منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مِنْ فِقْه الأَذْكَار




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
مِنْ فِقْه الأَذْكَار
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله و صحبه أجمعين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وزدنا علما ، اللهم أعِنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك ، اللهم أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
وبعد أيها الإخوة الكرام : لقاؤنا هذه الليلة التي نسأل الله عز وجل أن يجعلها ليلةً مباركةً علينا أجمعين عن « فقه الأذكار » أو « شيء من فقه الأذكار » ، ومعلومٌ أن الكلام عن فقه الأذكار بابٌ واسع ومجالاته عديدةٌ ورحبة والكلام عن ذكر الله تبارك وتعالى حبيبٌ إلى القلوب المؤمنة كما أنه حبيبٌ للرحمن سبحانه وتعالى ، وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام : ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ )) ؛ فالذكر حبيبٌ إلى الله عز وجل والله يحب الذاكرين ، ومجالس الذكر مجالس مباركة ؛ تغشاها الرحمة وتتنزَّل عليها الملائكة وتحفُّ الملائكة أهل تلك المجالس بأجنحتها والله ربّ العالمين يذكرهم فيمن عنده ، كما جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ )) ؛ ومن ذكَر الله ذكره الله عز وجل ، قال الله في القرآن الكريم {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] وكفى بذلكم دلالة على شرف الذكر ورفيع قدره وعلوِّ منزلته ، وفي الحديث وهو في صحيح البخاري وغيره يقول الله تبارك و تعالى : ((إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ )) ، وفي الحديث يقول الله تعالى : ((أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ)) .
فالذكر عمل جليل وطاعة عظيمة بل هو مقصود العبادات الدينية ، فالعبادات إنما شرعها الله سبحانه وتعالى لإقامة ذكر الله ، قال الله جل وعلا في شأن الصلاة { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } [طه:14] ، فالصلاة شُرعت لإقامة ذكر الله جل وعلا ، وفي شأن الحج يقول عليه الصلاة والسلام : ((إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) فالذكر هو مقصود العبادات ، وإنما شُرعت العبادات لإقامة ذكر الله سبحانه وتعالى . ولهذا كلما كان حظ العبد من ذكر الله عز وجل في عبادته أعظم كان أجره في عبادته تلك أعظم ، كلما زاد حظ العبد ونصيبه من ذكر الله في عبادته زاد أجره ، ولهذا يتفاوت الناس في العبادات من حيث الأجر بحسب تفاوتهم في الذكر لله جل وعلا في تلك العبادات .
خرَّج الإمام أحمد في مسنده وغيره عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَيُّ الْجِهَادِ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا ، قَالَ فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا ، ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالْحَجَّ وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَا أَبَا حَفْصٍ ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلْ
فذكر الله عز وجل منزلته في العبادات الدينية أن العبادات الدينية إنما شُرعت لأجل إقامة ذكر الله عز وجل ؛ ولهذا يحسُن أن يضبط العابد في هذا الباب قاعدة شريفة وعليَّة القدر ألا وهي : أن أعظم الناس أجراً في كل طاعة أكثرهم لله ذكراً فيها ؛ فأعظم الناس أجراً في الصلاة أكثرهم ذكراً لله في صلاتهم ، وأعظم الناس أجراً في الصيام أكثرهم ذكراً لله في صيامهم ، وأعظم الناس أجراً في الحج أكثرهم ذكراً لله في حجهم ، وهكذا قُل في كل الطاعات ، وهذا مما يبين المكانة العلية والمنزلة الرفيعة لذكر الله سبحانه وتعالى ، ولهذا تكاثرت الآيات وتنوعت الدلائل في القرآن والسنة حثاً على الذكر وترغيباً فيه وبياناً لفضله ، وذكراً لثواب أهله عند الله سبحانه وتعالى وتحذيراً من ضده وهو الغفلة ، وبيان الثمار والآثار التي يجنيها الذاكرون في الدنيا والآخرة ، وقد سمعنا في صلاتنا صلاة المغرب قول الله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب:41] وهذه الآية فيها أمر الله لعباده بذكره بالكثرة { اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} هذا أمر للذكر بالكثرة أي : أكثروا من ذكر الله وكونوا من المكثرين من ذكر الله ، ثم ذكر الثواب : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } فهذا ثواب كثرة الذكر : أن الله سبحانه وتعالى يصلي على الذاكرين ، وصلاة الله على الذاكرين هي ثناؤه جل وعلا عليهم في الملأ الأعلى ((وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ )) فيذكرهم جل وعلا في الملأ الأعلى وهذا شرف وفضل أعظِم به من شرف وفضل ، أن يفوز العبد بذكر الله تبارك وتعالى له وبثنائه سبحانه وتعالى عليه .
وقد جاء في الحديث القدسي المخرَّج في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( قَسَمْتُ الصَّلَاةَ - أي الفاتحة - بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي)) ؛ فانظر هذا الذكر من الله سبحانه وتعالى لعبده في الملأ الأعلى ، ((حَمِدَنِي عَبْدِي )) ، ((أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي )) ، ((مَجَّدَنِي عَبْدِي )) ، هذا ذكرٌ من الله سبحانه وتعالى لعبده وثناء عليه في الملأ الأعلى ، قال { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } وهذه ثمرة عظيمة من ثمرات صلاة الله سبحانه وتعالى على عبده وأيضاً صلاة الملائكة عليه ، وأنَّ الله سبحانه وتعالى يُخرج العبد من الظلمات إلى النور ؛ بمعنى أنه كلما ازداد ذكراً لله ازداد بُعدا عن الظلمات وازداد حظوةً بالنور . ولهذا الذكر نورٌ للذاكر وضياء لقلبه وبرهان على صلاح نفسه واستقامة قلبه وبراءةٌ له من النفاق ، لأن الله سبحانه وتعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، ولهذا في السورة التي خُصت لبيان المنافقين وكشف حالهم المعروفة بسورة المنافقون ، في أثناء هذه السورة أمَر الله بالذكر والمحافظة عليه ، قال الله سبحانه وتعالى في أثناء سورة المنافقون {أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون:9] فأشار أهل العلم إلى أن مجيء هذا التوجيه العظيم من الله سبحانه وتعالى في هذا السياق الذي يحذِّر فيه من المنافقين وصفات المنافقين فيه التنبيه إلى أن حال المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، وأن من حافظ على الذكر كان ذلك براءةً له من النفاق . ولهذا لما سُئل علي رضي الله عنه عن قوم ، قيل أهم منافقون ؟ قال : " هؤلاء يذكرون الله والمنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا " ؛ فذكر الله عز وجل فيه أمان بإذن الله عز وجل للعبد من النفاق ومن طرائق المنافقين .
ولهذا ينبغي على العبد أن يحرص على ذكر الله تبارك وتعالى بالكثرة ، وإذا حرص على ذلك فاز بثواب الله العظيم وموعوده الكريم الذي أعده الله سبحانه وتعالى للمكثرين من ذكره قال : {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الأحزاب:35] ، وكان من الذين أثنى الله عليهم بقوله سبحانه { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران:190-191] .
وسنة النبي عليه الصلاة والسلام تكاثرت فيها الدلائل والشواهد في بيان فضل الذكر وعظيم أجره عند الله سبحانه وتعالى ، وجاء في حديث رواه الترمذي وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ - يعني خير لكم من إنفاق الذهب والفضة - وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى ، قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى )) وهذا فيه دلاله ظاهرة على شرف الذكر وعظيم مكانته ورفيع منزلته وكثرة ثوابه ، وأنه كما تقدم مقصود العبادات الدينية ، ومنزلة الذكر في العبادات الدينية المنزلة العلية والدرجة الرفيعة ، لأن العبادات إنما شُرعت لأجل إقامة ذكر الله سبحانه وتعالى .
والذكر معاشر الإخوة الكرام عبادة من أعظم العبادات وقربة من أجلِّ القرب ، ونحن نعلم أن العبادات كلها لا يقبلها الله سبحانه وتعالى إلا إذا كانت خالصةً لله مطابقةً لسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، ولهذا قال أهل العلم: الذكر شأنه شأن كل عبادة مبناه على التوقف والإتباع ؛ فواجبٌ على كل ذاكر أن يقصد بالذكر التقرب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يكون الذكر مطابقاً للسنة ، وهذان شرطان لا قبول لأي عمل من الأعمال - أي الذكر وغيره - إلا بهما : الإخلاص للمعبود ، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم .
 فمن أكثَر من الأذكار الشرعية المأثورة ولكنه قصد بإكثاره منها مراءاة الناس وقصد بذلك ثناء الناس وقصد بذلك السمعة فهذا لا يقبل الله منه ذكره ولو كان ذكره تلاوة للقرآن ولو كان ذكره بالكلمات الأربع التي هي أحب الكلام إلى الله ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) لا يقبل الله منه ذلك ، وقد جاء في الحديث أن أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة وذكر منهم رجل قرأ القرآن ليقال قارئ ، فيقال له يوم القيامة وقد قيل . فذكر الله بتلاوة القرآن ، ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك لا يكون مقبولاً عند الله ولو كثُر وتعدَّد لا يكون مقبولاً عند الله إلا إذا قُصد به وجه الله تعالى ، قال عز وجل {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] ، وقال جل وعلا {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3] ، وفي الحديث القدسي قال الله سبحانه وتعالى ((أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ )) أي يترك العمل للشريك الذي جُعل مع الله ، وإذا تُرك العمل للشريك هل الشريك بيده ثواب؟ هل بيده عطاء ؟ هل بيده أجر ؟ قال : (( تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ )) ، ولهذا جاء في بعض الروايات للحديث قال : ((أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ)) يعني يترك العمل للشريك لا يقبل الله منه شيئا ، فالله سبحانه وتعالى لا يقبل العمل إلا إذا قُصد به وجه الله سبحانه وتعالى بحيث لا يبتغي به إلا الله ؛ ولهذا سيأتي معنا أن من آداب الذكر أن يكون دون الجهر بالقول ؛ بمعنى أن يكون مخافتة بين العبد وبين ربه ، يأتي به مخافتة بينه وبين الله سبحانه وتعالى ، ويحرص أن يكون ذكره لله خفياً ويكون بينه وبين الله سبحانه وتعالى يرجو به ثواب الله . أما إذا تصنَّع - والعياذ بالله - الذكر وتظاهر به وراءى به الناس وقصد به محمدة الناس وثناءهم فهذا لا يقبل الله عز وجل منه ذكره لأنه فقَد شرط الإخلاص ، والإخلاص شرطٌ وأساس لا قبول لأي عمل من الأعمال إلا به .
يتبع

والأمر الآخر هو المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام بحيث يكون الذاكر مقتفياً آثار الرسول عليه الصلاة والسلام في الذكر ؛ في صفته ، في أعداده إن كان له عدد ، في ألفاظه إلى غير ذلك مما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه . فإذا اختط الإنسان لنفسه في ذكره لله جل وعلا طريقةً ليست على طريقة الرسول أو مسلكاً ليس على مسلك الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الله عز وجل لا يقبله منه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )) أي مردود على صاحبه غير مقبول منه ، ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا)) ؛ عملاً نكرة في سياق الشرط تفيد العموم ، والذكر من جملة الأعمال التي يتقرب بها الذاكر إلى الله، فإذا كانت الأذكار ليست مشروعة ولا مأثورة ولا على هدي النبي عليه الصلاة والسلام فإنها تُرد على الذاكر ولو كثُرت ، ولو أمضى في الذكر الوقت الطويل والساعات الكثيرة لا يقبل الله سبحانه وتعالى منه ذكره ، ولهذا قال أهل العلم رحمهم الله تعالى قالوا : " الذكر عبادة والعبادات مبناها على التوقف والإتباع " بمعنى أن يتوقف الإنسان فيها على ما جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه .
والسلف رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أنكروا ما قد يقع من بعض الناس من أذكارٍ وطرائق في الذكر لله سبحانه وتعالى بغير المأثور عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ؛ بل إن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على من كان يذكر الله بالكلمات الأربع التي هي أحب الكلام إلى الله ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) لما كانت طريقتهم في ذكرهم لله بهذه الكلمات الأربع طريقة مخالفة للطريقة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهِدها الصحابة من الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، ونقف في ذلك على قصة عظيمة جداً رواها الإمام الدارمي رحمه الله تعالى في كتابه – السنن – من حديث عمرو ابن سلمة الهمداني رحمه الله تعالى قال :
(( كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ )) يعني قبل صلاة الفجر ينتظرون عبد الله بن مسعود ليخرج لصلاة الفجر فيخرجون معه (( فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ فَقَالَ : أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا : لاَ ، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعاً ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّى رَأَيْتُ فِى الْمَسْجِدِ آنِفاً أَمْراً أَنْكَرْتُهُ ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْراً )) أريد أن نقف هنا وقفة عندما قال أبو موسى ((فِى الْمَسْجِدِ آنِفاً)) متى ؟ في الثلث الأخير من الليل ، هؤلاء عُبَّاد ، في الثلث الأخير من الليل مجتمعين في المسجد على ماذا ؟ على ذكر الله ، بماذا ؟ بــ(سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) في الثلث الأخير من الليل مجتمعين ، يقول ((آنفا)) وهذا قبل صلاة الغداة ، يقول : آنفا إذاً في الثلث الأخير من الليل مجتمعين في المسجد في بيت من بيوت الله ، فهم الآن في مسجد – هذه ننتبه لها – وفي أفضل الأوقات الثلث الأخير من الليل .
يقول : ((وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ خَيْراً )) رأيت أمر أنكرته ولم أر إلا خيرا ، لأنه رأى ذكر لله ، لكن يقول ((أنكرته)) لأن الطريقة التي كانوا يذكرون الله سبحانه وتعالى بها طريقة ليست معهودة في هدي النبي صلوات الله وسلامه عليه .
قَالَ له ابن مسعود : (( فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ : إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ – يعني سترى بعينك الذي رأيت – رَأَيْتُ فِى الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلاَةَ - يعني صلاة الفجر- فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ ، وَفِى أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ : كَبِّرُوا مِائَةً ، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً – يعني بصوت واحد جماعة – فَيَقُولُ : هَلِّلُوا مِائَةً ، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً ، وَيَقُولُ : سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً. قَالَ ابن مسعود لأبي موسى : فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئاً انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ. قَالَ : أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ )) القوم ماذا يفعلون حتى يقال لهم عدوا سيئاتكم !! يسبِّحون الله (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) وفي الثلث الأخير من الليل ! وعبد الله يقول له : (( أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ )) لماذا ؟ لأن هذا تعبُّد لله بطريقة لم تُشرع ولم تُعهَد ، والنبي عليه الصلاة والسلام أعظم الذاكرين وأعظم المرغِّبين في ذكر الله سبحانه وتعالى ولم يُعهد عنه أمثال هذا الصنيع وفي مثل هذه الطريقة التي عليها هؤلاء .
(( قَالَ : أَفَلاَ أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ. ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ )) في زمن النبي عليه الصلاة والسلام الحصى موجود ، فلم يُحضره للمسجد ليعُدَّ به التسبيح ، ولا أرشد الصحابة إلى أن يحضروا للمسجد ليعدوا به التسبيح .
(( قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لاَ يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَىْءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ )) وكلمة ويحك هذه يؤتى بها في مقام التهديد (( مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ -ما أسرع وقوعكم في الهلاك - هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ )) الصحابة موجودون وثياب النبي صلى الله عليه وسلم لم تبلَ وأنتم سارعتم إلى هذه الهلكة (( وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ )) ينبِّههم إلى أنهم قريبوا العهد بعهد النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك سارعوا إلى مثل هذه الهلكة ، فكيف بمن يأتي في قرنٍ مُتأخر من الزمان ؟!
(( وَالَّذِى نَفْسِى فِى يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِىَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ، أَوْ مُفْتَتِحِى بَابِ ضَلاَلَةٍ )) وهذا حقيقة تقعيدٌ عظيم نافع في رد البدع ، عندما يُرَدُّ على إنسان ببدعة أيًّا كانت يُقال له هل هذا العمل من ملة محمد عليه الصلاة والسلام ؟ إن قال : نعم يقال : هات الدليل من سنته أنَّ هذا من ملته وهديه عليه الصلاة والسلام ، إن قال : لا ليس من ملته ولكنه شيء حسن أو عمل طيب أو نحو ذلك يقال له : أنت مفتتح بهذا باب ضلالة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال : وكل بدعة ضلالة ((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )) ، ((وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ)) .
(( قَالُوا : وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ )) يعني لم نرد بهذا الصنيع ولا بهذا العمل إلا الخير ، ما أردنا الشر ولا أردنا الباطل ولا أردنا الضلال إنما أردنا الخير ، وهذه كلمة تأتي على لسان كل من يأتي بمحدثات ، الذي يأتي بالمحدثات إذا سُئل عنها لا يقول أنا أريد الشر بل يقول أنا أريد الخير ، أريد التقرب إلى الله ، أريد ثواب الله ، أريد أجر الله سبحانه وتعالى ، أريد النجاة من عقاب الله .
قَالَ رضي الله عنه : ((وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ )) أي أن إصابة الخير لا تكون إلا بموافقة إمام الخير محمد صلوات الله وسلامه عليه ، فإذا كان الإنسان موافقاً لهدي النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه سائراً على نهجه القويم صلى الله عليه وسلم فإنه حينئذٍ يكون أصاب الخير ، أما إذا كان يعمل بما يمليه عليه هواه أو تميل إليه نفسه أو يسمعه من بعض أشياخه أو نحو ذلك ولا يكون للعمل أي مستند أو أيُّ دليل من هدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام فإن العمل إذا كان بهذه الصفة يُردُّ على صاحبه ولا يُقبل منه ، لأن الله سبحانه وتعالى إنما يقبل من الأعمال ما كان خالصاً لوجهه موافقاً لهدي نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه .

كذلك من فقه الذكر لله سبحانه وتعالى : أن الذاكر لله ينبغي عليه أن يكون ذكره لله قائماً على أركان التعبد القلبية الثلاثة المطلوبة في كل عبادة والتي جمعها الله سبحانه وتعالى في قوله من سورة الإسراء {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) } فذكر الله عز وجل في هذه الآية أركاناً ثلاثة للتعبد ألا وهي : أن تكون العبادة قائمة على حب الله ، ورجاء ثوابه ، وخوف عقابه سبحانه وتعالى .
والذكر شأنه شأن كل عبادة ، وهذه أركانٌ للتعبد مطلوبة من العابد في كل عبادة يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها ، فالذاكر عندما يذكر الله يذكر الله حباً لله سبحانه وتعالى ورجاءً لثوابه سبحانه وتعالى وخوفاً من عقابه عز وجل ، وقد جُمعت هذه الأركان في سورة الفاتحة ، فإن في قول الله عز وجل {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الحب لأن الحمد هو الثناء مع الحب للمثنى عليه وللممدوح ، و{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} فيها الرجاء يرجون رحمته ، و{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فيه الخوف {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} ؛ وبهذه الأمور الثلاثة قال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } أي نعبدك يا الله بالحب الذي دل عليه قوله {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وبالرجاء الذي دل عليه قوله {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} وبالخوف الذي دل عليه {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، فهذه أركان عظيمة للتعبد مطلوبة من المسلم في كل عبادة وطاعة يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها ، وهي يسميها أهل العلم أركان التعبد القلبية ، وهي مطلوبة في كل عبادة .
نأتي إلى أمر آخر في باب فقه الذكر لله سبحانه وتعالى - وأسلفتُ لكم أن الموضوع موضوعٌ واسع وجوانبه وأطرافه عديدة ولكنني أشير إشارات سريعة إلى مهمات هذا الموضوع وجوانبه العظيمة التي يُحتاج إلى التذكير بها والتنبيه عليها - فمن الأمور المتعلقة بفقه الذكر : العناية بآداب الذكر ، وذكر الله سبحانه وتعالى له آدابه التي ينبغي على الذاكر لله سبحانه وتعالى أن يُعنى بها ليكون ذلك أعظم في أجره وثوابه وفوزه بموعود الله سبحانه وتعالى العظيم للذاكرين .
وآداب الذكر كثيرة والحديث عنها يطول لكنني سأتحدث عن سبعة آداب لذكر الله سبحانه وتعالى اجتمعت في آية واحدة من القرآن الكريم ، وهي آداب عظيمة ومهمة ينبغي للذاكر لله سبحانه وتعالى أن يراعيها في ذكره لله عز وجل والآية هي قول الله سبحانه وتعالى : {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فـي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ} [الأعراف:205] فهذه الآية عظيمة جداً في باب الذكر وبيان آدابه التي على المسلم أن يتحلى بها ، وقد اجتمع في هذه الآية العظيمة المباركة سبعة آداب لذكر الله عز وجل :
 الأدب الأول مما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من آداب الذكر : أن يكون ذكر العبد لربه في نفسه قال {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} ، والذكر عندما يكون بهذه الصفة يكون أدْخل في الإخلاص وأدْعى لتحقيق الإخلاص في الذكر لله سبحانه وتعالى ، والإخلاص كما تقدَّم أساسٌ لقبول الأعمال كلها الذكر وغيره ، ولهذا قال الله عز وجل {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} فإذا كان الذكر بهذه الصفة فإنه أدخل في الإخلاص وأبلغ في تحقيق العبد له والبعد عن المراءاة والسمعة ونحو ذلك من محبطات الأعمال ومبطلاتها .
 الأدب الثاني من آداب الذكر مما هو مستفادٌ من هذه الآية الكريمة : أن يكون ذكرك لله سبحانه وتعالى تضرعاً كما قال الله عز وجل {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً} ؛ فأن يكون ذكرك لله على وجه التضرع وهو التذلل والخضوع لله سبحانه وتعالى والانكسار بين يديه عز وجل ، فيكون الذاكر في ذكره لله سبحانه وتعالى على هذه الحال ، يذكر الله متضرعاً بذكره إلى الله أي متذللا خاضعاً منكسراً بين يدي ربه سبحانه وتعالى .
 الأدب الثالث من آداب الذكر مما هو مستفاد من هذه الآية الكريمة : أن يكون ذكرك لله خيفة ، قال عز وجل {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً } ، ومرّ معنا أن من أركان الذكر وأركان كل عبادة أن تكون العبادة قائمة على الخوف وهذا هو معنى قوله : {خِيفَةً } أن تذكر الله خيفةً أي تذكر الله عز وجل ذكر الخائف ، الخائف من ماذا ؟! خائفٌ من عقاب الله ، خائفٌ من سخط الله ، خائفٌ من النار ، خائفٌ من أن تُرد عليك أعمالك ومنها ذكرك لله سبحانه وتعالى ، ولهذا قال الله جل وعلا في ذكر صفات المؤمنين الكُمَّل في سورة المؤمنون قال : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) } وجلة : أي خائفة ، خائفة من ماذا ؟ عائشة رضي الله عنها كما في المسند وغيره سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ؛ قالت : ((يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهُوَ الرَّجُلُ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ ؟ - هل هذا المراد بقوله { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أي يفعلون ما يفعلون من معاصي وآثام وكبائر وهم خائفون من أن يُعذبهم الله عليها ، هذا المراد ؟ - قَالَ لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَوْ لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ )) ، ولهذا هنا قال في الآية : {وَخِيفَةً } ، يعني تذكر الله وأنت خائف ألا تُقبل منك صلاتك ، ألا يُقبل منك صيامك ، ألا يُقبل منك ذكرك لله سبحانه وتعالى . وهذه الصفة في الذكر هي صفة كمال في الذاكر لله سبحانه وتعالى ، عندما يكون ذكره لله عز وجل على هذه الحال يذكر الله خيفةً ، هذا كمالٌ في ذكره لربه سبحانه وتعالى ، ولهذا دعا الله عباده أن يذكروه على هذه الصفة .
يتبــــــــــــــــــــــ ع

 الأدب الرابع من الآداب المطلوبة في الذكر مما هو مستفاد من هذه الآية الكريمة : مستفاد من قوله سبحانه وتعالى {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} ؛ وهذا يستفاد منه أدبٌ من آداب الدعاء وهو أن الذكر كما أنه يكون بالقلب {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أيضا يحرَّك اللسان بالذكر ، ما يقتصر الإنسان بأن يكون يذكر الله بقلبه بل يحرك لسانه بذكر الله ، ولهذا قال :{وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} ؛ فقوله {دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} يستفاد منه أن من آداب الذكر أن يحرِّك الذاكر لسانه بالذكر ، ولهذا قال العلماء ومنهم ابن القيم في كتابه - الوابل الصيب – أن ذكر الله عز وجل على مراتب وهي ثلاث مراتب : أن يكون بالقلب واللسان معاً ، وأن يكون بالقلب وحده ، وأن يكون باللسان وحده ، وأكمل مراتب الذكر وأعلاها وأرفعها شأناً أن يكون بالقلب واللسان ؛ وهذان مستفادان من هذه الآية الكريمة . فقوله سبحانه وتعالى:{وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} يستفاد منه أدب من آداب الذكر وهو أن يحرِّك الذاكر لسانه بالذكر.
 الأدب الخامس من آداب الذكر العظيمة أيضاً هو مستفاد من قوله :{وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} هذا يستفاد منه أن من آداب الدعاء عدم رفع الصوت فيه ، فقوله {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} أي : ليكن ذكرك لله سبحانه وتعالى بلسانك ولكن لا تجهر لا ترفع صوتك بل ليكن ذكرك لله بلسانك مخافتة بينك وبين الله سبحانه وتعالى .
 الأدب السادس من آداب الذكر مما هو مستفاد من هذه الآية : أن يعتني الذاكر بالأوقات المفضلة للذكر وأفضل أوقات الذكر ، ولهذا قال {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} ؛ وهذا فيه التنبيه إلى العناية بهذين الوقتين الفاضلين لذكر الله سبحانه وتعالى ، {بِالْغُدُوِّ } والغدو : أول النهار { وَالآصَالِ} هو آخر النهار ، وفي السنة النبوية أذكار كثيرة معروفة عند أهل العلم بأذكار طرفي النهار ، فهناك أذكار يُسنُّ للمسلم أن يواظب عليها إذا أصبح وأذكار يُسن للمسلم أن يُواظب عليها إذا أمسى {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} ؛ فهذا فيه التنبيه على أن الذاكر ينبغي أن يعتني بهذين الوقتين الفاضلين العظيمين لإقامة ذكر الله سبحانه وتعالى ، وأن يعتني في الوقت نفسه بالمأثور والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان يذكر ربه سبحانه وتعالى به في هذين الوقتين الفاضلين أول النهار وآخر النهار . وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ)) والدلجة يعني في آخر الليل ، ذكر في هذا الحديث عليه الصلاة والسلام الغدوة والروحة وشيء من الدلجة ، والغدوة : هي أول النهار ، والروحة هي آخر النهار ؛ وهما أفضل الأوقات لإقامة ذكر الله سبحانه وتعالى وإلى عظم هذين الوقتين وأهمية ذكر الله سبحانه وتعالى بهما الإشارة في قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} .
 الأدب السابع من آداب الذكر العظيمة مما هو مستفاد من هذه الآية الكريمة : الحذر من ضد الذكر وهو الغفلة ، ولهذا ختم الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة بقوله {وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ} ؛ فيحذر الإنسان من الغفلة ومن أسبابها ومن أن يكون من أهلها ، والإنسان تكون سلامته من الغفلة بالمواظبة على ذكر الله وبالحرص على ذكر الله وبمجاهدة النفس على ذكر الله سبحانه وتعالى ؛ لتذهب عنه الغفلة ولئلا يكون من الغافلين وليكون بإذن الله سبحانه وتعالى من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ، الذين أعدَّ الله سبحانه وتعالى لهم مغفرة وأجراً عظيما .
أيضا مما يتعلق بفقه هذا الباب - باب الذكر لله سبحانه وتعالى - : أن العبد يحتاج في هذه العبادة وفي كل عبادة إلى أمرين عظيمين لابد منهما في جميع العبادات ألا وهما : بذل الأسباب بمجاهدة النفس ، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى كما قال عليه الصلاة والسلام ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ)) .
 فإذا أراد العبد لنفسه أن يكون من أهل الذكر من الذاكرين لله عز وجل الذين لهم الأجر العظيم والثواب الجزيل فعليه أولاً أن يجاهد نفسه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }[العنكبوت:69] ؛ يجاهد نفسه على الذكر ويُمرِّن نفسه ويعوِّدها على ذكر الله ، إذا أصبح يجاهد نفسه على أذكار الصباح ، إذا أمسى يجاهد نفسه على أذكار المساء ، إذا أراد أن ينام يجاهد نفسه على أذكار النوم ، إذا قام من نومه يجاهد نفسه على الأذكار التي تُشرع في القومة من النوم ، إذا صلى يجاهد نفسه على الإتيان بأذكار الصلاة وافية كاملة ، إذا فرغ من صلاته يجاهد نفسه على الإتيان بالأذكار المشرعة أدبار الصلوات ، إذا خرج من بيته يجاهد نفسه على أذكار الخروج ، إذا دخل بيته يجاهد نفسه على أذكار الدخول ، إذا بقي في بيته يجاهد نفسه على الذكر في البيت ، ومثل البيت الذي يُذكر فيه الله مثل الحي والبيت الذي لا يذكر فيه الله مثل الميت ، فيجاهد نفسه على ذكر الله في كل مقام وفي كل مناسبة { قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } ، فيكون حياته مجاهداً لنفسه على إقامة ذكر الله عز وجل ، هذا الأمر الأول .
 الأمر الثاني : أن يستعين بالله لأنك لا يمكن أن تكون من الذاكرين ولا أن تكون من العابدين ولا أن تكون من الشاكرين ولا أن تكون من المصلِّين ولا أن تكون من الصائمين إلا إذا أعانك الله سبحانه وتعالى على ذلك ، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ } [النور:21] ، ويقول الله عز وجل {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}[الحجرات:7] ولهذا العبد يحتاج إلى عون الله ليستطيع أن يذكر الله ليستطيع أن يصلي ليستطيع أن يعبد الله ، وإذا لم يكن من الله عون للعبد لا يستطيع أن يذكر الله ، ولهذا يقول معاذ ابن جبل رضي الله عنه : ((أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ أَنِّي لَأُحِبُّكَ .. لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) .
وتأمل هنا لطيفة ؛ وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد معاذ إلى أن يقول دبر كل صلاة (( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) وهذا فيه لفت انتباه إلى أن إتيانك للصلاة وذكرك لله سبحانه وتعالى فيها هذا عون من الله لك ، لولا الله ما صليت ولولا الله ما كنت من الذاكرين ، فإذا فرغتَ من صلاتك جدِّد الطلب وجدد السؤال سؤال الله سبحانه وتعالى المعونة ، فإذا فرغتَ من الصلاة تقول في دبر صلاتك : (( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) يعني كما أعنتني على هذه الصلاة ووفقتني لها ولذكرك فيها أعني على العبادات التي أستقبلها في أوقاتي القادمة لأكون فيها من الذاكرين ، من المصلين ، من الشاكرين من العابدين ، قال : (( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) ، لم يقل "وعبادتك" وإنما قال ((وحسن عبادتك)) وهذا فيه التنبيه إلى أن العبادة لا تكون مقبولة عند الله سبحانه وتعالى إلا إذا كانت متصفة بالحسن ، كما قال الله عز وجل {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}[الملك :2] ؛ قال الفضيل ابن عياض رحمه الله في معنى هذه الآية الكريمة: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} : أخلصه وأصوبه ، قيل يا أبا علي وما أخلصه وأصوبه ؟ قال : " إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل حتى يكون خالصاً صوابا ، والخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة " .
وبهذا نأتي إلى خاتمة هذا اللقاء حول موضوع الذكر الذي هو من أعظم الأعمال وأجلِّها وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى ، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزقنا جميعاً الإخلاص في الأعمال والإصابة والإتباع لسنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، وأن يعيننا جميعاً على ذكره وشكره وحسن عبادته ، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر ، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ، اللهم أعنا ولا تعن علينا ، وانصرنا ولا تنصر علينا ، وامكر لنا ولا تمكر علينا ، واهدنا و يسِّر الهدى لنا ، وانصرنا على من بغى علينا ، اللهم اجعلنا لك ذاكرين ، لك شاكرين، إليك أواهين منيبين ، لك مخبتين لك مطيعين ، اللهم تقبل توبتنا ، واغسل حوبتنا ، وثبت حجتنا ، واهد قلوبنا ، وسدِّد ألسنتنا ، واسلل سخيمة صدورنا . اللهم وأصلح ذات بيننا ، وألِّف بين قلوبنا واهدنا سبل السلام ، وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأوقاتنا وأزواجنا وذرياتنا وأموالنا واجعلنا مباركين أينما كنّا . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

جزاك الله خيرا
وأحسن إليك فيما قدمت
دمت برضى الله وإحسانه وفضله






















بـــــــــــــــارك الله فيـــــــــــك
وجــــــــــــــــزاك الجنـــــــــــــة




الساعة الآن 04:32 AM.