منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


بين الراعي والرعية




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع








بين الراعي والرعية



في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: "قسَم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَسْمًا، فقلت: والله يا رسول الله، لغيرُ هؤلاء كان أحقَّ به منهم، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنهم خيَّروني أن يسألوني بالفحش أو يبخِّلوني، فلستُ بباخلٍ)).

في هذا الحديث تتجلَّى حكمةُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحسن سياسته في دعوته وحُكْمه، وهذا الحديث مع قصر كلماته عظيمُ الفوائد كثيرُها، كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بُعِثت بجوامع الكَلِم))؛ (أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة).


ومن فوائد هذا الحديث العظيم:

الفائدة الأولى:

جواز استِفسار أو مراجعة المفضول للفاضل؛ كما راجع هنا عمرُ - رضِي الله عنه - النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في إعطائه مَن لم يرتضِ عمرُ.

وكان عمر - رضِي الله عنه - كثيرًا ما يُراجِع النبيَّ ويُناقِشه؛ كما راجَعَه في صلاته على المنافقين، وفي احتِجاب نسائه، وفي صلح الحديبية... وغير ذلك، ولم يكن النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ينزعج من مراجعة عمر له أو يغضب عليه، مع ما له - صلَّى الله عليه وسلَّم - من المقام الأعلى في أمَّته؛ بل يُناقِشه - بأبي هو وأمِّي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويجلي له أسباب موقفه وعمله؛ كما قال له في هذا الحديث: ((إنهم خيَّروني أن يسألوني بالفحش أو يبخِّلوني)).

وهذا هو واجب القادة مع الأتباع في كلِّ زمان ومكان، الإنصات لهم، وتقبُّل مشوراتهم، ومناقشتهم فيها، حتى ولو تخلَّلها المخالفةُ والتخطِئة، وبعض الزُّعَماء والقادة لا يَكادُون يقبلون نصحًا ممَّن تحتهم، فضلاً عن مخالفتهم وتخطئتهم لهم.

وقد كان عمر - رضِي الله عنه - يقول: "وافقتُ ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتَّخذنا من مقام إبراهيم مصلًّى، فأُنزِلت: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ [البقرة: 125]، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن؛ فإنه يكلِّمهن البَرُّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يُبدله أزواجًا خيرًا منكن، فأنزلت هذه الآية"؛ (أخرجه البخاري).

وفي رواية للبخاري أيضًا: "وافقَنِي ربي في ثلاث"، ففي كلام عمر هذا ما يدلُّ على صحَّة بعض ما راجَع فيه عمرُ - رضِي الله عنه - النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذا يجعل القادةَ والعلماء والدعاة أكثرَ سهولة ولينًا في تقبُّل مخالفة أتباعهم.


الفائدة الثانية:
وجوب رجوع المتبوع أو المرؤوس فيما أشكل عليه لِمَن له الأمر، كما في رجوع عمر في هذا الحديث وغيره للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فليس أعظم فتنةً وأقرب لنزغ الشيطان بين عِباد الله - تعالى - من استقلال المتبوع بشأنه، ومفارقته للجماعة لما يرى من أخطاء أو مخالفات؛ بل الواجب الرجوع إلى أُولِي الأمر من عُلَماء ودُعَاة أو حُكَّام، ومناقشتهم والاستفسار منهم عمَّا يُؤخَذ عليهم، حتى وإن كان ثَمَّ خلاف، فإنَّ الحوار عادَةً يكون سببًا في تقليل الخلاف وتضييق دائرته، فإن لم يذهب الخلافُ والإشكال كليةً، كان التماسُ العذر وقبول اجتهاد أهل الاجتهاد.

ولهذا شدَّد الشرع في أمر الجماعة؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه؛ فإنه مَن فارَق الجماعة شبرًا فمات إلا مات مِيتةً جاهلية))؛ (أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس).

وأحقُّ مَن يُطبَّق عليهم هذا، وأحقُّ مَن يطبِّقون هذا، هم أصحابُ هذا الدِّين، الذين يحمِلونه على عواتِقهم، هم أَوْلَى مَن يلتزمون وحدة الجماعة، والدعوة إليها، والحِفاظ عليها من نَزَغات الشيطان.

وأمرُ هذه الأمَّة أعظمُ من أن يُشتِّتَه إنسانٌ بمفرده كائنًا مَن كان، فليس مقبولاً بحالٍ من الأحوال خروجُ أيِّ أحدٍ عن الجماعة بغير مُسوِّغ شرعي، وما أضيقَ هذا المسوِّغَ في دين الله تعالى! يقول جنادة بن أبي أمية: دخلْنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلَحَك الله، حدِّث بحديثٍ ينفعك الله به سمعتَه من النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: "دعانا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فبايَعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايَعنا على السمع والطاعة، في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا، وعُسرِنا ويُسرِنا، وأثرةٍ علينا، وألاَّ نُنازِع الأمرَ أهلَه، إلاَّ أن تروا كفرًا بَوَاحًا عندكم من الله فيه برهان"؛ (أخرجه البخاري ومسلم).

ويقول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجل واحد، يريد أن يشقَّ عصاكم أو يفرِّق جماعتكم، فاقتلوه))؛ (أخرجه مسلم).

والأمَّة وإن افترقت اليومَ إلى دُوَيلات وغُيِّبت فيها الخلافةُ الجامعة، إلا أنها لم تفقد كلَّ مظاهر الجماعة، فأهل السنَّة في كلِّ مكان اليومَ جماعةٌ ظاهرة، ظاهرة بالحجَّة والبيان؛ كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمرُ الله وهم ظاهرون))؛ (أخرجه البخاري ومسلم من حديث المغيرة)، وهذه الطائفة اليومَ تتمثَّل في العاملين لدين الله - تعالى - من أهل السنَّة، والتي يجب على الجميع الانضواء تحت رايتها وملازمتها، ويحرم الخروج عليها وعلى قادتها.


الفائدة الثالثة:
حرصُ القادَة على مصلحة دعوتهم وحُكْمِهم، وإعمال قاعدة المصالح والمفاسد في كل دقيقة وجليلة، كما علَّل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعمرَ في هذا الحديث إعطاءَ المال مَن لا يستحقُّ لذاته؛ وإنما يأخذ لتأليف قلبه، أو لدفع شرِّه وأذاه عن الدعوة وصاحبها.

وقد كان لسياسة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في تقسيم المال وإعطاء المؤلَّفة قلوبهم وضعيفي الإيمان، أكبرُ الأثر على انتِشار الدعوة في الآفاق، كما في حديث أنس - رضِي الله عنه - قال: "ما سُئِل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، فجاءَه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلَيْن، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلِموا؛ فإنَّ محمدًا يُعطِي عطاء مَن لا يخشى الفاقة"؛ (أخرجه مسلم).

وفي رواية أخرى عند أحمد وابن حبَّان: "وإن كان الرجل ليأتي رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما يُرِيد إلا دنيا يصيبها، فما يُمسِي حتى يكون دينُه أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها".

ولم تكن تلك السياسة النبوية مُقتَصِرة على المال وتقسيمه فحسب؛ بل تعدَّتْ ذلك لجميع جوانب الدعوة وما يُحاط بها؛ كما في امتِناعه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن قتْل المنافقين؛ قال جابر بن عبدالله: "كنَّا في غزاة، فكَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمَّعها اللهُ رسولَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما هذا؟))، فقالوا: كَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((دعوها فإنها مُنتِنة))، قال جابر: وكانت الأنصارُ حين قَدِم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أكثر، ثم كثر المهاجرون بعدُ، فقال عبدالله بن أُبَيٍّ: أوَقَد فعلوا؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فقال عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه -: دعْني - يا رسول الله - أضرب عنق هذا المُنافِق، قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((دعْه؛ لا يتحدَّث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه))؛ (أخرجه البخاري ومسلم).

فامتَنَع - صلَّى الله عليه وسلَّم - من قتْل رأس النفاق؛ خشية المفسدة التي هي أكبر من مصلحة قتله، وهي مفسدةُ تَنفِير الناس عن الدعوة وصاحبها، وكثيرًا ما يُغفِل بعضُ قادة الدعوات الإصلاحية أمرَ واجهة الدعوة في تصرُّفاتهم ومَواقِفِهم، كما أنَّه كثيرًا ما يستغلُّ أعداءُ الدعوة بعضَ تصرُّفات القادة خاصَّة لتشويه صورة الدعوة أو صورة أصحابها.

ومن هذا أيضًا امتِناعه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن هدْم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم، كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعائشة - رضي الله عنها -: ((ألم تَرَيْ أن قومك لَمَّا بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟))، فقالت: يا رسول الله، ألاَ ترُدُّها على قواعد إبراهيم؟ فقال: ((لولا حِدثانُ قومِكِ بالكفر، لفعلتُ))؛ (أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة).

وفي هذا دليلٌ آخر على تأخير بعض المصلحة؛ خشية وقوع مفسدة أكبر، وهي هنا تأثُّر ضعيفي الإيمان من أهل مكة بهدم الكعبة التي يُعظِّمونها، فمُراعَاة بعض التصوُّرات التي لن تضرَّ بالدعوة، تُحتَمَل في سبيل تأليف قلوب الناس.


وصلِّ اللهم وسلِّم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله ربِّ العالمين.



جزاك الله خيرا على طرحك القيّم
سلمت يداك على الاختيار المميز
جعله الله في موازين حسناتك
انار الله قلبك بالايمان وجعلك من الصالحين


شكرا ويعطيك ألف عافية
مودتي لكـ