منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


دُرُوس مُسْتَفَادَة مِنْ أُمِّ الْكْتَابِ وَأُمِّ السُّنَّة




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
دُرُوس مُسْتَفَادَة مِنْ أُمِّ الْكْتَابِ وَأُمِّ السُّنَّة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
فسيكون حديثنا هذا الصباح عن سورة من القرآن الكريم وحديث من أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ السورة التي سيكون الحديث عنها تُعرَفُ بـ« أم القرآن » وهي فاتحة الكتاب ، والحديث الذي سيكون الحديث عنه وصفه بعض أهل العلم بـ« أم السنة » ، كما أن الفاتحة أم القرآن فهو أم السنة ، وهو حديث جبريل المشهور .
قد سمِّيت الفاتحة « أم القرآن »: لأنها حوَت على ما حوى عليه القرآن ؛ فالقرآن فصَّل وفاتحة الكتاب أجمَلت ، فسورة الفاتحة حوَت إجمالاً على ما حوى عليه القرآن تفصيلاً ، ولهذا القرآن كله بمثابة التفسير والتفصيل لما اشتملت عليه سورة الفاتحة من أصول الإيمان وحقائق الدين وتمام الإخلاص للمعبود والاتباع للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فهي « أم القرآن » لأنها مشتملة على ما اشتمل عليه القرآن .
وحديث جبريل أطلق عليه بعض أهل العلم بـ« أم السنة » لأن حديث جبريل اشتمل إجمالاً على ما اشتملت عليه السنة تفصيلاً ؛ فالقرآن الكريم الفاتحة أجمَلت ما فيه ، وحديث جبريل أجمل ما في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا كان من المتأكد على كل مسلم أن تعْظُم عنايته بسورة الفاتحة فهماً وتدبراً وتحقيقا لما دلت عليه من الإخلاص والاتباع للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأيضا يعتني بحديث جبريل المشهور حفظاً لألفاظه ، وفهماً لمعانيه ودلالاته ، وتحقيقاً لغاياته ومقاصده .
ونقف وقفة أولاً مع سورة الفاتحة لبيان بعض المعاني التي دلت عليه أو بعض الدروس المستفادة منها ثم ننتقل أيضاً إلى وقفة ثانية لنقف على بعض المعاني التي دل عليها حديث جبريل المشهور . الفاتحة فيها دروس عظيمة مباركة تزيد على المئة درس لكنني أحب قبل الوقوف على هذه الدروس أن أسمع تلاوة للفاتحة من هذا الحبيب .
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}[سورة الفاتحة]
هذه السورة المباركة مليئة بالدروس ومما سأقف معكم عليه من دروس مستفادة من هذه السورة لن يكون على وجه التفصيل والتوسع وإنما إشارات سريعة إلى دروس تستفاد من هذه السورة المباركة .
 فمن الدروس المستفادة من هذه السورة : اشتمالها على أقسام التوحيد الثلاثة ؛ لأن التوحيد الذي خُلقنا لأجله وأوجدنا لتحقيقه ينقسم إلى ثلاثة أقسام : توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وفي هذه السورة المباركة أقسام التوحيد الثلاثة ؛ الربوبية في قوله{ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } .......
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [الإسراء:57] ففيها هذه الأركان الثلاثة ؛ أما الحب ففي قوله { يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} فهذا فيه الحب ، أي لعِظَم حبهم لله يبتغون القرب منه جل وعلا ،{ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } وهذا الرجاء ، { وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } وهذا الخوف . والمسلم في كل طاعة تجتمع فيه هذه الثلاثة : رجاء الرحمة وخوف العقاب ومحبة الله ، والله عز وجل لا يُعبد إلا بهذه الثلاثة مجتمعة ، لا يُعبد بالحب وحده ولا بالخوف وحده ولا بالرجاء وحده ! وإنما يُعبد بالحب والخوف والرجاء ، تعبده لأنك تحبه وترجو ثوابه وتخاف من عقابه ، وقد قال بعض السلف « مَنْ عَبَد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ ، ومن عبَد الله بالخوف وحده فهو حروري - يعني على طريقة الخوارج - ، ومن عبَد الله بالحب وحده فهو زنديق ، ومن عبَد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمنٌ موحِّد » فعبادة الله تكون بهذه الأمور الثلاثة بالحب بالخوف والرجاء ؛ تعبد الله حباً له جل وعلا ، ورجاء لثوابه ، وخوفا من عقابه .
وهذه الأركان الثلاثة للتعبد اشتملت عليها سورة الفاتحة ؛ أما الحب ففي قوله :{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } لأن الحمد هو الثناء على الله مع حبه ، لأن الثناء المجرد أو العَرِيّ عن الحب لا يسمى حمداً وإنما يسمى مدحاً ، فالحمد هو الثناء مع الحب للمثنى عليه ، ولهذا في قولك { الْحَمْدُ لِلَّهِ } حب الله ، وما من شك أنَّ مَن يحمد الله مستحضراً في حمده له ما يُحمد عليه سبحانه من أسمائه الحسنى وصفاته العلا وكذلك من نعمه التي لا تُعدُّ ولا تحصى وآلائه التي لا تستقصى - لاشك ولا ريب - أنه يقوم في قلبه الحب عندما يقول { الْحَمْدُ لِلَّهِ } .
وقوله { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } إذا قرأها المسلم متدبراً لها قام في قلبه رجاء الله ، كما مر معنا في الآية السابقة {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } فإذا قرأ { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } مستحضراً ما دلت عليه من كمال الرحمة المتصف بها الرب العظيم جل وعلا فإنه يقوم في قلبه الرجاء لرحمة الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى .
فإذا قرأ { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } أي مالك يوم الجزاء والحساب قال الله تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [الانفطار:17-19] ، فإذا قرأ هذه الآية { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } مستحضراً لما دلت عليه من مُلكه سبحانه وتعالى ليوم الحساب يوم يقوم الناس بين يدي رب العالمين حافيةً أقدامهم عاريةً أجسامهم ليس معهم شيء من الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : ((يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ: النَّاسَ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا " قَالَ: قُلْنَا مَا بُهْمًا ؟ قَالَ: " لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ )) لا أموال ولا تجارات ولا مزارع ولا ممتلكات كلها لا يكون معهم منها شيء ، وإنما يقفون في صعيدٍ واحد الأجسام عارية والأقدام حافية وليس معهم شيء مما كانوا يملكونه من الدنيا لا قليل ولا كثير ، حتى الثياب التي تستر البدن والنعال التي تُلبس في القدم ليس معهم شيء منها الأجسام عارية والأقدام حافية ، حتى أن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ((يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟! )) قال : (( الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ )) ، فإذا تذكر العبد مثل هذه المعاني وهو يقرأ { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ما الذي يقع في قلبه ؟ الخوف ؛ يخاف من حساب الله ومن عقابه ومن الوقوف بين يديه .
فلاحظ هذه الأركان كيف تجتمع في قلب المؤمن وهو يتلو هذه السورة المباركة متدبراً لمعانيها وما دلت عليه ، فإذا قرأ { الْحَمْدُ لِلَّهِ } قام الحب ، وإذا قرأ{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قام الرجاء ، وإذا قرأ { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } قام الخوف في قلبه ، ثم تأتي العبادة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي نعبدك يا الله بالحب الذي دل عليه { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وبالرجاء الذي دلَّ عليه { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وبالخوف الذي دلَّ عليه { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فالله جل وعلا يُعبد بهذه الأركان الثلاثة للعبادة : الحب والرجاء والخوف .
 ومن الدروس المستفادة من هذه السورة المباركة : أن فيها الجمع بين الأصلين في باب القدر : الاعتماد على الله جل وعلا ، وفِعل السبب ؛ وهذه حقيقة الإيمان بالقدر ، حقيقة الإيمان بالقدر : أن يعتمد المؤمن على الله عز وجل ، وأن يؤمن بقضائه وقدره وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن الأمور بيده يتصرف في خلقه كيف يشاء ويحكم فيهم بما يريد يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ، يؤمن بذلك وفي الوقت نفسه يقبِل على الله خاشعاً متذللاً عابداً مطيعاً باذلاً للأسباب المقرِّبة لله جل وعلا التي ينال بها رضاه وثوابه سبحانه . فهذان الأصلان العظيمان اشتملت عليهما هذه السورة المباركة ؛ أما الإيمان بالقدر ففي مواضع منها :
 قوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ } ؛ ورب العالمين أي خالقهم ومالكهم ومدبر شئونهم والمتصرف فيهم ، فهذه هي الربوبية ، الربوبية : الخلق والملك والتصرف والتدبير ، فالخلق خلقه والملك ملكه والأمر أمره سبحانه وتعالى لا خالق إلا الله ولا مدبر لهذا الكون إلا الله ولا متصرف فيه إلا هو سبحانه وتعالى ، فالملك مُلك الله ولا يملك أحد شيئاً من هذا الكون أو تصرفاً في هذا الكون استقلالاً إلا بتمليك الله جل وعلا له وإقداره عليه لأن الملك ملك الله {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ } [آل عمران:26] ، ولا يملك أحد من هذا الكون ولا مثقال ذرة إلا إذا يسَّره الله له وملَّكه إياه قال الله تعالى : {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } [سبأ:22] فالملك ملك الله والخلق خلقه يتصرف فيه كيف شاء ويقضي فيه سبحانه بما أراد ، فقوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ } فيه الإيمان بالقدر .
 وأيضا في قولك { إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هذا فيه الإيمان بالقدر ؛ تستعين به لأن الأمور بقضائه وقدره وبتصرفه وتدبيره يقضي في هذا الملك بما يشاء ، فلولا عونه لك على طاعته وما يقرِّب إليه لما استطعت أن تقوم بالطاعة ، فالأمور بقضائه وقدره .
 وأيضا في قوله { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } طلب الهداية منه سبحانه وتعالى دليلٌ على أن الأمر بتدبيره وقضائه ولهذا تقول { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } تطلب منه سبحانه وتعالى أن يهديك للصراط علماً به ومعرفة بتفاصيله ويهديك إلى الصراط حفاظاً عليه وقياماً بأعماله والطاعات التي هي من صراط الله المستقيم ويهديك إلى الصراط ثباتاً عليه إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى وأنت ماضياً على الصراط غير مغيِّرٍ ولا مبدل ، وهذا واضح في الإيمان بالقضاء والقدر ؛ لأنك تؤمن أن الأمر بقضائه فلهذا تستهديه تطلب منه الهداية وتستعينه تطلب منه العون لأن الأمور بقضائه وقدره والأمر بتصرفه وتدبيره سبحانه وتعالى .
يتبع

 والأصل الثاني الذي هو بذل السبب في قولك { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} والعبادة فعل العبد وهي أمورٌ يقوم بها العبد يبذلها يطلب بها رضا الله سبحانه وتعالى ويطلب بها ثوابه عز وجل ، فالعبادة فعل العبد ولهذا يقال صلى وصام وتاب وأناب ودعا وغير ذلك من الأعمال ، كما أنه إذا فعل الأعمال السيئة تضاف إليه يقال سرق ويقال كذب ويقال غش فهي أعماله التي قام بها بمشيئته واختياره ولهذا تضاف إليه لأنه هو الذي فعلها هو الذي باشرها هو الذي قام بها باختياره .
فإذاً الأصلان اجتمعا هنا ، اعتمادٌ على الله عز وجل مع بذل للأسباب وهذا حقيقة الإيمان بالقدر ؛ اعتماد على الله وبذل للأسباب ، أما من يعتمد على الله ولا يبذل السبب فلم يحقق الإيمان بالقدر ، وكذلك من بذل السبب دون اعتماد على الله عز وجل فإنه كذلك لم يحقق الإيمان بالقدر .
 ومن الدروس المستفادة من هذه السورة المباركة : أن فيها تعليم المسلم أدب الدعاء - دعاء الله عز وجل- والسورة هي دعاء لله جل وعلا ، والدعاء في قوله { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} فهذا دعاءٌ مبارك عظيم اشتملت عليه هذه السورة ، وبين يديه الثناء على الله واستشعار عظمة الله جل وعلا وكماله جل وعلا واستحضار أسماءه وصفاته سبحانه وتعالى ؛ هذا كله بين يدي الدعاء { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ولهذا من المناسب بين يدي الدعاء أن يُتوسل إلى الله عز وجل فيه بأسمائه الحسنى وصفاته العظيمة كما قال الله عز وجل {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف:180] كما قال سبحانه وتعالى : {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } [الإسراء:110] فهو عز وجل يُتوسل إليه بأسمائه وصفاته وهي أعظم الوسائل إلى الله جل وعلا ؛ اللهم إني أتوسل إليك بأنك أنت الله الرحمن الرحيم ، اللهم إني أتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العظيمة .
التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته هذه أعظم الوسائل وأعظم ما يتوسل به إلى الله جل وعلا خاصة إذا كان المتوسِّل يفهم معاني هذه الأسماء وما تدل عليه ويستحضر عظمة الله وجلاله ويخبت قلبه إليه فإن هذه أعظم الوسائل إلى الله جل وعلا ، ولهذا جاءت هذه الوسائل بين يدي الدعاء ، الدعاء { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } ومن أول السورة ذكر الوسائل : الحمد والثناء والتعظيم واستحضار أسماء الله جل وعلا وصفاته والاعتراف له بالعبادة والاعتماد عليه تبارك وتعالى وحده ثم يأتي الدعاء ، ولهذا لا يعجل الإنسان في دعائه وإنما يتعلَّم هذا الأدب المبارك من هذه السورة يثني على الله ويعظِّم الله ويتذلل بين يدي الله ويكثر من الإلحاح على الله جل وعلا، والله جل وعلا لا يخيِّب عبداً دعاه ولا يرد مؤمنا ناجاه . وكثير من المسلمين والمصلِّين يقرأ هذه السورة ولا يستشعر أنها دعاء بل بعضهم لا يعرف أنها دعاء وإنما هي سورة تُقرأ ويقرأها لكن لا يستشعر أنها دعاء ولهذا يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ينبغي أن يعلَّم عوام المسلمين أن قولهم { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) }دعاء . كثير منهم يقرأ السورة ولا يدري أنها دعاء ولا يستشعر أنه يدعو الله تبارك وتعالى ؛ فيحتاج عوام المسلمين إلى التنبيه إلى أن الفاتحة دعاء وقولهم { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } دعاء تسأل الله الهداية .
 ومن الدروس المستفادة من هذه السورة المباركة : أن سؤال الله الهداية هو أعظم الأدعية ؛ ولهذا خُصَّ هذا الدعاء من بين سائر الأدعية أن يدعى الله تبارك وتعالى به يومياً فرضاً لازماً على كل مسلم ومسلمة سبعة عشرة مرة وهذا لم يكن لأي دعاء آخر ، الدعاء الذي في الفاتحة { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } هذا فرضٌ لازم كل يوم يدعو به المسلم سبع عشرة مرة في الصلوات المكتوبة ؛ في الفجر مرتين ، وفي الظهر أربع ، وفي العصر أربع ، والمغرب ثلاث ، والعشاء أربع ، سبع عشرة مرة فرض عليك أن تسأل الله الهداية في صلواتك الخمس و ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ )) كما صحَّ بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقراءتها ركن من أركان الصلاة في كل ركعة فهذه الدعوة سؤال الله الهداية هي أعظم الدعوات وأجلِّها ولهذا جاءت في هذه السورة المباركة .
 ومن الدروس أيضا أن فيها شرطي قبول الأعمال الإخلاص والمتابعة .
 أيضا من الدروس فيها المباركة : معرفة أقسام الناس ؛ وهذا فيه فائدة عظيمة للمسلم ، والسورة ذُكِر فيها أقسام ثلاثة للناس :
1. مُنعَم عليهم .
2. ومغضوب عليهم .
3. وضالون .
ومعرفة هذه الأقسام ومعرفة أهلها وسبب اتصافهم بهذه الصفات - منعم عليه ، مغضوب عليه ، ضال - نافع جداً للمسلم ، ولهذا هذه الأقسام كل يوم تتكرر معك مرات حتى تعرف ما هي أقسام الناس وتعرف نعمة الله عليك حيث هداك لصراطه المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم.
 والمنعَم عليهم : هم من منَّ الله عليهم بالعلم والعمل ؛ العلم النافع والعمل الصالح ، الهدى ودين الحق كما قال الله تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } [الفتح:28] فالهدى : العلم النافع ، ودين الحق : العمل الصالح ، فمن منَّ الله عليه بالعلم النافع والعمل الصالح فهو من المنعَم عليهم ، وبحسب حظه من العلم النافع والعمل الصالح يزيد حظه من الإنعام { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } أي أنعمت عليهم بالعلم والعمل الذين بها قيام دين الإنسان وبهما سلوك صراطه المستقيم { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لاحظ !! أنعمت عليهم بالصراط . وإنعامه عليهم بالصراط من جهتين : من جهة علمهم به ومن جهة سلوكهم له وهذا هو العلم النافع ، والعمل الصالح : علمهم بالصراط وسلوكهم له ، لأنه قد يوجد العلم ولا يوجد العمل ، وقد يوجد العمل يمشي الإنسان يريد الصراط المستقيم لكنه بلا علم ، ولهذا يخرج من هنا ومن هناك ويزِلّ وينحرف لعدم وجود العلم الذي يهديه ، ولهذا يحتاج العبد ليكون من أهل الصراط المستقيم إلى علم يهديه وعمل صالح يرقيه كما يقول ابن القيم يحتاج إلى هذين الأمرين ، إلى علم يهديه أي يهديه الصراط ويعرف فيه معالمه وأيضا يعرف الأمور التي تخرجه من الصراط ليحذر منها علم يهديه، وعمل صالح يرقيه يجعله يترقى في هذا الصراط ويبلغ عالي المنازل ورفيع الرتب ، فالمنعَم عليهم من جمعوا بين الأمرين العلم النافع والعمل الصالح .
 والقسم الثاني : المغضوب عليهم أي الذين غضب الله عليهم ، وهؤلاء من وُجد عندهم علم ولكن لا يعملون به ، يعرفون الحق ويعرفون الهدى لكن لا يعملون ، لا يترك العمل لجهله به وإنما يترك العمل وهو عالم به ، عرف الحق لكن لم يعمل ، مثل ما قال الله عن اليهود {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } [الجمعة:5] حمِّلوها علماً ولم يحملوها عملاً ، عرفوا الحق لكنهم أعرضوا عنه وتركوه وأهملوه ولم يقوموا به ، فمن كان كذلك يستوجب بعمله هذا غضب الله عليه أيًّا كان ، إذا علِم وأعرض ينال حظه من غضب الله بحسب إعراضه عما أعرض عنه من الحق الذي عرفه ؛ فهذا القسم الثاني : علِم ولم يعمل .
 والثالث الضالون ؛ وهؤلاء من وُجد عندهم العمل ولكن بلا علم ، فهذا ضال يعبد الله لكن بلا بصيرة وبلا علم وبلا فهم ولا درية بدين الله فيعبد الله بلا بصيرة ، ومن عبَد الله بلا بصيرة بلا علم يضل لأن عبادة الله عز وجل إنما تكون بما شرع ، ولا يُعرف ما شرع الله إلا بالعلم ، فبدون العلم لا يُعرف ما شرع الله ، ولهذا سبق أن مر معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ((مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ )) يعرف دينه حتى تكون عبادته لله على بصيرة لا بالأهواء والبدع والضلالات وإنما على بصيرة وعلى نور .
فهذه أقسام ثلاثة ذُكرت في هذه السورة منعَم عليهم مغضوب عليهم ضالون ، وأنت تكرر هذه السورة يومياً مرات كثيرة فمن المناسب أن يتذكر الإنسان هذه الأقسام حتى يكون سؤاله على التمام والكمال عندما يقول {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} فيعرف مَن الذين يسأل الله أن يهديه صراطهم ومن الضالون والمغضوب عليهم حتى يحذر طريقهم ، ولهذا من فوائد هذه السورة العظيمة أن المسلم كما أنه مطالب بمعرفة الحق ليسلكه أيضاً مطالب بمعرفة الخطأ والباطل ولو إجمالاً ليتركه ، لأن من لا يعرف الشرك ما هو ولا يعرف البدعة ما هي ولا يعرف المحرم ما هو ولا يعرف المعصية ما هي قد يقع في المحرم وهو لا يدري ، قد يقع في الشرك وهو لا يدري أنه أشرك ، قد يقع في البدعة وهو لا يدي أنه قد أحدث ، قد يقع في المعصية ولا يدري بسبب الجهل ، ولهذا كما أن المسلم مطالب بمعرفة الحق ليسلكه أيضا يعرف الباطل ليحذر منه ، ولهذا ألَّف العلماء كتب في هذا الباب ، مثلا تجد كتب الكبائر الأول الشرك الثاني القتل الثالث الزنا ويعدِّدون الكبائر ويذكرون كل كبيرة بدليلها ، هذه كلها محرمات كلها أمور محرمة لماذا يذكرها العلماء ويذكرون أدلتها ؟ لماذا نعرف الحرام ؟ لماذا نعرف الشرك ونعرف البدعة ونعرف القتل ؟ نعرف هذه الأمور ونعرف خطورتها ونعرف جرمها ونعرف عقاب الله تبارك وتعالى لمن قام بها : حتى يترك الإنسان الحرام على بصيرة ؛ ولهذا تأمل يجب على المسلم أن يفعل المأمور على بصيرة وأن يترك المحظور على بصيرة مثل ما قال طلق بن حبيب رحمه الله في تعريف التقوى ، قال تقوى الله : « أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله » ، فلاحظ قوله «على نور من الله » يعني علم ، لأن النور هو العلم ، فأنت مطالب أن تكون على نور أي على علم في فعلك للواجب وفي تركك للمحرم ، ولهذا قال بعض السلف كيف "يتقي من لا يدري ما يتقي!! " إذا كان الإنسان ما يعرف ما هي المحرمات كيف يتقيها وهو لا يعرف ما هي !! إذا كان من يتاجر لا يعرف ما هو الربا كيف يتقيه !! تدخل عليه أموال ربوية وهو لا يدري ، وتدخل عليه بيوع محرمة وهو لا يدري ، ويدخل عليه أشياء نهى الله عنها وهو لا يدري ، ولهذا يحتاج أن يكون على بصيرة بما حرَّم الله ليتركه ، كما أنه مطالب أن يكون على بصيرة بما أمر الله به تبارك وتعالى ليفعله . فالبصيرة مطلوبة في فعل المأمور وكذلك مطلوبة في ترك المحظور .
ومن اللطائف الطريفة في هذا الباب : أن أبا يوسف أو محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة رحمه الله أتاه بعض أهل الخير والفضل وقالوا له نريد أن تؤلِّف لنا كتاباً في الزهد حتى نكون من أهل الزهد فقال لهم : قد ألفتُ كتابا في البيوع - انظر الجواب وجماله – "قد ألفت كتابا في البيوع" ماذا يريد ؟ يعني اقرؤوا هذا الكتاب وانظروا البيوع التي أحل الله والبيوع التي حرم الله وهنا يأتي الزهد ، لأنك إذا عرفتَ البيع الحلال ومشيت عليه وعرفت البيع الحرام وتركته واجتنبته وابتعدت عنه هذا زهد ، أما الزهد الذي على غير بصيرة قد يقع في محرم وقد يزهد في حلال وفي مشروع ، بل قد يزهد في الطاعة نفسها إذا كان على غير بصيرة فيما يُزهد به وما لا يزهد به ، قد ينحرف في زهده وقد يحرِّم ما أحل الله قد يحل ما حرم الله إذا كان على غير بصيرة في دين الله تبارك وتعالى ، وقد يزهِّد فيما لا يزهد فيه ، وقد يفعل ما يجب أن يُزهد فيه مثل البدع ، البدع يجب أن يزهد فيها الإنسان وأن يحذر منها ، فتجد بعض الناس بسبب جهله في دين الله البدع يدعو إليها وأمور حلال يزهِّد فيها بسبب الجهل وعدم العلم بدين الله تبارك وتعالى ، ولهذا البصيرة في الدين تكون في فعل الأمر وأيضاً في ترك المحرم وهذا يدلنا على أهمية العلم النافع .

السورة مليئة بالدروس لكننا من أجل الاختصار ننتقل إلى الحديث وهو حديث جبريل المشهور :
يتبع

عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : (( بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ؛ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ، قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ ؟ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، قَالَ صَدَقْتَ ، قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ، قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ ؟ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ ، قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا ؟ قَالَ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ، قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ))
هذا الحديث كما أشرت أطلق عليه بعض أهل العلم « أم السنة » كما أن الفاتحة «أم القرآن » ، وإنما أطلق على هذا الحديث بـ« أم السنة » لأنه اشتمل إجمالاً على ما اشتملت عليه السنة تفصيلاً ؛ وهذا واضح جداً في قول النبي صلى الله عليه وسلم في تمام هذا الحديث (( فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ )) فإذاً جبريل علَّم الصحابة الدين في هذا الحديث ، فالحديث فيه الدين ، حديث جبريل فيه الدين كله لا على وجه التفصيل وإنما على وجه الإجمال ، والسنة فصَّلت وإلا فالحديث فيه الدين كله ، ولو أن عالماً أراد أن يشرح للناس دينهم لأمكنه أن يشرح للناس دينهم على وجه التفصيل من خلال التفصيل حديث جبريل ، وللوالد رسالة طُبعت مؤخراً بعنوان « شرح حديث جبريل في تعليم الدين » وهي رسالة قيمة جداً في شرح هذا الحديث المبارك .
الشاهد أن حديث جبريل فيه تعليم الدين وفيه الدين ومشتمل على الدين ، وحديثٌ هذا شأنه ومكانته من الدين نبغي على المسلمين أن يحفظوه وأن يعتنوا به وأن يتفقهوا في دينهم من خلاله ويتأملوا في معانيه ودلالاته .
 ومن عجيب أمر هذا الحديث أن فيه تعليم الدين وأيضا تعليم طريقة تلقي الدين وأن من يتلقى الدين من أجل تلقيه الدين لابد من أسباب يبذلها وآداب يتأدب بها وصبر يتحلى به وأخلاق يتمتع بها حتى ينال من هذا الدين حظاً وافراً ، ولهذا جاءت في مقدمة الحديث وأوله الطريقة قال : (( إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ؛ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ )) وهذا فيه أن المتلقي والمتعلِّم لابد أن يذهب إلى أماكن العلم وإلى أهل العلم المختصين به الضالعين فيه المتمكنين منه فيلازمهم ويسألهم ويتفقه عليهم ويعطي العلم من وقته ويذهب إلى مكان العلم ، فالعلم يؤتى ولا يأتي ، يذهب الإنسان إلى العلم يبحث عنه ما يبقى في بيته ولا يبقى في متجره ولا يبقى في معمله وينتظر العلم أن يأتيه ، بعض الناس يقول أين العلماء؟! يريد منهم أن يذهبوا لبيوت الناس ومتاجرهم وكل واحد في مكانه يعلِّمونه ويفقهونه يمرون عليهم واحداً واحدا كل واحد في بيته وكل واحد في متجره وفي معمله أين العلماء !! ، فالعالم يُذهب إليه يُسأل يتفقه عليه ويستفاد من علمه ؛ فهذه وسيلة العلم .
ومن نعمة الله على أمة الإسلام هذه المساجد المباركة التي هي منارات هدى ومشاعل هداية وخير يجتمع فيها الناس ، ومن محاسن هذا الدين خطبة الجمعة الجامعة التي يجتمع الناس فيها أسبوعياً يتفقهون في دينهم ويتعلمون هدى الله جل وعلا ، يتعرفون على الأحكام وعلى الشرائع وعلى الأوامر وعلى النواهي يتفقهون في دين الله ، وجاء الترغيب في أحاديث كثيرة على العناية بمجالس العلم وعظيم فضلها عند الله عز وجل وعظيم ثواب المجتمعين في المساجد للتعلُّم والتفقه والأحاديث في هذا كثيرة يقول صلى الله عليه وسلم (( وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ )) ؛ ففيه طريقة التعلُّم وأيضا ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من الهيئة الحسنة والمظهر الطيب وأن يكون لباسه نظيفاً وهيئته نظيفة وأن يكون جلوسه أيضا لطيفا في تعلمه وأن يصبر وأن يزاحم العلماء بالركب حتى يستفيد ويبقى في حياته متعلماً متفقهاً (( فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ )) يعلمكم دينكم كيف تتلقونه ، ويعلمكم دينكم أصوله وشرائعه وأحكامه .
 ثم بدأ يسأل جبريل ، ومن طريق تعلُّم الدين السؤال عما لا يعرف الإنسان من الدين ، ومن لا يسأل عن دينه يُحرم من الخير ، ولهذا قال العلماء أنها صفتان إذا وجدت في الإنسان أو إحداهما حُرم العلم : الحياء والكبر ، إذا كان يستحي أن يسأل عن دينه يُحرم ، وإذا كان متكبر تجده من أجهل خلق الله وأبعدهم عن فهم دين الله لكن يتكبر يقول أنا اسأل فلان !! ويكون فلان هذا الذي يتكبر عن سؤاله من العلماء الذين منَّ الله عليهم بالعلم لكن يقول أنا أسأله !! أو مثلي يسأل فلان!! فيُحرم ، ولهذا المتكبر محروم من الخير والعلم ، والذي أيضا يستحي يُحرم من الخير والعلم ، ولاحظ هنا النبي صلى الله عليه وسلم قال ((الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ )) والحياء شعبة من شعب الإيمان لكن ليس حياءً أو ليس مما يستحى منه طلب العلم وسؤال العلماء ، ولهذا ليس هذا من الحياء المشروع المأمور به الذي لا يأتي بخير ، ولهذا يقولون أن كل صفة حميدة إذا زادت عن حدها انعكس مدلولها ، مثل الشجاعة إذا زادت عن حدها تكون تهوُّر ، والحياء إذا زاد عن حده يكون ضعف ووهن وتعطيل للمصالح ، مثل من يستحي عن الفقه في الدين أو عن طلب العلم أو عن سؤال العلماء ، فالدين يكون بالتعلم بالذهاب إلى أهل العلم والسؤال عما لا يعلم الإنسان من دينه يسأل ، ومن تعليم الدين أيضاً أن تُطرح الأسئلة التي يحتاج الناس إلى معرفة أجوبتها ليتعلموا ، مثل أن يسأل أحد الناصحين ما حكم استعمال كذا - وهو يعرف الحكم - لكن يعلم أن فيمن حضر أناس كثيرون يجهلون الحكم فهو يطرح السؤال وهو يعرف جوابه لكنه يريد أن يتعلم الناس ؛ فهذا من الوسائل الصحيحة التي دل عليها هذا الحديث لتعليم الناس وتفقيههم في دين الله .
 ومما دل عليه الحديث : أن السؤال لا يُطرح إلا لمقاصد صحيحة وهي الفهم للدين وتعلُّمه ونيل ثواب الله تبارك وتعالى بتعلمه ؛ لأجل هذا تطرح الأسئلة ، ولهذا كما أن المسلم مطالب بتصحيح نيته في العبادة فإنه أيضا مطالب بتصحيح نيته في طرح الأسئلة التي تُعرف بها العبادة ويعرف بها الدين ، والسؤال عن الدين من الدين عبادة ، سؤالك لأهل العلم عن دينك هذه عبادة قربة لله يثيبك الله عليها لأنك تسأل عن دينك ، فنفس السؤال هذا عبادة يثيبك الله تبارك وتعالى عليه وهو في ميزان حسناتك عندما تسأل عالماً متفقهاً ما حكم كذا ؟ هذه عبادة أنت تعبد الله بالسؤال وهو في صالح أعمالك التي يثيبك الله عليها ، ولهذا يجب أن تصحح النية في السؤال ، عندما يسأل الإنسان لا يسأل إلا ليتعلم هو أو يتعلم الناس ويتفقهوا في دينهم ، أما الأسئلة التي تخرج عن هذا الإطار فليست مشروعة ، بل بعضها قد يأثم الإنسان عليها مثل من يسأل ليشكك الناس أو يسأل ليحيِّرهم أو يسأل لغير ذلك من الأغراض الغير صحيحة فهذه الأسئلة لا تجوز وإنما السؤال يكون بنية صحيحة وبقصد التعلم والاستفادة وتعليم الناس حتى يعرفوا دينهم ويعرف هو دينه للعلم والفائدة والخير ، وإذا خرج الناس بالأسئلة عن هذا الإطار وقعوا في إشكالات وفي الشقاق وفي أمور لا تحمد عقباها ، ولهذا يجب على الإنسان نم يصحح نيته في سؤالاته . بعض الناس يأتي لمكان العلم وهو متهيئ من الخارج يقول أنا أريد أطرح سؤال حتى أحرج فلان أو يسأل مثلاً ليبرز نفسه ، أغراض كثيرة في الناس وأسئلتهم وليس منها ما يقرب إلى الله إلا ما كان بنية صالحة يطلب فيها العلم لنفسه أو لغيره من إخوانه ، والله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً يُقصد به وجهه تبارك وتعالى ، ولهذا السؤال عبادة والعبادة تُقبل إذا كانت لله خالصة وللسنة موافقة .
 ثم جاء في الحديث عدة أسئلة كلها من تعليم الدين ؛ سؤال عن الإسلام وسؤال عن الإيمان وسؤال عن الإحسان وسؤال عن الساعة وأشراط الساعة ، في الإسلام قال عليه الصلاة والسلام (( أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )) ، وفي الإيمان قال : (( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ )) ، والإحسان قال : (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) ، وفي التمام قال : ((فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)) فعُلِم من ذلك أن ديننا ثلاثة مراتب : إسلام وإيمان وإحسان ، والإسلام هو القيام بأعمال شرائع الإسلام الظاهرة وهي مبنية على هذه الخمس كما جاء في الحديث الآخر (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) فالإسلام هو شعائر الإسلام الظاهرة ، والإيمان هو عقائد الدين الباطنة التي تكون في القلب ولهذا قال : ((الإيمان : أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ )) فعرَّف الإسلام بالأعمال الظاهرة ، وعرَّف الإيمان بالاعتقادات الباطنة .
 وأيضا الحديث يدل على أن المسلم هو من فعل أعمال الإسلام الظاهرة وعنده إيمان في قلبه يصحِّح هذا الإسلام ، والمؤمن هو من حقَّق الإيمان في قلبه وتبعت صلاح قلبه بالإيمان جوارحه مستقيمةً على طاعة الله عز وجل ملازمة لما يقرب إليه سبحانه وتعالى .
 ثم ذكر الإحسان وهو أعلى رتب الدين قال (( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )) وهذا أعلى مقامات الدين وأرفع رتبه أن يكون الإنسان في عبادته لله جل وعلا على هذا المقام الرفيع يعبد الله كأنه يراه ، ويصل الإنسان إلى هذه الرتبة بالمجاهدة كما قال الله تعالى { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69]
وعلى كل حال الكلام في الحديث يطول لكننا نكتفي بهذا . والله تعالى أعلم .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد





















جــــــــــزاااااااك الله خيــــــــــــرًا