منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


كيف عالج شيخ الإسلام ابن تيمية داء التصوف العضال؟




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع







كيف عالج شيخ الإسلام ابن تيمية داء التصوف العضال؟


الحمدُ للهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى رَسولِ اللهِ، وعَلى آلهِ وصَحبهِ ومَنْ وَالاهُ، أَمَّا بَعدُ:
فَإِنَّ شَيخَ الإِسلامِ ابنَ تَيميةَ -رَحمهُ اللهُ- يُعَدُّ مِنْ أَفذاذِ العُلماءِ مَعرفةً بِأُصولِ الاعتقادِ الصَّحيحِ وَتَأريخِ الطَّوائفِ وَالفِرقِ وَالتَّياراتِ وَمَا هُمْ عَلَيهِ مَنْ أُصولٍ وَمَناهجَ وَمُعتقداتٍ، وَقَدْ عَالجَ أَدْوَاءَها مِنْ خَلالِ النَّظرةِ الكُلِّيَّةِ الشُّموليةِ المنبثقةِ مِمَّا حَبَاهُ اللهُ بِهِ مِنْ فِقهٍ دَقيقٍ وَوَعْيٍ عَميقٍ وعَدْلٍ رَفيقٍ.

وَإِنَّ قِراءةً وَاعيةً دَقيقةٍ لَمَّا حَرَّرهُ الإِمامُ ابنُ تيَميةَ-رَحمهُ اللهُ- في كُتبهِ المليئةِ بِكنوزِ العِلْمِ وَنَفَائِسِ المعْرفةِ؛ لَتُوقِفُ البَاحِثَ عَنِ الحَقيقةِ فِيمَا اختلفَ فِيهِ النَّاسُ عَلَى مُعالجةٍ عَاليةٍ فَريدةٍ لِداءٍ مِنَ الأَدْواءِ الخَطيرةِ، بَرزَ في القُرونِ الماضيةِ في بُقعةٍ مُعَيَّنةٍ مِنْ هَذَا العَالمِ، ثُمَّ اسْتَشرى بَعْدَ ذَلكَ بِصورةٍ مُريبةٍ رَهيبةٍ في أَرجاءِ العَالمِ كُلِّهِ.

إِلا إِنَّهُ (دَاءُ التَّصوُّفِ) الَّذِي نَخَرَ في جَسدِ الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ، وَأَصَابَها في مَقْتلٍ: في أَعَزِّ مَا تَملكُ: في عَقيدتِها وَشَريعتِها وَأَخْلاقِها وَقِيمِها.

وَقَدْ بَدَا لي مِنَ الأَهميةِ بِمكانٍ أَنْ أُسَجِّلَ هَذهِ المعَالجةَ لِشيخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيميةَ-رحمه الله- مِمَّا زَبَّرْتُه في هَذَا البَحثِ الموسومِ بـ(كَيْفَ عَالَجَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيميةَ دَاءَ التَّصَوُّفِ العُضَالَ؟)، وَذلكَ مِنْ خَلالِ النِّقاطِ الآتيةِ:
1- أَثبتَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رحمه الله- أَنَّ لفظَ الصوفية تأريخياً لَمْ يَكنْ ظاهراً في القرونِ الثلاثةِ الأولى، وإِنَّما ظَهرَ وَشاعَ وانتشرَ بعدَ ذلكَ؛ كَما نُقِلَ هذا عَنِ الإمامِ أَحمدَ وأبي سليمان الدَّارانِيِّ-رحمهما الله-[1].

2- نَاقشَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رَحمهُ اللهُ- خَمسةَ أقوالٍ في مَفهومِ الصُّوفيةِ؛ أَثْبتَ وَاحداً مِنْها وهو إنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى لُبْسِ الصُّوفِ، وأَبْطلَ الأربعةَ الباقيةَ؛ استناداً عَلى الأُصولِ اللُّغويةِ والتَّأريخيةِ الواقعيةِ، وهي:
أَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى "أَهْلِ الصُّفَّةِ" ، أَوْ نِسْبَةٌ إلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ بَيْنَ يَدَيْ اللهِ، أَوْ نِسْبَةٌ إلَى صُوفَةَ بْنِ مر بْنِ أد بْنِ طانجة قَبِيلَةٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا يُجَاوِرُونَ بِمَكَّةَ مِنْ الزَّمَنِ الْقَدِيمِ، أَوْ نِسْبَةٌ إلَى الصَّفْوَةِ مِنْ خَلْقِ اللهِ[2].

3- قَرَّرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رَحمهُ اللهُ- أَنَّ أَصلَ ظُهورِ الصُّوفيةِ كَانَ مِنَ (البصرةِ) مِنْ جهةِ بَعْضِ أَصْحَابِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ، وَكَانَ فِيهم مُبالغةٌ وَتجاوزٌ للحدِّ الشَّرعيِّ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْخَوْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي سَائِرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ؛ إذْ كانوا يُصعقونَ عِنْدَ سَماعِ القُرآنِ؛ كَقِصَّةِ زرارة بْنِ أَوْفَى قَاضِي الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾ [المدثر: 8] فَخَرَّ مَيِّتًا وَكَقِصَّةِ أَبِي جَهِيرٍ الْأَعْمَى الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ صَالِحُ المري فَمَاتَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُوِيَ أَنَّهُمْ مَاتُوا بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَتِهِ.

فَهَذَا أَصْلُ التَّصَوُّفِ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَشَعَّبَ وَتَنَوَّعَ وَصَارَتْ الصُّوفِيَّةُ " ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ " صُوفِيَّةُ الْحَقَائِقِ وَصُوفِيَّةُ الْأَرْزَاقِ وَصُوفِيَّةُ الرَّسْمِ، وَقَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّنْدَقَةِ؛ وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ لَيْسُوا مِنْهُمْ: كَالْحَلَّاجِ وابنِ عربي وغَيرهم[3].

4- أَنكرَ سلفُ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ؛ كَأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين وَنَحْوِهِمْ هذهِ الطَّريقةَ الصُّوفيةَ المتَّسمةَ بالمبالغةِ، المجاوزةَ للحدودِ الشرعيةِ، ولهم في ذَلك مَأْخَذَانِ:
أولهما: مِنْهُمْ مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ تَكَلُّفًا وَتَصَنُّعًا. يُذْكَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين أَنَّهُ قَالَ: مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُصْعَقُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ إلَّا أَنْ يُقْرَأَ عَلَى أَحَدِهِمْ وَهُوَ عَلَى حَائِطٍ فَإِنْ خَرَّ فَهُوَ صَادِقٌ.

والثاني: لِأَنَّهُ رَآهُ بِدْعَةً مُخَالِفًا لِمَا عُرِفَ مِنْ هَدْيِ الصَّحَابَةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَسْمَاءَ وَابْنِهَا عَبْدِ اللهِ[4].

5- هَديُ الصَّحابةِ-رَضيَ اللهُ عنهم- حالَ سَماعِ القرآنِ مُخالفٌ لطريقةِ الصُّوفيةِ؛ مِنْ حيثُ أَنَّهُ يَتمثَّلُ في وَجَلِ الْقُلُوبِ وَدُمُوعِ الْعَيْنِ وَاقْشِعْرَارِ الْجُلُودِ؛ امتثالاً في ذلكَ كُلِّهِ لهدي القرآنِ العظيمِ؛ دُونَ تجاوزٍ للحدِّ الشَّرعيِّ مِنْ صَعقٍ أَوْ إغماءٍ أوْ نحوِ ذلكَ[5].

6- حَقيقةُ الصِّراطِ المستقيمِ تَكمنُ في فِعلِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَتركِ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وهُوَ يَشتملُ عَلَى عِلْمٍ وَعَمَلٍ: عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وَعَمَلٍ شَرْعِيٍّ فَمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ كَانَ فَاجِرًا وَمَنْ عَمِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ ضَالًّا[6].

7- لا يَصِحُّ انتسابَ الصُّوفيةِ بِأيِّ وَجهٍ مِنَ الوجوهِ إِلى أَهلِ الصُّفةِ؛ فَإِنَّهم كَانُوا مِنْ فقراءِ المسلمينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا مأوى لهم، وَكانَ أحدُهم يأوي للصُّفةِ الَّتي كَانتْ فِي مُؤَخَّرِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي شَمَالِيِّ الْمَسْجِدِ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ ولذلكَ نُسِبوا إليها[7].

8- سَمَاعُ الصُّوفيةِ البدعيُّ الممنوعُ مَاثلٌ في سَماعِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ: وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ لِسَمَاعِ الْقَصَائِدِ الرَّبَّانِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ بِكَفِّ أَوْ بِقَضِيبِ أَوْ بِدُفِّ أَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ شَبَّابَةٌ، وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ؛ بَلْ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ بَلْ الْقُرُونُ الْمُفَضَّلَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُ الْقُرُونِ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ يَجْتَمِعُ عَلَى هَذَا السَّمَاعِ لَا فِي الْحِجَازِ وَلَا فِي الشَّامِ وَلَا فِي الْيَمَنِ وَلَا الْعِرَاقِ وَلَا مِصْرَ وَلَا خُرَاسَانَ وَلَا الْمَغْرِبِ.

وَأَمَّا سَماعُ الصَّحابةِ-رَضيَ الله عنهم- السُّنِّيُّ المشروعُ؛ فقائمٌ عَلَى سماعِ القرآنِ الَّذِي كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ سَواءٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَكَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اجْتَمَعُوا أَمَرُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ وَالْبَاقِي يَسْتَمِعُونَ[8].

9- دَاءُ الغُلُوِّ مِنَ الأدواءِ الخطيرةِ الَّتي سَرَتْ في جَسدِ الصُّوفيةِ؛ مِمَّا كَانَ لَهُ أكبرُ الآثارِ المدمَّرةِ عَلَى الجانبِ العقديِّ؛ حيثُ جَعلَ المريدونَ لمشايخهم مقاماً كمقامِ اللهِ تعالى، بلْ أعلى من ذلكَ؛ مضاهاةً للنَّصارى الَّذين غَلوا في المسيحِ-عليهِ السَّلامُ- وأحبارهم ورهبانهم، وقد وقعَ بعضهم-عياذاً باللهِ- في (كفرِ الحلولِ والاتِّحادِ) باعتقادهم أَنَّ الرَّبَّ-تعالى-يَحُلُّ في مخلوقاتهِ ويتَّحِدَ بهم.

كَما وَقعَ آخرونَ في (شِركِ الألوهيةِ)؛ وذلكَ بِصرفِ الدُّعاءِ لِواحدٍ مِنْ مشايخهم؛ كَالشَّيْخُِ أَحْمَدَ، أَوْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ، أَوْ مناداتهم بقولِ: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ أَنَا فِي حَسْبِك، أَوْ فِي جِوَارِك أَسْتَغِيثُ وَبِك أَسْتَجِيرُ، أوِ الاستنصارِ بهم في المضايقِ والملِمَّاتِ؛ مِمَّا لا يجوزُ إلا في حقِّ اللهِ الواحدِ القَّهارِ.

وقد بَيَّنَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رَحمهُ اللهُ- الموقفَ الشَّرعيَّ منْ داءِ الغُلُوِّ المدمِّرِ الفتَّاكِ؛ فقدْ أَفاضَ-رَحمهُ اللهُ في إيرادِ الأَدِلَّةِ القطعيةِ مِنَ الكتابِ والسُّنةِ النَّاهيةِ عَنِ الغلُوِّ، الذَّامَّةِ لَهُ، الكاشفةِ عَنْ عواقبهِ الوخيمةِ وآثارهِ المهلكةِ في تأريخِ الأمم والشُّعوبِ[9].

10- الفرقُ بينَ وَليِّ الرحمنِ ووليِّ الشَّيطانِ عائدٌ إلى شَهادةِ الوحيِ؛ فَمَنْ شَهِدَ لَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ، وَمَنْ شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، وولِيُّ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللهِ وَوِلَايَتَهُ وَهُوَ لَمْ يَتْبَعْهُ فَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ؛ بَلْ مَنْ خَالَفَهُ كَانَ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ؛ فَعَلَى هَذَا فَمَنْ أَظْهَرَ الْوِلَايَةَ وَهُوَ لَا يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ وَلَا يَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ بَلْ قَدْ يَأْتِي بِمَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ أَنْ يَقُولَ هَذَا وَلِيٌّ للهِ، وإِنَّما على الحقيقةِ هُوَ وَلِيٌّ للشيطانِ[10].

11- ولِيُّ الرحمنِ يُجْري اللهُ على يديهِ ألواناً مِنَ الكراماتِ، وأعظمها على الإطلاق: (لزوم الاستقامةِ)، وسببُ هذا الإيمانُ والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 62-64].

وقد ذَكرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رَحمهُ اللهُ- أمثلةً وشواهدَ كثيرةً على الكراماتِ الَّتي حَصلتْ للصَّحابةِ -رَضي الله عنهم- ومَنْ جَاءَ بَعدهم مِنَ التَّابعينَ والصَّالحينَ مِنْ خيارِ هذه الأُمَّةِ.

وأَمَّا وليُّ الشَّيطانِ فَلهُ تَصرُّفاتٌ خارقةٌ مِنْ جنسِ السِّحرِ، وقَدْ يطيرُ على الهواءِ، ويمشي على الماءِ، وتُخاطِبهُ النَّبَاتَاتُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ، ويُخاطِبُهُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ وَتَقُولُ لَهُ: هَنِيئًا لَك يَا وَلِيَّ اللهِ، والشَّيطانُ الرَّجيمُ مِنْ وراءِ ذلكَ كُلِّهِ.

وَسَببُ هَذَا: أَفعالهُ المخالفةُ للشَّريعةِ مِنَ الشِّرْكِ؛ كدعاءِ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ أَوْ الْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ وَأَكْلِ الْمُحَرَّمَاتِ: كَالْحَيَّاتِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْخَنَافِسِ وَالدَّمِ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَمِثْلِ الْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ؛ لَا سِيَّمَا مَعَ النِّسْوَةِ الْأَجَانِبِ والمردانِ، وَصَدَقَ اللهُ العظيمُ إذْ يقولُ في شأنِ هذه الحقيقةِ:
﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ [الشعراء: 221، 222]، وَالْأَفَّاكُ الْكَذَّابُ، وَالْأَثِيمُ الْفَاجِرُ.

وقَدْ ضَرَبَ الإمامُ ابنُ تيميةَ-رحمهُ اللهُ- العديدَ مِنَ الأمثلةِ والشَّواهدِ على هذهِ الخوارقِ والأحوالِ الشَّيطانيةِ[11].

12- تَرتكزُ القاعدةُ في التَّمييزِ بينَ الحقِّ والباطلِ في المنقولاتِ والمعقولاتِ والأذواقِ والمواجيدِ والمكاشفاتِ على ميزانِ الحقِّ الَّذي أنزله اللهُ جلَّ وعلا وهو قَائمٌ في كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ الثَّابِتَةَ عَنْهُ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَما وَافقهُ فَهُوَ حَقٌّ وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ[12].

13- الأصلُ العظيمُ الجامعُ هو (الاعتصامُ بالكتابِ والسُّنَّةِ)؛ كَما دلَّتْ عليه الشَّواهدُ المستفيضةُ من الكتابِ والسَّنَّةِ الَّتي أَوردها شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رَحمهُ اللهُ-، وقَدْ تَرْجمَ لهذا الأصلِ غيرُ واحدٍ مِنْ أَئِمَّة الإسلامِ في كتبهم المشهورةِ؛ كالبخاريِّ والبغويِّ[13].

14- اشتباهُ الحقائقِ الدِّينيةِ والقدريةِ الكونيةِ على كثيرٍ منَ النَّاسِ، والفرقُ بينهما أَنَّ الحقائقَ الدِّينيةَ تَتَمثَّلُ في أَنَّ اللهَ لَهُ (الأَمْرُ)؛ فَإنِّهُ سبحانَهُ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَمَعْصِيَةِ رُسُلِهِ، وَيُثيبُ المتَّبعينَ لأَمرهِ، وَيُكْرِمُهُمْ وَيَجْعَلُهم مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ.

وَأَمَّا الحقائقُ القَدريةُ الكونِيَّةُ فَترجعُ إلى أنَّ اللهَ له (الخَلْقُ)؛ فَهُو سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ لَا خَالِقَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَكَلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ فَبِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِه وقَدْ يَقعُ فيه ما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَا يُحِبُّهُ وَلَا يُثِيبُ أَصْحَابَهُ وَلَا يَجْعَلُهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ، وقَدْ ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رَحمهُ اللهُ- الأَدِلَّةَ الكَثيرةَ على كلتا الحقيقتينِ[14].



يتبع


15-ثَمَّ خللٌ في جوانبَ شَتَّى في سَنَنِ أَهلِ التَّصوُّفِ، ومنْ ذلكَ:
الخللُ العقديُّ؛ وذلكَ بأنْ يعتقدَ أَحدُهم أَنَّ لَهُ طَرِيقاً إلَى اللهِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ وهَذَا كُفرٌ وإلحادٌ، أَو أَنْ يَعتقدَ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فِي عِلْمِ الظَّاهِرِ دُونَ عِلْمِ الْبَاطِنِ، أَوْ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ دُونَ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ؛ فَهَذا شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ يَعتقدَ أَنَّ (الْوِلَايَةَ) أَفْضَلُ مِنْ (النُّبُوَّةِ) وَيُلَبِّسَ عَلَى النَّاسِ فَيَقُولَ: وِلَايَتُهُ أَفْضَلُ مِنْ نُبُوَّتِهِ، وَيُنْشِدُ: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيّ.

والخللُ التَّعَبُدِيُّ؛ فَإِنَّ كَثيراً مَنْ زُهَّادِ الصُّوفيةِ يُشْبِهُ النَّصَارِى، وَيَسْلكُ في زُهْدِهِ وَعِبادَتِه مِنَ الشِّرْكِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ مَا يُشْبِهُ سُلوكَ النَّصَارَى، ويقعونَ في ألوانٍ مِنَ البدعِ المذمومةِ؛ كَما في الصَّمْتِ الدَّائِمِ، وَكَذَلِكَ الِامْتِنَاعِ عَنْ أَكْلِ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَشُرْبِ الْمَاءِ.

والخللُ السُّلوكِيُّ وهذا ماثلٌ في كَشْفِ الرُّءُوسِ وَتَفْتِيلِ الشَّعَرِ وسماعِ المكاءِ والتَّصدِيةِ ومُؤَاخَاةِ الرِّجَالِ النِّسَاءَ الْأَجَانِبَ وَخُلُوِّهِمْ بِهِنَّ وَنَظَرِهِمْ إلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ و لِبَاسِ الْخِرْقَةِ.

والخللُ المنهجيُّ الاستدلاليُّ وهذا واقعٌ في الخللِ في جانبِ الإسنادِ والرِّوايةِ؛ إذْ يَستدِلُّونَ بالأحاديثِ الموضوعةِ والمكذوبةِ، وواقعٌ كذلكَ في جانبِ الفهمِ والدِّرايةِ؛ حيثُ إنَّهم يفهمونَ الأدِلَّةَ على غيرِ فهمها الصحيحِ؛ منطلقينَ في هَذَا الشَّأنِ مِنَ التَّلبيسِ والهوى والتَّحريفِ.

وقد أوردَ الإمامُ ابنُ تيميةَ-رحمهُ اللهُ- الأمثلةَ والشَّواهدَ على كلا الخَللينِ؛ مُبَيِّناً وَجْهَ الخللِ؛ رَادًّا عليهِ بِالحججِ السَّاطعاتِ وَالبَيِّناتِ القاطعاتِ[15].

16- أَزالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رَحمه اللهُ- الإشكالَ عَنْ بعضِ الأحاديثِ الصَّحيحةِ الَّتي يَحتجُّ بها غُلاةُ الصُّوفيةِ في إثباتِ عقائِدهم الكُفرِيَّةِ الإلحادِيَّةِ؛ كَمَا في حَديثِ: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ...))، وحَديثِ: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ: رَبِّ كَيْفَ أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ...))، وعبارةِ: ((بِبركةِ فُلانٍ))[16].

17- حَقيقةُ التَّوحيدِ عِندَ الصُّوفيةِ تَتمحورُ حول (تَوحيدُ الرُّبوبيةِ)، وَهُوَ الغَايةُ عِنْدهم، وَأَمَّا حَقيقةُ التَّوحيدِ الشَّرعيةِ؛ فَهِيَ تَتَمَثَّلُ في شُهودِ العبدِ لربوبيةِ اللهِ العامَّةِ الشَّاملةِ للمؤمنِ والكافرِ، والبرِّ والفاجرِ، وفي شُهودِ أُلوهيتِهِ الَّتي اخَتصَّ بها عبادَه المؤمنينَ، الَّذين عَبدوه وأطاعَوا أَمرَه، واتَّبعوا رُسَلَهُ[17].

18- المعيارُ الصَّحيحُ عِنْدَ بَعضِ مَشايخِ التَّصَوُّفِ القريبينَ لِمنهجِ الكِتاب والسُّنةِ عنْ غيرهم من مشايخ التَّصَوُّفِ هُوَ (التَّقَيُّدُ بالكتابِ وَالسُّنَّةِ)؛ كَمَا نَقَلَ ذلكَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رَحمهُ اللهُ- عَنِ الْجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وأَبي سُليمانَ الدَّارانيِّ، وَأَبي عُثمانَ النَّيسابوريِّ[18].

19- سَببُ إلحادِ بعضِ المشايخَ المنتسبينَ للتَّصوُّفِ كابنِ عربي وابنِ سبعينَ هو اقتحامُ مَذاهبِ الفلاسفةِ المنتسبينَ للإِسلامِ؛ كَابنِ سِينا والرَّازِيِّ والهمدانيِّ، وَإِدْخَالُهَا في التَّصَوُّفِ[19].

20- انكشفُ لنا مَدَى تَأَثُّرِ التَّصَوُّف بالثقافاتِ والدِّياناتِ الأجنبيةِ الوافدةِ إليه؛ كما في (لُبْسِ الصُّوف والخرقةِ) الذي جَعَله الصُّوفيةُ شعاراً لهم في الزُّهدِ والتَّقَشُّفِ، وفي الِانْقِطَاعُ إلَى الْمَغَارَاتِ وَالْبَوَادِي والجبالِ؛ اعتزالاً للنَّاسِ مِنْ أجلِ العبادةِ، وهذا كُلُّهُ يَعودُ في أَصْلهِ إلى (الرهبنةِ النَّصرانيةِ).

وَكذلك يَلوحُ أثرُ الدِّيانةِ النَّصرانيةِ المحَرَّفةِ والفلسفةِ الإغريقيةِ اليونانيةِ على التَّصَوُّفِ منْ حيثُ الإلحادُ القائمُ في عقيدةِ (الحلولِ والاتِّحادِ) الكفريةِ الخبيثةِ[20]

_______________________________
[1] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/5-6).
[2] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/5-6).
[3] انظر :"مجموع الفتاوى": (11/6-8).
[4] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/6-8).
[5] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/8-9).
[6] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/26-28).
[7] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/38-41).
[8] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/57-58،و 295-298).
[9] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/67-68،و 74-77).
[10] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/157-165).
[11] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/204-206).
[12] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/582-583).
[13] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/620-623).
[14] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/251-253، و265-271).
[15] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/58-60، و87-88، 117، و167-168، و197-198،و200- 201 ، و225- 226، 293 و416-422، و433-434، و494-496، 505، و510-511، و539-541، و"درء التعارض": (3/329).
[16] انظر: "مجموع الفتاوى": (11/75-77، و113-115).
[17] انظر:" اقتضاء الصراط المستقيم ": (2/856-857)، و" الرسالة التدمرية ": (ص/120-121).
[18] انظر: " الرد على المنطقيين ": (ص/559-560)، و" الاستقامة ": (2/162).
[19] انظر: " الصفدية ": (ص/170-171).
[20] انظر: "النبوات ": (ص/633).



جزاك الله خيرا على طرحك القيّم
جعله الله في موازين حسناتك
انار الله قلبك بالايمان وجعلك من الصالحين