يتذكر أنه مؤمن بالله وأن إيمانه بالله يقتضي فعل الأوامر وترك النواهي ، نظير هذا في الأحاديث الكثيرة التي يقول فيها صلوات الله وسلامه عليه : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا ، فالإيمان يقتضي الطاعة والامتثال والانقياد لأوامر الله تبارك وتعالى .
قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } فنهى الرب جل وعلا عباده المؤمنين في هذا السياق عن أمرين خطيرين غاية الخطورة :
1- نهاهم عن أكل الأموال بالباطل .
2- ونهاهم عن قتل النفس .
وتأمل قوله { أَمْوَالَكُمْ } ، { أَنْفُسَكُمْ } ؛ وهذا يبين مكانة المجتمع المسلم وما ينبغي أن يكون عليه من ترابط وتكاتف وتعاون بحيث يكون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ، فنسب الأموال إلى الجميع { أَمْوَالَكُمْ } ، ونسب الأنفس إلى الجميع { أَنْفُسَكُمْ } ، فالمجتمع المسلم ينبغي أن يستشعر هذه الرابطة ، إذا وُجد هذا الاستشعار لهذه الرابطة الإيمانية ما يحصل اعتداء ولا يحصل تجاوز ولا يحصل ظلم ، إذا أحس المسلم أن أخاه المسلم له حق عليه وأن المسلمين في مجتمعه كالنفس الواحدة إخوة مترابطين يحب الواحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه من الخير ؛ فهذا نستفيده من هذا الإيجاز والجمع في قوله { أَنْفُسَكُمْ } و { أَمْوَالَكُمْ } ، ما قال : " لا يأكل بعضكم مال بعض ، ولا يقتل بعضكم نفس بعض " وإنما قال : {أَمْوَالَكُمْ } و { أَنْفُسَكُمْ } إشعاراً إلى قوة الرابطة بين أهل الإيمان وقوة الصلة التي ينبغي أن تكون بينهم ، فمال أخي المسلم أرعى له حقه مثلما أرعى مالي ، ونفس أخي المسلم أرعى لها حقها مثلما أرعى حق نفسي لقوة الصلة والرابطة بين أهل الإيمان .
وهذا له نظائر في القرآن الكريم منها قوله تعالى {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } [الحجرات:11] ما قال "يلمز بعضكم بعضا" وإنما قال {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } إشعاراً بالرابطة والصلة القوية التي ينبغي أن تكون بين المؤمنين ، فالإيمان رابطة هي أعظم الروابط وصلة هي أعظم الصلات بل لا يوجد إطلاقا صلة أعظم من صلة الإيمان ، ومن قوة هذه الصلة أنها تعطف المتباينين في الجنس وتربط بينهم كما هو الشأن من الرابطة العظيمة بين الملائكة والمؤمنين مع اختلاف الجنس ، فالملائكة مخلوقون من نور ، والإنس مخلوقون من طين ، الجنس مختلف لكن بينهم رابطة عجيبة ، انظروا شاهداً لها في قوله تبارك وتعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر:7] استغفارٌ دائم ودعاءٌ مستمر لأهل الإيمان لا لشيء إلا لهذه الرابطة العظيمة مع أن الجنس مختلف!! فالإيمان يربط ، الإيمان يجمع ، الإيمان يصل بين أهل الإيمان ؛ ولهذا ينبغي أن يشعر كل مسلم بهذا الإحساس في قلبه { أَمْوَالَكُمْ } ، { أَنْفُسَكُمْ } هذه رابطة بين أهل الإيمان.
وإضافة إلى ذلك قوله : { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ }،{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } فيه دلالة واسعة لا تتحقق لو كان الخطاب لا "يأكل بعضكم مال بعض ، ولا يقتل بعضكم نفس بعض" ؛ لأن قوله{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } يشمل في عمومه نهي الإنسان عن أن يقتل نفسه ، وقوله { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } يشمل نهي الإنسان عن أكل ماله هو بالباطل كما نبه على ذلك بعض العلماء في كتب التفسير ، فيشمل ذلك وهذا من كمال بيان القرآن { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } ،{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .
ثم لما نهى تبارك وتعالى عن أكل الأموال بين الناس بالباطل استثنى - والاستثناء منقطع - الأكل للأموال الذي يكون عن تجارة وعن تراضٍ ، فإذا كان الأكل للمال بالتجارة المباحة الشرعية بضوابطها الشرعية التي منها الرضا بين الطرفين البائع والمشترى فهذا كلوه هنيئاً مريئا {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }: أي إذا كانت بهذا الوصف وعلى هذه الهيئة فكلوه هنيئاً مريئا أحله الله لكم وهو من الطيبات التي أحل الله تبارك وتعالى لعباده.
ثم قال{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وهذا موضع الحديث في هذه الكلمة .
{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } قال العلماء رحمهم الله هذا يشمل بعمومه أموراً عدة يُنهى عنها المؤمن :
 الأول منها : نهيه عن قتله لنفسه وهو ما يسمى بالانتحار ؛ فهذا يشمله قوله تعالى { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } أي لا يقتل أحد منكم نفسه مهما كان السبب ، لا يجوز للإنسان يقتل نفسه مهما كان السبب ، بل لا يجوز له أن يتمنى الموت على ما سيأتي بيانه إن شاء الله ، فهذا يدخل تحت قوله { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .
 الأمر الثاني مما يدخل تحت هذه الآية : لا يقتل بعضكم بعض ، النهي عن قتل النفس التي حرم الله تبارك وتعالى إلا بالحق ؛ فهذا يدخل تحت قوله { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } : أي لا يقتل بعضكم بعضا .
 الأمر الثالث مما يدخل تحت قوله{ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } : نهي الإنسان عن أن يفعل شيئاً يفضي به إلى الهلاك وإلى الموت ؛ كأن يشرب شيئا ضاراً أو أن يحتسي سُمًّا أو أن يتعاطى شيئا محرما يفضي به إلى الهلاك ولو بعد حين ، فهذا يدخل تحت قوله { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } : أي لا يفعل أحد منكم شيئاً يفضي به إلى الموت وإلى إزهاق روحه ؛ ولهذا يمكن أن يستشهد بهذه الآية على تحريم الخمر ، تحريم الدخان ، تحريم التهور إلى غير ذلك من الأمور التي ثبت وعُرف بين الناس أنها تفضي بالإنسان إلى الموت ولو بعد حين ، فلا يتعاطى شيئاً من ذلك نظير قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [البقرة:195] أي أيّ شيء يفضي بكم إلى التهلكة فاجتنبوه هذا يدخل تحت عموم الآية .
وعمرو بن العاص الصحابي الجليل رضي الله عنه استشهد بهذه الآية كما ثبت في الصحيح على هذا المعنى وأقره النبي عليه الصلاة والسلام في استشهاده ؛ عندما كان في غزوة مع بعض أصحابه نام فلما أصبح أصبح جُنباً وكان البرد شديداً فخاف إن اغتسل من الجنابة أن يهلك من شدة البرد فتيمم وتقدَّم وصلى بأصحابه ، فلما رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ..... وأنت جُنب ولم تغتسل ؟ قال يا رسول الله كان البرد شديداً والله تعالى يقول { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ؛ خشيتُ إن اغتسلت أن أتضرر من شدة البرد ، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأقرَّه على ذلك . فالآية فيها شاهد على المعنى السابق؛ أن الإنسان لا يفعل شيئاً يفضي به إلى الهلاك فهذا دخل تحت عموم قوله تعالى { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .
فهذه ثلاثة أمور تدخل تحت عموم هذه الآية : قتل الإنسان نفسه ، وقتل الإنسان لغيره ، وإلقاء الإنسان نفسه إلى التهلكة ؛ فهذه كلها تدخل تحت عموم هذه الآية .
لما نهى عن ذلك تبارك وتعالى ختم الآية بذكر اسمه الرحيم قال {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} أي تأملوا يا عباد الله ؛ الله جل وعلا نهاكم عن هذا لأنه رحيم ، ونهيه لكم عن هذا الأمر هو من رحمته سبحانه وتعالى ، نهاكم عن أن تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ونهاكم عن أن تقتلوا أنفسكم لرحمته بكم ، ولهذا الدين الإسلامي دين رحمة ، ورحمة هذا الدين لا توجد في أي دين من الأديان ، فالدين فيه رحمة بالمؤمنين والله عز وجل عندما يأمر عباده بشيء يأمرهم به لما فيه من الخير والصلاح والرحمة والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة ، وعندما ينهاهم عن شيء ينهاهم عنه لما فيه من الضرر والفساد والشر والعاقبة السيئة في الدنيا والآخرة .
يتبع

ونستفيد فائدة مهمة من هذا السياق : أن من يأكل المال بالباطل أو يقتل نفسه أو غيره بغير حق فهو خارج عن الرحمة لم يرحم نفسه ، لأن من الرحمة فِعل هذا الأمر الذي نهى الله تبارك وتعالى عباده عنه لرحمته بهم ، ولهذا من يفعل هذا الأمر ويخالف ما نهى الله عز وجل عباده عنه لم يرحم نفسه ، هل رحم نفسها من أكَّلها الحرام !! من تعاطى الحرام !! ما رحم نفسه ؛ أضَرَّ بنفسه ، أضر ببدنه ، أضر بأهله ، أضر بعاقبته ، خرج بنفسه عن مقتضى الرحمة وموجباتها ، وهكذا الذي يقتل نفسه أو غيره خرج عن مقتضى الرحمة ؛ وهذا نستفيده من قوله تبارك وتعالى {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ؛ نهيه لكم عن ذلك من رحمته بكم .
ثم إنه عز وجل لما نهى عباده عن هذا الأمر وبيَّن لهم أن نهيه لهم عنه من تمام رحمته بهم حذَّرهم غاية التحذير وتوعدهم غاية الوعيد إن فعلوا هذا الأمر الذي نهاهم عنه فقال كما في السياق : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } ؛ وهذا تهديد ووعيد ، ولاحظ النار التي تهدَّد بها ذكرها منكَّرة إشارة إلى عِظمها {نَارًا} أي عظيمة فيها عذاب شديد وفيها صنوف العذاب وأنواعه { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } ، والتنكير هنا يفيد العظمة والشدة وهول هذه النار التي توعد الله تبارك وتعالى عباده بها .
{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } الإشارة إلى ما سبق وهو أكل الأموال بالباطل وقتل النفس .
{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا } أي على وجه الاعتداء والظلم ، لكن إذا فعله الإنسان خطئاً ، نسيانا ، جهلاً أو نحو ذلك لا يشمله الحكم للقيد الذي ذكره الله { عُدْوَانًا وَظُلْمًا } : أي تجاوزاً وتعدياً وظلماً ، فمن فعل ذلك على هذه الصفة فعقوبته النار { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا }.
{وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } أي صليه بالنار وتعذيبه بها جزاء على عمله يسير على الله .
ثم رغَّب عباده ، والقرآن كله ترغيب وترهيب ترغيب في الخير وترهيب من الشر ، ثم رغب عباده تبارك وتعالى بأن يُقبلوا على الحسنات وأن يتجنبوا الذنوب ولاسيما الكبائر وأن هذا الأمر منهم فيه سعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } ؛ ومن كبائر ما نهى الله تبارك وتعالى عباده عنه ما ذُكر سابقا قتل النفس وأكل الأموال بالباطل { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } فاجتناب الكبائر والبعد عنها والحذر من الوقوع فيها سبب لمغفرة الله ونيل رحمة الله تبارك وتعالى { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } ، أما من يموت مرتكباً للكبيرة غير تائبٍ منها فهو معرَّض للوعيد ، ولهذا الكبيرة لا يمسحها إلا التوبة ، بينما إذا اجتنب الإنسان الكبائر ووقع في شيء من الصغائر فإن حسناته تُذهب السيئات قال الله تعالى : {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود:114] في الحديث يقول عليه الصلاة والسلام ((وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا)) والمراد بالسيئة هنا : الصغيرة ، أما السيئة التي هي من الكبائر لا يمحوها إلا حسنة التوبة أن يتوب الإنسان منها ، بدون التوبة الحسنات لا تكفِّر السيئات ، ومن مات على كبيرة فهو عرضة للوعيد وعرضة لعقوبة الله تبارك وتعالى .
{ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } ، وهذا فيه حث للعبد المؤمن أن يكون بهذه الصفة التي وصفها الله { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } يعني أن يكون دائماً مجتنباً لما نهى الله عز وجل عنه معطيه جنبيه معرضاً عنه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل:120] حنيفا يعني مائل عن كل ما نهى الله عنه ، فالمسلم ينجب أن يكون مائل عن الحرام مائل عما نهاه الله عنه { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } تعطيه جنبك تُعرض عنه ، لا تلتفت إليه ولا تركن إلى أهله ولا تُقبل على من يتعاطونه ولا تتخذ أسبابه لأنك إن فعلتَ شيئا من ذلك انسقت إليه ، لكنك من أول وهلة ومن بداية الأمر أعطه جنبيك وأعرض عنه ، وهذه فائدة نستفيدها من هذه الآية { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } : أن المسلم ينبغي أن يكون مع الكبائر بهذه الصفة ولا يقول : أدخل وأنظر وأشاهد وأقف وأمسك نفسي ، الواجب أن يُعرض تماماً عن الكبائر وعن أهلها وأن يبتعد عنها وعن من يفعلها ليسلَم له دينه { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ }.
{ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } أي الجنة - نسأل الله عز وجل أن يمنَّ علينا وعليكم بدخولها - وهذا المدخل الكريم ناله أهل الإيمان بوصف الكرم الذي قام فيهم ، فالكريم يكرمه الله ، والكريم هو الذي يرعى أوامر الله وتكون نفسه سخيةً بامتثال أوامر الله والبعد عما نهى الله تبارك وتعالى عنه ، ومن كان كذلك جازاه الله من جنس عمله {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [الرحمن:60] فيدخله الله تبارك وتعالى المدخَل الكريم .
هذا ما يتعلق بالسياق ، وعوداً إلى قوله تعالى { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } أريد أيها الإخوة أن أقف مقفِّلاً بعض الشيء في النوع الأول من الأنواع الثلاثة الداخلة تحت عموم قوله { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ألا وهو : قتل الإنسان لنفسه وهو ما يسمى بالانتحار .
الانتحار الذي هو قتل الإنسان لنفسه له أسباب كثيرة ، ومن يتأمل واقع من حصل منه الانتحار ويذكر أحوالهم يجد أن هناك أسباباً كثيرة لكنني أجملها للفائدة في بعض النقاط :
 أهمها وأعظمها على الإطلاق : ضعف الإيمان ؛ فالإيمان عندما يضعف في الإنسان يقع في مخاطر كثيرة ومضار عديدة وموبقات متنوعة ، وإذا قوي الإيمان قوته تزع الإنسان وتردعه وتمنعه عن فعل المحظور ، الإيمان يمنع ويردع ، وضعف الإيمان يوصل بالإنسان إلى أنواع من الهلكة ، ولهذا لما نهى الله عن قتل النفس ذكَّر في بداية الآية بوصف الإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ، ولهذا من سعى في تكميل وصف الإيمان في نفسه فما أبعده عن أكل الأموال بالباطل وما أبعده عن قتله لنفسه ، ولهذا بحسب حظ الإنسان من قوة الإيمان يكون حظه من البعد عن هذه الأضرار والأخطار ؛ قتل النفس أكل الأموال بالباطل إلى غير ذلك ، فالإيمان يردع فهذا سبب عظيم من أسباب قتل النفس أو الانتحار ضعف الإيمان ، لو كان صاحب إيمان وإيمانه قوي لما قتل نفسه ، بل لما تمنى الموت لأن المؤمن منهي عن تمني الموت فضلاً عن أن يقتل نفسه ، مهما كان حجم المصيبة ليس للإنسان يتمنى الموت ، مهما كانت مصيبته ليس له أن يقول اللهم أمتني ، اللهم أزهق روحي ، ليس له أن يقول ذلك مع أن بعض الناس إذا اشتد به المرض وتفاقمت فيه المصيبة لا يملك نفسه يسأل الله أن يميته أو يقول اللهم أمتني اللهم أهلكني أو نحو ذلك ، بعض الناس يقول ذلك عندما تكبر المصيبة عنده وبعضهم عند أدنى المصيبة تجده يشرع في ذكر تمني الموت ، والمؤمن منهي عن ذلك جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتال ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ – مهما كان الضر - فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ – يعني اشتد به الضر وتفاقمت به المصيبة - فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي )) وهذا فيه تفويض لله تبارك وتعالى وتوكل على الله ولجوء إلى الله {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] فهذا يفوِّض أمره إلى الله .
ولهذا ينبغي ويُندب للمسلم عندما يصاب بمصيبة ويزداد به الألم أن يدعو بهذا الدعاء يفوض أمره إلى الله (( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي )) ، وجاء عن أحد الصحابة وهو خباب أنه مرض مرضاً واشتد به مرضه حتى إنه قال ما أعلم أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ابتُلي بما ابتليتُ به ، وكوى نفسه سبع كيَّات في بطنه وكان يعاني ، وعاده بعض الناس في مرضه وهو في معاناة شديدة قال للذين عادوه : «لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ)) لَتَمَنَّيْتُهُ » فيه ضر شديد وألم ومع ذلك متحاشي أن يتمنى الموت !! لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهاه . بعض الناس عندما تشتد به المصيبة وهو يدعو على نفسه بالموت ويذكَّر بهذا الحديث ينهر من يذكِّره بالحديث ويقول ما تعلم مصيبتي ولو كنت مثلي لفعلت فعلي أو نحو ذلك . فلنتأمل قصة هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه « لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْمَوْتَ )) لتمنيت ذلك » .
وفي حديث آخر مخرج في صحيح البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)) يعني هذا الذي يتمنى الموت قد يكون محسن مطيع محافظ على طاعة الله فليس من الخير له أن يتمنى الموت لأن بقاءه زيادة له في الحسنات ورفعة له في الدرجات حتى مصيبته ومرضه كفارة عندما يحتسب ذلك عند الله عز وجل ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ )) فالمصائب كفارات وصبره على المصيبة وتحمله له ولجوءه إلى الله وانطراحه بين يديه هذا كله رفعة في درجاته يوم يلقى الله (( إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)) أي لعله يرجع ويتوب ويندم ويأسف على تفريطه وهذا أيضا خيرٌ له ، فهو في كلا الحالتين على خير إن كان محسناً أو كان مسيئا ؛ إن كان محسناً فهذه مهلة للزيادة في الإحسان ، وإن كان مسيئاً فهذه مهلة للتوبة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى . فالمؤمن ليس له أن يتمنى الموت فكيف بأن يقتل نفسه !! ولهذا قتل الإنسان لنفسه من ضعف الإيمان بدلالة هذه النصوص . هذا من أعظم الأسباب ولهذا يحتاج الإنسان دائماً وأبداً ليسلم من هذا الوباء وغيره أن يحرص على تقوية إيمانه وزيادة يقينه وتقوية صلته بالله تبارك وتعالى . هذا السبب الأول .
 السب الثاني من أسباب قتل النفس : فعل المحرمات والانغماس فيها ولاسيما شرب الخمر وغيره من المخدرات فهذا من الأسباب الكبيرة في وقوع القتل وكثير من الذين يقتلون أنفسهم عُرف عنهم شرب المخدرات ، وشارب المخدر أو الخمر لا عقل عنده ، ومن لا عقل عنده لا يستغرب منه أي فعل لأنه فاقد العقل أصبح شبيهاً ببهيمة الأنعام التي لا تعقل ، بل بهيمة الأنعام مع أنها لا تعقل تتحاشى أن تلقي نفسها من شاهق أو نحو ذلك ، بينما شارب الخمر يفعل أموراً كثيرة من بينها قتله لنفسه ، وقد سُئل مرة عثمان بن عفان رضي الله عنه عن معنى وصف الخمر بأم الخبائث لماذا ؟ فضرب مثالاً قصة رجل خُيِّر بين أن يفعل أحد أمور ثلاثة : أن يزني بأمه والعياذ باله ، أو أن يقتل نفسا بغير حق ، أو أن يشرب كأسا من الخمر ؛ قال أشرب كأساً واحداً من الخمر هذه أخف ، فلما شربها فقَد عقله فذهب وزنى بأمه وذهب وقتل نفساً بغير حق وفعل أموراً كثيرة لأنه ما يعقل ، فقال هذه أم الخبائث لأن من شرب الخمر اجتمعت فيه الخبائث ، ولهذا كثير من مدمني المخدرات ومتعاطيها وشرابين الخمور أفضى بهم شرب الخمر وتعاطي المخدر إلى قتل أنفسهم وإلى قتل من معهم وإلى قتل حتى بعضهم يقتل ابنه أو أمه أو أخته أو زوجته وهذا يحصل ؛ يأتي مخمور ليس عنده عقل ويدخل البيت ويقتل ، وإذا كان معه سلاح أو تعاطاه وتهيَّج يفعل أموراً كثيرة يركب سيارته وهو مخمور لا عقل عنده فيأتي مسرعاً في الشارع يصدم هذا ينقلب بسيارته يُضِر به أشياء كثيرة تحصل، فشرب الخمر وتعاطي المخدرات من أعظم أسباب قتل النفس ، على أن متعاطي المخدر وإن لم يباشر أثناء سُكره وغياب عقله أثناء تعاطيه للمخدر إن لم يباشر القتل مباشرة أو بشربه للخمر وتعاطيه للمخدر قتل نفسه تدريجيا ، لأن الخمر والمخدرات تتلف البدن وتتلف خلايا كثيرة في البدن فيكون قتَل نفسه تدريجياً فيدخل تحت قوله { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } فهذا من أسباب الانتحار .
 ومن أسباب الانتحار : ما وجد في زماننا هذا من القنوات الفضائية التي نقلت للناس أفكاراً مسمومة وآراءً ملوثة وطروحاتٍ فاسدة عبر ما يبثه أعداء هذا الدين من خلال المسلسلات والتمثيليات وغير ذلك ، فتجد
يتبع

بعض الشباب بعض أبناء المسلمين مكباً الساعات الطوال أمام هؤلاء يشهد وينظر تلك المسرحيات والتمثيليات ، ثم أولئك يتفنون في طرق ماكرة وأساليب متنوعة يتفنون في غرس هذه الفنون الضارة في نفوس أبناء المسلمين ؛ فيأتون بتمثيليات فيها رجل مثلاً مبتلى مصاب نكبات من كل جهة مصائب متنوعة حتى إن من يشاهده يتأثر غاية التأثر بهذا المشهد ويتفاعل مع هذا الرجل مصائب تلو مصائب تلو مصائب والرجل محزون ومهموم ، ثم في النهاية يأتون به وهو يقتل نفسه ، ثم يصوِّرونه بأنه بعد أن قتل نفسه ارتاح من الهم وسلِم من الغم وانجلت عنه مصيبته ، فيشاهد الشاب مثل هذه المسرحية فينتقل منها إلى مسرحية أخرى إلى ثالثة تأتيه مصيبة مصيبتين ثلاث ما في ذكره إلا الحل الذي شاهده في التمثيلية أو المسرحية ، ما كان عنده وقت يسمع المواعظ في المساجد ، التذكير من المشايخ ، البيان من الدعاة ، الذين يوجِّهونه هم أولئك يجلس إليهم ويستمع منهم ، ففكره ليس فيه إلا هذه التوجيهات وفكره ليس فيه إلا هذا الحل ، ما عنده حل آخر فكره ما يحمل حلاً آخر ، وبعضهم حرم نفسه ما يشهد جمعة ولا جماعة ولا يسمع موعظة ويجلس إلى هذه القنوات الساعات الطوال ما يوجد به إلا هذا الحل ، ولهذا أدنى مصيبة تجده يقول في نفسه أقتل نفسي وأرتاح أنهي نفسي وأرتاح مثل ما فعل فلان ويسميه باسمه أحد الكفار ومثل ما فعل فلان ، ما في عنده قصة خباب التي ذكرت ، ولا في عنده الأحاديث التي أشرت إليها ، ولا في عنده التعاليم الإسلامية ، ما عنده شيء من ذلك ، ما عنده إلا هذا الذي يشاهده وهذا غزو مسموم لأفكار الشباب في المجتمعات الإسلامية ، واستطاع الكفار أن يدمروا أفكار كثير من الشباب من خلال هذه القنوات وأن يغرسوا في نفوسهم أفكاراً هدامة وقيماً بطالة وحلولا زائفة وأصبح في كثير من الشباب انهزامية واضحة وانحلال وفساد وانحراف وبُعد عن دين الله تبارك وتعالى فهذا من أسباب الانتحار .
 من أسباب الانتحار : صحبة من لا خير فيه أو الحمقى من الناس ، ومن لا خير فيه ومن لا دين عنده يزع أو خُلق يردع فقد يشير على صاحبه بشيء من ذلك ، يجد صاحبه مهموم أو محزون أو مصائب كثيرة متوالية عليه فيقول له صاحبه الأحمق الأرعن : لماذا تبقى هكذا ريِّح نفسك اشرب لك كأس سم أو خذ لك سكين أو كذا وهذا حصل ، يعني يستشير إنسان أحمق في مصيبته فيدله على وهذا حصل ، أو امرأة حمقاء تقول لصاحبتها مادامتِ في هذا البلاء وبيتك بهذه الصفة خذي الحبوب الفلانية اشربي الشيء الفلانية اشربي الشيء الفلاني ترتاحين ، فهذا من أسباب الانتحار وأسبابه كثيرة ومتعددة لكن هذا الذي أشرت إليه من أهمها .
ثم هذا المنتحر والذي أقدم على هذا الشر وهذا البلاء ينبغي أن يفكر في أمور كثيرة ومتعددة من أهمها : ما العاقبة وما النتيجة ؟ وهل سيحصِّل الخلاص أم أن البلاء يزداد والمصيبة تتفاقم عندما يقتل نفسه ؟ وهنا ينبغي أن يقف كل مسلم على أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام التي فيها التحذير من قتل الإنسان لنفسه والعقوبة التي أعدَّها الله تبارك وتعالى لمن قتل نفسه سواء بالسم أو بحديدة أو ألقى نفسه من شاهق أو غير ذلك ، هذا الذي قتل نفسه عرَّض نفسه لهذه العقوبة وهو يظن أنه تخلص بقتله لنفسه من مصابه بينما هو في حقيقة أمره وواقع حاله انتقل إلى مصاب أعظم وبلية أكبر . وهنا أعرض عليكم أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما في حكم قتل النفس لنتأملها :
 فمن هذه الأحاديث ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي تالله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ – يقطع بها بطنه - فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )) فهذا وعيد وشأنه شأن نصوص الوعيد الأخرى في حكم من قتل نفسه ووعيده عند الله عز وجل ، ولنلاحظ في ذلك كله أن الجزاء من جنس العمل {جَزَاءً وِفَاقًا } [النبأ:26] .
 وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)) .
 وفي الصحيحين عن جندب ابن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )) ، وفي رواية ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )) .
 وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّارِ فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ : أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)) هذا قاتل قتالاً شديداً ومع ذلك قتل نفسه .
 وفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ – يعني أبلى بلاء شديدا وأثخن في الكفار - فَقِيلَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ – يعني في قتال الكفار - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ )) وفي رواية قال : ((أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ )) يعني رأوا بلاءه الشديد (( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ أبداً - يعني أنا أكفيكم إياه وآتيكم بخبره - قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ ، قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ )) .
 وروى الإمام أبو داود في سننه عن جابر رضي الله عنه قال : ((مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ ، قَالَ وَمَا يُدْرِيكَ قَالَ أَنَا رَأَيْتُهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ ، قَالَ فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ ، فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبِرْهُ ، ثم ذكر الحديث وأنه انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَرَآهُ قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ فجاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ ؟ قَالَ رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ مَعَهُ ، قَالَ أَنْتَ رَأَيْتَهُ ؟ قَالَ نَعَمْ ، قَالَ إِذًا لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ)) .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وفيها وعيد شديد وتهديد عظيم لمن يقتل نفسه ، ولهذا من يقدِم على هذا الأمر على أنه الحل عليه أن يعلم أن هذا ليس حلاً وإنما هو بلاء إلى بلاء وشر إلى شر ، والحل دائما وأبداً هو العودة إلى الله عز وجل واللجوء إليه والتوبة من الذنوب والإيمان الصادق به والمحافظة على طاعته تبارك وتعالى وأن يكون الإنسان دائما وأبدا ممتثلاً لأوامر الله منقادا لشرع الله عاملاً بطاعة الله ليحيا في الدنيا حياة طيبة وليسعد يوم القيامة بثوابه العظيم وموعوده الكريم لأهل الإيمان ، والله تعالى يقول { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:97] فأهل الإيمان لهم الحياة الطيبة في الدنيا والقبر ويوم القيامة ، وأهل الإعراض عن الإيمان ومجانبة طاعة الله سبحانه وتعالى لهم النكد في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة ، قال الله تعالى { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [الانفطار:13-14] قال ابن القيم رحمه الله : « الأبرار في نعيم في دورهم الثلاثة ، والفجار في جحيم في دورهم الثلاثة» يعني في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة .
أختم أيها الإخوة هذه الكلمة بالتذكير بدعاء عظيم كان يدعو به رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو ثابت عنه وفيه فائدة كبيرة جداً تتعلق بموضوعنا ؛ كان عليه الصلاة والسلام يقول في جملة دعاء طويل رواه عنه عمار بن ياسر رضي الله عنه ، كان يقول في دعائه (( اللهم أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ )) فهنا تأمل سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ومن يدعو بهذا الدعاء الرب تبارك وتعالى لذة النظر إلى وجهه (( أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ )) ، والمؤمنون يكرمهم الله عز وجل يوم القيامة برؤيته تبارك وتعالى وهذا أكمل نعيم يناله أهل الجنة يرون الله سبحانه وتعالى بأبصارهم - نسأل الله عز وجل أن يكرمنا وإياكم بذلك وأن يمن علينا وعليكم به - يقول ((أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ )) قال العلماء في شرح هذا الحديث ومنهم ابن رجب رحمه الله : الذي يتمنى الموت من الناس قسمين : إما أهل دين أو أهل دنيا ؛ فصاحب الدنيا يتمنى الموت إذا نزل به ضر إذا أصابته مصيبة فإذا أصابته مصيبة ذهب ماله هلكت له أشياء يزداد ألمه وتزداد حسرته .
هذا الدعاء وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ )) الذين يتمنون الموت كما نبَّه العلماء إما أن يكون صاحب دنيا فعندما تصيبه ضراء مضرة يعني مصيبة كبيرة فادحة تؤرقه وتتعبه يتمنى الموت للخلاص منها وللفكاك منها فيتمنى الموت فهنا سأل الله عز وجل لذة النظر إلى وجهه والشوق إلى لقاءه بدون هذا الأمر (( فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ )) . ثم الأمر الثاني وهو صاحب الدين والمحافظ على طاعة الله عندما تكثر الفتن والأمور التي تصرف عن طاعة الله ويكثر في الناس الشر والبلاء ربما بعض أهل الدين يتمنى أحدهم الموت حتى يسلم من هذه الفتنة ويرتاح منها فقال ((وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ )) يعني أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ وهذا لا يكون إلا بالموت ((لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا )) فهو يسأل الله لذة النظر إلى وجهه والشوق إلى لقائه حباً فيه تبارك وتعالى وشوقاً إليه سبحانه لا لأجل ضراء مضرة نزلت ولا فتنة مضلة وقعت ، وإنما يسأل ذلك شوقا إلى الله وطمعها في رؤيته تبارك وتعالى . ((أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ )) هذا بقية الدعاء .
وأسأل الله عز وجل لي ولكم ذلك وأن يوفقني وإياكم لكل خير وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل وأن يأخذ بنواصينا لكل خير يحبه ويرضاه في الدنيا والآخرة ، ونسأل الله عز وجل لعموم المسلمين أن يجنِّبهم الفتن وأن يجنِّبهم كيد الأعداء وأن يرد ضالَّهم إلى الحق رداً جميلا وأن يهديهم جميعاً سواء السبيل وأن يصلح شباب المسلمين وأن يصلح بناتهم ونساءهم ودراريهم وأن يوفق الجميع لكل خير يحبه ويرضاه .
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

جزاك الله خير الجزاء اخي الكريم
وبارك الله فيك على هذا الطرح القيم و المفيد
جعله الله فى ميزان حسناتك























جزاك الله خيرا على طرحك القيّم
جعله الله في موازين حسناتك
انار الله قلبك بالايمان وجعلك من الصالحين