منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


حبل الله الممدود




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
حبل الله الممدود

إنَّ الحمد لله نـحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله ؛ صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ؛ أمَّا بعد :
فهـٰذه أمسية طيبة وساعة كريمة في هذه الليلة الفاضلة من ليالي شهر رمضان المبارك ، ومع موضوعٍ جليل القدر عظيم الفائدة كبير النفع له صلة بشهرنا الكريم وموسمنا الفاضل ، وعنوان هذا اللقاء :
[حبل الله الممدود ]
وحبل الله الممدود الذي هو عنوان هذه المحاضرة هو كتاب الله جل وعلا ؛ القرآن الكريم ، وقد جاء تسميته بهـٰذا الاسم في السُّنَّة الصَّحيحة الثَّابتة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ((كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ )) ، وروى الإمام مسـلم في صحيحه من حديث زيد ابن أرقم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (( أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ : أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ مَنْ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى ، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ )) ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بإسنادٍ على شرط مسلم من حديث أبي شُريح الخزاعي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ((أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا ، أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ )) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (( فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ – أي حبل - طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا)) .
معاشر الإخوة الكرام : يأتي هذا الموضع العظيم بهذا العنوان [حبل الله الممدود ] في هذه الأيام المباركات أو الليالي المباركات ليالي شهر رمضان المبارك ، وكلنا نعلم أن شهر رمضان له خصوصية بالقرآن الكريم ، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة:185] ، ويقول جلَّ وعلا : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان:3] ، ويقول جلَّ وعلا : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر:1-3] ، فالقرآن الكريم أُنزل في شهر رمضان ، وهو أعظم كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى على أعظم رسول في أفضل شهر وفي أفضل ليلة ، فليلة القدر هي خير ليالي السَّنة على الإطلاق، وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن ، والمراد بإنزاله : أي إلى بيت العزَّة في السماء الدنيا ؛ لأن القرآن نزل جملةً واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزَّة ثم نزل منجَّمًا خلال عشرين سنة بحسب الأمور والأحوال والوقائع والحوادث ونـحو ذلك ، كما جاء بذلك الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره في تقرير هـٰذا المعنى .
وهـٰذا يُبيِّن لنا أنَّ شهر رمضان المبارك له خصوصية في القـرآن ، ولهـٰذا كان جبريل يأتي نبيَّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هـٰذا الشَّهر ويُدارسه القرآن ، وقد جاء في الحديث الصَّحيح : ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ)) ، ولهـٰذا أيضًا كانت عناية السَّلف بالقرآن تعظم في هـٰذا الشَّهر ؛ شهر القرآن وموسم القرآن ، وكانوا يتنافسون على ختم كتاب الله عزَّ وجلَّ في هـٰذا الشَّهر الفاضل مرَّات عديدة مع التَّدبُّر لآياته ، والتَّأمُّل في دلالاته ، ومجاهدة النَّفس على العمل بهـٰذا الكتاب العظيم ؛ كتاب الله جلَّ وعلا.
والقرآن – أيها الإخوة الكرام - كتابٌ أنزله الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى هداية للبشرية ، وصلاحًا للنَّاس ، وذكرى للمؤمنين ، وشفاءً لما في الصُّدور ، وضياءً ونورًا وبركةً لمن كان من أهله ، قال الله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾[ص:29] ، وقال جل وعلا : ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء:9] .
وهـٰذا الكتاب العظيم أنزله الله تبارك وتعالى لعباده ليكون منهجًا لهم في حياتهم ، في أخلاقهم ، في آدابهم ، في معاملاتهم ، في تعبُّدهم وتقربهم إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، ولهـٰذا لما سُئِلت أمّ المؤمنين عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها عن خُلق نبيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)) ، ومعنى كلامها رضي الله عنها وأرضاها ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)) : أي أن كل ما تراه في القرآن من عبادةٍ وخُلقٍ وأدبٍ ومعاملةٍ إلى غير ذلك ، كلّ ذلكم اتصف به نبيِّنا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ على التَّمام والكمال ، فكان أعبد الناس لله ، وأكثرهم لله خشية ، وأعظمهم تقوى لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وأكملهم خلقًا ، وأحسنهم أدبًا ، وأطيبهم معاملة ، وكل ما في كتاب الله عز وجل من عبادةٍ وخُلقٍ وأدبٍ وغير ذلك أتى به وتمَّمه وكمَّله صلوات الله وسلامه عليه .
وهـٰذا القـرآن هو زاد المؤمنين ، وروح قلوبهم ، وغذاء نفوسهم ؛ بل إنّ حياة الإنسان الحقيقيّة لا تكون إلاّ بالقـرآن الكريم ، لا يحيا العبد حياةً حقيقة إلا بهـٰذا الكتاب العظيم ، الكتاب المبارك ، ولهـٰذا سمَّى الله جلَّ وعلا كتابه روحًا في غير ما آية قال سبحانه: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى:52] ، وقال جلَّ وعلا في أوائل سورة النحل - سورة النِعم كما يسميها بذلك أهل العلم؛ لكثرة ما عدَّد الله فيها من نعمه - بدأ الله سورة النِّعم بقوله : ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، سمَّى ربُّنا جلَّ وعلا وحيه الحكيم وذكره العظيم والقرآن الكريم روحًا ؛ لأنَّ حياة القلوب الحقيقية إنَّما تكون بهـٰذا القـرآن ؛ بل سُمّيَ جبريل عليه السَّلام الذي ينزل بالوحي الروح ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾ [الشعراء:193] ، وقال: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ﴾ أي جبريل ﴿ فِيهَا ﴾[القدر:4] ، سمَّاه روحًا لأنَّه نزل بالقرآن الذي به حياة القلوب .
ويجب على كلِّ واحد منا أن يعلم أن حياته الحقيقة في هـٰذه الدنيا وفي الآخرة بحسب حظه ونصيبه من هـٰذا الكتاب المبارك علمًا وعملًا وتطبيقًا ؛ ولهـٰذا يقول الله جلَّ وعلا في سورة الحديد ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الحديد:16-17] .
تأمَّل أخي -رعاك الله- قول الله عزَّ وجلَّ : ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ذكر هـٰذا سبحانه عقب قوله : ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ أتبع هـٰذا بإخباره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه يحيي الأرض بعد موتها قال : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فيها آيات عظيمة ، آيات جليلة ؛ أي كما أن الأرض الميِّتة تحيا بالماء إذا أنزل الله عليها الماء { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [الحج:5] ، فكذلك القلوب لا يمكن أن تحيا إلَّا بالقرآن ، لا يمكن أن تدبَّ فيها الحياة وأن تذوق طعم الحياة وأن تتلذّذ بسعادة الدّنيا والآخرة إلا بهـٰذا القرآن ، وبدون القرآن والعمل به يعيش الإنسان في هـٰذه الحياة عيشةً بهيمية ليست عيشة حقيقية ، ولهـٰذا يقول الله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه:123] نفْيُ الضلال فيه إثبات الهداية، ونفيُ الشقاء فيه إثبات السعادة ، فمن أراد لنفسه هدايةً وسعادةً فعليه بالقرآن ، ويقول جلَّ وعلا : ﴿ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه:1-2] أي : إنَّما أنزلناه عليك لتسعد ، وقد قيل في بعض كتب التفسير أنّ جماعةً من المشركين قالوا في حق نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إن الله أنزل عليه هذا القرآن ليشقى به هو وأصحابه ، فقال الله: ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ أي: إنَّما أنزلنا عليك القرآن لتسعد، ولهـٰذا السَّعادة الحقيقية وهناءة العيش وذوق واحة الإيمان وحلاوة الدين إنَّما يكون ذلك بالقرآن الكريم ؛ كتاب ربّنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
ولهـٰذا جاء في القرآن آيات عديدة فيها أمر الله سبحانه عباده بتدبُّر هـٰذا القـرآن حتى يذوقوا حلاوته ؛ لأنه لا يذوق حلاوة القرآن ولا ينتفع به إلاّ من تدبر آياته ، وعقل مضامينه ، وفهم معانيَه ، ولهـٰذا يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله ((إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذُّ بقراءته؟ )) . ولهـٰذا جاء في القرآن آيات كثيرة فيها الأمر بتدبُّر القرآن الكريم : يقول الله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء:82] ، ويقول جل وعلا : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد:24] ، ويقول جل وعلا : ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ، وأخبر سبحانه وتعالى أن سبب ضلال من ضلَّ وهلاك من هلك وضياع من ضاع البُعد عن القرآن وعن تدبره ، وبيَّن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن هؤلاء وأمثالهم لو تدبَّروا القرآن لوجدوا فيه شفاء الصدور وصلاح القلوب وسعادة الدنيا والآخرة ، قال الله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [المؤمنون:66-68] ، قال: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ﴾ أي : لو أنهم تدبروا القول وعقلوا معناه وفهموا دلالته لَما حصـل لهم هـٰذا النكوص على الأعقاب ، ولَما حصـل لهم هـٰذا الضَّلال والضَّياع والفساد ، وهـٰذا يدلنا دلالةً بينة أن ضياع الإنسان وفساده وانـحرافه وزيغه بحسب بُعده عن هـٰذا الكتاب العظيم وهـٰذه الواحة الإيمانية المباركة التي فيها سعادة العبد في دنياه وأخراه .
يتبع

وقد سمَّى الله عزَّ وجلَّ القرآن الكريم في مواضع عديدة "ذكراً " ؛ ﴿ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴾ [الطلاق:10] ، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ [ص:1] سماه بهذا الاسم لماذا ؟ لأنَّ القـرآن فيه ذكر خبر من قبلنا ، ونبأ ما بعدنا ، فيه ذكر أسماء ربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأوصافه ، فيه ذكر الجنة والنار ، فيه ذكر الأحكام والأوامر والنَّواهي ، فيه ذكر القلوب ، فيه ذكر ما فيه فلاح العبد وصلاحه في دنياه وأخراه ، وإذا كان القرآن سمّاه ربنا جلَّ وعلا في مواضع عديدة (ذكراً) فإنّ من ابتعد عن القرآن الكريم كان من الغافلين ، ولا يكون العبد بعيداً عن الغفلة سالماً منها إلَّا إذا كان له حظٌ ونصيبٌ من هـٰذا الكتاب المبارك الذي فيه حياة القلوب وذكر العالمين وفلاحُهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة .
وقد وصف الله عزَّ وجلَّ هـٰذا القـرآن الكريم بأنَّه لو أنزله الله على جبل لتصدَّع ، قال الله تعالى : ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [الحشر:21] الجبل الأصم لو أنزل عليه هـٰذا القـرآن لتصدَّع من خشية الله !! ثم تكون كثير من القلوب تلك المضغة الصغيرة أقسـى – عياذاً بالله تبارك وتعالى - من الجبل ، ترد عليها زواجر القرآن وقوارع القرآن ومواعظ القرآن وتذكير القرآن ولا يتحرك فيها ساكناً ؛ بل تبقى على قسوتها { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [البقرة:74] - عياذًا بالله - .
ولهـٰذا ذِكر القلوب ويقظة النفوس وصلاحها إنما يكون بارتباط العبد بهـٰذا القرآن ، عندما يكون القرآن ربيعًا للقلب يحيا معه العبد حياةً جميلة حياةً هنيئة حياةً سعيدة ، وفي الدّعاء المأثور دعاء طرد الهم والغم المأثور عن نبيِّنا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال: ((أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ؛ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ صَدْرِي ، وَجِلَاءَ حُزْنِي ، وَذَهَابَ هَمِّي)) . وتأمّل أخي وفَّقك الله هـٰذه المعاني التي هي ثمار القرآن وآثاره :
قال: « أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ صَدْرِي » لما ذكر القلب قال « رَبِيعَ قَلْبِي » ، ولما ذكر الصدر قال «وَنُورَ صَدْرِي » ؛ لأن الصدر محيط بالقلب فإذا أضاء الصدر انعكس ضياؤه على كل ما في داخله .
ولما ذكر القلب ذكر الربيع ؛ لأن القلب هو منبع الفضائل عندما يوفق للصلاح والزكاء ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)) ، وهـٰذا فيه إشـارة لطيفة إلى أن القلب عندما يصلح بالقرآن يكون ربيعاً ، والربيع يثمر أطايب الثمـر وأجمل الزهور وأحسن الورود وأبهى الروائح يصبح ربيعاً.
قال: « وَجِلَاءَ حُزْنِي » وهـٰذه فائدة عظيمة من فوائد القـرآن : أن جلاء ما يكون في القلب من أحزان وآلام وهموم وغموم إنَّما يكون بهـٰذا الكتاب العظيم الذي هو في الحقيقة كتاب السَّعادة ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ ، ولا يمكن أن تسْعَد بالقرآن بمجرد وضعه مزخرفاً في رفٍّ في البيت أو في موضعٍ جميل ، لا يمكن أن يذوق الإنسان السَّعادة التي تُستمد من هـٰذا الكتاب بهـٰذا ، ولا يمكن أن يذوقها بمجرد هـذِّه قـراءةً بدون تدبّر ولا تعقـّل ولا تفهّم ولا عملٍ بهـٰذا الكتاب ؛ بل سعادة القـرآن وحلاوة القـرآن وهناءة العيش المحصَّلة بالقـرآن الكريم إنما تكون بتدبر القـرآن وتعقل معانيه والعمل بما فيه . ولهـٰذا قال غير واحد من أهل العلم في معنى قوله سبحانه وتعالى : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:121] ، متى يكون العبد تالياً لهـٰذا القـرآن حقّ التلاوة ؟
قالوا بثلاثة أمور :
 الأمر الأول : قراءة القرآن ، وحُسن ترتيله ، وحفظه أو حفظ ما تيسر منه .
 الأمر الثاني : التدبر وفهم الخطاب ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ تدبر القرآن ، ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ﴾ ، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ ؛ يتدبر القرآن ويكون همُّه وهو يتلو القـرآن ليس متى أختم السـورة ؟ متى أنتهي من التلاوة ؟ وإنَّما يكون همُّه وهو يتلو القـرآن متـى أعقـل عن الله الخطاب ؟ متى أفهم كلام الله ؟ متى يتأثّر قلبي بالقرآن ؟ متى أعمل بالقرآن ؟ متى أكون من الصادقين الموصوفين بذلك في القرآن ؟ من التوابين ، من المنيبين ، من الذاكرين ، من المصلين ، من القانتين ، من المتصدقين ، إلى آخره متى أكون كذلك ؟ يقرأ وهو يجاهد نفسه على هـٰذه المعاني ، لا يكون همُّه وهو يقرأ متى أختم ! بل يكون همه وهو يقرأ متى أعقل، متى أفهم، متى أتأثر بالقرآن الكريم ؟
ولهـٰذا قال ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه : « فقراءة آية بتفكّر وتفهّم خير من قراءة ختمة بغير تدبّر وتفهّم » ؛ آية واحدة تقرؤها وتتدبّرها وتداوي بها نفسك وتتأمّل في معانيها. ولهـٰذا كان بعض السّلف يقوم اللّيل في آيةٍ واحدة ، نبينا عليه الصلاة والسـلام قـام ليلة بآية واحدة ، وجاء في الصّحيح ((أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } يُرَدِّدُهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)) ، فعندما يتدبّر الإنسان ويتأمَّل ولو آية واحدة تعيش معها ليلة تداوي بها نفسك ، تعالج بها مرض قلبك ، تقوِّي بها إيمانك ، تقوِّي بها توكلك ، تقوي بها صدقك مع الله ، صلتك بالله تبارك وتعالى خيرٌ لك من أن تمضي هـذًّا بدون عقلٍ وبدون فهم. فالأمر الثاني التدبر.
 الأمر الثالث : العمل بالقرآن الكريم ؛ قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «أُنزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا» ، الذي أنزل لأجله القرآن أن نعمل به ، أن نكون من أهل القرآن ، ولا يمكن أن يكون العبد من أهل القرآن بمجرد حفظ حروفه أو تلاوة آياته وسوره فقط ، بل لابد من الفهم للمعاني ، ولابد من العمل بهـٰذا الكتاب العظيم .
وقد تحدَّث الإمام الحسن البصري رحمه الله عن بعض قرَّاء زمانه ، وأنتم تعلمون أن الحسن البصري رحمه الله تعالى من كبار العلماء التابعين ، من أهل القرن الذي يلي قرن الصحابة ، فكان يتحدَّث عن جماعة من القراء في زمانه يقول: « يقول أحدهم لقد قرأت القرآن كلَّه ولم أسقط منه حرفاً » مقصوده ضبطه للتلاوة للمخارج للترتيل إتقان الحفظ لا يُسقط منه حرفاً « يقول أحدهم لقد قرأت القرآن كلَّه ولم أسقط منه حرفاً ، وقد أسقطه واللهِ كلّه ، لا يُرى عليه القرآن لا في خُلق ولا عمل » ، ثم قال الحسن : « إذا كانت القراء مثل هؤلاء ؛ لا كثَّر الله في الناس مثل هؤلاء ، واللهِ ما هؤلاء بالقرّاء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة ».
فليست تلاوة القرآن بمجرد القراءة أو الحفظ لحروفه ، بل لا بد من التدبر ولابد أيضًا من العمل ، والعمل بالقرآن يسمي تلاوة ، من تلاوة القرآن أن تعمل ؛ إذا صلَّينا صلاتنا هـٰذه تلاوة للقرآن، إذا صمنا صيامنا هـٰذا تلاوة للقرآن، إذا تصدقنا إلى غير ذلك من الأعمال هـٰذا يُعدُّ تلاوة للقرآن ، تلاوة للقرآن بمعنى : اتِّباع وعمل ، والله عزَّ وجلَّ يقول في القرآن: ﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ [الليل:2] يعني تبِعها ، الاتباع من معاني التلاوة ، فاتِّباع القرآن يُعدُّ تلاوة للقرآن ، والقرآن إنَّما أنزل لأجل ذلك : لأن يعمل به العبد ، تقرأ القرآن تمر بك أوامر ، وتمر بك نواهي ، وتمر بك زواجر، وتمر بك قوارع ، وتمر بك مواعظ ، وتمر بك تذكيرات ، تمر بك بصائر ما حظك منها ؟؟ وما نصيبك منها ؟؟ أوامر الله في القرآن التي تقرأها وتمر عليها وتتلوها ما حظك منها ؟ نواهيه جل وعلا ما نصيبك منها ؟ وما حظك منها ؟
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فأرعها سمعك ، فإنَّه إمَّا خير تُؤمر به ، أو شر تُنهى عنه » ، أمَّا إذا كنتَ لا ترعها سمعك وتمرّ وكأنّ الأمر لا يعنيك ، وكأنّ الخطاب لغيرك ! متى يستفيد الإنسان من القرآن ؟ ومتى يكون للقرآن الأثر عليه ؟!
ولهـٰذا يحتاج هـٰذا المقام من العبد إلى مجاهدةٍ لنفسه على تحقيق هـٰذه المعاني الثلاثة لتلاوة القرآن الكريم : بحُسن القراءة والحفظ والتلاوة للقرآن ، وبحسن التأمّل والتدبر والفهم لمعاني القرآن ، وبالعمل بالقرآن الكريم . وقد مر معنا قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما سُئلت عن خُلق نبينا صلى الله عليه وسلم قالت : ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)) .
ثم إنَّ هـٰذا القرآن وصفه الله سبحانه وتعالى بأنه شفاء لما في الصُّدور: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء:82] ، ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:44] ، ويقول جل وعلا : ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ [يونس:57] . القرآن شفاء ؛ يقول قتادة رحمه الله : « إن القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم ، أما داؤكم فذنوبكم ، وأما دواؤكم فالاستغفار ».
القرآن شفاء لكن متى يحصل الاستشفاء بالقرآن ؟ متى يتحقق لك التداوي فعلاً بالقرآن ؟ متى تكون تداوي قلبك بالقرآن ؟ الأمراض التي تكتنف القلوب وتُسقِم الصدور وترهق النفوس وتؤذي النفوس متي يتخلص منها العبد؟ وكيف يستشفي من هـٰذه الأمراض بكتاب الله سبحانه وتعالى ؟
والأمراض التي تصيب القلب كثيرة ، لكنها ترجع إلى نوعين : أمراض الشهوات، وأمراض الشبهات . ودواء المرضين النّاجع والبلسم الشّافي لهما في القرآن الكريم ؛ القرآن فيه مداواة للقلوب ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ ؛ ولكن متى يُشفى القلب من أمراضه وأسقامه ؟ وكيف يتحقّق للعبد التداوي بهذا القرآن العظيم ؟ وهل يمكن أن يتحقَّق للقلب شفاء بالقرآن وواقع القرآن مع الإنسان أنه لا يُجاوز تراقيه ؟ يتحرّك به لسانه فقط أما قلبه فمحروم منه !! لا يمكن ؛ بل لابد أن يصل القرآن إلى القلب ، لابد أن يتحرَّك القلب مع آيات القرآن ، مع معاني القران ، مع دلالات القرآن ، مع مضامين القرآن ، مع مواعظ القرآن ، مع تذكيرات القرآن ، لابد أن يتحرّك القلب بذلك حتى تتحرّك فيه الحياة ، وحتى تزول عنه الأمراض ، حتى تزول عنه الأسقام ، ولهـٰذا - قدّمت - لو كان في الإنسان مثلاً مرض في قلبه ، أحياناً يشتكي بعض الناس من مخاوف أوهام ، يخاف من أوهام ويقول : " أنا في اللّيل أفزع ، أو أنا كذا ، أو إذا مشيت في كذا أخاف ، أخاف من كل شيء ، أخاف من كذا، أتوقع " تجد قلبه فيه مخاوف غير طبيعية ، أوهام يعيش معها ووساوس تُعِلُّ قلبه وتمرضه ، مثل هـٰذا يناسب أن يداوي نفسه ويتأمل ولو آية واحدة في مشكلته في مرضه يداوي نفسه بهذه الآية ، مثلا يقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:175] يكرّر الآية حتى يمتلئ قلبه خوفاً من الله ويذهب عن قلبه المخاوف التي يلقيها ويزرعها الشيطان في قلبه .
إذا وجد من نفسه ضعفاً في التوكّل على الله يردّد : ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:3] ، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة:23] .
وإذا وجد في نفسه ضعفاً في إيمانه يردّد آيات يداوي بها نفسه ويحاول أن تصل هـٰذه الآيات إلى قلبه وأن تتمكّن، والآية إذا وصلت القلب وتمكنت منه حصل الشفاء وتحقّق الدواء بإذن الله تبارك وتعالى .
ولهـٰذا خَلْقٌ كثير لا يحصيهم إلا ربّ العالمين سبحانه وتعالى زالت أمراضهم وشُفيت أسقامهم بعضهم بآية واحدة سمعها ، أحياناً يكون مرضه الكفر بالله سبحانه وتعالى فيتحوّل إلى إسلام ، أحياناً يكون مرضه النّفاق فيتحول إلى الإيمان ، أحياناً يكون مرضه الفسق والفجور والمعاصي والآثام فيتحول إلى استقامة وهداية وصلاح وعبادة لله تبارك وتعالى. والقصص في هـٰذا كثيرة جداً؛ كثير من الناس يتحدّث أن هدايته بسبب آية تجده سمعها وأخذ يردّدها يجيلها في نفسه تتكرر في قلبه ، حتى جعل الله سبحانه وتعالى فيها هدايته وصلاحه .
الفضيل بن عياض من أئمة التابعين ، أمضى أربعين سنة من حياته وهو معدود في كبار المجرمين ، كان قاطع طريق، وكانت القافلة بكاملها تخافه إلى أن بلغ الأربعين ، وليلة من الليالي أتى إلى بيت كما ذُكر في ترجمته في سير أعلام النبلاء وغيره أتى إلى بيت يتسوَّر البيت على عادته في إجرامه وعدوانه ، وهو يتسوَّر البيت إذا بصاحب البيت كان يقرأ القرآن في سورة الحديد وصل إلى قول الله سبحانه وتعالى :{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} سمع الفضيل هذه الآية ودخلت قلبه وتأثر من لحظته تأثراً عظيماً وقال في ساعته : بلى ، أجاب :{أَلَمْ يَأْنِ} قال بلى : يعني جاء الوقت الذي تخشع فيه القلوب لذكر الله ، ونزل وعاهد نفسه أن يهاجر إلى مكة وأن يبقى فيها عابداً لله سبحانه وتعالى إلى أن يموت ، آية واحدة حوَّلت مساره من إجرام إلى عابد من العبَّاد وصالح من الصالحين!! ومن ساعته بدأ يرتب وذهب إلى مكة وبقى فيها عابداً إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى ، وفي مكة يأتي العلماء والمحدِّثون ويتلقى عنهم العلم ويأخذ عنهم الفقه ويحفظ منهم الأحاديث ، ولا تفتح الآن كتاباً من كتب التفسير أو كتاباً من كتب الفقه أو الحديث أو غيرها إلا وتجد النقول العظيمة عن هـٰذا الإمام " قال الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله " ، آية واحدة غيَّرت حياته !! .
يتبع

ولهـٰذا ينبغي على الإنسان أن يتفكّر في أمراضه ، في أسقامه ، في مشاكله ، ويبدأ يداوي نفسه بالقرآن ، مثلاً إذا كان الإنسان مبتلى ، بعض الناس يشتكي من أنه مثلاً نظره يزيغ ونفسه تتطلع للنظر للنساء وربما يقصد أماكن فيها النساء للنظر ، ومبتلى بهذا وتتحرّك فيه أمور وهو في صراع مع نفسه في الخلاص منها ، داوي نفسك بالآية ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:30] يكررها الإنسان ويتأمّل فيها ويحاول أن تصل إلى قلبه ، إذا وصلت إلى قلبه حصل الشفاء .
المشاكل كلّها تأتي بسبب عدم وصول القرآن للقلب ، إذا وصل القرآن إلى قلبه حصل الشفاء ، فيبدأ يجاهد نفسه حتى يصل القرآن إلى قلبه ويتفقد نفسه في أخطاءه في مخالفاته ؛ إذا كان متهاوناً في الصلاة مقصراً يقرأ آيات تذكِّره بمكانة الصّلاة بمنزلتها يردّدها ويسأل ربّه تبارك وتعالى أن يجعله من أهلها ؛ بهـٰذه الطريقة يحيا قلبه بإذن الله بهذا الكتاب العظيم كلام رب العالمين .
فهـٰذه طريقة نافعة عظيمة جدًّا للمداواة بالقرآن، ولعل كل واحد منا يستعين بالله تبارك وتعالى ويبدأ ذلك مع نفسه؛ إذا كان الإنسان فيه عقوق لوالديه وتقصير في حقهما يقرأ: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء23-24] ؛ لا يقرأها ويمضي وكأنّ الأمر لا يعنيه ، إذا كان عنده تقصير يقف ويتأمّل ويتدبّر ويستعين بكتب التفسير،كلام أهل العلم ويداوي نفسه ، إذا وصلت الآية للقلب وتمكنت من القلب حصل الشفاء بإذن الله تبارك وتعالى ؛ هـٰذا معنى قول الله عز وجل : ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ، أما مجرد التلاوة والهَذّ وعدم التدبر وعدم التعقل لكلام الله ولمعاني القرآن الكريم فهـٰذا لا تتحقَّق به الفائدة المرجوَّة والثمرة المطلوبة التي ينبغي أن يظفر بها العبد مع هـٰذا الكتاب العظيم المبارك ؛ كتاب الله سبحانه وتعالى.
الكلام عن القرآن وفضله وثماره وأثاره وأيضًا الآداب التي ينبغي أن يكون عليها العبد المؤمن ، الحديث في هـٰذا واسع أيضاً كثرة الكلام ينسي آخره أوله فلعل في هـٰذا الكلام الذي سمعناه خيرٌ لنا ونفع وفائدة بإذن ربنا تبارك وتعالى.
وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبأنه الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا ، وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا ، وأن يجعلنا جميعاً من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته ، وأن ينفعنا بالقرآن وأن يرفعنا بالقرآن ، وأن يجعل القرآن حجةً لنا لا علينا ، وأن يوفِّقنا لتدبره على الوجه الذي يرضيه وللعمل به ، وأن يجعلنا من أهل السعادة ، من أهل الغنيمة ، من أهل الفوز في الدنيا والآخرة ، وأسأله جل وعلا أن يصلح لنا جميعاً ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، وأن يجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر . وأسـأله جل وعلا أن يصلح ذات بيننا ، وأن يؤلف بين قلوبنا ، وأن يهدينا سبل السلام ، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن يبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذرياتنا وأموالنا وأوقاتنا وأن يجعلنا مباركين أينما كنا ، وأسأله جل وعلا أن يجعلنا جميعاً من عتقائه من النار في هذا الشهر الفضيل ؛ فإن لله سبحانه وتعالى عتقاء من النار وذلك في كل ليلة من ليالي رمضان ، اللهم أصلح لنا شأننا كله واغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك أنت الغفور الرحيم .
والله تعالى أعلم ، وصلى اللهم وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

جزاك الله خيرا
وأحسن إليك فيما قدمت
دمت برضى الله وإحسانه وفضله






















موضوع ممتاز بارك الله فيك

بـــــــــــــــارك الله فيــــــــــك