منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ
إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتُوب إليه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيِّئاتِ أعمالنا، من يهدهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له ، وأشهد أن لا إلـٰه إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
اللَّهمَّ لا علم لنا إلَّا ما علَّمتنا ، اللَّهم علِّمنا ما ينفعنا وزدنا علمًا ، واجعل ما نتعلَّمه حجةً لنا لا علينا يا ذا الجلال والإكرام ، وأَصْلح لنا شأننا كلَّه ، اللَّهم فقِّهنا في الدِّين ووفِّقنا لطاعتك يا ذا الجلال والإكرام ، وأعِذنا من الفتن كلِّها ما ظهر منها وما بطن.
أيُّها الإخوة الكرام : موضوعنا في هذه الليلة الطيبة في هذا المسجد المبارك موضوع عظيم للغاية يحتاج إليه كلُّ مسلم ومسلمة ألا وهو :
[ واجبنا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به ]
ما الذي يجب علينا نحو ما أُمِرنا به في كتاب ربِّنا وسنة نبيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟
وبين يدي هـٰذا الموضوع الجليل أذكِّر بأمر يحسُن التَّذكير به بين يدي هـٰذا الموضوع ألا وهو - أيُّها الإخوة - : أنّ الله عزَّ وجلّ لم يخلق هـٰذا الخلقَ باطلًا ولم يوجِدْه عبثًا ولعبًا تنزَّه وتقدَّس ربُّنا عن ذلك ؛ بل خلق تَبَارَكَ وَتَعَالَى الخلقَ بالحقِّ وللحقِّ ، قال اللهُ تعالى : {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [النحل:3] .
ونزّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نفسَه في آيٍ كثيرة من كتابه سبحانه عن أن يكون خلق هـٰذا الخلق باطلًا أو أوجده لعبًا ، قال الله عزَّ وجلَّ : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } [ص:27-28] ، فبيَّن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنّ هـٰذا ظنّ الكافرين وعقيدة أهل الكفر، يظنّون ويعتقدون أنّهم إنَّما خُلِقُوا للَّهو واللَّعب والعبَث، وأنّهم إنَّما خُلِقُوا للباطل ، وأنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّما خلق هـٰذه المخلوقات باطلًا ؛ أي لا لحكمة ولا لغاية، ولهـٰذا قال: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: هم الذين يظنّون بربِّ العالمين هـٰذا الظَّن الآثم ويعتقدون فيه هـٰذا الاعتقاد الباطل ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، ثم تهدَّدهم قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ ، وقال جلّ وعلا في آية أخرى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } [الأنبياء:16-17] .
وجَاء في القرآن ثناء الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى على عباده المتّقين وأوليائه المؤمنين وحزبه المقرَّبين أولي الألباب السَّليمة والعقول المستقيمة ، وأنّهم من جلائل أعمالهم التفكُّر في خلق السّمٰوات والأرض والإيمانُ الرّاسخ بأنَّها لم تُخلق باطلًا ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران:190-191] .
﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ﴾ ؛ أي لم توجِد هـٰذا الخلق وهـٰذه الكائنات وهؤلاء النَّاس وهـٰذه المخلوقات باطلًا، تعاليت وتنزّهت وتقدّست عن ذلك ، ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ ﴾ أي نُنزِّهك ونقدِّسك يا ربَّنا ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
وتأمَّل هنا هـٰذه الوَسيلة العظيمة التي يتوسَّل بها أولوا الألباب إلى الله بأن يَقيهم عذابَ النَّار ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ يتوسَّلون إلى الله في طلبهم الوقاية من عذاب النَّار بتنزيهه تَبَارَكَ وَتَعَالَى من أن يكون خَلَق هـٰذه المخلوقات باطلًا ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ وهـٰذه وسيلة عظيمة يتوسَّل بها أهل الإيمان إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بأن يَقيهم من عذاب النَّار ؛ وفي هـٰذا سرّ عظيم يحسن التنبُّه له ألا وهو: أنَّ هـٰذه العقيدة - عقيدة أهل الإيمان بأن الله لم يخلق هـٰذا الخلق باطلا - لها أثرها عليهم في أعمالهم ، في أخلاقهم ، في سلوكهم، في عباداتهم، وفي الوقت نفسه عقيدة أهل الكفر أن هـٰذه المخلوقات خُلقت باطلًا لها أثرها عليهم في أعمالهم وأخلاقهم وعباداتهم وسلوكهم؛ فالمؤمن الذي يؤمن بأنَّ هـٰذا الخلق لم يُخلق باطلًا ولم يوجد عبثًا ؛ إيمانه هـٰذا يجعله يَجدُّ ويجتهدُ وينشط فيما خُلق له وأوجد لتحقيقه ، ومن يعتقد أنَّ هـٰذه المخلوقات خُلقت باطلًا ويظن هـٰذا الظَّنَّ فإنَّ عقيدته وظنّه تُوقعه في أعظم الرَّدى وأشد الهلاك في دنياه وأخراه ؛ ولهـٰذا كان من أعظم الوسائل إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في طلب الوقاية من النَّار الإيمان الرَّاسخ بأنَّ الله لم يخلق هـٰذا الخلق باطلا بل خلقه بالحقِّ وللحقِّ ؛ مما يُثمر في المؤمن عملًا صالحًا ، طاعاتٍ زاكية ، وحُسن تقرُّبٍ إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
والكفَّار الذين ظنُّوا بالله هـٰذا الظَّن الآثم المشار إليه في قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص:27] تهدَّدهم الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بالنَّار يوم القيامة ودخول جهنَّم والخلود فيها أبد الآباد ؛ ولهـٰذا إذا دخلوا النَّار يوم القيامة وذاقوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب وضاقت بهم الحيَل يقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لهم وهم في النَّار : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:115-116] هـٰذا كلامٌ يقوله الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يوم القيامة لأهل النَّار وهم في النَّار .
وإذا تأمَّلت السِّياق الذي وردت فيه هـٰذه الآية من خواتيم سورة المؤمنون أدركت ذلك ؛ لأنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر حال النَّاس يوم القيامة حين يقومون لربِّ العالمين وحين يقدُمون على الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وأنّهم ينقسمون إلى فريقين : فريق في الجنة ، وفريق في السَّعير ، وبيَّن تَبَارَكَ وَتَعَالَى حال كلٍّ منهما في آيات عظيمات ؛ قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا ﴾ أي من النَّار ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) قَالَ﴾ أي الله ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)﴾ والخطاب للكفَّار أهل النَّار ، كم مدَّة بقائكم في الدُّنيا؟ ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) ﴾ اسأل الملائكة الذين كانوا يعدّون علينا الأيَّام والأعمال والأوقات ويكتبون ﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾ هـٰذا كلامٌ يقوله الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لأهل النَّار وهم في النار ؛ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي لا لحكمة ولا لغاية!! أهكذا ظنُّكم بربِّ العالمين؟! أنَّه يخلق الخلق ويوجِد هـٰذه الكائنات عبثًا لا لحكمة ولا لغاية؟! هـٰذا قولٌ للمفسرين في معنى هـٰذه الآية ، وقول آخر : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ أي للعبث، أي: أظننتم واعتقدتم أنَّكم إنَّما خُلقتكم لأجل أن تعبثوا وتلعبوا؟! لأجل هـٰذا خلقكم الله!! ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ ﴾ أي: تنزّه وتقدَّس عن ذلك ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (الحق) اسم من أسماء الله ، ولهـٰذا كان نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يقول إذا تهجَّد في قيامه الليل: «أنت الحقّ، ووعدك حقّ، وقَولُك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنّار حقّ، والسَّاعة حقّ، والنّبيُّون حق، ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقّ» قال: «أنت الحقُّ» ، قال الله جلَّ وعلا: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ [الحج:6] ، قال جلَّ وعلا: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد:14] قال: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي لا معبود بحق سواه ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) ﴾ [المؤمنون:101-118] ؛ نسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا أجمعين.

أيضا ممّا بيَّنه اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في القرآن في هـٰذا الأمر العظيم : قوله جلَّ وعلا: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:36] أي : أيظنّ ويعتقد أن يُترك سدى؟!
- قيل: أي لا يُؤمر ولا يُنهى. هـٰذا قول.
- وقيل: ﴿ سُدًى﴾ أي: لا يُبعث يوم القيامة.
قال ابن كثير رحمه الله : والآية تحتمل المعنيين ؛ ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أي لا يُؤمر ولا يُنهى!! ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أي لا يُبعث يوم القيامة !! هـٰذا لا يكون ؛ بل خلق الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الإنسان ليأمره وينهاه ، ثم إنَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يبعث النَّاس يوم القيامة ويقومون بين يدي ربِّ العالمين ليجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وهيهات أن يسوِّي ربُّ العالمين بين محسن ومسيء، بين برّ وفاجر، بين مطيع وعاصي ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ [ص:28] هـٰذا لا يكون، هـٰذا أمر يُنزه عنه ربّنا تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
أيُّها الإخوة الكرام : هـٰذه الآيات ونظائرها في كتاب رِّبنا عزَّ وجلَّ فيها إيقاظ للقلوب وتبصرة للنَّاس ، فيها تنبيه للغافل وتذكير للمؤمن ، فيها بيانٌ لحقيقة عظيمة ينبغي أن تكون حاضرةً في الذِّهن كي لا تمضي بالإنسان سنونه وأيامه وأوقاته في الضَّياع والباطل ، فالإنسان لم يُخلق للباطل ولم يوجد للعبث .
وإذا أدرك المسلم هـٰذا الأمر واستحضره وأيقن أنَّه مخلوق ليؤمر ويُنهى، خلقه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ليأمره وينهاه ؛ فما الذي يجب عليه نحو ما أمره الله به ، ونحو ما نهاه الله عنه؟ هـٰذا موضوع الحديث في هذا اللقاء .
الواجب على كلِّ مسلم ومسلمة نحو ما أمره الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به أمورٌ سبعة عظيمة ، فكلُّ ما أمرنا الله به وكلُّ ما نهانا الله عنه يجب علينا نحوه أمورٌ سبعة لابدّ منها ، نعتني بها حفظًا وفهمًا وتطبيقًا ، وقد بيَّن هـٰذه الأمور السّبعة بيانًا عظيماً ووضحَّها توضيحًا نافعًا الإمامُ المجدِّد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله وغفر له ، أمورٌ عظام يجب على كل مسلم أن يعرفها وأن يعيَها وأن يطبقها نحو كلِّ ما أمرنا الله تبارك وتعالى به :
 أمَّا الأمر الأول فيما يجب علينا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به : هو أن نتعلَّمه، وهـٰذا أوَّل واجبٍ وبه يُبدأ ، ولهـٰذا قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد:19] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، ومن لم يتعلَّم ما أمره الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به ولم يتعلَّم ما نهاه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عنه كيف يفعل المأمور وكيف يترك المنهي؟! كما يقال: «فاقد الشيء لا يعطيه»، وكما يقال: «كيف يتَّقي من لا يدري ما يتَّقي؟ » . ولهـٰذا أوَّل واجب علينا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به أن نتعلَّمه .
ولهـٰذا جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث العديدة عن رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحض على العلم والحثّ عليه والتَّرغيب فيه وبيان فضله وذكر فوائده وثماره وآثاره ؛ ومن ذلكم قول نبيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقا إلى الجنة» ، قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ «من يُرد الله به خيرا يفقهه في الدِّين»، وقد صحّ عن نبيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنه كان يقول كل يوم بعد صلاة الصبح: «اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيِّبًا وعملًا متقبَّلًا » يسأل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى كل يوم ، وقد قال الله له في القرآن: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114] وأوَّل آية نزلت عليه ﴿اقْرَأْ ﴾ [العلق:1] أمرٌ بالقراءة والتعلُّم وطلب العلم.
ولاحظ هنا في هـٰذا الدُّعاء بدأ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بالعلم النَّافع قبل الرِّزق الطّيب وقبل العمل الصّالح أو العمل المتقبَّل ؛ لأنَّ العلم النّافع هو الذي يمِيز به المسلم بين الرِّزق الطيِّب والخبيث ، وبين العمل الصّالح وغير الصَّالح ، ومن لم يكن عنده علم نافع كيف يَمِيز بين حقٍّ وباطل وطيِّب وخبيث! ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر:9] ، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ﴾ [الرعد:19] ، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك:22] .
فإذاً العلم أساسٌ عظيم ومطلبٌ جليل يجب على كلِّ مسلم ومسلمة أن يحرص عليه، ولهـٰذا نصح العلماء أن يكون للمسلم حظٌّ من العلم في أيّامه كلِّها ، يحرص أن لا تغيب عليه شمس يوم لا يحصِّل فيه علمًا ، العلم مطلوب منك يوميًّا ، ودليل ذلك واضح في دعاء نبيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل يومٍ بعد صلاة الصبح «اللهم إنِّي أسألك علما نافعا» ؛ ولهـٰذا ينبغي أن يكون في برنامج المسلم اليومي طلب العلم، وأن يكون له حظ من التعلُّم وطلب العلم في أيَّامه ، لا يفوِّت.

ومن نعمة الله علينا في هـٰذا الزّمان أن وسائل تحصيل العلم كثُرت ؛ في سيارتك تستطيع تسمع: الموعظة النَّافعة، المحاضرة المفيدة، الكلام المسدّد ، الفتاوى ، تسمع كلام الله ، تسمع بيان آياته وأحاديث رسوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ، تسمع الإذاعة المباركة -إذاعة القرآن الكريم- وهي جامعة للعلم وأفاد منها خلق كثير في العالم لا يحصيهم إلا الله جلّ وعلا . يحرص المسلم أن يكون له في أيامه نصيب من العلم ، وهـٰذا الجهاز الذي أكرمك الله به في سيارتك جهاز التَّسجيل والمذياع إيَّاك أن تَشغله في باطل، إياك أن تستعمل هـٰذه النعمة العظيمة في باطل وفي حرام ؛ بل تستفيد من هـٰذه الوسيلة المفيدة في تحصيل العلم ، ومن الناس من أنهى كتباً أو أنهى دراسة كتب وسماع كتب بشروحات أهل العلم في سيارته ، في مشاويره ، في أسفاره ؛ يحصّل علماً. في الزَّمن الأوَّل لم تكن هـٰذه الوسيلة مهيأة، هـٰذه نعمة من نعم الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى التي أنعم بها علينا.
الشَّاهد أنَّ أوَّل واجبٍ علينا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به العلم ، التعلم ، معرفة الأمر ، معرفة النهي ؛أمرنا الله بالتَّوحيد نتعلَّم التوحيد، وهو أعظم شيء أمرنا الله به. أمرنا بالصّلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين نتعلم الصّلاة بشروطها وأركانها وواجباتها ، ألم يقل نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ «صلوا كما رأيتموني أصلي» ؟! كيف يصلِّي المسلم كما صلَّى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون أن يطلب علمًا؟! وهكذا قُلْ في الصِّيام ، في الزَّكاة ، في عموم الطَّاعات ، يجتهد المسلم في تعلُّم ما أمره الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به ، ومن العلم ما هو فرْضُ عينٍ يجب على كلِّ مكلَّف .

 الأمر الثاني ممَّا يجب علينا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به : أن نحبَّه ، أن نعمُر قلوبنا بمحبته ، والمحبَّة وهي في القلب سائقٌ إلى كلِّ خير وداعيةٌ إلى كلِّ فضيلة ، قد قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «ألَا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب» ، ولهـٰذا ينبغي على المسلم أن يَعمر قلبه دائمًا وأبدًا بمحبَّة الله ومحبَّة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومحبَّة شرع الله ، ويحرِّك هـٰذه المحبة ويقوِّيها ويوسِّع مساحتها في قلبه ؛ يحبّ الصّلاة ، يحبّ الصِّيام ، يحبّ البرّ، الصّلة ، الإحسان ، يحب الصّدق ، يكره المحرّمات والآثام والفواحش . فإذا كان القلب محبًّا لله مبغضًا لله صلحت حال الإنسان «من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله: فقد استكمل الإيمان» ، «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ».
ولهـٰذا يحتاج المسلم دائمًا أن يقوِّي في قلبه محبَّة الله ومحبَّة رسوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ومحبَّة شرعه ، وأن يبذل الأسباب التي تمكِّن هـٰذه المحبَّة في قلبه، وأن يحاول أن يُبعد عن قلبه مرضه وزيغه وغفلته.
الآن -والعياذ بالله- بسبب زيغ القلب ومرضه تجد بعض النَّاس لا يُقبِل قلبه على أمور الخير ولا ينشرح لها، ولا يسعد بسماعها ويتضايق من ذِكرها ، وإذا دُعي إلى الباطل أقبل !! أقبلت نفسه واتّجه إليها قلبه وتطلّع إليها، وربما يقول: نفسي ما ترتاح لكذا من الخيرات ومن الطّاعات وقلبي منقبض ، هـٰذا مرض هـٰذا زيغ في القلب ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران:8]. هـٰذا زيغ ومرض في القلب ؛ لهـٰذا يحتاج العبد أن يجاهد نفسَه على عمارة قلبه بمحبَّة الله محبَّة دينه محبَّة شرعه محبَّة الأوامر ، وإذا وُجدت هـٰذه الحهبَّة صلحت حال الإنسان ، ومن عظيم الدُّعاء المأثور عن نبيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وهو ثابت عنه : «اللهم إنّي أسألك حبّك وحبّ من يحبك وحبّ العمل الذي يقربني إلى حبّك» وهـٰذه الدّعوة يدعو بها المسلم ويكرِّرها في حياته ، وأيضاً يبذل الأسباب التي تُقوِّي وتوسِّع مساحة المحبّة لله ولرسوله ولدينه في قلبه ، وإذا كان القلب محبًّا للخيرات أقبل عليها وسعى في فعلها والقيام بها .

 الأمر الثالث مما يجب علينا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به : هو أن نعزم على فعله .
عَلمْتَه وأحببتَه ؛ اعقد في قلبِك العزم ، واحضر في قلبك النّيّة المصمِّمة ، واجتهد في أن تكون عندك إرادة قويَّة نحو ما أمرك الله به ؛ علمته وأحببته فاعقد في قلبك عزماً على فعله ، ومن عظيم الدعاء الثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم : « اللَّهم إنِّي أسألك الثبات على الأمر، والعزيمة على الرّشد، وأسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك... » إلى آخر الدعاء ، قد قال النّبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لشدّاد بن أوس: « يا شداد بن أوس إذا رأيت النَّاس اكتنزوا الذّهب والفضّة فأكثر هؤلاء الكلمات: اللَّهم إنِّي أسألك الثبات على الأمر، والعزيمة على الرّشد، وأسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم؛ إنك أنت علام الغيوب» هـٰذا كنز من أثمن الكنوز وأنفَسِها ، والشاهد منه : «اللهم إني أسألك العزيمة على الرّشد » ، ابن القيم في مفتاح دار السعادة يقول: «وهاتان الكلمتان هُما جماع الفلاح وما أتى العبد إلا من تضييعهما أو تضييع أحدهما» .
وتأمّل قوله هنا : «أسألك العزيمة على الرُّشد» قد يعرف الإنسان الرشد ، وقد يحبه ؛ لـٰكن تكون عزيمته فاترة . على سبيل المثال : قد يعرف الصّلاة ومكانتها ويحبّ الصّلاة، يعرف أن الصّلاة يترتّب عليها من الخيرات العظيمة والآثار والثِّمار في الدُّنيا والآخرة الشَّيء الكثير ، ويعرف عقوبة تارك الصَّلاة ، وإذا سألته عن الصَّلاة ومكانتها في نفسه يقول : أحبُّها ، ولا أبغضها. ولـٰكن عزيمته ضعيفة فاترة. بعض الناس يعرف مكانة الصلاة ويعرف قيمة الصلاة وفي قلبه محبة للصلاة لا يبغضها لا يكرهها لـٰكن عزيمته فاترة قال : «اللهم إني أسألك العزيمة على الرّشد » ، كثيرٌ من النَّاس يوعظون ويذكَّرون ويسمعون من التَّذكير والوعظ؛ ولـٰكن عزيمتهم فاترة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:66] .
إذاً الإنسان بعد معرفته بالمأمور ومحبّته له يحتاج إلى عزيمة ، ولاحظ هنا أنّ العزيمة منَّة الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى على من شاء من عباده ، ولهـٰذا اطلبها من الله ، اطلب من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى العزيمة على الرّشد ، اسأله أن يعينك «أعِنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، إذا كانت عزيمتك فاترة همّتك متدنِّية فاطلب من الله واصدُق مع الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الطَّلب، وهو تَبَارَكَ وَتَعَالَى يجيب من دعاه ولا يخيِّب من ناداه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

 الأمر الرّابع : العمل ؛ علِمت وأحببت وعزمت ؛ اعمل وواظب على العمل ، وكل عملٍ تأتي به في وقته، وتواظب عليه في ساعته ، وإياك والتّسويف والتّأجيل ؛ بل تبادر إلى الأعمال وتسارع إليها ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران:133] فيبادر العبد ، «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم» ، يبادر الإنسان ويسارع وإذا جاء وقت العمل لا يؤجِّل ، سُئل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : أي العمل أحبّ إلى الله؟ قال: «الصَّلاة إلى وقتها» إذا جاء وقت الصلاة يترك كل شيء ويبادر إليها ، وهكذا كل طاعة يبادر ويسارع إليها ، ويعوِّد نفسه على المواظبة على الأعمال والعناية بالعبادات والطاعات ، قد مر معنا في دعاء نبيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقا طيٍّبا وعملا متقبَّلا» ، وفي رواية «وعملاً صالحا» ، وأيضا جاء في حديث معاذ «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ، ومرّ معنا في حديث شدَّاد قال: «اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك» حسن العبادة ، فالشاهد هـٰذا الأمر الرابع. وليحذر الإنسان من الصّوادّ والصوارف والملهيات والشواغل ، يحذر عن كل أمر يصرفه عن العمل ويشغله عن الطاعة التي خُلق لأجلها وأوجد لتحقيقها والله يقول : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56] .

 الأمر الخامس: أن يقع العمل خالصًا صوابًا ؛ خالصًا لله، صوابًا على السُّنّة ، قد قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك:2] فلابدّ في العمل من اتِّصافه بالحُسن، ولهـٰذا قال في الدُّعاء: «حُسن عبادتك» لابد أن يتّصف بالحسن ، ولا يكون متَّصفاً بالحسن إلا بالإخلاص والمتابعة . ولهـٰذا قال الفُضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى : ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ قال: " أخلصه وأصوبه " ، قيل : يا أبا عليّ! وما أخلصه وأصوبه؟ قال: " إنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السّنّة ".
فإذاً العبد إذا علم وأحب وعزم وعمل يحرص أن تكون أعماله خالصة لله، وأن تكون في الوقت نفسه صوابًا على وَفْق سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فإن العمل إن لم يكن خالصًا لا يقبله الله ولو كان كثيراً ، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشَّرك من عمل عملا أشرك معيَ فيه غيري تركتُه وشِرْكَه» ، وإذا لم يكن العمل صوابًا على السُّنة لم يقبله الله ، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ » فالعمل ولو كان كثيرًا لا يُقبل إلَّا إذا كان خالصًا للمعبود، موافقًا لهدي الرَّسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

 الأمر السّادس ممّا يجب علينا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به : أن نحذر من مبطلات الأعمال ومحبطات الأعمال ؛ علِمت، أحببت، عزمت، عملت، وجئت بالعمل خالصا صوابًا ؛ احذر بعد ذلك من محبطات الأعمال ومبطلات الأعمال ﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾[الحجرات:2] احذر أن تأتي بأمر يُحبط عملك ويُبطله ، فإنَّ من النّاس من يأتي يوم القيامة ويُردّ عليه عمله وتكون أعماله باطلة ، وأعظم مبطِل للأعمال هادم لها الشِّرك بالله ، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر:65-66] فيحذر الإنسان من مبطلات الأعمال ، وممّا يبطل العمل الرّياء والسّمعة ؛ أن يأتي بالعمل على وجه المراءاة أو السّمعة والذِّكر عند المخلوقين ، لا تكون نيّته في العمل خالصةً لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى . فالشَّاهد أنَّ العبد يجب عليه أن يحذر من مبطلات الأعمال.

 ثم الأمر السَّابع ممَّا يجب علينا نحو ما أمرنا الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى به ، وهو الأخير: الثَّبات ؛ يحرص الإنسان على الثَّبات على الحقّ والهدى والاستقامة على دين الله إلى الممات. قال سفيان بن عبد الله الثَّقفي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: «قُل: آمنْتُ بالله. ثُمّ استقم» .
فيحرص الإنسان على الاستقامة والثَّبات على دين الله ويسأل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى دومًا أن يثبِّته، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:27] ويجب على المسلم أن يخاف من سوء الختام ، يقول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخُلها»، ولهـٰذا كان السَّلف يخافون من السَّوابق والخواتيم؛ (السَّوابق) : أي ما سبق له في علم الله ، و(الخواتيم) : أي ما يُختم عليه في أيامه الأخيرة ولحظاته الأخيرة التي يودِّع فيها الدنيا، فقد قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : «من كان آخر كلامه لا إلـٰه إلا الله دخل الجنَّة»، ولهـٰذا يحتاج المسلم دومًا وأبدًا أن يسأل ربَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن يثبِّته، ودومًا يسأل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن لا يُزيغ قلبه، تقول أم سلمة رَضِيَ اللهُ عَنْها : كان أكثر دعاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك». قالت: قلت: يا رسول الله! ما أكثر دعائك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟! قال: «يا أمّ سلمة! إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ» ، وجاء في الصَّحيحين أنَّ نبيَّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دعائه: «اللَّهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللَّهم إني أعوذ بعزتك لا إلـٰه إلا أنت أن تضلني، أنت الحيّ الذي لا يموت، والجنّ والإنس يموتون» ، وكان في كلِّ مرَّة يخرج فيها من بيته يقول صلوات الله وسلامه عليه : «اللَّهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل، أو أَزل أو أُزل، أو أَظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل عليّ» .
يتبع

فالشَّاهد أنَّ العبد يدعو ربه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن لا يضله ، أن لا يزيغه ، يدعو ربه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن يثبِّت قلبه على الإيمان ، ويأخذ بأسباب الثبات والاستقامة ومن ذلكم : أن يحرص دومًا وأبداً على إصلاح سريرته وإصلاح باطنه بينه وبين الله ، ولهـٰذا قال أهل العلم : لا يُعرف أنَّ من صلُحت سريرته وحسُنت عقيدته بينه وبين الله أن يُختم له بخاتمة سيئة . نقل ذلك ابن القيم -رحمه الله- في كتابه الجواب الكافي عن بعض أهل العلم، وشاهد ذلك في الحديث في بعض رواياته قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنَّة فيما يبدو للنَّاس» ؛ قال فيما يبدو للنَّاس إذاً السَّريرة يكون فيها شيء ، ولهـٰذا يجتهد الإنسان في إصلاح سريرته وتنقيتها بالإخلاص بالصِّدق بالمحبّة بالخير ، أيضا يُبعد عن قلبه الغل والحقد ودفائن القلوب وسخائم النُّفوس ، في الدُّعاء المأثور عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام: «واسْلُل سَخيمةَ صدري» ؛ فيصلح الإنسان باطنه ويدعو ربّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن يثبِّته على الحق والهُدى ، وأن يحييه مسلمًا وأن يتوفّاه مؤمنًا ، وأن يصلح له دينه الذي هو عصمة أمره ، وأن يصلح له دنياه التي فيها معاشه، وأن يُصلح له آخرته التي فيها معاده ، وأن يجعل الحياة زيادة له في كلِّ خير والموت راحةً له من كلِّ شر، وفي هـٰذا المعنى دعوات كثيرة عن نبيِّنا صلوات الله وسلامه عليه .
هـٰذه -أيُّها الإخوة الكرام- أمورٌ سبعة تجب علينا نحو ما أمرنا الها تَبَارَكَ وَتَعَالَى به ، وكما قدَّمت بيَّن هـٰذه الأمور ووضّحها وجمعها الإمام المصلح المجدّد شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ، وفيما يلي أقرأ عليكم نصّ كلامه إلى تمامه ولنتأمَّله فإنَّه عظيم الفائدة ، قال رحمه الله تعالى:
[ إذا أمرَ اللهُ العبدَ بأمرٍ، وجب عليه فيه سبعُ مراتبَ: الأولى: العِلْمُ به. الثّانية: محبَّته. الثّالثة: العزْم على الفعل. الرّابعة: العَمَل. الخامسة: كونه يقع على المشروع خالصًا صوابًا. السّادسة: التَّحذير من فعل ما يُحبطه. السّابعة: الثَّبات عليه.
إذا عرف الإنسانُ أنَّ اللهَ أمر بالتَّوحيد ونهى عن الشِّرك ، أو عرف أنّ الله أحلّ البيع وحرَّم الرِّبا ، أو عرف أنّ الله حرَّم أكل مال اليتيم وأحلَّ لوليِّه أن يأكل بالمعروف إن كان فقيرًا ؛ وجب عليه أن يعلم المأمورَ به ويسأل عنه إلى أن يعرفه ، ويعلم المنهيَّ عنه ويسأل عنه إلى أن يعرفه .
واعتبر ذلك بالمسألة الأولى وهي : مسألة التَّوحيد والشِّرك . أكثر النّاس علم أنَّ التَّوحيد حقٌّ والشِّرك باطل، ولكن أعرض عنه ولم يسأل. وعرف أنَّ الله حرَّم الرِّبا، وباع واشترى ولم يسأل. وعرف تحريم أكل مال اليتيم وجواز الأكل بالمعروف؛ ويتولى مال اليتيم ولم يسأل.
المرتبة الثَّانية: محبَّة ما أنزل الله ، وكُفر من كرهه ، لقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد:9] فأكثر النَّاس لم يحبَّ الرَّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بل أبغضه ، وأبغض ما جاء به ، ولو عرف أنَّ الله أنزله .
المرتبة الثّالثة : العزم على الفعل ؛ وكثير من النَّاس عرف وأحبّ ، ولكن لم يعزم خوفًا من تغير دنياه.
المرتبة الرَّابعة : العمل ؛ وكثير من النَّاس إذا عزم أو عمل وتبيَّن عليه من يعظّمه من شيوخٍ أو غيرهم ترك العمل.
المرتبة الخامسة : أنّ كثيرًا ممن عمل لا يقع خالصًا ، فإن وقع خالصًا لم يقع صوابًا .
المرتبة السَّادسة : أنّ الصّالحين يخافون من حبوط العمل ، لقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات:2] وهـٰذا من أقل الأشياء في زماننا.
المرتبة السَّابعة : الثّبات على الحق ، والخوف من سوء الخاتمة ، لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إن منكم من يعمل بعمل أهل الجنة، ويُختم له بعمل أهل النار» ، وهذه أيضاً من أعظم ما يخاف منه الصَّالحون وهى قليل في زماننا؛ فالتفكر في حال الذي تعرف من الناس في هـٰذا وغيره يدلك على شيء كثير تجهله ؛ والله أعلم ] .
فهذه أيها الإخوة الكرام رسالة عظيمة ومشتملة على فائدة جليلة وكبيرة يحتاج إليها كل مسلم وهي من بيان وإيضاح وجمع هذا الإمام رحمه الله وغفر له وأسكنه جناته جنات النعيم وجزاه عن المسلمين خير. و لي على هـٰذه الرِّسالة شرح مختصر أسأل الله الكريم ربَّ العرش الكريم أن ييسِّر إكماله ونشره ، وأن يوفِّقنا جميعًا لكلِّ خير، وأن يهدينا سواء السَّبيل ، وأن يصلح لنا شأننا كلَّه ، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كلِّ خير والموت راحة لنا من كلِّ شر .
اللهم إنّا نسألك علما نافعا، وعملاً صالحا ، ورزقا طيبا. اللهم إنّا نسألك حبِّك وحبِّ من يحبُّك ، وحبِّ العمل الذي يقرِّبنا إلى حبِّك. اللهم إنّا نسألك العزيمة على الرُّشد والغنيمة من كل بر، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك . اللهم إنَّا نسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا . اللهم إنَّا نسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك. اللهم إنَّا نسألك قلبًا سليمًا ولسانَا صادقًا. اللهم إنَّا نسألك من خير ما تعلم ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك مما تعلم إنَّك أنت علَّام الغيوب. اللهم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، ربَّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. اللَّهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كلِّ خير، والموت راحة لنا من كلِّ شر . اللهم اغفر ذنوب المذنبين ، وتب على التائبين ، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لنا ذنبنا كلَّه ؛ دِقَّه وجله، أوّله وآخر، سرَّه وعلنه . اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنا ، وما أنت أعلم به منَّا، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر وأنت على كلِّ شيء قدير. ربَّنا تقبَّل منَّا إنّك أنت السَّميع العليم واغفر لنا إنَّك أنت الغفور الرَّحيم، وتُب علينا إنَّك أنت التَّواب الرَّحيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين .
وصلَّى الله وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

جزاك الله خيرا
وأحسن إليك فيما قدمت
دمت برضى الله وإحسانه وفضله






















بارك الله فيك ربنا يجعلة
فى ميزان حسانتك