منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


خلق الإيثار والمشاهد الواقعية




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع








خلق الإيثار والمشاهد الواقعية



الحمد لله رب العالمين، عالِم الغيب والشهادة، الخبير العليم بأسرار عباده، البصيرِ بأحوالهم، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحْبه أجمعين.


أيها القارئ الكريم، أنت تعلم أن الله - سبحانه وتعالى - ما أنزل الكتب السماوية إلا ليُبيِّن للناس الطريقَ المستقيم، وما أَرسَل الرسل إلا ليأخذوا بأيدي الناس إلى هذا الطريق المستقيم، وما قصَّ عليهم قَصص الأمم السابقة إلا ليحذروا العذابَ الذي أصابهم، وسيصيبهم في الآخرة إلا من رَحِم الله.

ولهذا؛ يجب علينا - نحن أصحابَ الرسالة الخاتَمة - أن نأخذ العِبرة من الأمم السابقة، وأن نأخذ الأُسوة من رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - كيف كان يتعامَل في المواقف التي قدَّرها الله عليه، ولقد بيَّن الرسولُ كلَّ ما يُعين الناسَ ويُساعدهم على الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة، ولم يتركْ صغيرة ولا كبيرة إلا وبيَّنها، حتى قال: ((تركتُكم على المحَجَّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغُ عنها إلا هالك)).

ومن هذه الأخلاق الكريمة التي بيَّنها لنا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - خُلُقُ الإيثار، فقد بيَّنه بيانًا عمليًّا في نفسه أولاً، ثم في أهله، ثم في أصحابه، ثم في المجتمع كلِّه.

وخُلُق الإيثار خُلُقٌ عظيم، ليس فقط لأنه من الإيمان، والشرع يَحُث عليه، ويكون جزاؤه الجنة، بل أيضًا لأنه حلٌّ عبقري وسريع للمشكلات الاقتصادية والسياسية المعقَّدة.

وكثير من الناس يعتقدون أن الرسول كان فقيرًا، وهذا ليس صحيحًا بالمرة؛ بل كان - صلى الله عليه وسلم - من أغنى أغنياء مكة بعد ما تزوَّج بالسيـدة خديجة - رضي الله عنها - وكانت ذات مالٍ كثير وتِجارة رابحة، وكان أثرياءُ مكة يرغبون في الزواج منها؛ لحَسبها ونَسبها ومالها وجمالها، ولكنها أحبَّت رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

ومن لوازِم الكرم والتوسعة على الناس خُلُق الإيثار، فلن تجد أبدًا مَن يُؤثر على نفسه، وهو ليس كريمًا، فخُلُق الكرم يأتي أولاً، ثم الإيثار، فهو - صلى الله عليه وسلم - فرَض الله له خُمس الغنائم في قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنفال: 41].

وأيضًا جعل له نصيبًا في الفيء في قوله: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الحشر: 6]، ومع كل هذا الخير تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها -: "كان يمرُّ علينا الهلال ثم الهلال ولا يُوقدُ في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار"؛ وذلك يعنى أنهم لا يطهون شيئًا خلال شهرين مع كل هذا الخير المفروض له؛ وذلك لأنه كان يُؤثِر غيره على نفسه، فما سأله أحدٌ شيئًا إلا أعطاه إذا كان معه، وإن لم يكن معه استدان لأجله، وهو - صلى الله عليه وسلم - الذي قال: ((مَن ترَك مالاً، فهو لورثتِه، ومَن ترك دَينًا، فأنا أَولى به)).

ومن أعجب ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: "كنت جائعًا جوعًا شديدًا، فخرجت إلى الطريق فمر بي عمر بن الخطاب، فسألته عن آية في سورة البقرة وأنا أعلَمُها؛ أنِّي جائع، فأجابني، ولم يفطُن لطلبي، ثم مر بي أبو بكر، فسألته عن الآية نفسها، ففعل مثلَ عمر، ثم رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعيد فبادَرَني، وقال: ((يا أبا هِر، اتبعني))، فتَبِعته، فمررنا ببيوت النبيِّ كلِّها، فلم يجد فيها شيئًا إلا في أحد بيوته وجد بعض اللبن هدية من الجيران، فقال لي: ((يا أبا هريرة، اذهب إلى أهل الصُّفَّة فأتني بهم))، وكانوا أكثر من سبعين رجلاً، ففعلتُ، فقال: ((اسقِهم))، فشربوا جميعًا، ولم يبقَ إلا أنا وهو - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اشرب))، فقلت: كيف قَبلك يا رسول الله؟ قال: ((اشرب))، فشرِبتُ، فقال: ((اشرب))، فشربتُ، فقال في الثالثة: ((اشرب))، فشربتُ حتى امتلأتُ، فقال: ((اشرب))، فقلت: والله لا أجد له مسلكًا يا رسول الله، فضِحك ثم شرب.

انظر كيف كان جائعًا - صلى الله عليه وسلم - ولكنه لم يشرب إلا بعد فقراء المدينة، آثرهم على نفسه - صلى الله عليه وسلم.

وكان يُؤثِر على أهله؛ فهذه ابنته الوحيدة المُتبقية من جميع أولاده، فكلهم ماتوا ودفَنهم بيده الشريفة، وفاطمة هي الوحيدة، تذهب إليه؛ عندما كثُرت عليها أعمالُ المنزل، وتقف في المسجد فيراها - صلى الله عليه وسلم - ويشتدّ حياؤها، فلا تستطيع أن تنطِق بشيء، وهى تريد خادمةً تساعدها في أعمال البيت، فترجع إلى سيدنا علي، وتُخبِره أنها لا تستطيع أن تطلب شيئًا، ثم في اليوم التالي يذهب إليها الرسول الكريم الأب الحنون؛ لأنه رأى في عينها - عندما رآها في المسجد - شيئًا، ويسألها: ((ماذا كنت تريدين يا فاطمة؟))، فيأخذها الحياء مأخذًا لا تستطيع معه أن تتكلَّم، فينطق سيدنا علي ويقول: كانت تريد خادمة تساعدها، فيُؤثِر عليها - صلى الله عليه وسلم - ويقول: ((يا فاطمة، اتقِ الله، وكوني في خدمة أهلك))، ويدلها على ما هو أفضل من الخادمةِ، ويقول لها: ((إذا أخذتما مضاجعكما، أن تكبّرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبّحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم))، انظر كيف يؤثِر على أهله، وهي فاطمة التي قال عنها: ((هي قطعة مني، مَن أغضبها فقد أغضبني))؟!

وتعلَّم أصحابُه هذا الخُلُق منه - صلى الله عليه وسلم - فهذا أبو بكر يتصدَّق بماله كلِّه، ويقول: تركتُ لأولادي الله ورسوله، وهذا عمر بن الخطاب يتخلَّى عن حبه لنفسه في لحظة، ويُؤثِر حبَّ رسول الله على حبه لنفسه، وهذا أبو طلحة يتصدَّق بأحب حديقة عنده.

وهذا عثمان وعلي وسعد بن الربيع مع عبدالرحمن بن عوف، وهذا الصحابي الذي نزل عليه ضيف فأطعَمه طعامَ أولاده الصغار، ونزلت بسببه الآية وهى عامة فيه وفي غيره: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

وبذلك انتشَر الإيثار في المجتمع بالكامل، وأصبح خُلُقًا سائدًا بين الناس، فلم ترَ نزاعًا أبدًا بين هؤلاء الأكابر، فمن أين يأتي النزاع، وكل واحد يؤثر الآخر على نفسه؟ وإذا حدث وتنازَعوا فسرعان ما يتذكرون ويندمون على نزاعهم، ويتركون الشيء المتنازَع عليه فورًا.

انظر إلى ما حدث بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يُدفن بعد في سقيفة بني ساعدة حدث نزاع، ولكن سرعان ما اتَّفقوا، وأقروا بفضل أبي بكر عليهم جميعًا، وبايعوه فورًا، وانفضَّ النزاع، وهذا هو الإيثار، وهذا هو الحق، وإلصاق الفضل بأهله، وهذا ما نُسميه نحن اليوم: المشهد السياسي، فإن النزاع في سقيفة بني ساعدة كان نزاعًا على السلطة على أعلى مركز في الدولة، وبالإيثار ومعرفة أهل الفضل انتهى النزاع فورًا، وماتت الفتنة في مهدها بالإيثار.

وهذا الحدث وغيره من الأحداث ساقها الله إلى مَن جاؤوا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يوم القيامة؛ لكي يتعلَّموا منها، لا ليَحكوها ويسرُدوها سردًا للتسلية أو للتباهي؛ وإنما للعِبرة والعظة والعِلم، والمشهد الواقعي في عالَمنا المعاصر - للأسف الشديد - لا يعرف هذا الخُلُق، وكأنه لم يسمع عنه من قبل، فأين أنت أيها المشهد السياسي الواقعي من هذا الخُلُق؟ وأين مَن يدَّعون المعرفة بأخلاق الرسول الكريم من هذا الخُلُق الرفيـع؟ وسبحـان الله حين يقـول: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [الروم: 9]، وحين يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111].

أما عن المشهد الاقتصادي الواقعي، فلن يكون أبدًا أشد تعقيدًا وسوءًا مما كان عليه أهل المدينة في بداية الدولة الإسلامية، فخُلُق الإيثار جُعِل أصلاً لحل المشكلة الاقتصادية، وهو حلٌّ سريع لا ينتظر أصحاب الأموال الخارجية حتى يتفضَّلوا بالمنِّ على أصحاب المشكلة، ولا أصحاب النفوذ حتى يتحكَّموا في سياسة الدولة صاحبة المشكلة؛ وإنما هو حل يأتي من أصحابِ المشكلة أنفسهم، فهم أعلم بمواطن الضعف والقوة عندهم، وهم أعلم بما يسد حاجاتهم، فالذي يستطيع أن يستغني يستغني، والذي يستطيع أن يعف نفسه يعف نفسه، والذي يستطيع أن ينتظر ينتظر، والذي يستطيع أن يُعطي بسخاء يعطي، والذي يستطيع ألا يأخذ لا يأخذ، وهكذا.

هذا الخُلُق - للأسف - غائب عن ثقافة الشعوب الإسلامية التي هي أحق الناس به؛ لأنه جاءها في كتابها العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجاءها في سُنة رسولها الكريم، الذي جسَّد هذا الخُلُق تجسيدًا عمليًّا على مدى حياته - صلى الله عليه وسلم - انظر إلى قوله - سبحانه وتعالى - وهو يَحُث على الإيثار في أعظم صوره، ولو لم تُذكَر كلمة الإيثار نفسها في قوله: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]

انظر إلى عظمة الإسلام، كيف يَحُل المشكلة الاقتصادية بخُلُق واحد فقط من أخلاق الإسلام، وهو الإيثار.

أرجو من الله أن يجعل هذا المقال أذانًا في الناس الذين يوجدون في المشهدين السياسي والاقتصادي الآن في بعض الدول الإسلامية.


وأُذكِّر نفسي وأُذكِّرهم بالدعاء الذي علَّمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر، فقال له: ((قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)).





جزاك الله خيرا على طرحك القيّم
جعله الله في موازين حسناتك
انار الله قلبك بالايمان وجعلك من الصالحين

بارك الله فيك
الساعة الآن 02:13 AM.