منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


قَوَاعِد فَي تَزْكِيَةِ النَّفْس




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
قَوَاعِد فَي تَزْكِيَةِ النَّفْس

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً ، وأن تنفعنا يا ذا الجلال والإكرام بما علَّمتنا وأن تزيدنا علما ، وأن تجعل ما نتعلَّمه حجه لنا لا علينا ، اللهم أصلح لنا شأننا كله ، ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .
[ تزكية النفوس ]
وهذا الموضوع ؛ موضوعٌ جليل القدر، عظيم الفائدة ، كبير الأهمية ، تمس الحاجة جداً إلى مذاكرته والعناية به ، والله سبحانه وتعالى يقول :  وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:1-10 ] ؛ تأمل رعاك الله هذا القسَم بهذه الآيات العظيمة والمخلوقات الكبار الدالة على عظمة الله جل وعلا، يُقسم بها عز وجل في أمرٍ جَلَل وعظيمٍ للغاية ، يقسِم جل وعلا بهذه الآيات على أن من زكى نفسه أفلح، ومن دساها خاب و خسر .
ولهذا كان حقيقاً بكل عاقل أن يعمل جاهداً في حياته على تزكية نفسه والبُعد عن تدسيتها ؛ وتدسية النفس : هو طمْرها بالرذائل وغمْرها بالحقارات بحيث تكون نفساً دنيئة ، نفساً رديئة ، نفساً وضيعة ، نفساً منحطة ، فمن كانت نفسه كذلك خاب وخسر عياذاً بالله ، ومن زكى نفسه عمل على السمو بها ، ورفعتها وعلوِّها وشرفها فإنه مفلِح  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا  ، وأَفْلَحَ : أي تحقق فلاحه. والفلاح أجمع كلمة قيلت في حيازة الخير في الدنيا والآخرة ؛ فمن زكى نفسه حاز الخير في دنياه وأخراه . فتزكية النفس أمر جلل وعظيم للغاية ، وينبغي على كل مسلم أن يُعنى به عناية دقيقة وأن يهتم به اهتماماً بالغا.
والحديث حول هذا الموضوع يطول ، لكنني كما أعلِن سأتحدث عن : بعض القواعد والأصول المهمة في باب تزكية النفس ، وأحسِبُ أنها - إن شاء الله - تُعِين العبد على السداد والقوام وحُسن السير في هذا الباب المبارك ؛ باب تزكيه النفوس .
 القاعدة الأولى : أن زكاة النفس بيد الله تعالى عز وجل ، والله عز وجل هو الذي يزكى من يشاء .
فالأمر لله وبيد الله ولا متزكي من الناس إلا من زكَّاه الله ، قال الله تعالى  بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ  [النساء/49]، وقال تعالى :  وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ  [النور/21] ، وقال تعالى:  وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات:7-8] ، وقال تعالى:  يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17] . والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فهذا أصل عظيم في هذا الباب ؛ ألا وهو : أن تزكية النفس وزكاءها بيد الله ، فمن أراد لنفسه أن تزكو وأن تثبُت وأن تستقيم على الزكاة فعليه باللجوء إلى الله ، وطلب ذلك من الله ، وحُسن الإقبال على الله جل وعلا ؛ لأن الأمر بيده عز وجل.

 وهذا ينقلنا إلى الأصل الثاني في هذا الباب العظيم ألا وهو : أهمية الدعاء وعظيم مكانته في هذا الباب العظيم وفي كل باب ، والدعاء - كما قال أهل العلم - مفتاح كل خير ، قال بعض السلف : " تأملتُ الخير فإذا هو أبواب كثيرة ؛ الصلاة خير ، والصيام خير، والصدقة خير، وبر الوالدين خير ، وعلمتُ أن ذلك كله بيد الله " أي لا يمكن أن تصلي إلا إذا أعانك الله ، ولا أن تصوم إلا إذا أعانك الله ، ولا أن تبرّ والديك إلا إذا أعانك الله ، كان الصحابة رضي الله عنهم يقولون:
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
كل ذلكم بيد الله عز وجل ، يقول " فأيقنت أن الدعاء مفتاح كل خير " فكل خيرٍ ترجوه لنفسك وتريده من خيرات الدنيا والآخرة – من الخيرات الدينية والدنيوية - فاطلبه من الله والجأ إلى الله في نيله وتحصيله ، ولهذا جاء في صحيح مسلم من دعائه عليه الصلاة والسلام : (( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي ، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي ، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ )) . تأمل!! أصلح لي .. أصلح لي .. أصلح لي . فلا يمكن أن تصلح دنياك ، ولا يمكن أن يصلح دينك ، ولا أن تصلح آخرتك إلا إذا أصلحها الله لك ؛ فصلاح ذلك كله بيد الله ؛ ولهذا جاء أيضا في دعاء الكرب: ((اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ )) فهذا أمرٌ بيد الله .
وفي باب التزكية: صح عن النبي عليه الصلاة والسلام الدعاء في صحيح مسلم من حديث زيد بن أرقم أنه عليه الصلاة والسلام قال في دعاءه : (( اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا ؛ أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا )) فسأل الله سبحانه وتعالى تزكية النفس ((آت نفسي تقواها )) ، فالنفس لا تؤتى التقوى ولا تؤتى الزكاة إلا إذا آتاها الله سبحانه وتعالى ذلك ومنَّ عليها جل وعلا به ، فهو أمرٌ بيده ، ولهذا فقر العبد إلى الله سبحانه وتعالى فقرٌ ذاتي من كل وجه ؛ كما أن غنى الله سبحانه عن عباده غنىً ذاتي من كل وجه  يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15 ) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ  [فاطر:15-17] ، وقال جل وعلا في الحديث القدسي : ((يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي )) ؛ فالأمر بيد الله عز وجل ، والعبد بحاجةٍ شديدة إلى دعاء مستمر وإلحاحٍ على الله سبحانه وحُسن إقبالٍ على الله عز وجل ؛ راجياً طامعاً راغباً مقبلاً ، والله عز وجل لا يخيِّب عبداً دعاه ، ولا يردُّ مؤمناً ناجاه .قد قال سبحانه :  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ  [البقرة:186] . قال عمر رضي الله عنه: " إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن أحمل همّ الدعاء " .

 الأمر الثالث من القواعد المهمة في هذا الباب : أن القرآن الكريم كلام رب العالمين هو كتاب التزكية ومنبعها ومعينها ومصدرها ، ومن أراد لنفسه التزكية فليطلبها في كتاب الله ، قد قال الله سبحانه :  لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  [آل عمران:164] ، فهو عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم يزكى بتلاوة الآيات ، قال الله تعالى:  فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45] ، قال الله تعالى :  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] ، وقال تعالى :  أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ  [العنكبوت:51]
قال جل وعلا :  إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  [الإسراء:9] ، وقال تعالى : وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ  [ يونس:57] ، وقال تعالى :  وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ  [الإسراء:82] ، وقال الله تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44] وقال تعالى :  قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ  [الأنبياء:45]
فالقرآن كتاب التزكية ، وكلما أكرم الله سبحانه وتعالى عبده ومنّ عليه بتلاوة القرآن وتدبر آي القرآن ومجاهدة النفس على العمل بالقرآن نال من التزكية أوفر نصيب ، قال الله تعالى :  الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة: 121] ، وتلاوة الكتاب حق التلاوة : بالقراءة والحفظ ، وبالفهم والتدبر، وبالعمل بكتاب الله عز وجل . والعمل بالقرآن نفسه يُعدُّ تلاوةً للقرآن، فليست التلاوة مجرد قراءة الحروف دون فهم المعاني ، ولا أيضًا فهم المعاني دون عمل بالقرآن ، قال الحسن البصري رحمه الله : " أُنزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملا " .

 القاعدة الرابعة في هذا الباب العظيم - باب تزكية النفس - : أهمية اتخاذ الأسوة والقدوة في هذا الباب . وقد قال الله تعالى :  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  [الأحزاب:21] وسمعنا قول الله سبحانه وتعالى:  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  [آل عمران:31] ، والنبي  هو إمام المتزكين، و قدوة الخلق أجمعين، وسيد ولد أدم ، بعثه الله سبحانه وتعالى للعالمين رحمة ، وجعله للناس قدوة ، وأمر جل وعلا بالائتساء به والإقتداء بهديه لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  ، وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] .
ولهذا لا سبيل إلى تزكية النفس بغير إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالتزكية هي الإتباع والإقتداء بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام والسير على منهاجه القويم ، وكيف يرام الوصول إلى التزكية والقبول بغير ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام !! هذا لا يمكن ؛ فالذي يريد لنفسه التزكية فليطلبها بالإتباع " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم" . قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " إنا نقتدي ولا نبتدي ، ونتَّبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر" ؛ وهذا أمر لابد من التنبه له ؛ لأن الناس لا يزالون في كل زمان تُخترع لهم اختراعات ويُحدَث لهم طرائق، وكثيرٌ منها يُدّعى فيها أنها تزكي النفوس ، وتهذب القلوب ، وتقوِّي الصلة بالله ، إلى غير ذلك مما يقال ، والحق أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، والحقُّ أن ما كان من الأعمال ليس على أمر النبي صلى الله عليه وسلم مردود على صاحبه غير مقبولٍ منه ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )) ، ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ )) ، ولهذا وجب على الإنسان الناشد والحريص على تزكية نفسه أن يجاهد نفسه على الإتباع والاقتداء والتأسي بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، وليحذر من المحدثات والمخترعات والطرائق المبتدعات التي يدَّعي أربابها أنها تزكي النفوس ، ولا يزال أئمة الضلال يورّطون العوام والجهال بأعمال منكرة وفِعال لا أصل لها في دين الله يدَّعون أنها تزكي النفوس ؛ حتى إن بعضهم يوصى المبتدئ في الهداية والداخل في أول طريقها بالانقطاع عن الجماعات والخلوة في مكان مظلم ، ويملى عليه ذكراً خاصاً وألفاظاً معينةً يرددها يزعم أنها تزكي وتهذِّب وتربي إلى غير ذلك من الدعاوى .
فتزكية النفس إتباعٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، وسيرٌ على منهاجه القويم ، ولزومٌ لصراط الله المستقيم ، وحذرٌ من الانحراف أو الزيغ عن هذا الصراط بأي مسمىً كان وبأي طريقة ادُّعِيت .
يتبع

الأمر الخامس من القواعد المهمة في هذا الباب : أن التزكية تخلية وتحلية .
حقيقة التزكية : تخلية وتحلية ؛ تجمع أمرين دل عليهما أصل مدلول هذه اللفظة في اللغة ، ودل عليهما أيضا نصوص الشرع ، فالتزكية تخلية وتحلية ، التزكية: تنقية للنفس من الرذائل والحقارات والدناءات ، وتنمية لها بالفضائل والأعمال الصالحات والطاعات الزاكيات ؛ فهي تجمع الأمرين ، وإذا رجعت إلى أصل مدلول هذه الكلمة في اللغة ؛ قالوا في معناها :
 " الزكاة : الطهارة " .
 وقالوا أيضا : "الزكاة : النماء " .
فالزكاة الشرعية المطلوبة من المؤمن طهارةٌ ونماء ؛ طهارةٌ للنفس بتنقيتها وتخليتها من الرذائل ، من الحقارات ، من الخسائس ، من الأعمال الدنيئات ، ونماء : تنمية للنفس وتحلية لها بالفضائل والطاعات والأعمال الصالحات. قال الله سبحانه وتعالى :  قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] ، فترك المحرمات والبعد عن الأثام هذا كله تزكية للنفس ؛ النفس تزُكَّى بالبعد عن الحرام، تزكَّى باجتناب الأثام ، تزكَّى بتطهيرها وتنقيتها وإبعادها عن الرذائل ، هذا الجانب الأول.
وتزكى بتنميتها بالفضائل والطاعات ، قال الله تعالى :  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15]فالذكر تزكية للنفس ، الصلاة تزكية للنفس:  إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]، الصيام تزكية للنفس يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [البقرة:183] ، الحج تزكية للنفس ، عموم الطاعات التي أمر الله سبحانه وتعالى عباده بها ودعاهم إليها كلها تزكي النفس وتسمو بها وترفعها وتنهض بها إلى عالي الرتب  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] ، فالطاعات كلها رفعة للإنسان وسمو بنفسه وعلوٌ بها ، كما أن المعاصي والأثام تدسّى النفس وتحقِّرها وتصغِّرها .
والنفوس نفسان : نفس فاضلة ، ونفس دنيئة .
 والفاضلة : هي النفس التي أكرمها الله سبحانه وتعالى بالتحلي بالفضائل .
 والنفس الدنيئة : هي التي غمسها صاحبها في الحقارات والرذائل .
وتزكية النفس : إبعادٌ لها عن الرذائل ، وتنمية لها وتحلية لها بالطاعات والفضائل .

 الأمر السادس في هذا الباب العظيم - باب تزكية النفس - : أهمية إغلاق المنافذ التي تخرج بالإنسان عن التزكية وتُبعده عن الفضيلة وتوقعه في الرذيلة ؛ قد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ، عَلَى كَتِفَي الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ ، وَعَلَى الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسلكوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تَعُوجُوا ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى الصِّرَاطِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدكمْ فَتْحَ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ : وَيْلَك لَا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ ، فَالصِّرَاطُ: الْإِسْلَامُ ، والسُّتُورُ : حُدُودُ اللَّهِ ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ : مَحَارِمُ اللَّهِ ، والدَّاعِي الَّذِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاط : كِتَابُ الله ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْق : وَاعِظُ اللَّهِ يذكر فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ )) .
ففي باب تزكية النفس يحتاج العبد حاجةً ماسة إلى إغلاق المنافذ التي تنقل الإنسان وتُخرجه من التزكية إلى التدسية وما أكثرها ولاسيما في زماننا هذا ، وقد انفتحت على الناس في هذا الزمان نوافذ كثيرة جداً تنقل الناس - بل قل تنقل الأخيار والمتدينين والصالحين والمستقيمين - من التزكية إلى التدسية ، من الهداية إلى الانحراف، كثيرة جداً !! والعاقل يغلق المنافذ التي تُدخل عليه الروائح الخبيثة ، والأفكار الهابطة ، والسموم القاتلة ، والأدواء الفتاكة ، يحذر منها أشد الحذر ، وإذا كان يريد أن يخاطر بشيء لا يخاطر بدينه ، فدينه أغلى ما يملك في هذه الحياة الدنيا وأشرف ما يملك في هذه الحياة الدنيا ، كل شيء إذا ضاع له عِوَض إلا الدِّين ، ولهذا جاء في الدعاء (( وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا )) . وبعض الناس يخاطر بدينه ، لا يبالى بتلك المنافذ فيسرح فيها ناظراً ومشاهداً ورائياً وسامعاً ، ثم تسلَّل إلى قلبه وإلى نفسه شيئاً فشيئا الأفكار الهدامة والشهوات العارمة والعقائد المنحرفة والشبهات والشهوات ، ثم يشتكى من نفسه يقول "أنا عندي شبهات كثيرة " ، أو يقول " نفسي تهجم عليها شهوات عارمة" ، ويكون هو الذي طرَّق لهذه الشبهات وهذه الشهوات لتلِج إلى نفسه من خلال تلك المنافذ ، فينطبق عليه قول القائل :
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك .. إياك أن تبتل بالماء
هذا لا يمكن !! لهذا ينبغي على الإنسان أن يحذر أشد الحذر من منافذ الشر وأبواب الفساد التي تستجلب للنفس الشهوات أو الشبهات أو كليهما ، وهذان هما منفذا الشيطان على القلوب ، فالشيطان له منفذان لا ثالث لهما : إما الشهوة أو الشبهة. وهو يشام القلوب وينظر في ميولاتها ؛ إذا رأى ميل الإنسان إلى التدين والتمسك عمل على إدخال الشبهات عليه ، وإذا رأى ميله إلى التضييع والتفريط سعى في إدخال الشهوات عليه.
فإذا حرص العبد على إغلاق المنافذ بحيث لا يصل إلى نفسه ولا يصل إلى فؤاده إلا الفضائل والخيرات فإن هذا من أعظم ما يعينه على سلامة نفسه وزكاتها.

 الأمر السابع في هذا الباب - باب تزكية النفس - : تذكر الموت ، ولقاء الله سبحانه وتعالى ، ومفارقة هذه الحياة ، فإن هذا من أعظم الأمور المعِينة . قد قال الله تعالى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] ، ولا يزال العبد بخير إذا كان هذا النظر يعمل عنده ؛ ينظر ما قدّم لغد ، أما الإنسان الذي لا يفكر في الغد الذي هو يوم لقاء الله سبحانه وتعالى كل اهتمامه في الأشياء التي أمام ناظريه وعنده في هذا الحياة الدنيا فهذا يعيش في ضياع يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  [التحريم:6] ، ومن أواخر ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام بل قيل هو أخر ما نزل قول الله سبحانه وتعالى :  وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ  [البقرة/281] .
فلا يزال العبد بخير ما دام متذكراً لهذا اليوم ، وكلما أرادت النفس أن تفعل شيئاً من الأشياء التي تدسِّيها وتحقِّرها يزجرها بذلك اليوم ، بالوقوف بين يد الله سبحانه وتعالى وبالجزاء والحساب ، كلما أرادت النفس أن تفرّط وتقصِّر في شيء من الأعمال التي فيها نمائها وفضيلتها ورفعتها وزكاءها أيضاً يذكِّرها بلقاء الله سبحانه وتعالى وبالجزاء والحساب  فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [المؤمنون:102]،  وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ  [الأعراف:9]  فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  [الزلزلة: 7 - 8 ]

 الأمر الثامن من الأمور التي تُعِين العبد في هذا الباب: تخيُّر الجلساء وانتقاء الرفقاء ، فقد جاء في سنن أبى داوود وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ((الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ )) وقال عليه الصلاة والسلام : (( مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً )) . ولهذا يتطلب هذا المقام - مقام تزكية النفس - تخيُّر الجلساء الذين يعينون الإنسان على الخير ويشدُّون من أزره على الطاعة ، يقول الله تعالى :  وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا  [الكهف:28]
 الأمر التاسع والأخير وهو مهم في هذا الباب - باب تزكية النفس - : أن يحذر الإنسان من العُجب، وأن يحذر من تزكية نفسه ؛ أي ادّعاء زكاءها وكمالها ، وقد قال الله سبحانه وتعالى :  فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى  [النجم:32] ، والمؤمن مهما اجتهد في الصالحات واجتناب المحرمات لا يزال يرى نفسه مقصراً، ولا يزال خائفاً كما قال الله سبحانه وتعالى :  وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ  [المؤمنون:60] قد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية قالت له: أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ ؟ قَالَ لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَوْ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ )) ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله : " المؤمن جمَع بين إحسانٍ ومخافة ، والمنافق جمع بين إساءةٍ وأمْن " ؛ ولهذا مهما اجتهد العبد في الصالحات عليه أن ينظر إلى نفسه بعين المقصِّر المفرِّط ، بعين الخائف الوجل ، الراجي رحمة الله سبحانه وتعالى ، والخائف من عذابه عز وجل . قال عبد الله بن أبى مُليكة - وهو من أحد التابعين - : " أدركتُ أكثر من ثلاثين صحابياً كلهم يخاف النفاق على نفسه " .
. اللهم واغفر لنا و لوالدينا ولمشايخنا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك غفورٌ رحيم جوادٌ كريم .
والله تعالى أعلم . وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد آله وصحبه أجمعين.

بارك الله فيك
وجزاك خير الجزاء