منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


إن السعيد لمن جنب الفتن




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
إن السعيد لمن جنب الفتن

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله ، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ؛ أما بعد : فإنّ موضوع هٰذا اللقاء هو قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ السَّعَيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَن)) ، وهٰذا الحديث المبارك رواه الإمام أبو داود وغيره عن المقداد بن الأسود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .
فهٰذه -أيها الإخوة- وقفةٌ مع هٰذا الحديث نتأمّل في دلالاته وننظر في معانيه ونقف مع مضامينه ، رجاء أن ينفعنا الله جل وعلا به ؛ يقول فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّ السَّعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفتن)) ؛ وما من شكٍّ -أيها الإخوةُ- أن السعادةَ مَطْلَبُ كلِّ إنسان، وغايةٌ تُنشَدُ وهدفٌ يُطلَب ، وكلٌّ يتمنى لنفسه السعادةَ ولا يريد لها الشقاء ، ومِن شأن الفتنِ عندما تنزل بالناس وتَحلُّ بهم تُربِكُ سعادتَهم ، وتُشتِّتُ أذهانهم ، وتُقلِقُ قلوبهم ، ويلحقهم منها ما يلحقهم من العَنَتِ ، فبيِّن عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ حال المؤمن ومنّة الله عز وجل عليه مع ما يكون في هٰذه الحياة من فتن وما يلقاه الناس فيها من ابتلاءات ، والدنيا دار ابتلاء وامتحان ودار فتنةٍ واختبار، والمؤمن يلقى ما يلقى فيها؛ لكنه عظيمُ الصِّلةِ بربه عز وجل ، دائمُ الانكسار بين يديه ، والالتجاء إليه وحده سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ دون سواه، يؤمِّل منه وحده، ولا يرجو من أحدٍ سواه ؛ ولهٰذا تأمَّل قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هٰذا الحديث : ((إنّ السَّعيد لَمَن جُنِّب الفتن)) ؛ ومعنى قوله: ((جُنِّب الفِتَن)) أي جنَّبه الله إياها ، وسلَّمه منها ، ووقاه من شرِّها ، فإنّ التوفيق بيده والفضل فضله سبحانه وتعالى .
قال : ((إنّ السَّعيد لَمَن جُنِّب الفِتَن)) ؛ أي جنَّبه الله الفتن ، وهنا لابدّ من استشعارِ عظيمِ افتقارنا إلى الله جل وعلا وشديد احتياجنا إليه في أن يسلِّمنا من الفتن وأن يقينا من شرِّها ، وقد ثبت في الصحيح أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ))، فقال الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم : ((نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ )) ، وهنا قوله في الحديث: ((جُنِّبَ الفِتَن)) فيه إشارةٌ إلى هٰذا المعنى العظيم ، ألا وهو : أن تجنيب العبد من الفتن وسلامته منها ووقايته من شرِّها منَّة الله عليه وفضله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ ، وكم هو جميلٌ بالعبد المؤمن أن يكون دائماً وأبداً مُستَشعِراً هٰذا المعنى المبارك الذي دلَّ عليه هٰذا الحديث : ((جُنِّبَ الفِتَن)) ؛ أي جنَّبه الله الفتن ووقاه من شرِّها.
ومما يتضمَّنه هٰذا الحديث من معاني : أنّ المسلم لا ينبغي له أن يطلب الفتن ، وأن يُبرِز نفسه لها ، وأن يقحم نفسه فيها ، وأن يورِّط نفسه في إشكالاتها وتبعاتها ، وأن يذيق نفسه حرَّها وشررها ونارها ؛ بل المطلوب منه أن يتجنَّبها، وأن يبتعد عنها، وأن يسعى في السلامة من شرورها ؛ فتجنّب الفتن هٰذا مقصد ، لا التصدُّر وتوريط النفس فيها ؛ بل الإنسان يتعوَّذ ويسأل الله العافية ، والعافية لا يعدِلها شيء ، ومن أوتي العافية فقد أوتي الخير ، وقد جاء في أدعيةٍ كثيرةٍ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سؤال الله جل وعلا العافية، فالإنسان يسأل الله العافية والسلامة ولا يعرِّض نفسه للفتن ؛ بل يبتعد عنها وتكون هي في جانب وهو في جانب قدر مستطاعه ، وهٰذا مستفاد من قوله: ((جُنِّبَ الفِتَن)) ؛ وتجنُّب الفتن والبُعد منها مَطلَبٌ لابدّ منه، ولابدّ للمؤمن من أن يكون كذلك ؛ أن يكون متجنِّبا الفتن ، بعيداً عنها ، حَذِراً من الوقوع فيها ، قال : ((إن السَّعيد لَمَن جُنِّب الفِتَن)) .
معاشر الإخوة الكرام : من يسمع هٰذا الحديث المبارك ((إن السَّعيد لَمَن جُنِّب الفِتَن)) يدور في خلَده سؤال عظيم؛ كيف ينال المسلم هٰذا الموعود العظيم والفضل الكريم المذكور في هٰذا الحديث عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وكيف يظفر بهٰذه السعادة ؟ - وقد عرفنا أن السعادة مطلب - كيف يظفر بها ؟ وكيف يكون من أهلها ؟ أنت وأنت تسمع قول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إن السَّعيد لَمَن جُنِّب الفِتَن)) لابد وأن يتحرّك في قلبك طمعٌ في أن تكون من أهل هٰذه السعادة وممن ظفروا بها ، فكيف تُنال هٰذه السعادة التي دل عليها وأرشد إليها النبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هٰذا الحديث المبارك ؟ كيف يُظفر بهذه السعادة وكيف تُنال ؟ كيف ينالها المرء المسلم لنفسه ؟ وكيف أيضاً يكون سبباً في وجود هٰذه السعادة بين أفراد أمته؟
ونحن نعلم - معاشر الإخوة - أنّ المسلم يحبُّ لأخيه ما يحب لنفسه كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ )) ، و((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) كما ثبت ذلك في حديث تميم بن أوس الداري رَضِيَ اللهُ عَنْهُ . والناصح لنفسه ولغيره من عباد الله لابدّ أن يكون ساعياً في تحصيل هٰذه السّعادة له ولغيره ؛ التي تنال بتحقيق هٰذا الحديث وبالتحقق من مطالبه ومقاصده العظام ، فكيف تظفر أنت بهٰذه السعادة الموعود بها في هٰذا الحديث المبارك ؟ وكيف أيضاً تكون سبباً لوجودها في أمتك ؟ هٰذا سؤالُ عظيم يطرح نفسه –كما يقولون - ونحن نستمع إلى هٰذا الحديث المبارك ((إنَّ السَّعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتَن)).
وفي هٰذه الوقفة - معاشر الإخوة الكرام - أنبِّه على نقاط عظيمة وضوابط مهمة وأسس مباركة كلُّها مستمدة من كتاب الله جل وعلا وسنه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبهٰذه الضوابط بإذن الرب عز وجل وتوفيقه ومنّه يظفر المرء بالسعادة ويكون من أهلها ؛ ولنقف مع هٰذه الضوابط واحداً واحداً ، راجين الله جل وعلا أن يطرح لنا ولكم فيها الخير والبركة :
 أما الضابط الأول لتجنب الفتن والسلامة منها : فهو تحقيق تقوى الله جل وعلا ، وأن يجاهد المسلم نفسه على أن يكون من المتقين ، وأن يسلك بنفسه مسالك التّقوى ، وأن يجاهد نفسه على تحقيقها والقيام بها . وتأمّل في هٰذا المعنى قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالىٰ : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:2-3]، تأمَّل قوله : ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ أي من كل بلاء وفتنةٍ وشرٍّ ، والآية ظاهرة الدلالة على أنّ تحقيق التقوى سبيلُ النجاةِ من الفتن وتجنُّبها ، ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ : أي مَخرجاً من كلِّ بليَّةٍ وفتنةٍ وشرٍّ ؛ فإذا أردتَ أن تُجنَّب الفتن فعليك بتقوى الله عز وجل ، اتقِ الله أينما كنت يجنِّبك الله الفتن ويقيك مِن شرِّها ، لا تعتمد على حِذقك وشطارتك ونباهتك ؛ وإنما اعتمد على الله وعليك بتقواه ، فإنّ مَن اتقى الله وقاه وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه ، والأمور كلها أزمَّتها بيد الله ، والتوفيق بيده ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فمِن أَعظَم أُسُسِ اجتناب الفتن تحقيق التقوى ، ولما حدثت الفتنةُ زمن التابعين أتى نفرٌ إلى طلقٍ بن حبيب رحمه الله - وهو من علماء التابعين - وقالوا له : قد وقعتْ الفتنةُ فكيف نتَّقيها ؟ قال: "اتقوها بالتقوى" ، قالوا: أجمِل لنا ذلك ؟ أي بيِّن لنا التقوى بياناً مُجمَلاً ، قال: "تقوى الله : أن تعملَ بطاعة الله على نورٍ من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله تخاف عقاب الله" ؛ وبهٰذا يُعلَم أنّ تقوى الله جل وعلا ليست كلمة يقولها المرء بلسانه أو دعوة يدَّعيها ؛ وإنما تقوى الله جل وعلا أمرٌ مستكِنٌّ في باطن المؤمن ظاهرٌ على جوارحه ، قلبه مستقيمٌ على طاعة الله مُذعِنٌ مُنقاد لأمر الله وجوارحه مطاوعة ، قد قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )) ، وقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ )) ؛ فتقوى الله جل وعلا إصلاحٌ للباطن يَصلُح به ظاهر الإنسان ويستقيم ، وهي فعل للأوامر وترك للنواهي كما قال طَلْق رحمه الله : " أن تعمل بطاعة الله " ، ثم قال: "وأن تترك معصية الله " فهي فعلٌ للأمر وتركٌ للنهي ؛ وعليه فالمسلم يكون في هٰذا شأنه دائماً في حياته كلها ، وإذا عَظُمت الفتن عَظُم إقبالُه على الله عز وجل فعلاً لأوامره وتركاً لنواهيه ، يُقبِل على الصلاة وعلى العبادة وعلى الصدقة وعلى الإحسان وعلى البِر وفي الوقت نفسه يُجانِب المعاصي ويبتعد عنها ويحذر من الوقوع فيها. قد جاء في الحديث الصحيح أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْخَزَائِنِ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْفِتَنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ)) ؛ إذاً الفتن تحتاج إلى صلاة ، إلى عبادة ، إلى عملٍ بطاعة الله جل وعلا ، إلى بُعدٍ عن المحرمات ، وجاء في حديث آخر أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)) وهٰذا يبيِّن لنا أن المسلم يحتاج في أوقاته كلِّها وحياته جميعها أن يكون مقبِلاً على عبادة الله وعلى طاعته محافِظاً على أوامره مبتعداً عن نواهيه ، فإذا كان كذلك شأنه مع الله جل وعلا حَفِظَه الله ووقاه ، أليس قد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ )) .
ثم إنّ العمل بالطاعة والبعد عن المعصية الذي هو التقوى لابدّ فيه من العلم ، ولهٰذا قال طلق فيهما : "على نورٍ من الله" ، تعمل بالطاعة على نور ، وتترك المعصية على نور ، وهٰذا يدلُّنا أنّ من يريد أن يتقي الله جل وعلا حقّاً فعليه بالعلم ، فإنه الزاد العظيم للتقوى ، وإلا فإن الأمر كما قال بعض السلف : "كيف يتقي من لا يدري ما يتقي!!" ، الذي لا يدري ما الذي يُتقى ، وما الذي يُجتنب وما الذي يُحذَر منه، كيف تقع منه التقوى على وجهها الصحيح؟! ولهٰذا لابدّ من العلم ؛ العلم بالمأمورات لتُفعل، والعلم بالمنهيات لتُترك وتُجتنب، تَعرف الطاعة لتكون من أهلها، وتَعرف المعصية لتبتعد منها ومن شرِّها ، ولهٰذا قال طلق رحمه الله : "على نورٍ من الله" .
ثم تكون في فعلك للطاعة وتركك للمعصية راجياً للثواب خائفاً من العقاب ، لأنك ستقف أمام الله جل وعلا يوماً يسألك فيه عما قدَّمت في هٰذه الحياة ، ثم يجازي سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ، فأنتَ تكون راجياً - أي لثواب الله - ، وخائفاً - أي من عقابه - ، كما قال الله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء:57] .
فهٰذه تقوى الله جل وعلا التي مَن لزِمها وكان من أهلها وتحقَّق بأوصافها جُنِّبَ الفِتن بإذن الله عز وجل .

 الضابط الثاني من الضوابط التي يكون بها تجنّب الفتن : لزوم كتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والاعتصام بهما ، والتمسك بهما ، والتعويل عليهما والرجوع إليهما ، والنهَل من معِينهما ، ويكون المسلم دائماً مرتبطاً بكتاب ربه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، متمسكاً بهدي وسنة نبيه الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والله يقول: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران:101]، ويقول جل وعلا : ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:103]، وحبل الله جل وعلا هو دينه وكتابه وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فلِتجنّب الفتن لابدّ من الاعتصام بالكتاب والسنة ، قال الإمام مالك رحمه الله - إمام دار الهجرة - : "السنة سفينة نوح ؛ مَن ركبها نجا، ومن تركها هلك وغرق " ، وفي خِضِمِّ الفتن المتلاطمة والأمواج العظيمة سبيل النجاة بركوب هٰذا المركب المبارك - سنه نبيه الكريم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- اعتصاماً بكتاب الله وسنه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وإليك في هٰذا المقام إرشادٌ نبويٌّ مبارك في حديث العرباض بن سارية رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال ((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))
وتأمَّل قوله في الحديث : (( إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا )) وأنتَ عندما تسمع قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ((فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا)) لابدّ وأن تتساءل عن المخرج عند وجود الاختلاف ، وسبيل النجاة عند نزولها ، فأرشدك - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- إلى المخرج دون أن تسأل ؛ قال : (( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))؛ فأرشدك - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبهٰذا التمسك بالكتاب والسنة نجا السلف الأخيار والصحابة الأبرار من الشرور والفتن ، وقد قال الإمام مالك رحمه الله : "لن يصلح آخر هٰذه الأمة إلا بما صلح به أوَّلها " ؛ بماذا صلح أوَّل الأمة ؟ بماذا صلح الصحابة ومن اتّبعهم بإحسان؟ أبغير الكتاب والسنة؟! حاشا والله ؛ صلاحهم كان باهتدائهم واقتدائهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه ، فالكتاب والسنة عصمةٌ ونجاةٌ .
يتبع
وإذاً - أيها الإخوة - لابدّ من إقبالٍ صادق على كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والاستضاءة بنور الكتاب والسنة ليسلَم ؛ أمّا مَن يريد أن يمشي في وسط الفتن المتلاطمة والمِحَن المحتدمة بدون القرآن والسنة فشأنه كمن يمشي في ظلامٍ دامسٍ وليلٍ مظلِمٍ بدون ضياءٍ ، من كان شأنه كذلك أيسلَم له طريقُه؟! حاشا والله ، وكتاب الله نور ، وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضياء ، وقد قال تَبَارَكَ وَتَعَالىٰ : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾[الشورى:52] ، فكتاب الله نور ، وسنه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نورٌ وضياء ، فلابدّ من إقبال على كتاب الله وسنه رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليمشي المرء المسلم في هٰذه الحياة مستضيئاً بنور الكتابِ والسنةِ .
أرأيتم الرجلَ الذي يمشي في الليلةِ الظَّلماءِ وفي يده مصباحٌ ، وفي يده نورٌ يضيء بهٰذا النور الطريق كيف أنه يهتدي ويَسلَم من الزَّللِ والانحرافِ ، ولهٰذا أحدُ العلماء المتقدِّمِين أراد أن يَضرِب مثلاً لعلماء السنّةِ وأئمةِ الخير قال: "مَثَلُ العلماء الناصحِين في أُمَمِهم مَثَلُ رجلٍ أتى إلى قومٍ في طريقٍ مظلمٍ لا يدرون أين يذهبون ولا إلى أين يتوجّهون من ظلمةِ الطريق ووحشتِه ، وكان معه مصباحٌ فقال: تعالَوا معي ، وأضاء لهم الطريق فمشَوا بهٰذا النور الذي أضاءه لهم بهٰذا المصباح " ، ومَثَلُ العالمِ الناصحِ الذي يُربِّي الناس ويُعلِّمهم على السنةِ وعلى هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ هذا الرجلِ الذي أضاء لأولئك طريقهم ؛ يبصِّرهم ويعلِّمهم ويرشدهم ويدلّهم ويبيِّن لهم الجادةَ السويةَ والصراطَ المستقيمَ . بل قال أحد العلماء المتقدِّمِين: "لولا العلماء لأصبح الناس مثل البهائم " ؛ لا يعرف ماذا يفعل ولا كيف يعبد الله ولا كيف يستقيم على طاعة الله ولا كيف يسير على الجادة السوية .
فالشاهد أنّ الرجوع إلى الكتاب والسنة والاستضاءة بنور الكتاب والسنة هٰذا الباب مبارك لابدّ منه للمرء المسلم حتى يكون بإذن الله عز وجل على جادةٍ سويةٍ وعلى صراطٍ مستقيمٍ .
 الضابط الثالث : لزوم الجماعة والبعد عن الفرقة ؛ لأنّ الجماعة -كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رحمةٌ والفُرْقَةُ عذابٌ ، قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((الجماعة رحمةٌ والفُرْقَةُ عذابٌ)) ، وقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ)) ، والأحاديث في الدعوة إلى لزوم الجماعة والبُعْدِ عن الفرقة كثيرةٌ جداً.
ولهٰذا لابدّ على المرء المسلم أن يروِّض نفسه على لزوم جماعة المسلمين وعدم التفرُّق ؛ فإنّ الفُرْقةَ شرٌّ ، ولزوم جماعة المسلمين يترتَّب عليها مصالحٌ عظيمةٌ وغاياتٌ كريمةٌ ، لأنّ المسلمين إذا لَزِم كلٌّ واحد منهم الجماعة يكون بذلك قوة الرابطة ، وقوة الكلمة ، ووحدة الصَّف والتئام الشمل ، ويكون لهم الهيبة والمكانة ، بينما إذا تفرَّقوا واختلفوا تشتتَ أمرُهم وتَسلَّط عليهم عدُّوهم وعَظُمتْ بينهم الشرور والفتن ، لكن إذا كانوا يداً واحدةً قَوِيتْ شوكتُهم وعَظُمتْ مكانتُهم ، و ((يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ )) ، والله عز وجل مُمِدٌّ الجماعةَ بعونِه وتوفيقِه ماداموا مجتمعِين على الحقِّ والهدى وطاعة الله واتِّباع سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قد جاء في بعض الدعوات المأثورة : ((اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا ، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ ، وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )) ، بل انظر إلى قوة الجماعة في الدعوات المأثورة كلها ، تجد فيها الدعوة لعموم المسلمين ، يدعو فيها المسلم لنفسه ولغيره ؛ بالرحمة ، بالهدى ، بالسداد ، بالعافية ، بالمعافاة ، بل جاء في أحاديثٍ عديدةٍ الترغيبَ بالدعاء للمسلمين مع الدعاء للنفس ، بل إنه يترتَّب على ذلك من الأجور العظيمة والفضل العميم ما لا يعلمه إلا الله ، ولو كان في الوقت سَعَةً لوقفنا على نماذج من الأحاديث في هٰذا الباب ؛ كقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة)) ، أتدري كم حسنة تحصِّل إذا قلت في دعائك: " اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات " !! كلمةٌ لا تَبلُغ سطراً واحداً كم من الأجر تحصّل ؟! عُدّ من آدم إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومَن عليها ، كلُّ مسلمٍ لك به حسنة ؛ ملايين الحسنات !! وعندما تدعو لهم بالهداية ، تدعو لهم بالسداد ، تدعو لهم بالعون والتوفيق والسلامة من الفتن ، وهٰذه الدعوات إذا نبعتْ من قلبك دلَّت على سلامة قلبك وسريرتك وباطنك تجاه إخوانك المؤمنين ، فأنت ترحمهم وتشفق عليهم وتنصح لهم وتحب اجتماعهم وتحب بقاء وحدتهم وحدة صفهم على الحقِّ والهدى ، ويذهب عنك ما يكون في القلوب من فسادٍ بسبب ضعف الإيمان كالغل والحقد والحسد والضغينة وغير ذلك من المعاني الذميمة التي قد تُبتَلى بها القلوب ؛ فإذا كان المسلم حريصاً على جماعة المسلمين وعلى لزومها مشفقاً عليهم ناصحاً لهم محباً الخير لهم فإنه بإذن الله عز وجل ينال من الثمار المباركة والعوائد الطيبة التي تنعكس عليه وعلى مجتمعه .
فلابدّ من هٰذا - أيها الإخوة - ، لابدّ من لزوم جماعة المسلمين ، من الاجتماع على الحقِّ والهدى ، ولابدّ من البُعدِ عن التفرُّق والاختلاف ، ولابدّ من اعتصامٍ صادقٍ بكتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فهٰذا الذي يؤلِّف بين القلوب ويجمع بين أهل الحقِّ والهدى.
 الأمر الرابع من الضوابط النافعة والمفيدة للسلامة من الفتن : الرجوع إلى العلماء المحقِّقِين ، والفقهاء المدقِّقِين، الضالعِين في العِلم ، المشهود لهم بالإمامة والفضل والخيريَّة ، فالمسلم لا يرجع إلى كلِّ أحدٍ ، ولا يسألُ كلَّ إنسانٍ، ولا تُعرَضُ النَّازِلَةُ على كلِّ متحدِّثٍ ؛ وإنما الرجوع في النوازل والفتن إلى العلماء ، وقد قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في الحديث الصحيح : ((الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ)) والمراد بالأكابر : أي في العلم والحق والهدى ، والذين أيضاً طالت مدتهم في العلم تعلُّماً وتعليماً وتفقيهاً للناس وظهر فيهم الحِلْم والأناة والرزانة والشفقة على الأمة، فأمثال هؤلاء إليهم يرجع الإنسان ، ولا يرجع لكلِّ أحدٍ ، ولهٰذا عندما يرجع الناس في الفتن إلى كل أحدٍ ينشقُّ صفُّهم وتَختلُّ كلمتُهم وتتضارَبُ آرائُهم وتقع بينهم المشاكل العظيمة، لكن إذا رجعوا إلى العلماء الضالِعِين الأئمة الراسخين تحقَّق لهم الخير بإذن الله جل وعلا .
وانظر الإرشاد إلى هٰذا في قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [النساء:83] ، فالله جل وعلا قال : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ ﴾ أي أهل العلم الراسخين المحقِّقين، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ لأنهم هم أهل الفقه وأهل الاستنباط وأهل الرزانة وأهل الأناة ، فإليهم يُرجع ، وهم الذين يُستَفتَون، وعلى فتواهم يُعوَّل ، أمّا أن يسأل الإنسان كلَّ أحدٍ ويَستفتي كلَّ إنسانٍ فهٰذه مصيبة ، وهٰذا سببُ تشقُّقِ الناس وتخلخل صفِّهم وانتشار الخلاف والفُرقة بينهم ، لكن إذا كان رجوعهم إلى العلماء الراسخين والأئمة المحصلين فإنهم بإذن الله جل وعلا سيكونون على خير .
﴿لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ؛ وهٰذا أيضاً فيه إلماحة إلى أن هٰذا الفعل الموجه إليه والمدلول عليه في هٰذه الآية الكريمة سبيل للوقاية من طريق الشيطان الذي يريد للناس الغواية ويريد للمجتمع المسلم أن يتفكك وأن تنحلّ عراه وأن يكثر الشقاق والخلاف بين أهله ، ففي هٰذا الذي ذُكر في هٰذه الآية قَطْعُ الطريق على عدو الله ، فيُرجع إلى أهل العلم ، والبركة معهم -كما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ- ؛ يسألهم ويستفتيهم ويرجع إلى فتواهم ، وهم الذين يُعوَّل على فتواهم في النوازل ، إذا نزلتْ بالمسلمين نازلةٌ ينظرون إلى علمائهم الراسخين وفقهائهم المحقِّقِين وينظرون بماذا يفتونهم فيعملون.
ولاحِظ هٰنا التحذير في الآية قال: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ ؛ وهٰذا من الغلط ، وهو أيضاً تسرُّع وعجلةٌ واندفاع ، ومن الممارسات الخاطئة التي يفعلها بعض الناس : إذاعة الفتنة والشر وإدخال ما يُرعِب الناس ويوهِّن إيمانهم ويُضعِف دينهم ولا يبالي بما يقول ، كلُّ ما يقف عليه من قول أو يسمع به من حديث ينقلُه للآخرين على عِلّاتِه ، ولا يتبصَّر هل نَقْلُه فيه فائدة أو لا فائدة فيه ، وهٰذه من المصائب العظام ، ولا ينبغي للمسلم أن يكون كذلك ؛ علي بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لما ذكر أهل الحقِّ والهدى وقد روى ذلك البخاري في الأدب المفرد قال: " لَيْسُوا بِالْعُجُلِ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ " ، المذاييع : الذي لا همّ له إلا إذاعة الفتنة وإذاعة الشرّ بين الناس ، الله يقول: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ ، فالإنسان يكون متأني متبصِّر ويسأل أهل العلم ويستشيرهم ويطلب منهم النصيحة ، وما خاب من استشار أهل العلم واستنصح بنصيحتهم وأخذ بفتواهم ، وهٰذا الذي أرشد إليه الرَّب العظيم سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ .
إذاً لابدّ من مراعاة هٰذا الجانب : الرّجوع إلى أهل العلم الراسخين الأكابر في العلم والفقه والفهم .
 الأمر الخامس من الأمور المهمة والضوابط العظيمة لاجتناب الفتن : الرفق ، والأناة ، وعدم العجلة ، والبعد عن التسرُّع ؛ وفي الرِّفق خيرٌ وبركةٌ ؛ بل إنّ الرفق خير كلُّه ، بل كما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ : ((إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ)) .
فمن صفات المؤمن الرفق والأناة وعدم التعجُّل ، بينما إن كان المرء مندفعاً في تصرفاته عجِلاً في أموره متسرِعاً في رأيه وفي مسلكه وفي طريقه فإنّ عجلتَه وتسرُّعَه يَجرُّ عليه وعلى الآخرين من الشرور والأضرار ما لا يُعلم مداه ولا يُعلم نهايته ولا عقباه . وقد جاء عن ابن مسعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه قال - وتأمَّلوا معي كلمته -: " إنها ستكون أمور مشتبهات فعليكم بالتؤدة " ، ما معنى التؤدة ؟ يعني الرِّفق والأناة وعدم العجلة ، " فعليكم بالتؤدة ، فإنك أن تكون تابعاً في الخيرِ خيرٌ من أن تكون رأساً في الشرّ " ؛ المتسرِّع قد يُدلِي برأيٍ بسبب تسرُّعِه إلى نفرٍ من الناس فيتْبعونه على رأيه ، ثم ماذا تكون النتيجة ؟ يكون قدوةً وإماماً في الشرِّ ، لأنه فتح على نفسه باب الشرِّ وفتحه أيضا على غيره . وتأمّل في هٰذا الباب ما رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ )) ، فالمسلم يلازِم الرفق والأناة ويبتعد عن العجلة والتسرُّع ، وقد مرّ معنا قبل قليل قول علي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : "ليسوا بالعُجُل"، يعني أهل الحقِّ بعيدين عن العجلة ، بل فيهم الأناة والرفق والهدوء والطمأنينة والتروِّي والبُعد عن العجلة وملازمة الرفق دائماً وأبداً ، هٰذا شأن أهل الحقِّ والهدى . فهٰذا ضابطٌ مهمٌّ للسلامة من الفتن .
 الضابط السادس للسلامة من الفتن : حسن الصلة بالله ودعاؤه جل وعلا والإقبال الصادق عليه ؛ والله عز وجل لا يردُّ عبداً دعاه ولا يُخيِّبُ عبداً ناجاه ، وهو القائل سبحانه : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾[البقرة:186] ، وهو القائل سُبْحَانَهُ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[غافر:60] .
فمن الأمور المهمة في هٰذا الباب دعاء الله جل وعلا بصدقٍ أن يجنِّب المسلمين الفتن ، وقد مرّ معنا الحديث الصحيح أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) ، فقال الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ : " نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ "، فيُقبِل المسلم على الله جل وعلا يدعوه ، ويدعو لنفسه ولإخوانه بالخير والسلامة والعافية والوقاية من الفتن والشرور ، يكون داعياً لنفسه وإخوانه هٰذا شأن المؤمن، قال الله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾[الحشر:10] ، قال الله جلا وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾[محمد:19] ، فهٰذا لابدّ منه ؛ الدعاء والسؤال بصدق ، وربما ينكشف عن المسلمين مِن الهموم والغموم والمِحَنِ والفتن بدعوةٍ صادقة في وقت إجابة من مؤمنٍ صادقٍ يدعو لنفسه ولإخوانه بالخير والرحمة . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "الدعاء مفتاح كلِّ خير في الدنيا والآخرة" ، يعني أي خير تريده في الدنيا والآخرة فعليك بهٰذا المفتاح المبارك الذي هو الدعاء .
ولماذا كان الدعاء مفتاح كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة؟ يقول أحد السلف : "تأمّلتُ الأمر فوجدتُ بدايته من الله ، ونهايته إلى الله ، والمتصرِّف في هٰذا الكون هو الله ، والكلُّ بيده وتحت تصريفه سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ ؛ فعلمتُ أنه لا خير إلا منه " ، لأنّ مفاتيح كلِّ خيرٍ بيده سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ فيُقبِل المسلم على الله جل وعلا إقبالاً صادقاً يدعوه ويرجوه ويؤمّل منه ويُلحُّ عليه جل وعلا بكلِّ خير له ولإخوانه . ومن الدعوات العظيمة المأثورة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ)) .
فهٰذه معاشر الإخوة الكرام ضوابطٌ ستّة يكون - بإذن الله جل وعلا - للمسلم في ملازمتِها والتقيد بها السلامة من الشرور والفتن ، ويكون - بإذن الله عز وجل - له بتحقيقها نيل السعادة المشار إليها في قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إنَّ السَّعيدَ لَمَن جنِّبَ الفِتَن)) ، ونسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يُجنِّب المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يحفظ عليهم أمْنهم وإيمانهم وسلامتهم وإسلامهم ، وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، وأن يجعلنا هداة مهتدين ، من { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } [الزمر:18]
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

جزاك الله خيرًا
وجعله في موازين حسناتك




نفع الله بكـ الأمة
جزيت خيرا على الموضوع المفيد
مودتي لكـ