منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله

أحمد الله الكريم بمحامده الَّذي هو لها أهل ، وأُثني عليه الخير كلَّه ، لا أُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه ، الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى ، ملء سماواته وملء أرضه ، وملء ما شاء من شيء بعد ، أحمدُه على نعمه الكثيرة وآلائه الوفيرة وعطاياه الجمَّة ، له الحمد كلُّه وله الفضل كلُّه وإليه يَرجع الأمرُ كلُّه { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ:2] ، { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } [الفاتحة:2-4] ، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له إله الأوَّلين والآخرين وقيُّوم السَّموات والأرضين وخالق الخلق أجمعين ، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله وصفيُّه وخليله وأمينُه على وحيه ومبلِّغ النَّاس شرعه ، فصلواتُ الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ؛ أمَّا بعد:
إنَّ موضوعَ هذا اللقاء موضوعٌ مبارك ، موضوعٌ يتعلُّق بأهمِّ الأمور وأعظمها وأجلِّها وأولاها بالعناية والاهتمام ، إن موضوعنا أيها الإخوة يتعلَّق بـذكر الله العظيم ، ذكر ربِّ السَّموات والأرض وربِّ العالمين ، ذكر خالق الخَلق وموجِد النَّاس أجمعين ، ذكرِ الله جلَّ شأنُه وعظُم سُلطانه وتبارك اسمه ، ذكر {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[الحشر:23] ،{ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر:24]
إنَّ ذِكْرَ الله جلَّ وعلا هو خيرُ ما صُرفتْ فيه الأوقات وأُزهقت فيه الأنفاسُ وأُمْضِيت فيه السَّاعات ، ذكرُ الله جلَّ وعلا تطمئنُّ به قلوب المؤمنين وتسكُن نفوسُهم ويعظُم يقينُهم ويزدادُ إيمانُهم ، ذكرُ الله جلَّ وعلا هو عنوانُ السَّعادة وسبيلُ الفلاح في الدُّنيا والآخرة ، بل إنَّ كلَّ خيرٍ وسعادةٍ وأُنسٍ وراحةٍ وطُمأنينةٍ في الدُّنيا والآخرة متوقِّف على تحقيق ذِكر الله جلَّ وعلا ، بل إنَّ الشَّرائع كلَّها والطَّاعات جميعَها إنَّما شُرعت لإقامة ذكر الله ، شَرَعَ اللهُ عز وجل لعباده الصلاة الصيام الحج وغير ذلك من الطَّاعات لإقامة ذكر الله ؛ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عَن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: أَيُّ الجِهَادِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا» قَالَ: فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا»، ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَكْثَرُهُمْ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: يَا أَبَا حَفْصٍ ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «أَجَلْ» ؛ فالذَّاكرون هم الحَقِيقُون بالأجور العظيمة والدَّرجات الرَّفيعة والمنازل العالية في الجنَّة .
ذِكْرُ الله هو روح القلوب وحياتها وسبب نمائها وقوَّتها ، ويترتَّب عليه من الأجور العظيمة والخيرات العميمة في الدُّنيا والآخرة ما لا يحصي عدَّهُ إلَّا اللهُ جلَّ وعلا ؛ ولهذا فإنَّ موضوع الحديث في هذه الأمسية موضوعٌ هو من أهمِّ الموضوعات وأولاها بالعناية والاهتمام. وعنوان هذه الكلمة :
« لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله »
وهذا لفظ حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي خرَّجه الإمام أحمد وغيره ، وهو حديث صحيح ثابت ، وله سببٌ وهو -كما قال عبد الله بن بسر رضي الله عنه راوي الحديث - أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام وقال له : « إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ » ؛ هكذا طلبَ مِنَ النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ»، تعدَّدتْ عليَّ فأريد بابًا من الخير جامعًا أتمسَّك به ، فقال عليه الصَّلاة والسَّلام : «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ » ، قال ذلك عليه الصلاة والسلام جواباً لطلب هذا السائل ، فطلب هذا السَّائل - كما سمعتم - يريد بابًا جامعًا من الخير يتمسَّك به ، فأرشده النَّاصح الأمين عليه الصَّلاة والسَّلام إلى ذكر الله جلَّ وعلا وقال له : «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ » ؛ وهنا - أيها الإخوة حفظكم الله - تأمَّلوا توجيه النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام لهذا الَّذي كَثُرَت عليه شرائع الإسلام وتعدَّدت وتنوَّعت فأراد أمرًا جامعًا يتمسَّكُ به تتحقَّقُ به سعادته ويحصِّل به خيري الدُّنيا والآخرة ، فأرشدَه صلى الله عليه وسلم إلى عملٍ هو مِنْ أيسر الأعمال مَؤُونَةً وأخفِّها تطبيقًا ويتَّرتب عليه مع يسره وخفته وسهولته على كل أحد يترتب عليه من الأجور العظيمةِ والخيراتِ الكثيرةِ ما لا يترتَّب على سواه ؛ أرشده إلى ذكر الله جل وعلا وقال له «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ » .
وأهل العلم يقولون : إنَّ الذِّكر وإنْ كَثُرَ وتعدَّد هو من أخفِّ الأعمال وأيسَرها ، ولا يتطلَّب من صاحبه مجهودًا كبيرًا ؛ لأنَّ حركة اللِّسان بذكر الرَّحمن جلَّ وعلا لا تشقُّ على الإنسان ولا تكلِّفه ولا يحصل له بسببها تَعَبٌ أو جهد ، بل يحصل له مع ذلك الطُّمأنينة والرَّاحة وسُكون القلب ويتحقَّق له بذلك أسباب السَّعادة .
عملُ اللِّسان عندما يُقارن بأعمال الجوارح كالصَّلاة والمشي إلى المساجد والوضوء والحجِّ والصِّيام وغير ذلك هذه الأعمال ربَّما يكون فيها بعض المشقَّة ، وقد تكون أيضًا المشقَّة نسبيَّة من شخصٍ لآخر ، أمَّا ذكر الله جلَّ وعلا فللنَّاس كلِّهم ؛ الصَّغير والكبير، والصَّحيح والمريض ، والذَّكر والأنثى ، لا تكلِّف شيئًا ويستطيع الإنسان أن يُحَرِّكَ لسانه بهذا الخير مسبِّحًا لله ، حامدًا لله ، ذاكرًا لله ، مُثْنِيًا على الله ، فلا يحصل له مشقَّة وتعبٌ، ويكسب أجورًا عظيمةً وخيراتٍ عظيمةٍ في الدُّنيا والآخرة لا يحصيها إلَّا الله سبحانه وتعالى .
ولهذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام كما في آخر حديث في صحيح البخاري : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ»، لاحظْ أوَّل ما بدأ قال : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ» أرشد إلى خفَّة العمل ويُسره وسُهولته وأنَّه لا يكلِّف صاحبه تعبًا أو مشقَّةً أو نحو ذلك ، « خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ» لكن ماذا ؟ قال : «ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ» خفيف في اللسان وثقيل في الميزان ، وزنُه عند الله عظيم ، « خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حبيبتان إلى الرحمن؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ » ؛ كلمةٌ سهلةٌ وجميلةٌ وعذبةٌ في اللِّسان « سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ » لكنَّها ثقيلة في الميزان ، حبيبةٌ إلى الرَّحمن سبحانه وتعالى ، «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»
ذكر اللهِ خفيفٌ على لسانِ مَنْ أعانه الله وأمدَّه تبارك وتعالى بتوفيقه ، أمَّا من خذله الله - والعياذ بالله - فإنَّ ذكر الله يشقُّ عليه ويصعب ولا يستطيع أن يذكُر الله ، بل يجد في ذلك مشقَّةً وتعبًا ، وربَّما تبرَّم وحصل له مللٌ وسآمة - والعياذ بالله - من الذِّكر، وهذا من علامةِ الخذلان ودليل الحرمان - والعياذ بالله - .
ذكرُ الله خفيفٌ على اللِّسان ؛ ولهذا أرشد النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام هذا السَّائل قال: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا» ، فحثَّه عليه الصَّلاة والسَّلام على القيام بالذِّكر وأرشده بهذا الحث أو بهذه الدلالة على عِظم شأن الذِّكر وعِظم مكانته عند الله جلَّ وعلا ، وأنَّه بابٌ جامعٌ من الخير ينبغي على كلِّ مسلمٍ أن يتمسَّك به وأن يتشبَّث به وأن يكون من أهله.
وإذا ضَمَمْنا – أيها الإخوة - إلى هذا الحديث العظيم أحاديثَ النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام الأخرى ونصوصَ القرآن الكريم الَّتي فيها الحثُّ على الذِّكر وتفضيله وبيان عظيم أجره وما أعدَّه الله تبارك وتعالى للذَّاكرين وما يترتَّب على الذِّكر من الفوائد العظيمة والثَّمرات الكريمة والخيرات الجزيلة في الدُّنيا والآخرة لوجدنا من النُّصوص الشَّيءَ الكثير الَّذي يدلُّ على عِظَم شأن هذه الطَّاعة وجلالة قدرها ورفيع مكانتها عند الله تبارك وتعالى .
والإمام العلَّامة ابن قيِّم الجوزيَّة رحمه الله تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية له في هذا الباب رسالة فريدة لم يُكتب فيما أعلم على منوالها مثلُها ، رسالةٌ عظيمةٌ جدًّا منتشرة بين أهل العلم وطلبة العلم أسماها رحمه الله : «الوابل الصَّيِّب في الكَلِم الطَّيِّب» ، و«الوابل الصَّيِّب» : هو المطر النَّافع.
قال في هذه الرِّسالة: « وفي الذِّكر نحو من مائة فائدة» ، ثمَّ شرع رحمه الله في عدِّ فوائد الذِّكر وثمراته في الدُّنيا والآخرة ، وعدَّ من فوائد الذِّكر وثمراته ما يزيد على السَّبعين فائدة كلُّ واحدةٍ منها كافية في تحريك القلوب وتنشيط النُّفوس للقيام بهذه الطَّاعةِ العظيمةِ ، فكيف بها إذا اجتمعت ؟! ولهذا قلَّ أن يقرأ هذا الكتاب مسلمٌ قراءةً متأنِّيةً طالبًا للنَّفعِ والفائدةِ إلَّا وتحسُن حاله بإذن الله في ذكره لله جلَّ وعلا ، ويزيد عناية بهذا الباب .
وهو رحمه الله لما عدَّد فوائد الذِّكر وبسطها وأطال في إيضاحها وبيانها لما انتهى من ذلك عقدَ فصولًا في أنواع الذِّكر الَّتي ينبغي أن يكون عليها المسلم ، فما أن ينتهي المسلم من هذه الدَّفعة القويَّة - إن صحَّ التَّعبير - للقيام بذكر الله إلَّا ويجد أمامه بسطٌ آخر لأنواع الذِّكر الَّتي دلَّ عليها كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه ، ولهذا أرى أنَّ هذا الكتاب ينبغي أن يعتنيَ به كلُّ مسلمٍ ؛ الأب يعتني بشراء هذا الكتاب وإهدائه لأولاده وأهله في بيته ويحثُّهم على قراءته ، وطالبُ العلمِ يحرصُ أيضًا على اقتنائه ويستفيد منه ، ويُتداول بين المسلمين لعظم نفعه وكِبَرِ فائدته .
وفي هذه الكلمة ألخِّص شَيْئًا قليلًا من فوائد الذِّكر من خلال ما ذكره رحمه الله إضافةً للفوائد الَّتي سبق الإشارة إليها في أوَّل هذه الكلمة .
 فمن فوائد الذِّكر : أنَّه حياةُ القلوبِ حقيقةً وبدونه يموت القلب .
ولهذا ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ والَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ»، وفي لفظ آخر للحديث قال: «مَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ اللهُ والبَيْتُ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّت» ؛ فجعل عليه الصَّلاة والسَّلام الذَّاكر لله مثل الحيِّ وبيوت الذَّاكرين بيوت الأحياء ، وجعل عليه الصَّلاة والسَّلام مَثَل الَّذي لا يذكر الله مثل الميِّت ، ومثل بيوت الَّذين لا يذكرون الله مثل بيوت الأموات وهي المقابر ، ولهذا قال في حديث آخر: « لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ» يعني اذكروا الله في بيوتكم وأقيموا الصَّلاة في بيوتكم واتلو كلام الله في بيوتكم ؛ لأنَّ البيت إذا لم يُتلَ فيه كلام الله ولم يُذكرْ فيه الله ولم تُقَم فيه الصَّلاة يكون مثل المقبرة الَّتي هي بيت الأموات ، ولهذا حثَّ عليه الصَّلاة والسَّلام على صلاة النَّافلة في البيت «إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المكْتُوبَةَ» لماذا ؟ لئلا يكون البيت مقبرة ، البيت الَّذي لا يُذكر فيه الله جلَّ وعلا ولا يُصلَّى فيه ولا يُحمَد فيه الله سبحانه تعالى فهو مثل المقبرة بيت الأموات ؛ فكيف إذا كان البيت لا يُذكر فيه إلَّا الشَّيطان؟! ولا يُسمع فيه إلَّا اللَّهو والمعازف ؟! ولا يُذكر فيه اللهُ جلَّ وعلا ؟! وإنَّما معمورٌ بآلات اللَّهو وأدواتِ الفسادِ وسماعِ الباطلِ ونحو ذلك هذا بيت ميِّت ، بل هو خراب تَبَاب - والعياذ بالله - ، والبيت الخراب لا يَرِد إليه ولا يدخله إلَّا البوم والشَّياطين ، أمَّا الملائكة لا تدخلَه ، وإنَّما تتوارَد عليه الشَّياطين ويكون مأوًى لها؛ فيقلع الخير من البيت ويكثر فيه الشَّرُّ وتتوالى عليه المشاكل وتكثُر فيه المصائب ويقع فيه أنواعٌ من الفساد والعياذ بالله ، الله جلَّ وعلا يقول : { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } [الزخرف:36-37] ، ولهذا يجب على أهل البيوتِ المؤمنةِ أن ينصَحوا لأنفسِهم ولبيوتهم فيعمُروها بذكر الله جلَّ وعلا ، بتلاوة القرآن، بإقامة الصَّلاة، وفعلِ الخيراتِ حتَّى يكونَ بيتُهم من بيوت الأحياء ، وحتَّى يكونوا هم أحياءٌ في بيوت الأحياء ، أما إذا انعدم الذكر في البيت وانعدم الذاكرون فيصبح البيت وأهله كالأموات في المقابر أو في بيوت ألأموات
ذكرُ الله جلَّ وعلا هو حياة القلوب حقيقةً، فبدونه يموت القلب ، بل نقل ابن القيِّم رحمه الله عن شيخه - شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله - تشبيهًا عجيبًا للذِّكر ولحال القلب مع الذِّكر ، يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «الذِّكر للقلب مِثل الماء للسَّمك؛ فكيفَ يكون حالُ السَّمك إذا فارق الماء؟» ، ومعلومٌ أنَّ السَّمكة إذا أُخرجَت من الماء لِلَحظات تموت ، والقلب إذا أُبعد عن الذِّكر ولم يعمر بذكر الله تبارك وتعالى يموت ، ولا تحصل له الحياة ولا تنمو فيه الحياة إلَّا بذكر الله ، ولهذا قال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال:24]. وسمَّى تبارك وتعالى في مواطن عديدة من القرآن الوحيَ روحًا كقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } [النحل:1-2] ، كذلك قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } [الشورى: 52] وسمَّى الله تبارك وتعالى من ينزل بالوحي وهو جبريلُ روحًا قال : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:193-195] ؛ جبريل الَّذي ينزلُ بالوحي روحٌ ، والوحي نفسه روحٌ ؛ لماذا؟ لأنَّ حياة القلوب لا تكون إلَّا بالوحيِ وذِكْرِ الله تبارك وتعالى ، وبدونه تموت وتَقْسُو وتُظْلِم وتَعْمُر بالشَّرِّ والفسادِ - والعياذ بالله - فإذا وصلها الوحيُ وعَمُرَتْ بذكر الله جلَّ وعلا وكثُر فيها الذِّكر تنامى فيها الخير وتزايد فيها الصَّلاح وعمَّ فيها النَّفعُ والبركةُ ، فهذه فائدةٌ عظيمةٌ من فوائد الذِّكر.
يتبع
ومن فوائد الذِّكر : أنَّه يطرُدُ الشَّيطانَ ويُبعده عن الإنسان ، ويكون المؤمن بذكرِهِ لله تبارك وتعالى في حصنٍ حصينٍ وحرزٍ مكينٍ لا يجد الشَّيطان إليه سبيلًا ، قد جاء في الحديث الَّذي خرَّجه الإمام أحمد في المسند وغيرُه وإسناده صحيح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ أمَرَ يَحْيَى بنَ زَكَرِيا عليهما السَّلام بخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بهِنَّ، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يعْمَلُوا بهنَّ» ، وفي الحديث أنَّ زكريا قال لقومه: «إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ وَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَكُمْ بِهِنَّ» ثمَّ ذكر أوَّلًا الأمر بالتَّوحيد، والأمر بالصَّلاة، والأمر بالصَّدقة، ثمَّ ذكر الأمر الخامس وهو الأمر بذكر الله، فقال: « وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَثِيرًا ، وَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سِرَاعًا فِي أَثَرِهِ - يعني لحقه العدوُّ لقتله وللبطش به - فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا» فالَّذي يذكر الله في حصنٍ حصين وحِرْزٍ مكين لا يصل إليه الشَّيطان ولا يخلص إليه أبدًا ، قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)}[سورة الناس] ، «الوسواس الخنَّاس» هذه صفة الشَّيطان ، يقول ابن عبَّاس في معنى هاتين الكلمتين: «الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ الله خَنَسَ».
يعني ابتعد ؛ فوسواسٌ للغافل ، وخناسٌ أي بعيدٌ عن الذاكر لله تبارك وتعالى ، إذا ذكر العبدُ ربَّه خَنَسَ الشَّيطان وتصاغر وأصبح كالذُّباب ، ولا يبقى عند الذَّاكر بل ينفُر منه؛ ولهذا جاء في الحديث: «إِذا نُودِيَ لِلْصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ» ، لا يطيق سماعَ ذكرِ الله جلَّ وعلا ، بل يؤذيه الذِّكر ويُنفِّره ويبتعد تمامًا من المكان الَّذي فيه ذكر الله جلَّ وعلا ، فالذَّاكر في حِصْنٍ حَصِينٍ وحرزٍ مكينٍ يحميه بإذن الله تبارك وتعالى من الشَّيطان الرَّجيم. أمَّا إذا غفل توالت عليه الشَّياطين ودفعتُه للباطل وأزَّته للمعصية أزًّا ، كما تقدَّم معنا:{ وَمَنْ يَعْشُ }يعني يغفل{عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} أي ملازمٌ لا ينفكُّ عنه. ومفهومُ المخالَفة للآية : أنَّه إذا ذَكَر الله جلَّ وعلا ابتعد منه الشَّيطان.
فالذِّكر حصنٌ من الشَّيطان الرَّجيم، ولهذا أحْسَنَ صُنعًا مَنْ سمَّى كتابه في الذِّكر من أهل العلم «حِصن المسلم»، ، أو «الحِصن اليومي»، أو «الحِصن الحصين» أو نحو ذلك ، وهذا اسم صادقٌ على مسمَّاه ، فالذِّكر هو الحصن الحصين وهو حِصْنُ المسلم وهو الحِرْزُ الَّذي يُحفظ به المسلم بإذن الله تبارك وتعالى ، ولا يجد الشَّيطان سبيلًا إلى من كان ذاكرًا لله جلَّ وعلا في الأوقاتِ كلِّها وفي كلِّ شيء ؛ إذا ذكرتَ الله عز وجل على الطَّعام ابتعد الشَّيطان، وإذا ذكرتَه على دخولك إلى البيت ابتعد الشَّيطان، في كلِّ أمرٍ تذكر الله جلَّ وعلا عليه لا يكون للشَّيطان إليك فيه سبيلا بل يبتعد وتكون بعيداً وفي حفظٍ من وساوس الشَّيطان وكيده وشروره وهمزه ونفخه ونفثه . فهذه فائدة عظيمة وجليلة من فوائد الذِّكر.

 ومن فوائد الذِّكر : أنَّه كما أخبر الله سبب طُمأنينة القلب ، قال جلَّ وعلا : { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] .
فطُمأنينة القلب هو راحته وسُكونه وأُنسه وذهاب قَلقِه وتوتُّره وتضجُّره وأنواع الأذى الَّتي قد تلحق به . والذَّاكرون الله جلَّ وعلا كثيرًا هم أهل القلوب المطمئنَّة ، هم أهل القلوب السَّعيدة ، هم أهل القلوب الَّتي مُلِئَت بالأنس والرَّاحة في أحوالهم كلِّها ليس في حال الرَّخاء والسَّعادة وإنَّما في أحوالهم كلِّها ، تجده مطمئنَّ القلبِ في عُسْرِه ويُسره ، وشدَّته ورخائه ، وغِناه وفقره ، وصِحَّته ومرضِه ، تجده دائماً مطمئن القلب لا ينتابه القلق ولا يدخله التَّوتُّر ولا يحصل له الضَّجر والتَّبرُّم وإنَّما تجده مطمئن وساكن ومرتاح في أحواله كلِّها ؛ ولهذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام متعجِّبًا: « عَجَبًا لِأَمْرِ المؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»، هكذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام .
فالمؤمن في طُمأنينة مستمرَّة مطمئنَّ القلب، مرتاح البال، منشرح الصَّدر، مليء بالأنس، وهذا كلُّه إنَّما حصل له بموالاته لذكر الله جلَّ وعلا واستمراره على ذلك ؛ فتحصل له الطُّمأنينة: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ، تطمئنُّ قلوبهم بذكر الله لا بذكر أمرٍ آخر وإنَّما يذكرون الله جلَّ وعلا في أحوالهم كلِّها {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } [آل عمران:191] يعني في أحوالهم كلِّها ؛ في الحضَر والسَّفر ، جلوسًا وقيامًا وسائرين ، وفي أمورهم كلِّها يذكرون الله جلَّ وعلا ، وبهذا الذِّكر تحصُل لهم طُمأنينة القلب: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾.

 ومن فوائد الذِّكر : أنَّه يُذهب قَسوة القَلب .
القلب - والعياذ بالله - يقسو بسبب الذُّنوب والتَّفريط في طاعة الله جلَّ وعلا ونحو ذلك ، وليس هناك شيء يُذيبُ قسوة القلب مثل ذكر الله جلَّ وعلا ، وليس هناك شيءٌ يجلب القسوة للقلب مثل الغفلة عن ذكر الله جلَّ وعلا ، قال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد:16] ؛ قسوة القلب سببُها - كما يدلُّ عليه سياق الآية الكريمة - هو طول الأمَد بالبُعد عن الذِّكر وعن القيام بأمر الله تبارك وتعالى فإذا حصَل هذا البُعد حصلت القسوة ، ولا تزول إلَّا بالعودة إلى ذكر الله والرُّجوع إلى الله تبارك وتعالى ، ولهذا قال في الآية الَّتي تليها : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[الحديد:17]
﴿ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾؛ أي فتنبهوا فكما أنَّه سبحانه وتعالى يُحيي الأرض بعد موتها بالماء والمطر؛ فإنَّه يُحيي تبارك وتعالى القلوبَ الميِّتة بالوحي والذِّكر لله جلَّ وعلا ، فإذا ذكَر الإنسانُ ربَّه حَيا قلبه وذهبتْ عنه القسوةُ.
ولهذا يُؤثَر أنَّ رجلًا أتى إلى الإمام الحسَن البصري رحمه الله وقال له: يا أبا سعيد! أشكو إليك قسوةَ قلبي؟! قال: «أَذِبْهُ بذكر الله» ، يعني أَذِبْ هذه القسوة الَّتي في قلبك بذكر الله تبارك وتعالى ، فذكرُ الله يُذهب القسوة الَّتي قد تقع في القلب ويلين القلب ويسكن ويطمئنُّ كما سبق بيان ذلك.

 ثمَّ من فوائد الذِّكر أيضًا : أنَّه يُكسِب العبد فائدةً عظيمةً وثمرةً جليلةً ومنزلةً رفيعةً وهي أنَّه إذا ذكر اللهَ ذَكَرَهُ الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، اللهُ تعالى يقول: { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن:60] ، فمن ذَكَرَ اللهَ ذَكَرَهُ الله ، من نَسِيَ الله نسيَه الله، {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ، ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [النبأ:26] ، { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى } [الروم:10] ، الجزاءُ مِنْ جنس العمل، مَنْ يَذْكُرِ الله يَذْكُرْهُ اللهُ ، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ، وفي الحديث يقول: « فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي؛ وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» . وأيُّ ثوابٍ أعظم؟! وأيُّ منزلةٍ أجلُّ وأرفع مِنْ أنْ تنال ذكرَ الله تبارك وتعالى لك في الملأ الأعلى ، يَذْكُرُك سبحانه وتعالى وهو غنيٌّ عنك ، وأنتَ تذكرُه وأنتَ محتاجٌ إليه مفتقرٌ إليه ، يذكرُك سبحانه وتعالى في الملأ الأعلى وهو لا ينتفِع بذكرك له، فذِكْرُك له سبحانه لا يزيد مُلكَه، وتركُكَ لذكره سبحانه لا يُنقِص مُلكَه ، ولهذا قال تبارك وتعالى: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا؛ يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» ، فهو تبارك وتعالى لا تنفَعُه طاعةُ الطَّائعين ولا تضرُّه معصية العاصين ، ولا يزيد في ملكِه ذكرُ الذَّاكرين ولا يُنقِص من ملكِه غفلةُ الغافلين ؛ لكنَّه لُطفًا منه تبارك وتعالى بعباده وإحسانًا يَذْكُرُ مَنْ ذَكَرَهُ في الملأ الأعلى ، مَنْ ذكَرَ الله في نفسِه ذكَرَهُ الله في نفسِه، ومنْ ذكَرَ الله في ملإٍ ذكَرَه الله في ملإٍ خيْرٍ منْهُم .
جاء في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه قال: «إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ الله، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا؛ قَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَالله؛ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمْ الملَائِكَةَ» ، يُباهي الملائكة بالذَّاكرين يقول: انظروا إلى عبادي اجتمَعوا لذِكري ، واجتمَعوا على شُكري ، واجتمَعوا على حَمدي يباهي بهم الملائكةَ ، ولهذا في الحديث الآخر في صحيح مسلم قال عليه الصَّلاة والسَّلام : «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» ؛ فهذه منزلةٌ رفيعةٌ ودرجةٌ عاليةٌ مُنيفةٌ ينالها الذَّاكر لله تبارك وتعالى ؛ وهو أنَّ الله تبارك وتعالى يذكُره.
ولأنَّ النُّفوس تعلُّقها بالدُّنيا أكثر وميلُها إليها أعظم فإنَّ الواحد من النَّاس إذا قيلَ له: إذا فعلتَ الفعلَ الفلاني أو قمتَ بالعملِ الفلانيِّ فإنَّ الأمير الفلاني سيذكُرك بكذا أو الرَّئيس الفلاني سيذكُرك بكذا وسيمدَحُك عند المسئولين تجده ينشط ويتحرَّك ، لكن ذِكْر الله الَّذي نَنَالُ به ذِكْرَ اللهِ لنا نضعُف ولا ننشط للقيام به ! وهذا من تفريطِنا وتقصِيرنا وتضيِيعنا وإهمالِنا وعدمِ إعطائِنا لهذا الأمرِ حقَّه من العنايةِ والاهتمامِ.

 ومن فوائد الذِّكر وهو تابعٌ لما قبلَه : أنَّ ذّاكر الله ينالُ بذكرِهِ لله صلاةَ اللهِ وملائكتِه عليه ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [الأحزاب:41-43] فهذه فائدةٌ من فوائد الذِّكر وهو أنَّ الذَّاكر ينالُ صلاةَ الله عليه وصلاةَ الملائكة .
أمَّا صلاةُ الله عليه : فهي ثناؤُه عليه في الملأ الأعلى - كما تقدَّم - .
وأمَّا صلاةُ الملائكة عليه : فبدُعائهم له ، والملائكة كلَّما عظُم إيمانُ الشَّخص وزاد ذكرُه لله وقَوي تمسُّكه بالخَير زاد بذلك دُعاؤهم له، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر:7-9] ، هذا دعاءٌ طويلٌ وعظيمٌ ومباركٌ من الملائكة للمؤمنين الذَّاكرين لله المطيعين لله الممتثلين لأوامِر الله سبحانه وتعالى .
وهاهنا - أيُّها الإخوة - سؤالٌ قد يخطُر على البال وهو: مَا الَّذي عطَف هؤلاء الملائكة على المؤمنين وصاروا بهذه المنزلة وهي الاستمرَار والمداوَمة على الدُّعاء للمؤمنين مع أنَّ جنس الملائكةِ مختلفٌ عن جنسِ البَشر ؟! جِنْسُ الملائكة جنسٌ آخر ، الملائكة خُلِقوا من نور ، والبشر خُلِقوا من طين ، الجنس مختلف ومع ذلك عطَف الله تبارك وتعالى على المؤمنين !! لماذا ؟ لوجود رابطة بين المؤمنين وبين الملائكة وهي الإيمان بالله تبارك وتعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا ﴾، هذه هي الرَّابطة : التَّسبيح والإيمان بالله تبارك وتعالى ، فكلَّما عَظُمَ ذكرُ الإنسان لله وعظمَ حمدُه وعظم إيمانُه زاد دعاءُ الملائكة له واستغفارُهم له وسؤالهُم الله تبارك وتعالى له بالتَّوفيق والسَّداد والجنَّة والنَّجاة من النَّار وغير ذلك من الأمور التي ذُكرت في الآية الكريمة
يتبع

من فوائد الذِّكر : أنَّه سبب لحفظ اللِّسان .
يقول العلماء : إنَّ اللِّسان إنَّما خُلِقَ للكلام ، فإذا لم يتكلَّم فيه المسلمُ بخير - وأعظم الخير ذكرُ الله - تكلَّم بالشرِّ والفسَاد ، ولهذا من يَبَسَ - والعياذ بالله - لسانُه عن ذكر الله انطلَق في كلِّ فساد ؛ في الغِيبة، والنَّميمة، والسُّخريَة، والاستهزاء، والكذب والفُحش ونحو ذلك ، فإذا يبَس اللِّسان عن الذِّكر انطلق في الباطل، وإذا اشتغل بالذِّكر ذهب عنه الباطل ، ولهذا ما حُفظ اللِّسان ولا حصَلت له صيانةٌ بمثل المحافظة على ذكر الله تبارك وتعالى .
فذِكر الله جلَّ علا يصونُ لسانَ المرء ويحفظُه منَ الوقوع في الغِيبة والنَّميمة والسُّخرية والاستهزاء ونحو ذلك. فهذه فائدة عظيمة من فوائد ذكر الله تبارك وتعالى .

 ومن فوائد الذِّكر : أنَّه علامةٌ على عِظَمِ حبِّ الذَّاكر لله تبارك وتعالى . قال بعض أهل العلم: علامةُ حبِّ الله كثرةُ ذكره ؛ فإنَّك لا تُحبُّ شيئًا إلَّا أكثرت ذكره.

فهذه بعض الفوائد والثَّمرات العظيمة الَّتي ينالها المؤمن بذكره لله تبارك وتعالى ، وعندما - أيها الإخوة - تقرؤون كتابَ ابن القيم رحمه الله ستجدون أنَّني قصَّرت تقصيرًا بالغًا ، وأخللتُ إخلالًا شديدًا في عدِّ فوائد الذِّكر ، وأنَّ ما ذكرتُه هو نزرٌ وقليلٌ ويسيرٌ من فوائد عظيمةٍ كثيرةٍ متعدِّدةٍ أَحْسَنَ بَسْطَهَا وأجاد بيانها العلَّامة ابن القيِّم رحمه الله ؛ ولهذا عودًا على بدء؛ أُؤكِّد على اقتناء هذا الكتاب والاستفادة منه وأن يكون متداولًا في البيوت ، وأن يُحثَّ الأولاد والنِّساء والبنات والأقارب على قراءته ليُحصِّلوا بذلك الخير العظيم والأجر الجزيل والحفظ والصِّيانة وغير ذلك من الفوائد الَّتي سبق الإشارة إلى بعضها أو قليلٍ منها.
وفي ختام هذه الكلمة - أيها الإخوة - أقرأ عليكم أبياتًا قليلةً للعلَّامة عبد الرَّحمن بن ناصر السَّعدي رحمه الله ، وهي أبيات قليلة وجميلة وجمع فيها رحمه الله فوائد الذِّكر جمعًا - حقيقة على وجازة الأبيات - بليغًا للغاية فقال:

فَذِكْرُ إِلٰهِ الْعَرْشِ سِرًّا وَمُعْلَنًا
يُزِيلُ الشَّقَا وَالهَمَّ عَنْكَ وَيَطْرُدُ

وَيَجْلِبُ لِلْخَيْرَاتِ دُنْيًا وَآجِلًا
وَإِنْ يَأْتِكَ الْوَسْوَاسُ يَوْمًا يُشَـرِّدُ

فَقَدْ أَخْبَرَ المُخْتَارُ يَوْمًا لِصَحْبِهِ
بِأَنَّ كَثِيرَ الذِّكْرِ فِي السَّبْقِ مُفْرِدُ

وَوَصَّى مُعَاذًا يَسْتَعِينُ إِلٰـهَهُ
عَلَى ذِكْرِهِ وَالشُّكْرِ بِالْحُسْنِ يَعْبُدُ

وَأَوْصَى لِشَخْصٍ قَدْ أَتَى لِنَصِيحَةٍ
وَقَدْ كَانَ فِي حَمْلِ الشَّـرَائِعِ يَجْهَدُ

بِأَنْ لَا يَزَلْ رَطْبًا لِسَانُكَ هٰذِهِ
تُعِينُ عَلَى كُلِّ الْأُمُورِ وَتُسْعِدُ

يشير إلى الحديث الذي هو عنوان هذه الكلمة
وَأَخْبَرَ أَنَّ الذِّكْرَ غَرْسٌ لِأَهْلِهِ
بِجَنَّاتِ عَدْنٍ وَالمَسَاكِنُ تُمْهَدُ

وَأَخْبَرَ أَنَّ اللهَ يَذْكُرُ عَبْدَهُ
وَمَعْهُ عَلَى كُلِّ الْأُمُورِ يُسَدِّدُ

وَأَخْبَرَ أَنَّ الذِّكْرَ يَبْقَى بِجَنَّةٍ
وَيَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ حِينَ يُخَلَّدُوا

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ
طَرِيقٌ إِلَى حُبِّ الْإِلَهِ وَمُرْشِدُ

وَيَنْهَى الفَتَى عَنْ غِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ
وَعَنْ كُلِّ قَوْلٍ لِلدِّيَانَةِ مُفْسِدُ

لَكَانَ لَنَا حَظٌّ عَظِيمٌ وَرَغْبَةٌ
بِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ نِعْمَ المُوَحَّدُ

وَلَكِنَّنَا مِنْ جَهْلِنَا قَلَّ ذِكْرُنَا
كَمَا قَلَّ مِنَّا لِلْإِلَهِ التَّعَبُّدُ

فرحمه الله وجزاه خير الجزاء على هذه الأبيات العظيمة النَّافعة المشتملة على بيان فوائد الذِّكر ، وبالنسبة لهذه الأبيات من أراد أن يقفَ على شرحِها وبسطِها وبيانِها فليقرأ كتاب ابن القيِّم «الوابل الصَّيِّب» ؛ لأنَّ «الوابل الصَّيِّب» مشتملٌ على بَسط الفَوائد وعدِّها وبيانِها بأحسن ما يكون مع بسطٍ للأدلَّة وإيضاحٍ لها .
ونسأل الله عز وجل أن يجزيَ أهلَ العلم عنَّا خير الجزاء وأن ينفعَنا بما علَّمنا ، ونسأله تبارك وتعالى أن يعينَنا على ذكره وشكره وحسن عبادته ، وأن يعيذنا من الإعراض والغفلة ، وأن يجعلنا هداةً مهتدين غير ضالِّين ولا مضلِّين.
اللَّهمَّ أصلح لنا ديننا الَّذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا الَّتي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا الَّتي إليها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا من كلِّ خير ، والموت راحة لنا من كلِّ شرٍّ.
والله أعلم ، وصلَّى الله وسلَّم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبيِّنا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

جــــــــــزاااااااك الله خيــــــــــــرًا


جزاك الله خيرا
شكرا ويعطيك ألف عافية
مودتي لكـ