منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


الاحتساب في تربية الأبناء سبيل راحة الآباء




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع









الاحتساب في تربية الأبناء سبيل راحة الآباء



يبذل الآباءُ الغاليَ والنَّفِيس من أجل راحة الأبناء وسعادتهم، يبذلون الجهدَ والوقت والمال، يبذلون من مُنطَلَق المسؤولية تارَةً، ومن مُنطَلق الرحمة أخرى، ومن مُنطَلَق الحبِّ تاراتٍ وتارات، فحبُّ الأبناء شيء جُبِل عليه الآباء، وجرى فيهم جريانَ الدم في عروقهم، وعادةً لا يترك الحبُّ، ولا تترك الرحمةُ من واجبات الأبناء على الآباء شيئًا تُحَتِّمه المسؤولية، فهم يبذلون حُبًّا وطواعية قبل أن يَعرِفوا أيجب هذا عليهم أم لا يجب؟ بل الأصْلح والأَوْلَى والأفْضل مَطْلَبُ الآباء للأبناء وبُغيَتهم؛ فقلوبُهم لا تَعرِف مثلَ تلك التقسيمات التي يُدَندِن حولَها الأبناءُ ليلَ نهار في مُعامَلة الآباء!

لا ترى أبًا يَسأل، ولا ترى أُمًّا تسأل: هل يجب أنْ أشتري لابني أو ابنتي لعبة يلعب ويلهو بها؟ أو ثيابًا جديدة يرتَدِيها أو ترتَدِيها؟ هل يحرم عليَّ أن أتركه يبكي دُونَ أن أحمله لانشغالي؟... إلخ.

هم لا يسألون؛ لأنهم لا يرَوْن إلا خِيارًا واحدًا فقط، وهو راحة وسعادة الأبناء، بعيدًا عمَّا يجب وعمَّا افتُرِض عليهم.

لكنَّك ترى في المُقَابِل مَن يَسأل ومَن تسأل: هل يجب عليَّ أن أُحَجِّج أمِّي على نفقتي؟ وما حدود نفقتي الواجِبة على أبي؟ أمِّي تغضب مِنِّي لانشغالي الشديد؛ فهل يجب عليَّ زيارة أمِّي كلَّ يوم؟ هل يجب عليَّ سداد ديْن أبي أو أمِّي؟... إلخ.

فما أكرمَ الآباءَ، وما أشحَّ الأبناءَ! وكأنَّ هؤلاء الآباء أُودِع فيهم صفات غير صفات البشر السُّفلَى، التي ذكرها ربُّنا - تبارك وتعالى - في كتابه في مواضع كثيرة؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا ﴾ [الإسراء: 100]؛ أي: بخيلاً مَنُوعًا، قالَه ابن عباس وقتادة؛ ("تفسير ابن كثير").

وقوله - تعالى -: ﴿ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 67]، قال ابن كثير -رحمه الله-: "سَجِيَّتُه هذا، ينسى النِّعَم ويجحَدُها، إلاَّ مَن عصم الله"؛ ("تفسير القرآن العظيم").

وغيرها من الآيات والأحاديث التي تُوضِّح لنا بِجَلاءٍ حقائقَ طِباع وأخلاق هذا الإنسان في نفسه ومع غيره، لكنَّ الآباء قومٌ آخرون، قوم فُطِروا على العطاء لا المنْع، وعلى الكَرَم لا البخل، وعلى الشجاعة لا الجبْن، وعلى الإيثار لا الاستِئثار، يرَوْن أبناءهم بعين الحبِّ والرحمة، لا بعين الحقوق والمنفعة.

حدَّثَنِي شابٌّ أنَّ أخاه ضرب أباه! فقرَّر الأبُ أن يرحل عن المنزل ويتركه للأولاد، وأصغرهم جاوَز العشرين، ولأن المنزل بلا أمٍّ؛ كان الأب يأتي بعد عمله كلَّ يومٍ إلى البيت ليُحضِّر لأولاده -ومن بينهم مَن ضربه- الطعام؛ رأفةً بهم، وخوفًا عليهم، ثم يترك البيت ويمشي!

وإنِّي لأَوَدُّ أن يلتَزِم المُصلِحون والمفتون مع هؤلاء الأبناء قولَ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (أنت ومالُك لأبيك)، لا يَزِيدون عليه ولا ينقصون، ولقد كان قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- هذا في معرض الردِّ على سؤال رجلٍ أتاه فقال: يا رسول الله، إنَّ لي مالاً وولدًا، وإنَّ أبي يريد أن يَجتاح مالي؟ فقال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (أنت ومالك لأبيك)؛ "رواه أحمد وابن ماجه، والبيهقي وابن أبي شيبة، وغيرهم، وصحَّحه الألباني".

وانظر: كيف عبَّر السائل بقوله: يَجتاح مالي؟ وفي رواية أخرى: "يا رسول الله، إنَّ لي مالاً وعِيالاً، وإنَّ لأبي مالاً وعِيالاً يُرِيد أن يأخذ مالي فيُطعِمه عياله"؛ (رواه البيهقي)، وفي أخرى: "إن أبي غصَبَنِي مالي"؛ (رواه ابن أبي شيبة عن الشعبي مرسلاً)، وكأنَّه أراد تحفيز المسؤول وكسْب عاطفته، ومع ذلك لم يَقُل له -صلَّى الله عليه وسلَّم-: لأبيك كذا وليس له كذا، أو أعطه كذا وامنعه من كذا؛ بل يُعرِض -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن تفاصيل السؤال كله، ويُرجِع السائل -الذي هو الابن- إلى أصلٍ تَغافَل عنه، وهو أنه كلُّه لوالديه، وماله تبع له، فهو كذلك مال والديه.

لم يبقَ للآباء في ظلِّ شُحِّ الأبناء إلا أن يحتَسِبوا إحسانَهم وعطاءَهم، وينتَظِروا أجرَهم من الله الكريم الجَوَاد، فيُخَفِّف عنهم احتِسابُهم جرحَ الأبناء، وآلام الجحود والنُّكران، وضياع الوفاء.

والمؤمن مأمور بالاحتِساب في كلِّ أعماله الدينية والدنيوية، فهو يُؤجَر على المُبَاح بنِيَّته، ونِيَّة المؤمن أبلغ من عمله، وتربية الأبناء تستَغرِق من الجهد والوقت والمال الكثيرَ والكثيرَ، وأجر هذا كله لا شكَّ على قدره.

وأمَّا الاحتِساب في تربية الأبناء، فله فوائد عظيمة، منها:
أولاً: أنَّه يُخَفِّف من مَتاعِب الآباء في رحلة تربية الأبناء الطويلة والشاقَّة، فتَذَكُّرُ الأجر يُنسِي في أحيانٍ كثيرة مرارةَ التَّعَبِ والمشقَّة؛ ولهذا قال النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- لعائشةَ -رضي الله عنها-: (إنَّ لك من الأجر على قدْر نصَبِك ونفقتك)؛ (رواه الحاكم، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع"، وأصله في الصحيحين)، والمرء إذا تيقَّن الأجر هانَتْ عليه المشاقُّ.

ثانيًا: أنَّ احتِساب الأجر يُسلي عن جَفاء الأبناء وتقصيرهم وعقوقهم، ويجعل الأب والأم يستَعِيضان بالآخِرَة عن الدنيا، وبما لهما عند الله -تعالى- ممَّا ينتَظِرانِه من الابن في الحياة الدنيا، فلا يحزن الأب، ولا تحزن الأم؛ لأنهما سيُوفَّيان حَتْمًا أجرَهما غير مَنقُوص من الله الحَكَم العَدْل، والله لا يُضِيع أجر المحسنين.

وكثيرٌ من الآباء إنما يُؤتَوْن من عدمِ أو ضعفِ احتِسابهم في تربية أبنائهم وقيامهم عليهم، ولو أنهم فعلوا لاطمأنَّتْ قلوبُهم لِمَا عند الله، ولَمَا حزنوا لفَوات شيءٍ من هذه الدنيا كلها؛ بل ولَمَا انتَظَروا ثوابًا أو مُقابِلاً من غيره -عزَّ وجلَّ-.

ثالثًا: أنه يجعل الآباء أكثر مُراقَبة لله -تعالى- في قيامهم على أبنائهم، فلا يُعطُونهم بدافِع الحبِّ أو الرحمة ما يضرُّهم، ولا يمنعونهم كذلك ما ينفعهم؛ إذ الاحتِساب لا يكون مقبولاً إلاَّ على العمل الصحيح، الذي فيه طاعة الله ورِضاه، لا معصيته وغضبه، فهو يُقَوِّم اعوِجاجات رحلة التربية، ويُصفِّيها من كلِّ شائبة.

وبعد:
فإنّه كما قيل: "ليس شيءٌ أنفعَ لأبناء العُلَماء والصالحين من كثْرة الدُّعَاء لهم، مع تَفوِيض أمرهم لله - تعالى"؛ ذلك أنَّ أمر الهداية والغواية بيد الله - عزَّ وجلَّ - وحدَه؛ ﴿ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39].

ونحن إنما نأخذ بأسباب الفَلاح والرَّشاد، راجِين رحمةَ الله ومغفرتَه، مُفَوِّضين له كلَّ شؤوننا، مُتضَرِّعين له بأن يُلهِمنا رشدَنا في تربية أولادنا، وأنْ يُحسن نيَّاتنا، ويُعظِم أجرَنا، وأنْ يُنبِتهم نباتًا حسنًا.


وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.





جزاك الله خيرا على طرحك القيّم
جعله الله في موازين حسناتك
انار الله قلبك بالايمان وجعلك من الصالحين

شكرااا بارك الله فيـــــــــــــك
الساعة الآن 04:41 PM.