منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


دلالات القلب واللسان في صحة البيان




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع









دلالات القلب واللسان في صحة البيان



الحمد لله الذي أنطق كل شيء فجعله يسبح بحمده تسبيحًا لا يعلمه إلا هو سبحانه، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير من سبح بحمد الله.


يعلم المولى - سبحانه وتعالى - كل شيء، يعلم السر والعلن والكتمان؛ ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: 7]، والقول إما أن يكون علنًا أو سرًّا يُحدِّث الإنسان به نفسه، والقول الذي يتكلم به الإنسان لا بد أن يأتي بعد السماع؛ لأن الذي لا يسمع لا يتكلم، وعليه فإن السمع أولاً، وآيات القرآن دائمًا تذكر السمع أولاً، ومثالاً على ذلك يقول المولى - عز وجل -: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ [النحل: 78]، والسمع هو أول درجات العلم؛ فمن سمع علِمَ، وإذا علم الإنسان شيئًا لا بد من وجود ذاكرة لتخزين علم الأشياء فيها؛ ليستدعي هذا العلم عند اللزوم؛ وعليه فإن الإنسان إذا أراد أن يتكلم عن شيء، فسوف يستدعي المعلومات الخاصة بهذا الشيء، فإن وجدها وتكلم بها كما هي، فقد قال الحقيقة، وإن تكلم بغير ما وجد، فقد قال غير الحقيقة، وإن لم يجد معلومات في ذاكرته عن هذا الشيء وتكلم عنه وقال: لا أعلم، فقد قال الحقيقة، وإن نسج عنه من خياله، فقد قال غير الحقيقة؛ فهذه أربع حالات للكلمة؛ ففي الحالة الأولى هو الصدق، والحالة الثانية هو الكذب، والحالة الثالثة هو الصدق مع العجز، والحالة الرابعة هو الإفك، وهو أسوأ من الكذب في الحالة الثانية، فإذا اشتد هذا الإفك وتناقل وتزايد عليه، كان بهتانًا، وإذا كان هذا البهتان فيما يغضب الله غيرةً على أوليائه، كان بهتانًا عظيمًا، وقد ذُكرَت كلمة (بهتان) خمس مرات في القرآن، منها مرتان وُصِفَ فيهما البهتان بأنه عظيم، مرة في حق مريم: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 156]، ومرة في حق عائشة - رضي الله عنها -: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16]، واللسان هو الأداة التي تُظهر هذه الحالات، وكذلك الأفواه، ومعلوم أن الألسنةَ داخل الأفواه، ولكن الله - سبحانه وتعالى - فرَّق بين قول اللسان وقول الأفواه؛ فقال - سبحانه -: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [الفتح: 11]، وقال: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15]، كما أن الألسنةَ تقول ما ليس في القلب، فكذلك الأفواه تقول ما ليس في القلب؛ انظر إلى قوله - سبحانه -: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ [آل عمران: 167].

وفي آيات كثيرة في القرآن جاء القول بالأفواه في مقام الذم: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [الصف: 8]، وقال: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30]، وغيرها كثيرٌ من الآيات التي تدل على خوض الأفواه في الأعراض وانزلاقها دون أن تدري أنها تنزلق إلى الهاوية.

ومن الإنصاف أن نذكر للأفواه بعض المحاسن، كما أن للألسنة محاسنَ؛ فأنت عندما تسمع إنسانًا يتكلم كلامًا مرتبًا منسجمًا مع بعضه، له وحدة في الموضوع - تُعجَب به وتقول: إنه خطيب مُفَوه؛ استحسانًا منك لِما يقول، أو عندما تسمع إنسانًا يؤكد على كلامه، وأنه متيقن منه، تقول: إنه يقول بملء فيه، وهكذا، فليس كل ما يقال بالأفواه سيئًا، وليس كل ما يقال حسنًا، ولكن الفصل في أنه كلام سيئ أو حسن عند المتكلم ذاته؛ فهو إما أن يزين كلامَه بالصدق أو يشينه بالكذب.

وبعد هذا التفصيل في نوع الكلمة التي تُنطق، وإلى أيِّ حالة من الحالات تنتمي، ننظر في علاقتها بالقلب؛ فالحبل موصول بين مَخرَج الكلمة وبين القلب؛ فالمؤمن الصادق يخرج على لسانه ما في قلبه، فإن أراد أن يزيد كلامه يقينًا يزيد على لسانه جوارحَ أخرى، منها: فوه، ومنها: سمته على وجهه، وتنطق هذه الجوارح بالصدق حتى لو لم يتكلم، كهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 273]، فيشعر هو بالانسجام بين جميع جوارحه؛ لأن الخلايا التي يضخ فيها القلب الأشياء الأخرى المعنوية بالإضافة إلى الدم، تكون متجاذبةً متعانقة، ليس بينها أي تنافر.

وأما الكاذب، فهو يُخرِج على لسانه خلاف ما في قلبه، فإن أراد أن يُتقن هذا الكذب يزيد على لسانه جوارحَ أُخرى، منها: فوه، ومنها أيضًا: سمته على وجهه، وتنطق هذه الجوارح بالكذب والإفك والبهتان، فإن نطق بالكذب تنطبق عليه الآية: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [الفتح: 11]، وإن نطق بالإفك تنطبق عليه هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 17]، وإن نطق بالبهتان تنطبق عليه آياتُ البهتان في القرآن كله، وهذا الكاذب سوف يشعر بعدم الانسجام بين جميع جوارحه؛ لأن خلاياه يضخ فيها قلبه أشياءَ أخرى معنوية بالإضافة إلى الدم متنافرةً متباعدة ليس بينها أي تجاذب؛ ولذلك تظهر على وجهه علاماتُ هذا الكذب؛ كما يقول الشاعر:

كاد المريبُ بأن يقولَ خُذُوني



وقد يحلف بالله إنه صادق، وهؤلاء قال الله فيهم: ﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 42]، وقال - تعالى -: ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 96].

وأشد منه من يفعل الفعل يبدو أنه حسنٌ في ظاهره، وهو بخلاف ذلك في الباطن، ويحلف بالله إنه ما أراد إلا الحسنى، ومثل هؤلاء قال الله فيهم: ﴿ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة: 107]، وقال أيضًا فيهم: ﴿كَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾ [النساء: 62].

وكل هذه الأشكال والأنواع من الكذب إنما أراد اللهُ أن يبينها للصادقين من عباده؛ ليعلموا كيف يواجهونها، وليس مواجهة هذه الأنواع مجالَ هذا المقال؛ إنما أردنا أن نسلط الضوء على الهواجس والخواطر والأحاسيس التي تحدث داخل النفس، وعلاقتها بالقلب، ومدى تأثير القلب على الجوارح بسبب الكذب.

والكافر الذي ينطق بكلمة الكفر صراحةً حالُه أفضل من حال الكاذب المنافق الذي يكذب في العقيدة؛ لأن الكافر قال بلسانه ما في قلبه؛ فهو في حالة انسجام، ولو لم يكن هذا الانسجام متوافقًا مع التوحيد، فهو منسجم مظلم، والصادق المؤمن منسجم مُضيء.

والكذب بهذا التفصيل مراحل يُوصل بعضها إلى البعض، وأعلى مرحلة - والعياذ بالله - هو مرحلة الكذب في العقيدة، وهو النفاق الأعلى المُخرِج من المِلَّة، والمؤمن الصادق والكافر الصريح والمنافق ثلاثة أنواع ذكرها الله في أول سورة البقرة في أول القرآن؛ وذلك لأن هذا هو الأساس الذي سيُبنى عليه سور القرآن، وكل أحداث القرآن ستخرج من هؤلاء الثلاثة أو من متفرعٍ منهم.

وعليه؛ فإن القلب وسلامة اللسان وعمق الأفواه - تُظهر صحة البيان الصادر، سواء كان بيانًا إيمانيًّا، أو بيانًا كُفريًّا.

وأما مرض القلب واعوجاج اللسان وسطحية الأفواه، فتُظهِر سُقم وسُوء البيان الصادر عنهم، سواء كان بيانًا مجردًا، أو مؤيدًا بالأيمانات المغلظة.



جزاك الله خيرا على طرحك القيّم
جعله الله في موازين حسناتك
انار الله قلبك بالايمان وجعلك من الصالحين

بارك الله فيك
الساعة الآن 09:26 AM.