منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


اتِّـــبَاعُ خَيْرِ الْهَدْي




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
اتِّـــبَاعُ خَيْرِ الْهَدْي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير النبيين وإمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أما بعد أيها الإخوة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
موضوع هذه الحياضرة هو « اتِّبَاعُ الهُدَى » وهذا الموضوع موضوعٌ جليل القدر رفيع الشأن ينبغي لكل مسلم أن يهتم به غاية الاهتمام ويعتني به تمام العناية ، وفي الحقيقة إن اتباع الهدى هو العهد الذي عهِده الله تبارك وتعالى إلى آدم وذريته عندما أخرج سبحانه وتعالى آدم من الجنة وأهبطه إلى الأرض عهد إليه وإلى ذريته أن يتبعوا الهدى وبيَّن ذلك تبارك وتعالى في القرآن الكريم أتم بيان ، قال الله جل وعلا : { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه:123-124] ، وقال في الآية الأخرى { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة:38] هذا ما عهده الله تبارك وتعالى إلى آدم وذريته ؛ عهد إليهم اتباع الهدى ، ولهذا ينبغي أن يكون ارتباط هذا الموضوع وثيقاً بالقصة التي قدَّمت : قصة آدم وقصة إخراجه من الجنة ، والعداوة التي نشأت قديماً من إبليس تجاهه وتجاه ذريته .
القصة كما لا يخفى على الجميع : أن الله تبارك وتعالى أمر إبليس مع الملائكة أن يسجدوا لآدم فاستكبر إبليس وتعاظم ورأى نفسه أعلى من ذلك وأرفع قدراً من ذلك وامتنع من السجود ، ثم صار إلى الحقد والعداوة والضغينة ضد آدم عليه السلام ، ولما أكرم الله تبارك وتعالى آدم وأسكنه الجنة وقال له ولزوجه {كُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } وحذَّرهما من قربان شجرة معيَّنة في الجنة ابتلاءً وامتحاناً جاء الشيطان بعداوته وضغينته وحقده إلى آدم فوسوس إليه وقال { هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى } ، فأكل آدم من الشجرة {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } وقع آدم بذلك في معصية الله تبارك وتعالى وكانت هذه المعصية سبباً لإخراجه من الجنة وإهباطه إلى الأرض ، هذا الخطأ وهذه الطاعة التي وقعت منه عليه السلام لإبليس سبَّبت هذا الأمر وأدت إلى هذا الإهباط الذي حصل لآدم عليه السلام ولذريته . نتيجةً لهذا الخطأ أخرجه الله تبارك وتعالى من الجنة ، ولهذا الجنة هي المنزل الأول لبني آدم منزلنا الأول هو الجنة ، والخروج منها كان بسبب خطأٍ وقع فيه آدم ، وقد تاب الله تبارك وتعالى على آدم لأنه سأل الله عز جل استغفر ذنبه وتاب الله عليه كما سيأتي معنا في نص القرآن الكريم .
لما أخرج الله عز وجل آدم من الجنة وأهبطه إلى الأرض قال : { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أمَر آدم وحواء وإبليس بالهبوط إلى الأرض وقال : { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } يعني إبليس عدو لكم وممتلئ عداوةً لكم ، ثم أخذ يُنزل وحيه على آدم وعلى ذريته فقال : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ، { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } كما في الآيتين .
أقول لابد في الحديث عن اتباع الهدى من استحضار هذه القصة العظيمة ، وهذه القصة كما تعلمون وردت في مواطن عديدة من القرآن الكريم ، وورودها في القرآن في مواطن عديدة ومرات متكررة يدلنا على أهمية هذا الأمر ووجوب الانتباه له ووجوب الحذر من هذا العدو اللدود الذي يكيد للإنسان كيدا والذي يتربص به من كل جهة والذي هو من أحرص ما يكون على غواية الإنسان وضلاله وانحرافه وبُعده عن طاعة الله تبارك وتعالى . تكرر مجيء هذه القصة في القرآن الكريم جاءت في سورة البقرة وفي سورة الأعراف وفي سورة طه وفي سورة الكهف وفي مواطن عديدة من كلام الله تبارك وتعالى ، سأشير إلى موضعين منها :
 الموضع الأول في سورة البقرة ؛ يقول الله تبارك وتعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)} إلى وقت محدد ، لكم في الأرض مستقر ليس دائم وإنما إلى وقت محدد وإلى أجل معلوم { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)} تاب الله على آدم وغفر له ذنبه بكلماتٍ قالها آدم فتاب الله عليه ، سأل الله عز وجل أن يغفر له خطيئته {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)} .
 الموطن الآخر في سورة طه ؛ يقول الله تبارك وتعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا } يعني إبليس {عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) } يعني لك في الجنة عندما أكرمه الله عز وجل بدخولها والبقاء فيها قال{ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} يعني لا ينالك جوع ولا ينالك عري ولا ينالك ظمأ ولا ينالك ضَحى وهو أن يضحى الإنسان للشمس فتؤثر عليه ، فهو في نعمة وفضل ومنة كبيرة من الله تبارك وتعالى لكن العدو اللدود إبليس لا يرضى بذلك فاتخذ أساليبه وجاء بحيَله وطرقه {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ } يعني وسوس الشيطان إلى آدم {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)} جاءه من هذا الطريق ، يعني إذا أكلت من هذه الشجرة تكون خالداً ويكون ملكك غير فانٍ ولا يلحقه البِلى ، فأثر فيه هذا الوسواس { فَأَكَلَا مِنْهَا } يعني هو وزوجه {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } يعني نالهما العري {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } يأخذان من ورق الجنة ويستتران به {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) } وقع في هذه المعصية ووقع في هذه الخطيئة مع أن الله تبارك وتعالى حذره منها نهاه أن يقرب هذه الشجرة المعيِّنة ابتلاءً وامتحاناً فأكل منها آدم هو وزوجه عندما وسوس إليه الشيطان { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ } يعني اصطفاه{ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ } يعني الله عز وجل { اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} أنتم وإبليس اهبطوا إلى الأرض جميعاً { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } هو عدو له وأنتم أعداء له ، فالعداوة بين آدم وذريته وبين الشيطان قديمة وبدأت منذ تكبُّر إبليس وامتناعه عن السجود لآدم الذي فضَّله الله تبارك وتعالى وكرَّمه عليه { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } الخطاب هنا في قوله { يَأْتِيَنَّكُمْ } أي آدم وذريته وأيضاً ذرية إبليس وهو الجن ، فالجميع مخاطبون بالشريعة ، الشريعة للثقلين كما قال الله عز وجل {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] . { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) } أخرِج آدم من الجنة وأهبِط إلى الأرض ، والجنة هي المنزل الأول لآدم عليه السلام .
فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها منازلنا الأُلى وفيها المخيَّمُ
هكذا يقول ابن القيم رحمه الله في ميميته ، فهي المنزل الأول لآدم وذريته لكن بسبب هذا الكيد وبهذه الوسوسة التي كانت من إبليس أخرج آدم من الجنة ، فأصبح السبيل والطريق إلى العودة إلى الجنة المنزل الأول بأي شيء ؟ باتباع الهدى { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ } ، ولهذا أهبط الله عز وجل آدم والذرية إلى الأرض وجعلهم فيها ليبتليهم وليمتحنهم وليختبرهم ولينظر الأهل منهم باتباع هداه ومن هم بخلاف ذلك ممن يتبعون عدو الله إبليس ، ولهذا قال عز وجل : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى }.
هنا ينبغي أيها الإخوة أن نتنبه وأن نعي حقيقة وجودنا في هذه الحياة ، وأن نعي الغاية من خلْقنا ووجودنا على هذه الأرض ، وأن نعرف لماذا خَلقنا الله ، ولماذا وُجدنا في هذه الأرض ، وما هي الحكمة من ذلك ، وما الذي سيناله من أجر من أطاع الله ، وما الذي سيناله من عقاب من عصى الله ولم يتبع هدى الله تبارك وتعالى واتبع الشيطان ؛ هذه أسئلة لابد أن يطرحها كل عاقل على نفسه وأن تكون دائماً مسيطرة عليه وعلى تفكيره ، الله عز وجل قال في القرآن الكريم {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف:3] وقال عنهم : {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم:7] غائبون تماماً عن الغاية التي خُلقوا من أجلها وأوجدوا لتحقيقها ، بل بعضهم لا يعرف قصة أباه مع هذا العدو اللدود انفصلوا تماماً بسبب الفتن وبسبب كيد الشيطان انفصلوا عن أبيهم آدم تمام الانفصال وانفصلوا عن تلك العداوة التي بين آدم وبين إبليس ، بل إن كثيراً منهم أصبحوا من جنود إبليس ، بل إن بعضهم صار يتفاخر في نفسه وفي ضلاله وزيغه وإعراضه بأنه بلغ في ذلك مبلغاً أكثر من مبلغ إبليس يقول أحد ذرية آدم منشداً " وكنت امرءً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي " ؛ يعني وصلتُ إلى درجة أن إبليس أصبح من جندي في إضلال الناس وإغواءهم وصدهم عن دين الله . هكذا يتلاعب الشيطان بالناس ويتنقل بهم في أودية الضلال وسُبل الباطل وطرق الغواية حتى يفصلهم عن الغاية التي خُلقوا لأجلها وأوجدوا لتحقيقها ، وتعهد على نفسه كما ذكر الله {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:17] جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ )) يعني ما من طريق يسلكه ابن آدم إلا والشيطان قاعد فيه سواء كان الطريق طريق خير أو كان الطريق طريق شر ؛ فإن كان طريق خير جلس فيه الشيطان ليصد ابن آدم عن المضي فيه ، وإن كان الطريق طريق شر جلس فيه الشيطان ليشجع الإنسان على المضي فيه ، فهو جالس في أطرق بني آدم أطرق الخير وأطرق الشر ، ولهذا يجب على المسلم أن ينتبه لذلك ، يجب أن يعلم أنه وُجد في هذه الأرض وعلى هذه البسيطة لأمرٍ محدد وغايةٍ محددة وهدفٍ محدد يجب أن لا يغيب عن ذهنه وهو : اتباع هدى الله والحذر الكامل من اتباع الشيطان ، { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ } لأجل هذه الغاية خلق الله الخلق وأوجدهم وجعل بينهم التناسل إلى أن تقوم الساعة ، هذه الغاية التي خُلق الخلق لأجلها وأوجدوا لتحقيقها اتباع هدى الله عز وجل .

ماذا ينال وأي ثواب يحصِّل من يتبع هدى الله ؟
يأتيك الجواب في الآيات التي سمعت : في الآية الأولى في سورة البقرة قال الله جل وعلا { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) } ، وفي آية طه قال الله تعالى : {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } .
ماذا يحصِّل من اتبع هدى الله ؟ - على ضوء الآيتين المتقدمتين فقط ، أما على ضوء النصوص الكثيرة فإن الذي يتبع هدى الله عز وجل يحصِّل من النعيم والثواب والأجر ما لا يخطر ببال ولا يحصيه المحصون ولا يعدُّه العادُّون {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[السجدة:17] ، أعد الله لهم من الثواب والأجر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - لكن على ضوء الآيتين المتقدمتين ماذا يحصِّل من اتبع هدى الله ؟
من اتبع هدى الله يحصِّل أموراً أربعة ذُكرت في الآيتين المتقدمتين وهي :
1- عدم الخوف . 2- وعدم الحزن
3- وعدم الضلال . 4- وعدم الشقاء .
يسلم من هذه الأمور الأربعة ويتحقق له أضدادها ؛ يسلم من الخوف ، ويسلم من الحزن ، ويسلم من الضلال ، ويسلم من الشقاء ؛ أما الخوف والحزن فقد نفاهما الله عز وجل عمن اتبع هدى الله في سورة البقرة قال : {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } نفى عمن اتبع هدى الله أمرين : حصول الخوف ، وحصول الحزن .
 قال أهل العلم : الخوف متعلق بالمستقبل ، والحزن متعلق بالماضي ، ولهذا يكون معنى الآية : أي لا يلحقهم ما خافوا منه يعني في المستقبل ولا يعرض لهم حزن على ما فات { لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } الخوف يتعلق بالأمور المستقبلة ، لما يُستقبل من أمرهم في خوف ، يخافون النار يخافون القبر والعذاب يخافون الحشر يخافون الصراط يخافون من الله عز وجل يخافون أموراً كثيرة ، إذا اتبعوا هدى الله قال الله عز وجل { لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } يأتون يوم القيامة في أمن وطمأنينة وليس فيهم أي خوف ، قال الله عز وجل في آية أخرى {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82] والأمن ضد الخوف .
 أيضا { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } فيما مضى لأن ما مضى من أمرهم أمضوه في اتباع هدى الله وأمضوه في طاعة الله وأمضوه في السير على ما أمرهم الله به وما أمرهم به رسوله عليه الصلاة والسلام ؛ فهذان ثوابان عظيمان وفضيلتان كريمتان يحصِّلهما من اتبع هدى الله .
 أما في سورة طه فإن الله تبارك وتعالى يقول : { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } نفى عمَّن اتبع هدى الله الضلال والشقاء ، قال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه عند هذه الآية الكريمة : « تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ، ثم قرأ الآية الكريمة » لا يضل في الدنيا يعني لا يقع في الضلال في هذه الحياة لأنه يعبد الله على بصيرة ، لأنه يطيع الله ، لأنه يتبع هدى الله فمثل هذا لا يحصل له الضلال ولا يأتيه الضلال لأنه يعبد الله وعلى بصيرة بدين الله وعلى نهجٍ مستقيم في عبادة الله تبارك وتعالى .
 { وَلَا يَشْقَى } أي لا يلحقه الشقاء في الآخرة ، لا عذاب ، لا حميم ، لا غساق ، لا خوف ولا أهوال في مأمَن من ذلك كله { وَلَا يَشْقَى } والشقاء ضده السعادة ، والضلال ضده الهداية ، ولما نفى الله تبارك وتعالى عنهم حصول الضلال والشقاء لهم فمعنى ذلك أنهم في تمام الاهتداء وفي كمال السعادة . هذا شأن من اتبع هدى الله لا يضل ولا يشقى ، تكفل الله عز وجل له بذلك .
أما من لم يتبع هدى الله فما هي عقوبته ؟
قال عز وجل { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } يعني في هذه الحياة الدنيا {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} ، في الدنيا تكون معيشته الضنك ، والضنَك ضيق العيش .
هنا قد يرد على بعض الأذهان وعلى بعض العقول والأفهام قد يرد عليهم شبهة يقولون نرى كثيرا من الكفار الذين أعرضوا عن دين الله وعن طاعة الله تبارك وتعالى في سعة من العيش وفي نعم واسعة وأموال طائلة وخيرات كثيرة !! فكيف يتفق هذا مع قوله تبارك وتعالى{ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } ؟ أجاب أهل العلم المحقِّقون الذين يفهمون دين الله تبارك وتعالى تمام الفهم بأن المعيشة الضنكة تكون في قلوب هؤلاء ، فبالرغم من الأموال الطائلة والسعة في المال والسعة في الرزق ونحو ذلك إلا أنهم في ضنك وضيق صدر وتفكير دائم وخوف وقلق في كل يوم ينتابه قلق على ماله وفي كل يوم ينتابه اضطراب وخوف على ماله هل يبقى هل تأتيه آفة هل يسلَم من الضرر هل يلحقه كذا ، تجده دائما في ضيق واضطراب لا يكون قلبه مطمئن ، أما المؤمن المطيع لله حتى وإن كان ماله قليلاً وحتى وإن كان رزقه وطعامه وغذاءه ونحو ذلك قليلاً فإنه في نعمة تامة ورضًا بما قسم الله له ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)) ، أما الكافر إن أصابته سراء لا يشكر الله بل يجحد نعمة الله عليه ويطغى ويتكبر ويصيبه العتو والفخر ونحو ذلك كما حكى الله عن قارون {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] وإن أصابته ضراء - الكافر - فإنه يتسخط ويتبرم من القضاء ويعترض على الله تبارك وتعالى ، ولهذا العيش الهنيء بطمأنينة القلب حتى وإن كان المال قليلاً حتى وإن كان العطاء قليلا ، العيشة الهنيئة تكون في قلب الإنسان وطمأنينته ورضاه بما قسم الله تبارك وتعالى له ، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)) ؛ ((الدنيا سجن المؤمن)) بأي اعتبار والمؤمن قد يكون أيضا في الدنيا ليس في سجن في نعمة وخير وسعة في الرزق !! الدنيا سجنٌ للمؤمن باعتبار ما سيقدُم عليه يوم القيامة عندما يكون في جنة عرضها كعرض السماء والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، عندما تقارن تلك الجنة التي يكون فيها المؤمن فإن الدنيا بهذا الاعتبار سجنٌ حتى وإن ملكها الإنسان جميعها فهي سجن بهذا الاعتبار ، قال : ( والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن ) الآخرة سجنٌ للكافر باعتبار ما كان في هذه الحياة من إعراض وكفر وعدم طاعة لله تبارك وتعالى ، ولهذا المؤمن في أحواله كلها في الدنيا والآخرة في سعادة وهناءة ورغد عيش وطمأنينة ، والكافر في أحواله كلها في الدنيا والآخرة في ضيقٍ ونكد وهمٍّ وحزن وألم ، وهذه نعمة الله تبارك وتعالى على عبد الله المؤمن .
قال : {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)} الكافر يوم القيامة يحشر أعمى ، والمراد بالعمى هنا : عمى البصر ، يأتي الناس يوم القيامة وهم يبصرون ويشاهدون ما أمامهم إلا أن الكافر يوم القيامة يأتي ولا يرى شيئا ولا يبصر شيئا ولا يسمع شيئاً كما قال الله جل وعلا في آية أخرى {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء:97] الكافر يوم القيامة يحشر إلى جهنم أعمى لا يرى ، وأبكم لا يتكلم ، وأصم لا يسمع ، يحشر إلى جهنم بهذه الطريقة بل كما قال الله عز وجل فيما سمعتم يحشرون على وجوههم ، يعني يحشر إلى النار على وجهه ، يأتي إلى النار منكساً على وجهه حتى إن رجلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقال : يا رسول الله كيف يمشي الكافر يوم القيامة على وجهه ؟ لأن الله عز وجل بيَّن في القرآن أن الكافر يأتي إلى النار حتى يلقى فيها على وجهه يمشي، أرجله إلى أعلى ووجهه إلى أسفل ويمشي على وجهه إلى أن يقع في النار ، فأحد الصحابة سأل النبي عليه الصلاة والسلام قال يا رسول الله كيف يمشي الكافر على وجهه ؟ بماذا أجابه صلى الله عليه وسلم ؟ قال : (( إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ)) الذي أمشاه على القدمين وجعله قادراً على أن يمشي على قدميه في هذه الحياة قادر يوم القيامة على أن يجعله يمشي على وجهه إلى أن يقع في نار جهنم .
وليتصور المسلم العاقل هذا المنظر الفظيع عندما يأتي الكافر إلى نار جهنم بهذه الصورة الشنيعة الفظيعة التي يهتز لها القلب ويتأثر منها الفؤاد ؛ يأتي يوم القيامة - والله - أعمى وأصم وأبكم ويمشي على وجهه إلى أن يلقى في نار جهنم ويخلَّد فيها أبد الآبدين يلقى في النار منكساً ويأتي على وجهه منكسا لأنه نكَّس دينه ونكَّس عبادته ونكَّس عقيدته ونكَّس متابعته لهدى الله تبارك وتعالى فعومل من جنس عمله ، يأتي أعمى وإن كان يبصر في هذه الحياة قال الله جل وعلا في آية أخرى {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى } يعني في الدنيا{ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء:72] ، المراد بقوله {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى } يعني أعمى البصيرة ؛ لا يتبع هدى الله ولا يمتثل أمر الله ولا يتبع ما جاءت به رسل الله من كان أعمى البصيرة في الدنيا يكون يوم القيامة أعمى البصر ويحشر يوم القيامة أعمى البصر لا يرى شيئاً ، ثم ماذا يقول وهو في هذه الحال ؟ { قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا } أنا كنتُ في الدنيا بصيراً أرى الأشياء لم حشرتي أعمى وقد كنت بصيرا ؟ { قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) } ؛ فالهول عظيم والمطلع فظيع والموقف شديد ، هذا شأن من لم يتبع هدى الله ، وهذه عقوبته ، وهذه خسارته في الدنيا والآخرة .
نعود أيها الإخوة إلى من اتبع هدى الله ؛ أشرت قبل قليل إلى ما يحصِّله من اتبع هدى الله عز وجل من فضل وأجر وثواب في الدنيا والآخرة لكن هاهنا يأتي سؤال كبير في غاية الأهمية وهو :
كيف يكون الإنسان متبعاً لهدى الله ؟ هذا أهم سؤال في هذا الموضوع .
يكون الإنسان متبعاً لهدى الله بأمرين اثنين :
 الأمر الأول : تصديق خبر الله من غير اعتراض شبهة تقدح في تصديقه .
 والأمر الثاني : امتثال أمر الله تبارك وتعالى من غير اعتراض شهوة تمنع من امتثاله .
وعلى هذين الأصلين مدار دين الإسلام :
 تصديق خبر الله الذي جاءت به رسل الله ؛ الرسل الذين أرسلهم الله جاءوا بأخبار كثيرة أخبروا عن أسماء الله وصفاته وأفعاله وآلائه ونعمه ، أخبروا عن الجنة وعن النار وعن الصراط وعن الميزان وعن الملائكة وعن الجن وعن أشياء كثيرة أخبرت بها رسل الله ؛ اتباع الهدى أن يصدِّق المسلم بهذه الأخبار بدون أن يقع في قلبه شبهة تزيل هذا التصديق أو تخلخل هذا التصديق أو تجعل في هذا التصديق اضطراباً أو نحو ذلك ، أي يكون مصدِّقا تصديقاً كاملا تاماً لا شبهة فيه .
 الأمر الثاني : طاعة وامتثال أمر الله من غير اعتراض شهوةٍ تمنع امتثال أمره سبحانه وتعالى .
يتبع

ولعلكم أيها الإخوة تلاحظون شيئا عظيما هنا وهو : أن تصديق الأخبار يقابلها شبهات في هذه الدنيا تقلِّل وتزعزع في قلب المسلم جانب التصديق ؛ فيحتاج المسلم إذا صدَّق خبر الله أن يدفع كل شبهة تنقض هذا التصديق أو تخلُّ به ، الأمر الثاني أوامر الله تبارك وتعالى التي جاءت بها رسل الله يقابلها في النفس شهوات وأطماع ومآرب فيحتاج ممتثل أمر الله تبارك وتعالى أن يدفع الشهوات التي تقع في نفسه وتحول بينه وبين امتثال أمر الله تبارك وتعالى . يقابل التصديق شبهة التي تخل بالتصديق ، ويقابل امتثال الأمر الشهوة التي تدفع الإنسان إلى مخالفة أمر الله تبارك وتعالى ، ولهذا لماذا يقع كثير من الناس في عدم تصديق خبر الله ؟ لوجود شبهات في نفوسهم حالت بينهم وبين التصديق ، ولماذا يقع كثير من الناس في مخالفة أمر الله والوقوع في معصيته لأن في نفوسهم شهوات جانحة دفعتهم إلى الوقوع في معصية الله ، ولهذا تصديق الخبر يحتاج إلى دفع الشبهة ، وطاعة الأمر يحتاج إلى دفع الشهوة ؛ وبهذا يمكن أن نقول : إن اتباع هدى الله تبارك وتعالى لا يكون إلا بأمور أربعة :
 الأمر الأول : تصديق الخبر الذي جاءت به رسل الله .
 الأمر الثاني : امتثال الأمر التي جاءت به رسل الله .
 الأمر الثالث : نفي شبهات الباطل الواردة على القلب المانعة من التصديق .
 والأمر الرابع : دفع شهوات الغي الواردة على القلب المانعة من امتثال أمر الله تبارك وتعالى .
وبهذا يُعلم أيها الإخوة أن من أراد اتباع هدى الله تبارك وتعالى يحتاج في اتباعه لأمر الله إلى أمرين :
1- إلى نفي الشبهات التي تقع في قلبه .
2- وكذلك دفع الشهوات التي تقع في قلبه .
والشبهات والشهوات هما أصل فساد العبد وانحرافه ووقوعه في الباطل ، ليس هناك فساد وباطل وانحراف يقع في الدنيا إلا وسببه إما الشهوات أو الشبهات ، وسعادة العبد وفلاحه تكون بدفع الشبهات وردِّ الشهوات .
وهاهنا أمر أنبه عليه يتعلق بالشهوة والشبهة ، وهذه تتعلق بجانب العلم والمعلومات والفهم والفكر ونحو ذلك ، والقوة الأخرى قوة الإرادة والحب وهذا يتعلق بها جانب العمل ؛ كل إنسان فيه هاتان القوتان : قوة الإدراك والنظر ، وقوة الإرادة والحب ، والشبهة عندما تقع في قلب الإنسان تؤثر في جانب القوة العلمية ولهذا ينشأ عن الشبهة فساداً في العلم ، فساداً في التصور ، فساداً في الفكر ، فساداً في الإدراك ، فساداً في العلم بالأشياء ومعرفة حقائقها لا يستبين شيئا ولا يميِّز الخبيث من الرديء فينشأ فيه فساد في جانب العلم إذا دخلت عليه الشبهة ، أما إذا دخلت الشهوة على القلب فإنها تؤثر فساداً في القوة العملية فينحرف الإنسان في سلوكه وفي أخلاقه وفي معاملاته وفي آدابه وفي طاعته لربه تبارك وتعالى ؛ ولهذا فإن هاتان القوتان اعتدالهما وصلاحهما بصلاح العلم وصلاح العمل ، فإذا كان العلم صالحاً سليماً قويماً تاماً سلم للإنسان قوة الإدراك ، وإذا كان العلم صحيحا منطلقاً فيه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم سلم للإنسان قوة الإرادة وقوة الحب ، وبهذا يكون سلامة الإنسان من الشبهة والشهوة .
إذا فسد العلم بسبب الشبهة يكون الإنسان ضالا ........ يقوم به ، حتى وإن كان في ذلك مخالفة أمر الله تبارك وتعالى ومخالفة أمر رسله عليهم صلوات الله وسلامه ، ولهذا قال الله عز وجل عندما وصف رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم في أول سورة النجم قال { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)} يعني الرسول عليه الصلاة والسلام ما ضل وما غوى ؛ { مَا ضَلَّ } هذا شهادة له بتمام العلم وكماله ، وقوله {وَمَا غَوَى } شهادة له صلوات الله وسلامه عليه بكمال العمل وتمامه . هذان الوصفان وصف بهما رسوله صلى الله عليه وسلم خلفاءه الراشدين ، قال عليه الصلاة والسلام : ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا )) الراشد المهدي لاحظ الصفتين : راشد ، ومهدي ، فالمهدي ضد الضال والراشد ضد الغاوي ، فذكَر عاليه الصلاة والسلام سلامة خلفاءه الراشدين من الغواية ومن الضلالة ، الغواية تتعلق بالعمل والضلال يتعلق بالعلم ، الضلال يكون سببه الشبهة ، والغواية يكون سببها الشهوة ، فالمهدي الراشد هو الذي سلَّمه الله تبارك وتعالى في علمه وعمله . وهذا المقام العظيم يذكِّرنا أن التوحيد الذي خُلقنا له له جانبان اثنان : توحيد علمي ، وتوحيد عملي ؛ التوحيد العلمي يصفه أهل العلم بصفة ثانية : توحيد المعرفة والإثبات ، والتوحيد الآخر توحيد الإرادة والطلب .
الشبهة تلحق التوحيد العلمي توحيد المعرفة والإثبات ، والشهوة تلحق توحيد الإرادة والطلب ، ولهذا يحتاج العبد حتى يتبع هدى الله تبارك وتعالى أن يجاهد نفسه مجاهدة تامة في السلامة من الشبهة التي تُفسد العلم ومن الشهوة التي تُفسد العمل ، فإذا سلِم من فساد العلم وسلِم من فساد العمل يكون راشداً مهديا ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ)) يكون راشداً مهديا إذا سلِم من الشبهة وإذا سلِم من الشهوة ، أما إذا وقع في الشبهة صار ضالا ، وإذا وقع في الشهوة صار غاوياً لا يكون راشداً مهديا ، ولهذا لو تتأمل أحوال الناس تجدهم على أقسام :
1. قسمٌ منهم غاوٍ ضال اجتمع فيه الأمران .
2. وقسمٌ فيه غواية .
3. وقسم فيه الضلال.
4. وقسم راشد ومهتدي لا غواية فيه ولا ضلال .
والله عز وجل أمر المسلمين أن يتبعوا هداه واتباع هدى الله تبارك وتعالى لا يكون إلا بتصديق الأخبار وامتثال الأوامر ودفع الشبهات ودفع الشهوات ، ولا ريب أن هذا يتطلَّب من العبد مجاهدةً تامة ويحتاج من العبد إلى همة عالية ؛ همة ترقيه في الكمال ، ويحتاج أيضا إلى علم يبصِّره ويهديه ، يحتاج همة عالية ترقيه في الكمال في العمل والطاعة وامتثال أمر الله تبارك وتعالى ، ويحتاج إلى علم نافع صحيح يهديه إلى طريق الحق وطريق الصواب ويميِّز به بين الحق والباطل ، فمن الناس من لا يكون له علم بهذه الأمور فيتحرك في طلبها - علمٌ بأسباب السعادة ليس عنده علم بهذه الأشياء فلا يكون عنده في قلبه تحرك في طلب هذه الأشياء- ، أو يكون له علم عنده علم بهذه الأشياء عنده علم بالجنة والنعيم والثواب وجوب اتباع الهدى لكن ليس له همة تدفعه إلى طلب هذه الأشياء . الناس على قسمين :
 قسم ليس عنده علم ما علِم ما عرَف أن هناك جنة وهناك نار وهناك عقاب وهناك وجوب اتباع لهدى الله ليس عنده علم بذلك أصلاً ، أو وصله العلم بهذه الأشياء بصورة ملبسة وغير واضحة فهذا لا يتحرك في طلب هذه الأشياء لأنه لا علم له بها .
 والقسم الآخر : عنده علم يعرف أن اتباع الهدى واجب ويعرف أن هناك جنة ونار وعقاب وأشياء من هذا القبيل يعلم لكن ليس عنده همة يتحرك بها في طلب المعالي يتحرك بها في نيل الخير يتحرك بها لينال رضا الله تبارك وتعالى .
ولهذا يحتاج العبد إلى أمرين كما قدمت : يحتاج العبد إلى همة عالية ترقيه في طريق الكمال ، ويحتاج إلى علم وبصيرة تهديه إلى طريق الصواب ، وهذا يعيدنا إلى ما سبق التحدث عنه وهو البُعد عن الشبهات والبعد عن الشهوات .
كيف يدخل الشيطان على العبد ؟ وكيف يجعل الشيطان العبد غير متبع لهدى الله عز وجل ؟
ليس للشيطان على العبد إلا منفذين : إما منفذ الشبهة أو منفذ الشهوة . إما أن يوقعه في الشبهات أو يوقعه في الشهوات هذه منافذ الشيطان ليس له على الإنسان إلا منفذان ؛ منفذ الشبهة يأتيه ويشككه في دين الله ويشككه في العقيدة يشككه في أصول الإيمان يجعل فيه فساداً في التصور وفساداً في الإدراك وفساداً في فهم الحقائق فيكون من أهل الشبهات ، ولهذا يصف أهل السنة والجماعة أهل البدع بأنهم أهل الشبهات لأن الأمور اشتبهت عليهم التبس عليهم بسبب كيد الشيطان لهم أوقعهم في الشُّبه فهذا مدخل ، ولهذا ترى هؤلاء دائماً يعترضون على دين الله ويعترضون على أصول الاعتقاد ويعترضون على أفعال الله تبارك وتعالى دائماً كيف كذا ؟ ولم كذا ؟ وكيف يكون كذا وهذا لا يكون كذا ؟ هذه الشبهات التي تدخل على هؤلاء وتنفذ إليهم ، أما المؤمن فإنه يقف أمام أخبار الله على قدَم التسليم ، في الأخبار لا يقول المسلم كيف ، وفي الأوامر لا يقول المسلم لم ، بل يسلِّم وينقاد ويصدِّق ويعلم أن هذا خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام ، الأخبار لا يقول فيها المسلم كيف والأوامر لا يقول فيها لم ، قال الله عز وجل { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] لا يعترض المسلم على الله ولا يحاول أن يخوض في أخبار الله وما يتعلق بأسمائه وصفاته والأمور المغيبة لا يحاول أن يخوض فيها بكيف . المثال الذي أرت إليه قبل قليل وهو أن الكفر يأتي يوم القيامة يمشي على وجهه لو أخضعنا هذا الأمر إلى عقولنا القاصرة ماذا سنقول ؟ ولو فتحنا مجالاً للشبهة ماذا سنقول ؟ كيف يمشي على وجهه !! لكن إذا وقف الإنسان على قدم التسليم اطمأن قلبه وزال من الحيرة ومن الشك ، ولهذا يجب على كل مسلم أن يقف مع الأخبار على قدم التسليم ، وأن يقف مع الأوامر على قدم الطاعة والامتثال بدون تردد ، أدرك الحكمة أو لم يدركها علِم الكُنه والكيفية والحقيقة أو لم يعلمها عليه أن يقف على قدم التسليم قال الله تعالى { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] .
بهذا ينال العبد ويحقق العبد اتباع هدى الله تبارك وتعالى بهذه الأمور التي أشرت إليها ، لكن أيها الإخوة يحتاج العبد مع هذا كله إلى توفيق الله عز وجل وإعانته وهدايته لأن الهداية بيد من ؟ والتوفيق بيد من ؟ بيد الله سبحانه وتعالى ، من يهده الهق فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، قال الله تعالى : { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [فاطر:8] الهداية بيد الله تبارك وتعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولهذا يحتاج العبد إلى أن يستهدي الله يطلب من الله الهداية كان قدوتنا وأسوتنا رسول الله عليه الصلاة والسلام يسأل الله عز وجل الهداية في مواطن كثيرة جدا ، فمن أدعيته كان يقول في القنوت : ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ)) ومن أدعيتنه كما في صحيح مسلم : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ)) ، ومن أدعيته أيضا كما في صحيح مسلم ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى)) ، ومن أدعيته أيضا كما في صحيح مسلم كان يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ )) هكذا يقول عليه الصلاة والسلام (( أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي )) بل أيها الإخوة شُرع لنا جميعاً أن نقول في الصلاة بل في كل ركعة من كل صلاة فُرض علينا ، فرضاً أن نقول في كل ركعة من كل صلاة : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم في كل يوم كم مرة فرضاً سبع عشرة مرة ، أما إذا كنا نصلي النوافل ونحافظ عليها فإننا في كل يوم مرات كثيرة نقول { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } وقولنا في الصلاة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } هذا دعاء وسؤال { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) }الذين هداهم الله الصراط المستقيم هم الذين جمعوا بين العلم والعمل ، صلاح العلم وصلاح العمل ، الرشاد والهداية الذين أشرت إليهما سابقا ، من جمع بين الرشاد والهداية فهو من الذين أنعم الله عليهم . إذا فسد العلم يكون مغضوباً عليه ، وإذا فسد العلم يكون ضالاً {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} في هذا الدعاء يسأل المسلم ربه كمال العلم وكمال العمل ، أما المغضوب عليهم فهم اليهود كما جاء ذلك في الحديث الذين علِموا ولم يعملوا { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } [الجمعة:5] والضالون هم النصارى الذين عبدوا الله بالجهل يعني عبدوا الله بغير علم ، فسد عملهم ، وأولئك فسد فيهم جانب العلم فلم يقبلوه ، والمسلم يسأل الله أن يجنِّبه هذين الطريقين {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} .
هنا أيضاً سؤال لعلي أختم به هذه الكلمة ، والموضوع أيها الإخوة طويل لكن لعل فيما سمعتم فائدة ونفع إن شاء الله في هذا الموضوع العظيم هنا سؤال :
يتبع

ما هي الأمور التي تصد الإنسان عن اتباع هدى الله عز وجل ؟
 لاشك أن هناك أمور كثيرة تصد الإنسان عن اتباع هدى الله ، لكن يأتي في مقدِّمتها وفي صدرها : كيد الشيطان ؛ الشيطان الذي أخرج آدم من الجنة وأقسم أن يبقى في كيده لذرية آدم إلى يوم يبعثون ، أقسم بعزة الله أن يبقى في كيده لهم إلى يوم البعث وله طرق كثيرة وأزيدكم له خبرة واسعة في هذا المجال ، خبرته أطول الخبرات ، عندما يتحدث الناس الآن عن الخبرة الواسعة فلان له خبرة واسعة في هذا المجال ، أطول خبرة في مجال الإضلال وغواية الإنسان خبرة الإبليس لأنها خبرة قديمة نشأت منذ كيده لآدم عليه السلام وبُغضه له وحقده عليه ، فعنده خبرة واسعة ومتدرِّب وعنده مهارات وأساليب وطرق وحيَل كثيرة جداً يصدُّ بها الناس عن دين الله ، ولهذا قال { ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } أكثر الناس يُضلُّهم عن دين الله ويصدّهم عن اتباع هدى الله عز وجل وله طرق كثيرة ، قال الله عز جل { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا } [الإسراء:64-65] فهذا الأمر الأول .
 الأمر الثاني : تقليد الآباء والأجداد ؛ وهذه شبهة أو جانب خطير يصد كثيراً من الناس عن اتباع هدى الله عندما تأتي إلى نصراني أو يهودي أو مجوسي أو كافر وتعرض عليه الدين وتوضح له الأدلة وتبسط له النصوص قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتيه بالبراهين الواضحة ولا يستطيع أن يرد عليك في برهان منها ببرهان آخر لكنه لا يقبل منك ولا يتبعك لحجة واحدة وهي : هل أترك ما عليه الآباء والأجداد؟ هل أترك ما عليه العشيرة ؟ { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } [الزخرف:23] هكذا يجيب بدون دليل وبدون برهان بدون حجة سوى متابعة الآباء والأجداد ، وهذا جانب خطير ، إذا كان الأب وهذا يدركه كل إنسان إذا كان الأب مجرم سفَّاكا للدماء فاجراً عاتياً ظالماً يسرق وينهب هل للابن أن يتبعه لا لشيء إلا لكون أبيه كذلك؟ أبدا ، كذلك الأمر إذا كان الأب كافراً معرضاً عن دين الله غير قائم بطاعة الله ليس للابن أن يتبعه ؛ بل الواجب اتباع هدى الله الذي جاءت به رسل الله وجاء في كتاب الله وجاء في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
 الأمر الثالث : التعلق بالدنيا الشيطان ؛ وضع هذه الشبهة في قلوب الكثير وأوهم كثيراً من الناس أن الدين يتنافى مع الحضارة ويتنافى مع الرقي ويتنافى مع كمال الإنسان في حضارته ، بل إن بعض الضُّلال ألَّف رسالةً في هذا الدين سماها " هذه هي الأغلال" يقصد الدين الإسلامي ؛ أي أن الدين الإسلامي أغلال تحول بين الإنسان وبين الحضارة ، قال الله تعالى { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } [القصص:57] يعني توهموا أن الدين يحُول بينهم وبين الانتفاع بالدنيا والاستفادة منها والترقي في حضاراتها ، مع أن الدين لا يحول بين المسلم وبين شيء من ذلك ، الدين يحول بين المسلم وبين معصية الله وارتكاب نهي الله والوقوع فيما حرم الله تبارك وتعالى ، أما الدنيا فإن الإنسان مباحٌ له أن يترقى فيها وأن يطلب فيها الرزق وأحل لهم الطيبات ، بل إن الله خلق جميع ما في الدنيا للإنسان ليطيع الله وليعبد الله وليمتثل أمر الله تبارك وتعالى ، فالتعلق بالدنيا أمر يحول بين الإنسان وبين طاعة الله تبارك وتعالى .
 ثم الإعراض والغفلة الذي يعتري كثيراً من النفوس ؛ الإعراض عما خلق له الإنسان والغفلة وقد أشرت فيما سبق إلى قول الله تبارك وتعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} ، وقول الله تبارك وتعالى {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ، فالغفلة والإعراض تحُول بين الإنسان وبين اتباع هدى الله عز وجل .
وأسباب الصد عن اتباع هدى الله كثيرة والتوفيق كما قدَّمت بيد الله تبارك وتعالى والهداية بيده يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وفي الختام أسأل الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يهديني وإياكم صراطا مستقيما وأن يوفقني وإياكم لاتباع هدى الله وأن يعيذني وإياكم من همزات الشياطين ، وأن يوفقنا لكل خير يحبه ويرضاه ، وأن يقينا من الشبهات والشهوات ، وأن يجعلنا من أهل الخيرات من المؤمنين المتقين ، من الذين يمتثلون أمر الله ويطيعون رسله ويعملون بطاعته سبحانه وتعالى ، أسأل الله عز وجل أن يحقق لي ولكم ذلك وأن يوفقنا لكل خير إنه ولي ذلك والقادر عليه . والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد .

زادنا الإخوة بقراءة نص له ارتباط بالمحاضرة ، الحقيقة كنتُ أرغب في قراءته في أثناء المحاضرة يبيِّن لنا كمال هذا الدين وكمال هذا الشرع وتمامه ، وهو من كلام الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه بدائع الفوائد وهو نصٌّ في غاية الأهمية مما يبين لك كمال هذا الدين ، والعاقل عندما يستمع هذا النص الذي عليه أدلة كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ينشرح صدره تمام الانشراح باتباع هدى الله عز وجل الكامل الذي يتناول جميع جوانب حياة المسلم .
قال ابن القيم رحمه الله :
(( فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علماً وعلَّمهم كل شيء حتى آداب التخلِّي وآداب الجماع والنوم ، والقيام والقعود ، والأكل والشرب ، والركوب والنزول ، ووصف لهم والعرش والكرسي والملائكة ، والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين ، وعرَّفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف ، حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم من صفات كماله ونعوت جلاله ، وعرَّفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم ، وعرَّفهم من طرق الخير والشر ، دقيقها وجليلها ، ما لم يعرِّفه نبي لأمته قبله .
وعرَّفهم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ ، وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلَّى لهم ذلك حتى كأنهم يعاينوه .
وكذلك عرَّفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة إلى كلام أحد من الناس ألبتة .
وكذلك عرَّفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به ما لو علموه وفعلوه لم يقم لهم عدوا أبدا .
وكذلك عرَّفهم من مكائد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يحترزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه ، وكذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة .
وبالجملة ؛ فجاءهم بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ، ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه )) .


هذا النص العظيم من عقله وطالع بعض أدلته في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عرف كمال هذا الدين وعرف تمامه وعرف تناوله جميع جوانب الحياة ، في كل أمر وفي كل جانب تجد أن الدين الإسلامي يدعو إلى كل كمال ويدعو إلى أحسن المراتب وأرفع الدرجات ، فمن عرف هذه الصفات لدين الإسلام وفهمها وشرح الله صدره للدين اتبع هدى الله . هذا النص أوصي الإخوة بالعناية به والعناية بشرحه وإيضاحه عندما يدعون غير المسلمين إلى الإسلام وعندما يبينون لغير المسلمين الإسلام يشرحون لهم معاني الإسلام السامية وأخلاقه العالية وآدابه الرفيعة وتوجيهاته الحكيمة التي تتناول كل جانب من جوانب الحياة ، وكم من إنسان دخل الإسلام عندما بُينت له الأخلاق التي يدعو إليها الإسلام والآداب التي يدعو إليها الإسلام والكمال الذي يدعو إليه الإسلام في كل جوانب الحياة ؛ في البيع ، في الشراء ، في النوم واليقظة ، في الصلاة ، في الوضوء ، في الطهارة ، في كل جانب تجد أن هذا الدين العظيم يدعو إلى أكمل الرتب وأعلى المقامات وأرفع الدرجات .

جزاك الله خيرا
وأحسن إليك فيما قدمت
دمت برضى الله وإحسانه وفضله






















بـــــــــــــــارك الله فيــــــــــك




الساعة الآن 03:18 PM.