منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


زِينَةُ الإِيمَان




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
زِينَةُ الإِيمَان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إلـٰه إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . أمَّا بعدُ :
أيُّها الإخوة الكرام : أحمد الله الكريم إليكم أن يسّر هـٰذا الجمْع ، وأن منَّ علينا جميعًا بهـٰذا اللِّقاء في هـٰذه اللَّيلة الطَّيِّبة من ليالي رمضان وفي هـٰذه الواحة - واحة الإيمان - جعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهـٰذه الواحة من اسمها أوفر نصيب، وبارك في هـٰذه الجهود التي تُقدَّم في هـٰذه الواحة والتي تنظِّمها القصباء ، شكر الله جهود القائمين على هـٰذه التَّرتيبات وثقَّل بها موازينهم أجمعين ونفع بها إنَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى سميع الدُّعاء وهو أهل الرَّجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل .
ثم أيُّها الإخوة الكرام : حديثنا هـٰذه اللَّيلة في هـٰذه الواحة - واحة الإيمان- عن زينة الإيمان ، تلكم الزِّينة العظيمة التي لا توازيها زينة ولا تدانيها ، وهـٰذه الزِّينة هي منّة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على من شاء من عباده ، فليس كلُّ النَّاس يوفَّقون لهـٰذه الزِّينة العظيمة وينالون هـٰذه الحلية المباركة ، وإنَّما ينالها من يكرمهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويمنُّ عليهم بهـٰذا المنِّ العظيم وهو المانّ وحده وبيده الفضلُ يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .
وتأمَّلوا - أيُّها الإخوة الكرام - في هـٰذا المقام العظيم قول ربِّنا عزَّ وجلَّ في سورة الحُجرات : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ [الحجرات:7] قال جلَّ شأنه: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ وهـٰذه منَّة لا ينالها كلُّ أحد ، وإنَّما ينالها من عباد الله من يفوز بهـٰذا الإكرام ويحظى بهـٰذا المنّ ﴿ حَبَّبَ .. وَزَيَّنَهُ ﴾ هـٰذا منُّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وفضله عزَّ شأنه يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ولما ذكر الإيمان لم يعطف عليه أعمال الإيمان ورغائب الدِّين والأخلاق التي يُدعى إليها المسلم ؛ لأنها كلّها داخلة في الإيمان ويشملها مسمَّاه ، فمعنى قوله جلَّ شأنه : ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ يتناول الإيمان الذي هو في القلب عقيدةً وإيمانًا وإقرارًا ، ويتناول كذلك أقوال اللِّسان وما يكون باللِّسان من ذكرٍ وشُكرٍ وثناء وحمْدٍ وتكبيرٍ وتهليل وغير ذلك من أقوال الإيمان ، وكذلك تتناول هـٰذه الزِّينة تزيين الجوارح بالإيمان بأن تكون الجوارح عاملةً بأعمال الإيمان مواظبةً على طاعات الدِّين، فهـٰذه حلية المؤمن حقًّا وزينته وجماله، ومن عَرِيَ من هـٰذه الزِّينة فلا زينة له ولو كان يلبس أجمل حُلّة ويكتسي أطيب الثِّياب ويركب أحسن المراكب ، من عري من زينة الإيمان عري من حقيقة الزِّينة ؛ لأنَّ زينة الإيمان ولباسه باقٍ مع العبد في ديناه وأخراه ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ [الأعراف:26] ولباس التَّقوى هو لباس الإيمان ، وهو زينة الإيمان ، وهو التَّــحلِّي بالإيمان ، قال: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ فمن كان متحلِّيا بهـٰذه الحلية -حلية الإيمان- فإنَّها حليةٌ باقية وزينةٌ مستمرَّة مع صاحبها في دنياه وأخراه ؛ لـٰكن أصحاب الزِّينة -التي هي زينة الحُلل والثِّياب واللِّباس والرِّيش- فهـٰذه ليس منها شيء يدخل معهم في قبورهم إطلاقًا ، إلا لفافة يُلف بها ويُدرج في قبره ثم سريعًا ما تبلى وتأكلها الأرض لـٰكن زينة الإيمان زينةٌ باقية ومستمرّة ؛ لهـٰذا لا مقارنة بين الزِّينتين ولا بين هاتين الحليتين العظيمتين ، ومن منَّ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليه بالأمرين معًا فهـٰذا خيرٌ على خير ، أمَّا إذا ضاعت حلية الإيمان وزينته فهـٰذا عين الضَّياع وتمام الخُسران وحقيقة الحرمان .
قال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ لما ذكر الإيمان لم يَعطف عليه شيئًا ؛ ولكنّه جلَّ شأنه لما ذكر الكفر قال: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ وهـٰذه الأمور الثَّلاثة المذكورة في مقابل الإيمان، مقابل زينة الإيمان، مقابل حلية الإيمان، هـٰذه الأمور الثلاثة منها ما ينقض الإيمان من أصله ، ومنها ما ينافي كمال الإيمان الواجب ، ومنها ما ينافي كماله المستحب ؛ ذلك أنَّ أمور الإيمان الدَّاخلة في مسمَّاه تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1. قسمٌ هو من أصل الإيمان وأساسٌ في الدِّين.
2. وقسمٌ هو من كمال الإيمان الوَاجب.
3. وقسمٌ هو من كمال الإيمان المستحب.
وكلُّها يتناولها الإيمان بشُمُوله العام ، وينتظمها في مسمَّاه ومدلوله . ولهـٰذا لما ذَكر ما يضادّ الإيمان ذَكر ما يُنقض الإيمان وما ينقص الإيمان ؛ لأنَّ الإيمان له نواقض وله نواقص ، له نواقض تهدمه من أساسه ، وله نواقص وهي على قسمين:
1. قسم نَقْصٌ في كمال الإيمان الواجب .
2. وقسمٌ نقْص في كمال الإيمان المستحب.
وتأمَّل هـٰذا التَّفصيل في قوله: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ ؛ لأنّ من الأمور التي تتنافى مع الإيمان سواء في أصله أو في كماله الواجب أو في كماله المستحب منها ما هو كفرٌ، وبدأ به لخطورته قال: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ ﴾ ، ومنها ما هو فسوق وليس بكفرٍ ، وهو ما ينافي كمال الإيمان الواجب . ومنها ما هو عصيان وليس فسقًا ولا كفرًا.
ومنَّة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على المؤمن الصَّادق أنَّه كرَّه إلى قلبه هـٰذه الأمور الثَّلاثة كلِّها -وانتبه لهذا رعاك الله- ، كرَّه إليه ما يُنقض الإيمان ، وما يُنقص كماله الواجب ، وما يُنقص كماله المستحب قال: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾.
ومن كانوا بهـٰذا الوصف - أي زُيّن الإيمان في قلوبهم وحُبِّب إليهم ، وكُرِّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان- من كانوا بهـٰذا الوصف ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ [الحجرات:7] والرَّشاد ضدّ الغيّ ،كما أنّ الضَّلال ضدُّ الهداية ، والرَّاشد من عباد الله : هو الذي وفّقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى للعلم النَّافع فهمًا له وعملًا به ، فإذا كان على عنايةٍ بالعلم النَّافع وعملٍ به فهو راشد ، وإذا كان على عمل بدون علم فهو ضال لعدم علمه ، وإذا كان يعلم ولا يعمل فهو غاوي ، وهنا وصفهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالرَّشاد قال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ أي الذين ازدانوا بالإيمان علمًا به وعملًا. ثم توَّج ذلك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بقوله: ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الحجرات:8] أي أنَّ هـٰذا التَّوفيق للتّزيُّن بزينة الإيمان والتَّحلِّي بحليته المباركة في هـٰذه الحياة الدُّنيا هـٰذا فضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ومنُّه جلَّ شأنه على من شاء من عباده ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .
وفي القرآن آيات عديدة تقرِّر هـٰذا المعنى وتؤكِّد على أنَّ حصول العبد على الإيمان منَّة الله عليه ومحض فضله وتيسيره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، كقوله جل شأنه في السُّورة نفسها : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الحجرات:17] ، ويقول جلَّ شأنه : ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النور:21] فهي منَّة الله وفضله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على من شاء من عباده والله ذو الفضل العظيم .
وهاهنا عندما يُدرك العبد هـٰذه الحقيقة العظيمة ويستشعر هـٰذا المدلول يستشعر في الوقت نفسه افتقاره الشَّديد إلى ربِّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في أن يمنَّ عليه بالهداية ، وأن يمنَّ عليه بالثَّبات، وأن يسلِّم قلبه من زيغ القلوب ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران:8] ، ولهـٰذا جاء في الحديث الصَّحيح حديث أم سلمة وغيرها أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ : «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» ، قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَتَقَلَّبُ ؟ قَالَ : « نَعَمْ مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَزَاغَهُ » ، ولهـٰذا كان كثيرا ما يدعو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهـٰذا الدُّعاء العظيم المبارك ، والله تعالى يقول : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:27] . والشَّاهد أنّ العبد إذا استشعر ذلك أحسَّ بعظيم افتقاره إلى الله وشديد احتياجه إليه ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:15] .
وتأمّل تأكيد هـٰذا المعنى وتقريره في قول ربِّنا جلَّ شأنه في الحديث القُدْسي المخرّج في صحيح مسلم: «يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ » ، « كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ» ، وتأمَّل ذكْر ربِّنا جل شأنه في هـٰذا الحديث القدسي للزينتين ، وأنَّ كل منهما منّة الله : «كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ » و « كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ» ؛ فمن وُفّق لزينة الإيمان فهـٰذه منّة الله عليه ، ومن وُفِّق لزينة اللِّباس فهـٰذه أيضًا نعمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليه ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الذي أطعم وأكسى، وأغنى وأفقر، وأعطى ومنع، وخفض ورفع ، والأمر له جلَّ شأنه ، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويضل من يشاء ويهدي من يشاء تَبَارَكَ وَتَعَالَى . فإذا استشعر العبد هـٰذا المعنى قويَ في تحقيق الافتقار، والافتقار عبودية عظيمة جدًّا ومنزلة مباركة من منازل السَّائرين إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، والصَّحب الكرام يوم الأحزاب وكانوا يحفرون الخندق يقولون:
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَــةً عَلَيْنَــا وَثَبِّـتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْــنَا
أي أنّ هـٰذا كلّه فضله ومنُّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وإذا أدرك العبد هـٰذه الحقيقة احتاج في هـٰذا المقام إلى أمرين عظيمين وأصلين جامعين هما أساس الخير :
 الأول : الاستعانة بالله وحسن التوكّل عليه وإظهار الافتقار إليه، ودعاؤه وسؤاله وطلبه والإلحاح عليه ، دعاء فقيرٍ ذليلٍ منكسرٍ بين يدي ربِّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يرجو رحمته ويخاف عذابه ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:57] .
 والأمر الثاني : أن يجاهد نفسه على تحقيق الإيمان وتقوية الصِّلة بالرَّحمـٰن والمواظبة على طاعة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ولاسيما فرائض الدِّين وواجباته ؛ لأنَّ الله سُبْحَانَهُ يقول في الحديث القدِسي : «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ».
وهـٰذان الأصلان جُمعا في قوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود:123]، وفي قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» ، فإذا وُفِّق العبد لهذين الأصلين حاز الخير ونال السَّعادة وتحقَّق له الفلاح بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ أن يكون دائمًا ملحًّا وسائلاً وطالبًا من الله ، وفي الوقت نفسه أن يكون مجاهدًا نفسه على فعل الأسباب النَّافعة المقرِّبة إلى الله عزَّ وجلَّ والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69] .
وقد جاء في السُّنن الكُبرى للنَّسائي وغيره من حديث عمَّار بن ياسر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان يقول في دعائه في صلاته: «اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» إلى أن قال: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» ، وهـٰذا دعاء كان يقوله نبيُّنا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في صلاته ، ويأتي به قبل السَّلام ، وهو من المواضع العظيمة في الصَّلاة التي يُتحرَّى فيها الدُّعاء ، فكان يسأل اللهَ عزَّ وجلَّ هـٰذا السؤال: «اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» ، فما أجمل أن تتكرَّر هـٰذه الدَّعوة المباركة على لسان العبد مستشعرًا معناها ، مستشعرًا افتقاره إلى هـٰذه الزِّينة العظيمة التي هي منَّة الله عزَّ وجلَّ على من شاء من عباده .
يتبـــع

وثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» ؛ قال: « وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا» وَزَكِّهَا : أي بالإيمان والأعمال ، «أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» وتأمَّل ختم هـٰذا الدُّعاء بالتَّوسل إلى الله بهذين الاسمين (الولي) و(المولى) وهما اسمان لله جلَّ وعلا من أسمائه الحسنى ، وفي التَّوسل بهذين الاسمين العظيمين استشعارٌ لولاية الله الخاصّة وتولِّيه لعبده المؤمن بالتوفيق للإيمان والتَّثبيت على الدِّين والحفظ من الفتن والإعاذة من زيغ القُلوب، هـٰذا كلُّه بيد الله عزَّ وجلَّ بيد الوليّ المولى سبحانه ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة:257] . فهـٰذه دعوة عظيمة صحَّت وثبتت عن نبيِّنا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ « وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا» ، والله يقول: ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء:49] فالتَّزكية بالإيمان هـٰذه فضل الله ومنَّته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
والإيمان هـٰذه الزِّينة المباركة والحلية العظيمة تتناول كما أسلفتُ تزيُّن القلب بعقائد الدِّين وأعمال القلوب .
 فمن زينة الإيمان بل من الأصول التي لا تقوم زينة الإيمان إلَّا عليها أركان الإيمان السِّتَّة ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ )) فهـٰذا أساس زينة الإيمان الذي عليه تقوم ، فإذا انتفى شيء من هـٰذه الأصول بطلت الأعمال كلِّها وانهدمت الزِّينة من أساسها ، كما قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [المائدة:5] ، وقال جلَّ شأنه : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء:136] فهـٰذه الأصول أسسٌ لزينة الإيمان لا قيام لزينة الإيمان إلَّا عليها.
 ثم يأتي بعد ذلك أعمال الدِّين ولاسيما فرائض الدِّين وواجباته ؛ فالصَّلاة زينة ، والصِّيام -ونحن في شهره- زينة، والحجّ زينة ، والزَّكاة زينة ، وكلُّ طاعة يتقرَّب بها المسلم إلى ربِّه تبارك وَتَعَالَى فهي زينة للمؤمن وحليةٌ له، وجمال وبهجة لقلبه، وقرَّةٌ لعينه، وزكاةٌ لحاله وحياته.
 وكذلك أقوال الدِّين التي باللِّسان كلُّها داخلة، وهي زينة للعبد وجمال له ونور وضياء.
 كذلك ما يكون في القلب من الأعمال الفاضلة كالحياء - الحياء زينة- والخشية والإنابة والتوكُّل والرَّجاء والخوف وغير ذلك هـٰذه كلّها من زينة الإيمان وجماله .
أخلاق الدِّين وآدابه عنوانٌ على جمال العبد ، ودليلٌ على حلاوة سلوكه وزِينِ مَسْلكه وجماله ، بينما من كان منزوع الأخلاق عاريًا من الآداب فهو بعيدٌ عن الزينة والجمال ، أرأيت لو قابلتَ شخصا لقيَك بأجمل حلّة وأطيب لباس وأحسن رائحة عِطر، ثم عاملك بخلق فظّ وأسلوب غليظ وعبارات قاسية !! لا ترى عينيك فيه جمالًا إطلاقًا؛ لأنَّ الإنسان إذا انتُزعت منه أخلاق الدِّين وجماله وآدابه أصبح عريًّا من الزِّينة وإن تجمَّل بأنواع من اللِّباس.
فهـٰذا معنى عظيم ، كم هو جميل بعبدِ الله المؤمن أن يستشعره في هـٰذه الحياة ، وأن يجاهد نفسه على التحلِّي بهـٰذه الحلية المباركة والزِّينة العظيمة ، زينة الإيمان التي تجمع - كما أسلفت - الدِّين كله.
وأختم بتلخيص هـٰذه الزِّينة وجِماع أمرها وشمولها بجميع معانيها في خمسة أحاديث عن النَّبيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، قد جَمعت هـٰذه الأحاديث الخمسة جميع ما تحتويه زينة الإيمان وحليته ، وقلَّ أن يخلو منها كتابٌ لأحد من أئمة السَّلف أُلِّف في بيان الإيمان سواء منها المتقدِّم أو المتأخِّر .
 أوَّل هـٰذه الأحاديث : حديث ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في الصحيحين في ذكر وفد عبد القيس ، وفيه أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: « آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ.. » إلى آخر الحديث .
 والحديث الثاني : حديث جبريل المشهور، وفيه أنَّ جبريل سأل النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الإيمان فقال: «أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ».
فدلَّ هـٰذان الحديثان على أنَّ الإيمان يشمل ويتناول في مدلوله ومسمَّاه عقائد الدِّين التي قيامها في قلب المؤمن ومنها تنبع أعمال الدِّين وطاعاته الزَّاكية وأخلاقه الفاضلة ، ويتناول أيضًا في الوقت نفسه أعمال الدِّين ولاسيما فرائض الإسلام وواجبات الدِّين العظيمة ، فهي داخلة في زينة الإيمان وجماله كما يشهد لذلك حديث وفد عبد القيس .
 والحديث الثَّالث : حديث أبي هريرة في الصَّحيحين عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال: «الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ». هـٰذا حديث مبارك في شرح زينة الإيمان وحليته ، والكلام في معنى الحديث ودلالاته يطول.
 والحديث الرَّابع : حديث أبي هريرة عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، وفي هـٰذا دلالة بيِّنة على أنَّ هـٰذه الحقارات والأمور السَّافلات والأفعال الشَّنيعات تؤثِّر في الإيمان تأثيرًا عظيمًا ، حتَّى إنَّ النَّبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نفى الإيمان عن مرتكبي هـٰذه الأمور ، والمراد بنفي الإيمان عنه : نفي كمال الإيمان الواجب عنه لا نفي أصله وأساسه ؛ كما هو معلوم ومتقرِّر في عقيدة أهل السُّنّة والجماعة.
ويستفاد في هـٰذا الحديث فائدة عظيمة ألا وهي : أنَّ الإيمان كما أنه يشمل الأعمال الزَّاكية والطَّاعات الفاضلة فإنه كذلك يشمل البعد عن المحرَّمات واجتناب الآثام ، وإذا وقع الإنسان في شيء من هـٰذه الخسائس والحقارات فإنَّ هـٰذا تسبُّبٌ منه لنفسه بالبعد عن زينة الإيمان وجماله ، وكم لهـٰذه الأعمال من ضرر بيِّن حتى في صورة الإنسان الظَّاهرة ، وهـٰذا تحدَّث عنه أهل العلم كثيرًا ، كيف أنَّ المعصية تؤثِّر على الإنسان في جمال وجهه وجمال هيئته ، فإنَّ أهل المعاصي كما قال الحسن البصري : « إنَّهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين ، إن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلَّا أن يذل من عصاه » فهـٰذه الحقارات تؤثِّر على الإنسان في حليته وجماله.
 والحديث الخامس من هـٰذه الأحاديث : حديث سفيان بن عبد الله الثَّقفي الذي قال فيه للنبي صلى الله عليه وسلم : قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ ، قَالَ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ» ؛ وهـٰذا فيه التَّأكيد على أنَّ العبد إذا وُفِّق للإيمان فليحرص على الاستقامة عليه ، لأنّ من الإيمان إيمانٌ لا يثبت ، روى أبو الدَّرداء في دعاءٍ كان يدعو به، رواه عنه ابن أبي شيبة في كتابه الإيمان عن معاوية بن قرة عن أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه كان يقول في دعائه : (( اللّٰهم إني أسالك إيمانًا دائمًا وعلمًا نافعًا ، وهديا قيِّما)) ، هـٰذا دعاء عظيم جدَّا ، قال معاوية في تعليقه على هـٰذا الحديث وبيان معناه : « فإنّ من الإيمان ما ليس بدائم ، ومن العلم ما ليس بنافع ، ومن الهدي ما ليس بقيِّم » . فسأل أبو الدرداء ربه سبحانه وتعالى أن يمن عليه بالإيمان الدائم والعلم النافع والهدي القيم، وهـٰذه الثَّلاث إذا اجتمعت للعبد المؤمن اجتمع له الخير .
وبهذه الدَّعوة المباركة أختم هـٰذا الحديث: اللّٰهم إنَّا نسألك إيمانًا دائمًا وعلمًا نافعًا وهديًا قيِّمًا . اللّٰهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كلِّ خير ، والموت راحة لنا من كلِّ شرّ ، ووفِّقنا اللّٰهم لما تحبه وترضاه من سديد الأقوال وصالح الأعمال، يا سميع الدُّعاء يا مجيب النِّداء .
والله تعالى أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين.

جزاك الله خيرا
وأحسن إليك فيما قدمت
دمت برضى الله وإحسانه وفضله






















بـــــــــــــــارك الله فيـــــــــــك
وجــــــــــــــــزاك الجنـــــــــــــة




الساعة الآن 06:51 AM.