منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > قسم التربية والتعليم > قسم الموسوعة التاريخية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


التاريخ الاسلامى في يوم اليرموك.. نصر مبين وهمة لا تلين

التاريخ الاسلامى




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع


في يوم اليرموك.. نصر مبين وهمة لا تلين


يوم اليرموك من أعظم الأيام في تاريخ الإسلام على الإطلاق، فقد شاء الله في ذلك اليوم أن يغير من خريطة التاريخ، حيث من الممكن أن ينتصر المسلمون في موقعة وثانية وثالثة، ولكن تأتي موقعة بعينها فتغير التاريخ وتغير معها معالم الدولة الإسلامية ومعالم الدولة الرومية أو الدولة الفارسية، وقد مرَّ المسلمون في فتح الشام بمعارك كثيرة، منها موقعة أجنادين، وموقعة بيسان، وفتح دمشق، وفتح بعلبك، وحمص، ومعركة مَرْج الصُّفَّر الأولى والثانية.. والآن يصل المسلمون إلى موقعة فصل الخطاب، وهي من المواقع التاريخية الكبيرة.
ويتناول هذا التقرير جوانب من المعركة، وأهميتها عند المسلمين والروم، ومحاولة للتعرف على الوسائل التي مكنت جيش الإسلام من الفوز بالمعركة.
ساحةالمعركة


اليرموك نهر ينبع من جبال حوران، يجري قرب الحدود بين سوريا وفلسطين، وينحدر جنوباً ليصب في غور الأردن، ثم في البحر الميت، وينتهي مصبه في جنوب الحولة.
وقبل أن يلتقي بنهر الأردن بمسافة تتراوح بين ثلاثين وأربعين كيلو متراً يوجد واد فسيح تحيط به من الجهات الثلاث جبال مرتفعة شاهقة الارتفاع، ويقع في الجهة اليسرى لليرموك.

اختار الروم هذا الوادي؛ لأنه المكان الذي يتسع لجيشهم الضخم الذي عدده مائتان وأربعون ألف مقاتل.
وأما المسلمون فقد عبروا النهر إلى الجهة اليمنى، وضربوا معسكرهم هناك في واد يقع على الطريق المفتوح لجيش الروم؛ وبذلك أغلقوا الطريق أمام الجيش المزهو بعدده وعُدده، فلم يعد للروم طريق يسلكون منه، أو يفرون إذ اضطروا للفرار؛ لأن جيش المسلمين قد أخذ عليهم مسلكهم الوحيد.
وبحسب الدكتور محمد السيد الوكيل فإن الإنسان يعجب كثيراً، وهو ينظر إلى الخارطة، ويرى نفسه مضطراً لأن يسأل: كيف رضي قواد الروم لجيوشهم هذا الموقع؟، وكيف وافق الجنود على النزول فيه، وهم يرون ألا سبيل للخروج منه إلا عن طريق هذا الوادي الذي احتله المسلمون؟.
أفما كان الأجدر بهم إن اضطروا إلى اتخاذ هذا المكان ميداناً للجيش - لأنه لا يوجد مكان سواه يتسع لجيشهم - أن يحموا الفتحة الوحيدة التي لا طريق لهم غيرها؟.
لاشك أن البديهيات العسكرية تحتم حماية أمثال هذه الفتحة ليؤمن الجيش طريقه إذا اضطر إلى الخروج من هذا الوادي المحاصر بشواهق الجبال.
ولكن يبدوا أن قوات الروم كانت مغرورة بكثرتها الهائلة مزهوة بالنصر الذي أحرزته على خالد بن سعيد ومن معه من قوات المسلمين، كما يبدو أن هذا النصر أنساهم أبسط التخطيط العسكري في مثل هذا الموقف.
وكان حماس الخليفة قد ازداد لفتح الشام بعد ما أصاب خالد بن سعيد وجنده من الهزيمة والفرار، فندب أعظم قواده للذهاب إلى بلاد الشام، فأمر عمرو بن العاص على فرقة من الجيش وأمره أن يتجه بها إلى فلسطين، واستدعى يزيد بن أبي سفيان وولاه على جيش فيهم سهيل بن عمر وأمثاله من أهل مكة، وألحقه بجيش آخر بقيادة أخيه معاوية، ووجه شرحبيل بن حسنة ليقود جماعة من جيش خالد بن سعيد، وندب الخليفة جيشاً عظيماً وأمَّر عليه أبا عبيدة بن الجراح، وعين لكل جيش طريقه، وأمره أن يسلكه حتى يصل إلى مقره.
فأخذ عمرو بن العاص طريق المعرقة، وسلك أبو عبيدة الطريق نفسه، وأخذ يزيد بن أبي سفيان طريق التبوكية وسلكه معه شرحبيل بن حسنة، وتوجه الأمراء إلى الشام، فلما وصلوها نزل أبو عبيدة الجابية، ونزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل الأردن، ونزل عمرو بن العاص العربة.
هرقلينصح قومه
علم الرومبدخول الجيوش الإسلامية أرضهم، فكتبوا إلى هرقل، وكان بالقدس فقال هرقل: أرى أن تصالحوا المسلمين، فو الله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم.
وأغضبت هذه النصيحة قواد الروم، وظنوا أن الإمبراطور قد وهن وضعف وسيسلم البلاد للغزاة الفاتحين، والحق أن هرقل قد ضعف أمام غضبة قواده، وعزم على قتال المسلمين مع يقينه بالهزيمة، وجمع هرقل الثائرين، وتوجه بهم إلى حمص، وهناك أعد جيشاً ضخم العدد كثير العدة، وقسمه أربعة أقسام، وجعل كل قسم منه يقابل فرقة من جيش المسلمين ليوهنهم ويشغلهم عن مناصرة إخوانهم.
وبلغ جيش المسلمين ثلاثين ألفاً أو تقل قليلاً، وأما جيش الروم فقد بلغ مائتين وأربعين ألفا.
فزع المسلمون لهذه الأعداد الضخمة التي واجهتهم، وكتبوا إلى عمرو بن العاص يسألونه ماذا يفعلون، فأجابهم: "الرأي لمثلنا الاجتماع فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة". وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم بمثل ما أجابهم به بن عمرو، وقال: "إن مثلكم لا يؤتى من قلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف، والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب، فاحترسوا من الذنوب، واجتمعوا باليرموك متساندين، وليصل كل رجل منكم صاحبه".
اتجه المسلمون إلى اليرموك تنفيذاً لوصية الخليفة، فوجدوا الروم قد نزلوا بالوادي السابق الذكر، وعبر المسلمون النهر فنزلوا بإزائهم.
أسباب تأخر النصر
واستشار الخليفة أصحابه ذوي الرأي، وقلب الأمر على كل وجوهه، فاهتدى إلى أن ضعف المسلمين ناتج إلى ضعف القيادة؛ ذلك لأن الأمراء الذين بعثهم الخليفة إلى الشام ليس فيهم من يصلح في نظر الخليفة لخوض هذه المعركة الرهيبة، فأبو عبيدة بن الجراح مع قدرته العسكرية الفائقة إلا أنه رقيق القلب لا يقدم على الحسم، وابن العاص مع دهائه وحسن حيلته يهاب الإقدام على عدوه، وعكرمة مع إقدامه وحنكته تنقصه دقة التقدير للمواقف، وبقية القواد لم يشتركوا من قبل في مثل هذه المعارك الكبيرة.
وهناك أمر آخر ينبغي للخليفة أن يقدره ولا يغفله، ذلك هو تساوي القواد في القدرة، فليس فيهم من يقرون له بالتفوق أو العبقرية التي يتميز بها عليهم حتى يجتمعوا عليه.
ومن أجل هذا فكر الخليفة كثيراً في الأمر وطال تفكيره فالأمر ليس بالهين اليسير، وإنما هي معارك فاصلة لابد أن تحسم في الشام كما حسمت في العراق.
واهتدى الخليفة - رضي الله عنه - إلى الحل فقال لمجلس الشورى: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد".




خالد يتوجه إلى الشام:
كتب الخليفة إلى خالد يأمره بأن يستخلف على العراق ويتجه بخيرة جنده إلى الشام، وصدع خالد بأمر الخليفة واتجه إلى الشام في تسعة آلاف مقاتل من خيرة الجند.
وقطع خالد بجيشه بادية الشام المعروفة ببادية السماوة، وهو طريق لم يعبره جيش قط قبل جيش خالد، وذلك لوعورته وقلة الماء فيه، وتعرض من يسلكه للهلاك بالعطش والضياع، وإنما صمم خالد على اختراق هذه البادية رغم تحذير العارفين بها؛ لأنه كان يريد أن يباغت العدو فينزل خلفهم حتى لا يحبسوه عن إغاثة المسلمين.
وبالعزم والإيمان اخترق خالد وجيشه تلك البادية، وغامر هذه المغامرة، وقطعها في خمسة أيام، وكلما مر بجماعة من أعداء المسلمين قاتلهم وتغلب عليهم وغنم منهم حتى وصل اليرموك في آخر ربيع الآخر من السنة الثالثة عشر من الهجرة.
كانت الجيوش الإسلامية قد نزلت موقعها من اليرموك قبل مجيء خالد إليهم بثلاثة أشهر (صفر وربيع الأول وربيع الآخر)، وكان المسلمون قد ضجروا وملوا هذا الموقف الذي لا يتناسب مع إقدامهم وشجاعتهم وتضحياتهم في سبيل الله، فأرسلوا إلى الخليفة يصفون له الحال ويستمدونه ليحسموا الموقف. وكان عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قد أحس من المسلمين بما يشبه اليأس من طول المقام وعدم القدرة على خوض معركة تفصل بينهم وبين عدوهم، وخاف أن تسري هذه الروح إلى صفوف المسلمين فيضعفون ولا يستطيعون مواجهة العدو، ولم يكن العدو يرجو من وراء هذا الموقف أكثر من ذلك، فإن روح اليأس إذا سرت في جيش مهما كانت قوته لابد أن يؤول حاله إلى حد أمرين: إما أن ينسحب ويفوز خصمه بالسلامة من غير قتال، وإما أن يدخل في معركة تكون نتيجتها حتماً في مصلحة الطرف الآخر.
أدرك عمرو بن العاص أن هذه الروح بدأت تدب في أوصال الجيش المرابط أمام عدوه ثلاثة أشهر فأراد أن يخفف عنهم، وينفخ فيهم روحا جديدة تبعث فيهم الأمل، وتجدد فيهم نشاطهم وحيويتهم، فنظر إلى جيوش الروم الكثيفة العدد، ولفت نظر المسلمين إلى وضعهم الجغرافي الذي لا يحسدون عليه، وقال: "أيها الناس، أبشروا، حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير".
وصادف قدوم خالد قائد المسلمين وصول باهان قائد الروم، واستبشر المسلمون بقدوم خالد، بقدر ما فرح الروم بوصول باهان، وبلغت إحصاءات الجيش عندئذ ما وصفه الطبري بقوله: وحارب المشركون وهم أربعون ومائتا ألف، منهم ثمانون ألف مقيد، أربعون ألفاً مسلسلون للموت، وأربعون ألفاً مربطون بالعمائم، وثمانون ألف راجل، وثمانون ألف فارس. والمسلمون سبعة وعشرون ألفاً ممن كانوا مقيمين، إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألف".
وتواجه الجيشان في تعبئة لم ير مثلها قط، وكان القسيسون والشمامسة والرهبان يحرضون جيوش الروم ويحثونهم على القتال لمدة شهر قبل المعركة حتى امتلأوا حماساً واخذوا يتحينون الفرصة للقاء.


توحيد القيادة
ونظر خالد إلى المسلمين فوجدهم متساندين كل جماعة على رأسها قائد ليس لها أمير واحد يجمعهم، ورأى - رضي الله عنه - بعبقريته العسكرية أن هذا الحال لا يؤدي إلى النصر، فخطب في المسلمين، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بأعمالكم، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية وأنتم متساندون، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبتكم.
قالوا: فهات فما الرأي؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أننا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون لما جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم، وقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود ولا يزيده عليه أن دانوا له، إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله، ولا عند خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هلموا فإن هؤلاء تهيؤوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها، فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غداً، والآخر بعد غدٍ حتى يتأمر كلكم، ودعوني إليكم اليوم"، فأمروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر أطول مما صاروا إليه.
كانت لكلمة خالد تلك أعظم الأثر في نفوس المسلمين من تحرض القسيسين والرهبان في نفوس الروم، ولئن ظل هؤلاء يعبئون تلك التعبئة الروحية مدة شهر كامل، فإن نفوسهم لم يكن فيها من اليقين وحسن الثقة في وعد الله كما كان في نفوس المسلمين؛ ولذلك أثمرت كلمة خالد التي لم تستغرق دقيقتين ما لم تثمره مواعظ الرهبان والقسيسين لمدة شهر؛ لأن النفوس المؤمنة بالحق تكون دائماً مهيأةً لاستقبال التوجيه والموعظة، سريعة التأثر بما يلقى عليها إذا ذكرت بوعد الله - عز وجل - حسنة الثقة فيما عنده.
على أننا نرى في كلمة خالد - رضي الله عنه - من الإخلاص والحث عليه، وعظيم الاعتماد على الله ما لا يمكن أن يخيب صاحبه، زد على ذلك بعد نظر خالد، وإدراكه لما حوله من أبعاد المعركة وقدرته العسكرية التي تجعل أصحابه يدينون له من غير منازع، كل ذلك جعلهم يجتمعون على قيادته بعد أن كانوا متساندين لا يدين أحد لأحد، ولا يرى أحد أن أحداً أحق بالإمرة منه.

<b>
خطة خالد لمواجهة الروم
اجتمع المسلمون على خالد بعد أن مكث شهراً على اليرموك ليس بينه وبين الروم قتال واقترح خالد بعد أن آلت إليه القيادة العامة لجيش المسلمين أن يقسم الجيش إلى كراديس (فرق) كل فرقة من ألف رجل، وجعل على كل كردوس رجلاً ممن اشتهروا بالشجاعة والإقدام، أمثال القعقاع بن عمرو وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وأضرابهم. وأسند قيادة القلب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقيادة الميمنة إلى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وقيادة الميسرة إلى يزيد بن أبي سفيان. وقال لأصحابه: "إن عدوكم كثير وليس تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس".
حاول خالد بذلك أن ينسي المسلمين كثرة الروم المخيفة، وأن يظهر المسلمين في حالة تدخل الرعب والفزع في عدوهم، ولكنه لم يلبث أن سمع رجلاً يقول: "ما أكثر الروم وأقل المسلمين"؛ فغضب خالد لما سمع وصاح مغضباً: "بل ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان، والله لوددت أن الأشقر (يعني فرسه) براء من توجِّيه وأنهم أضعف في العدد"، وكان فرسه قد حفي من مشيه بالمفازة (بادية الشام).
التعبية الإيمانية
وخشي خالد أن تسري كلمة الرجل في صفوف المسلمين فتوهنهم، وتضعف مقاومتهم، فعجل بالمعركة ليشغل المسلمين بها بدلاً من أن يشغلوا عنها بالنظر في عددهم وعدد عدوهم.
لم ينس خالد أن يختار من جنوده من يتولى أمور المسلمين، فبعد أن نظم الكراديس واختار لها مهرة القواد، عين أبا الدرداء قاضياً، وأبا سفيان واعظاً، وجعل على الطلائع قباث بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، وكان القارئ المقداد، يقول الطبري: "ومن السنة التي سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللقاء - وهي الأنفال - ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك".
وقام أبو سفيان بدوره كواعظ للمسلمين خير قيام، فقال وهو يمشي بين الكراديس: "يا معشر المسلمين، أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين وإمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء كثير عدده، شديد عليكم حنقه وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة، وإن الأرض وراءكم، وبينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحاري وبراري ليس لأحد فيها معقل ولا معول إلا الصبر، ورجاء وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون".
ثم ذهب إلى النساء فوصاهن، ثم عاد فنادى: "يا معشر أهل الإسلام حضر ما ترون، هذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم". ورجع إلى موقفه في الصف حيث كان.
وقام أبو هريرة بعد أبي سفيان فقال: "سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم - عز وجل - في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم.
وقام أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة فقال: "يا عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم فإنَّ وعد الله حق، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، فلا تبرحوا مصافَّكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدأوهم بقتال، واشرعوا الرماح واستتروا بالدرق - أي الدروع - والزموا الصمت، إلا من ذكر الله".
وكان هذا الصمت له فعل شديد على القلوب الرومية فقد هزهم هذا الصمت، فهذا الجيش يقف ساكنًا لا ينادي بكلمات الجزع، ولا يهرب ولا يفكر في الهرب وهو صامت، وكأن شيئًا لا يعنيه، وكأنهم لا يرون هذه الجموع الرومية كلها إلا كالذباب، كانت هذه خطبة أبي عبيدة في اليرموك، وانتقل بها من مكان إلى مكان ينشرها بين الناس، ثم قام معاذ بن جبل أعلم أمة محمد بالحلال والحرام وإمام العلماء يوم القيامة يقول: "يا قُرَّاءَ القرآنِ، ومستحفظو الكتاب، وأنصار الهدى، وأولياء الحق، إنَّ رحمة الله – والله - لا تُنال، وجنته لا تُدخَل بالأماني، ولا يؤتي اللهُ المغفرةَ والرحمة الواسعة إلا الصادقين المصدقين بما وعدهم الله عزَّ وجلَّ، ألم تسمعوا قول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55]، أنتم إن شاء الله منصورون فأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين، واستحيوا من ربكم أن يراكم فرارًا من عدوكم وأنتم في قبضته ورحمته، وليس لأحد منكم ملجأ من دونه وليس فيكم متعزِّز بغير الله".
كانت هذه خطبة معاذ بن جبل قالها فى ميمنته ودار بها على الجيش يقولها ويحمس الناس.
ثم قام عمرو بن العاص؛ فقال: "يا أيها الناس، اشرعوا الرماح والزموا مراكزكم ومصافكم، فإذا حمل عليكم عدوكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فَثِبُوا في وجوههم وُثُوبَ الأسد (يعني لا تبدأوا بالهجوم إلا إذا اقتربوا منكم وصاروا قريبين جدًّا من أسنة الرماح)، فو الذي يرضَى الصدقَ ويُثيب عليه، ويمقت الكذبَ ويعاقب عليه، ويجازِي بالإحسان، لقد بلغني أن المسلمين سيفتحونها كَفْراً كَفْراً (يعني بلداً بلداً) وقصراً قصراً.. فلا يهولنَّكم جمعُهم ولا عددُهم فإنكم لو صدقتموهم الشدة لتطايروا تطاير أولاد الحجر (بعض الطيور الصغيرة عندما تهش تطير أي وهم كذلك يطيرون)، ولا يقفوا لكم ولا يثبتوا أمامكم.
سمع المسلمون هذه الكلمات فوقعت من نفوسهم موقعاً أنساهم قلتهم وكثرة عدوهم، وتطلعت قلوبهم إلى ما عند الله، وهبت عليهم من خلالها نسائم الجنة فاشتاقوا إليها، ولمح خالد في الجنود حماساً لم يره من قبل، ورأى حبهم للجهاد على النحو الذي كان يتطلع إليه منذ قدم إلى اليرموك، وتأكد أن المسلمين قد تأهبوا للمعركة بكل إمكاناتهم، فانتهز الفرصة، وأمر عكرمة والقعقاع أن ينشبا القتال، فبرز القعقاع وهو يرتجز:
يا ليتي ألقاك في الطراد .. قبل اعترام الجحفل الورَّاد .. وأنت في حلبتك الوارد
وتبعه عكرمة وهو يقول:

قد علم بهكنة الجواري أني على مكرمة أحامي
ومما قيل من الشعر في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو:

ألم تَرنـا علـى اليرمـوك فُزنـا كـمــا فُـزنــا بـأيــام الـعــراق

وعـذراء المدائـن قــد فتحـنـا ومرجَ الصفرِ بالجـرد العتـاق
فتحنـا قبلهـا بُصـرى وكـانـت محرمـة الجنـاب لـدى النعـاق
قتلـنـا مــن أقــام لـنـا وفـيـنـا نهـابُـهُـمُ بـأسـيــاف رقــــاق
قتلنا الـروم حتـى مـا تسـاوى على اليرموك معروق الوراق
فضضنا جمعهم لما استجالـوا على الواقوص بالبتر الرقـاق
غـداة تهافتـوا فيهـا فصـاروا إلــى أمــرٍ يعـضّـلُ بـالــذواق
وبينما المسلمون كذلك إذ أقبل البريد من المدينة مسرعاً يتخطى الناس، ويسأل عن خالد، والناس وراءه يتبعونه ليستطلعوا منه أخبار المدينة، يبشرهم بالخير، ويخبرهم عن الأمداد.

ولما بلغ البريد خالداً سلمه الكتاب، وأخبره بوفاة أبي بكر، أسر إليه به، وأخبره بما أخبر به الجند، فسر خالد في حسن تصرف البريد وقال له: أحسنت، ووضع الكتاب في كنانته حتى لا يتطلع أحد على ما فيه فيجزع الجند، وينتشر الأمر.
وكان هذا اليوم يوماً شديد المطر، ومع ذلك تقدمت الجيوش الرومية، فتشاور المسلمون في الأمر، واجتمع مجلس شورى المسلمين وقرروا عدم بدء الحرب؛ لأن الجو غير مناسب، ولم يكن الجيش الإسلامي معتاداً على هذا المطر في أرض الصحراء بالجزيرة العربية؛ فلذلك قرروا الانتظار، ولكن إذا بدأهم الروم بالقتال ردوا عليهم، وإذا لم يبدأوهم لم يقاتلوهم في هذا الجو الصعب، وهذه حكمة من الجيش الإسلامي، وحكمة من مجلس الشورى، فليس الغرض إلقاء الجيش في التهلكة، ولكن الغرض السعي بقدر الإمكان إلى تحقيق النصر، فإن لم يكن النصر فالشهادة.
وفي هذا اليوم خرج من عند الروم قائد عظيم من قوادهم وهو (جورجه) وفي روايات اسمه (جرجه) وقيل: إن اسمه (جورج)، ولكن هذا الرجل العظيم المشهور في التاريخ الإسلامي خرج وطلب خالد بن الوليد، فخرج له خالد أمير الجيوش كلها؛ فلما اقتربا، وكل منهما رافع سيفه وماسك درعه، طلب جورجه الأمان من خالد بن الوليد؛ فأمنه خالد وخفض سيفه، فخفض الآخر سيفه، ولكن احتمى كل منهما بدرعه يخشى الخيانة من الآخر، واقترب جورجه وخالد بن الوليد في وسط الأرض، بين الجيش المسلم وبين الجيش الرومي ودار بينهما حوار عجيب:
قال جورجه: يا خالد اصدقني؛ فإن الحُرَّ لا يكذب، ولا تخدعني؛ فإن الكريم لا يخدع، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسُلَّه على أحد إلا هزمته؟.
فقال خالد: لا لم ينزل الله علينا سيفاً من السماء.
فقال جورجه: فبم سُمِّيت سيف الله؟.
فقال خالد: إن الله بعث فينا نبيه فدعانا؛ فنفرنا عنه، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وقاتله وكذبه، فكنت ممن باعده وقاتله وكذبه، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه؛ فقال لي رسول الله : أنت سيف من سيوف الله سلَّه على المشركين، ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك؛ فأنا من أشد المسلمين على المشركين بدعوة رسول الله لي بالنصر، وبتسميته لي أنني سيف من سيوف الله.. (سيف الله المسلول).
فقال جورجه: صدقتني.. ثم قال: يا خالد إلام تدعوني؟.
فقال خالد: أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله.
فقال جورجه: فمن لم يجبكم إلى ذلك؟.
قال خالد: فعليه الجزية ونمنعه.
فقال جورجه: فإن لم يعطِها؟.
قال خالد: نؤذنه بحرب ثم نقاتله.
فقال جورجه: فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم على هذا الأمر اليوم؟.
قال خالد: منزلتنا واحدة، فيما افترض الله علينا: شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا.
فقال جورجه: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل ما لكم من الأجر والذُّخْر؟.
فقال خالد: نعم وأفضل.
فتعجب جورجه وقال: كيف يساويكم وقد سبقتموه؟.
فقال خالد: إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا نبينا وهو حيّ بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات، وحُقَّ لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وأنكم وأنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل منكم في هذا الأمر بحقيقة ونية كان أفضل منا عند الله.
(هكذا يبين رسول الله في الحديث أن الذي يتمسك بدينه في هذا الزمان: زمان الصَّدِّ عن سبيل الله كالقابض على الجمر، وأجره كأجر خمسين؛ فسأله الصحابة: يا رسول الله خمسين منا أم منهم؟ فقال: بل منكم).
فيقول جورجه: بالله لقد صدقتني ولم تخدعني؟
فقال خالد: بالله لقد صدقتك.. وما بي إليك ولا لأحد منكم من حاجة وإن الله لوليُّ ما سألت عنه.
فقال جورجه: صدقتني.
ثم قلب ترسه وقال: يا خالد علِّمني الإسلام.
فأخذه خالد بن الوليد وأسرع به إلى خيمته وشنَّ عليه الماء من قِرْبَة (أي تخفف الرجل من لباسه بعض الشيء وصبَّ عليه الماء ليغتسل من كفره) فعلمه الصلاة.
كل ذلك والجيشان مصطفَّان أمام بعضهما لم يحدث بينهما قتال؛ فعلمه الصلاة فصلَّى ركعتين دخل بهما الإسلام ثم انطلق بعد ذلك يقاتل يوم اليرموك بجوار خالد طوال المعركة، حتى منَّ الله عليه بالشهادة في نهاية المعركة.. فاستشهد في هذه المعركة في آخرها وكان في أولها كافراً، فقال خالد: سبحان الله عَمِلَ قليلاً وأُجِرَ كثيراً، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولا نظن أن ذلك كان بسبب الكلمتين اللتين قالهما له خالد في البداية فقط بل كانت سيرة المسلمين في الشام محمِّسة لكثير من الناس للدخول في الإسلام، فهذا الرجل كانت تحادثه نفسه من قبل ذلك: يدخل في الإسلام أو لا يدخل، حتى حانت له فرصة وخاطب خالد بن الوليد وثَبَتَ على الإيمان، حتى إن هناك بعض الروايات تقول: إن هذا الرجل (جورجه) هو الذي أتى قبل موقعة اليرموك إلى أبي عبيدة يقول له: أرسل رجلاً إلى باهان يفاوضه، فذهب خالد بن الوليد بعد ذلك.
غلمان المسلمين يطلبون الشهادة
ثم خرج رجل من الروم يطلب المبارزة من المسلمين، فوجد المسلمون غلاماً من الأزد لا يعرفه أحد وهو دون العشرين، يجري ناحية أبي عبيدة بن الجراح ويقول له: يا أبا عبيدة إني أردت أن أشفي قلبي، وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلي أرزق بالشهادة فهل تأذن لي؟.
لم يكن من هؤلاء الرجال الذين نادى عليهم خالد بن الوليد، وهو غلام دون العشرين، ولا يعرف اسمه أحد، ولكن الله يعرفه، فقال: هل تأذن لي أن أخرج فأقاتل هذا الرجل؟.
فأذن له أبو عبيدة بن الجراح، وقال له: اخرج فخرج، وعندما همَّ بالخروج التفت إلى أبى عبيدة بن الجراح، وقال له: يا أبا عبيدة هل لك إلى رسول الله من حاجة؟، فبكى أبو عبيدة بن الجراح حتى اخْضَلَّت لحيته. وقال له: أَقْرِأ رسول الله مني السلام وأخبره أنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا.
فانطلق الغلام المجهول الذي لا يعرفه أحد ولكن الله يعرفه، كما قال عمر من قبل عندما ذكروا له فتح فارس ومن قتل من المسلمين فقالوا: قُتِلَ فلان وفلان وفلان وأخذوا يَعُدُّون له عظماء الصحابة، ثم قالوا له: وخلق كثير لا تعلمهم، فقال: وما ضرهم ألا يعلمهم عمر يكفيهم أن الله يعلمهم.
وخرج هذا الغلام لهذا الرجل البطل من أبطال الروم فخرج وهو يقول:
لابد من طعن وضرب صائب ... بكل لدن وحسام قابض
عسى أن أفوز بالمواهب ... في جنة الفـردوس والمراتـب
وانطلق وقاتل هذا الرجل الرومي حتى قتله، وأخذ فرسه وسلاحه وسلمهما إلى المسلمين وعاد من جديد وقال: هل من مبارز؟.
فخرج له ثاني فقتله، والثالث فقتله، ثم الرابع فقتله، فخرج له خامس فحقق له أمنيته، لقاء الرسول فقطع رقبته؛ فطارت رقبة الغلام على الأرض.
ثم قام أبو عبيدة فقال: أليس لهذا الرجل من رجل؟ فتحمس معاذ بن جبل، وقال: أنا له، فأمسك به أبو عبيدة بن الجراح وقال له: إلزم مكانك، سألتك بحق رسول الله أن تثبت وأن تلزم الراية فلزومك الراية أحب إليَّ من قتالك هذا الرجل.
فقال معاذ بن جبل: إذن أنزل من على فرسي، وقال: ألا يريد هذا الفرس وهذا السلاح رجل من المسلمين يقاتل به هذا الفارس؟. فتقدم له ابنه عبد الرحمن بن معاذ بن جبل، وكان حدثًا، قيل: لم يحتلم، وقيل: في أول احتلامه، كان عمره 13 أو 14 سنة، وكان عُمْر معاذ بن جبل 30 سنة في هذه الموقعة، وهذا أكبر أبنائه. فقام عبد الرحمن بن معاذ بن جبل، وقال: يا أبت إني لأرجو أن أكون فارساً أعظم غناء عن المسلمين منِّي راجلاً فأعطني الفرس، فأعطاه الفرس والسلاح، وقال: وفقني الله وإياك يا بُني، فقال عبد الرحمن: يا أبتِ إنْ أنا صبرت فلله المنّة عليَّ، وإن أنا قُتِلت فالسلام عليك، ثم همَّ بالخروج، ولكنه عاد يسأل أباه كما سأل الغلام الأزدي، فقال: يا أبتِ أليست لك حاجة عند رسول الله ؟.
فقال له معاذ بن جبل: يا بني أقرأه منِّي السلام، وقل له: جزاك الله عن أمتك خيراً.
ثم خرج عبد الرحمن بن معاذ بن جبل واقتتل مع الرومي فاختلفا ضربتين فمال الرومي؛ فطاشت ضربة عبد الرحمن وأصابت ضربة الرومي، ونزلت على رأس عبد الرحمن بن معاذ بن جبل فشجتها شجّاً عميقاً، فغطَّى الدم وجهه وظنَّ أنه يموت، وظن الرومي كذلك أنه يموت فعاد إلى أبيه، وقال: يا أبتِ قتلني الرومي، فقال معاذ بن جبل والدموع في عينيه: يا بُنيَّ وماذا تريد من الدنيا؟، فعاد ابنه مرة أخرى بالفرس إلى الرجل، ولكن سبحان الله لم تمهله ساعات أجله فسقط شهيداً من على فرسه.
فقال أبو عبيدة: فمن له منكم؟ فخرج عامر بن الطفيل الدوسي، وما هي إلا لحظات حتى كانت أمعاء الرومي مبعثرة في الأرض، وانتقم من هذا الرومي وكبَّر المسلمون في ساحة المعركة.



</b>
بُشْرَى بنصر المسلمين
فبعد انقضاء النصف الأول من الليل في صلاة القيام، كان النصف الثاني كله تجهيزًا للجيش الإسلامي، فقد وقف القادة أمام الصفوف يرتبونها ويشجعون الجنود حتى حان موعد صلاة الفجر فاصطفَّ المسلمون لصلاة الفجر، وصلى بهم أبو عبيدة بن الجراح؛ لأنه هو أصبح الأمير العام للجيوش الإسلامية، فوقف أبو عبيدة وقرأ في الركعة الأولى سورة (الفجر): {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر 1: 14]، وأكمل أبو عبيدة الآيات إلى آخر السورة.

واستمع إلى الآيات راشد بن عبد الرحمن الأزدى أحد المجاهدين من قبيلة الأزد، وعندما وصل أبو عبيدة إلى هذه الآيات قال: "والله لقد ظهرنا على القوم، لَلَّذي أجرى على لسانه هذه الآيات هو الذي ينصرنا إن شاء الله رب العالمين، وعلمت أن الله سوف يصب عليهم سوط عذاب، فهؤلاء كعاد مثلهم كمثلهم..". واطمأن لذلك راشد بن عبد الرحمن، ثم بدأ الركعة الثانية فقرأ سورة (الشمس) حتى وصل إلى هذه الآيات: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس 11: 15]، فقال راشد في نفسه: والله هذه أخرى إن الله سوف يدمدم عليهم بذنبهم فيسويها على أيدينا؛ لأنهم فعلوا مثلما فعل قوم ثمود من قبل".

وبعد الصلاة التفت أبو عبيدة بن الجراح إلى المسلمين وقال لهم: "أيها الناس أبشروا فإني رأيت في ليلتي هذه فيما يرى النائم كأن رجالاً أتوني فحفوا بي، وعلي ثياب بيض ثم دعوا لي رجالاً منكم أعرفهم، ثم قالوا لنا: أقدموا على عدوكم ولا تهابوهم فإنكم أنتم الأعلون، ثم مضينا إلى عسكر عدونا فلما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا وجئنا حتى دخلنا عسكرهم فوَلَّوا مدبرين"؛ ففرح المسلمون بذلك وقالوا: "بشرك الله إن هذه بشرى من الله".

واطمأن المسلمون لهذه البشرى وتفاءلوا بها، فقال أبو مرثد الخولاني بعد أن سمع هذه الرؤيا من أبى عبيدة بن الجراح: والله إني رأيت أنا الآخر رؤيا؛ فقال أبو عبيدة: فحدِّثْ بها؛ فقال: "إني قد رأيت كأنا خرجنا إلى عدونا فلما توقفنا صَبَّ الله عليهم طيرًا بِيضًا عظامًا لها مخالب كمخالب الأسد وهي تنقضُّ من السماء انقضاض العُقْبَان؛ فإذا حازت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخِرُّ منها منقطعًا، وكان الناس يقولون: أبشروا معاشر المسلمين فقد أيَّدكُمُ الله عليهم بالملائكة"؛ فقال أبو عبيدة بن الجراح: بشَّرَك الله بالخير، هذه والله بشرى من الله.

دور المرأة المسلمة في المعركة

وكان ممن قاتل مع المسلمين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وأيضاً جويرية بنت أبي سفيان؛ فبذلك تكون عائلة أبي سفيان كلها في المعركة، وهند بنت عتبة – زوجته - تحمس الجيش من الخلف.

بل إن واحدة من المسلمات لا يُعلم اسمها، شوهدت في هذا اليوم تجري بفرسها وراء رومي، وهو يفر منها، حتى لحقته وقتلته، وقالت بعد أن قتلته: "هذا بيان نصر الله للمسلمين"، فإذا وصلت الحرب إلى أن نساء المسلمين يقتلن رجال الروم، فإن في ذلك دلالة على نصر الله للمسلمين.

خطة الحسم

تجمع المسلمون والروم عند منطقة اليرموك، وبعد أن التقت القوات الرومية مع القوات الإسلامية في (5 من رجب 15هـ)، بدأ المسلمون يخرجون بعض أبطالهم للمبارزة، التي نتج عنها استشهاد 4 من المسلمين، وقتل خمسة من الروم..

شعر خالد بن الوليد بقلة جيشه (33 ألفًاً، مقابل 200 ألف)، وأنه يجب أن يغيروا خطة الحرب، فأتى أبا عبيدة فقال: والله يا أبا عبيدة إن هؤلاء قد أقبلوا بعدد وجَدٍّ وحدٍّ وإن لهم لشدة لا يردها شيء، وليست خيلي بالكثيرة، ولا والله لا قامت خيلي لشدة خيلهم ورجالهم أبدًا (وخيله يومئذ أمام صفوف المسلمين ثلاثة) فقال خالد: قد رأيت أن أفرق خيلي فأكون في أحد الخيلين، وقيس بن هبيرة في الخيل الأخرى (يريد أن يقسم خيله نصفين، كل منهما ألف فارس)، ثم تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة (ميمنة المسلمين بقيادة معاذ بن جبل، والميسرة عليها قباث بن أشيم)، فإذا حملوا على الناس، فإن ثبت المسلمون فالله ثبتهم وثبت أقدامهم، وإن كانت الأخرى حملت خيولنا عليهم وهي جامَّة (أي مستريحة)، وهم قد انتهت شدتهم وتفرقت جماعتهم، ثم نحمل عليهم وهم كذلك، فأرجو عندها أن يظفرنا الله بهم ويجعل دائرة السوء عليهم، وقد رأيت أن يجلس سعيد بن زيد (وكان في مؤخرة الجيش) مجلسك هذا (في المقدمة مكان أبي عبيدة، ويرجع أبو عبيدة إلى المؤخرة)، ويقف من ورائك بحذائك مائتان أو ثلاثمائة من الفرسان ذوي الوجوه؛ يكونون للناس ردءًا.

وأراد من ذلك أنه إذا حاول أحد المسلمين الفرار، فإنه يستحي من أبي عبيدة عندما يراه في الخلف، فيعود مرة أخرى للقتال، وليس إجباراً على القتال كما يفعل الروم.

فقبل أبو عبيدة مشورته، وقال: افعل ما أراك الله، وأنا فاعل ما أردت.

كما أشار عليه أن يجعل صفوف المسلمين ثلاثة صفوف فقط، حتى يغطي المساحة عرضاً أمام الجيش الرومي، الذي يبلغ عمقه 20 صفّاً، وعرضه 6 آلاف جندي، أي أن عرضه 9 كلم تقريباً.

يريد خالد أن يغطي مساحة العرض، حتى لا يجعل لهم فرصة في الالتفاف على جيش المسلمين، وهو أمر صعب تكتيكيّاً في القتال، لا يستطيع أن يقوم به إلا المجاهدون المسلمون الأقوياء.

كذلك ذهب إلى معسكر النساء من شرق المنطقة إلى وسط الجيش، يقول لهن: إذا أتاكم أحد المسلمين، فذكروه بالدفاع عنكن، وعن أولادكن، وورد في تاريخ دمشق قوله: يا نساء المسلمين، أيما رجل أقبل إليكنَّ منهزماً فاقتلنه، كما أخذ يذكر المسلمين أن نساءهم وبناتهم، إن هم فرُّوا، سيقعن سبايا في أيدي الروم، وهذا سلاح نفسي جديد.

فكان هذا أسلوب خالد في منع الفرار: بدأ في البداية بأسلوب الخطابة، والموعظة، وقراءة القرآن في الجيش كله (قراءة سورة الأنفال على كل فريق من المسلمين)، كما أرسل إلى جيوش المسلمين الكثير من الخطباء الذين وعظوا الناس، وثبتوهم في هذا المكان.

كما استعمل السلاح النفسي بوضع النساء خلف الجيش، وكذلك بجعل أبي عبيدة في المؤخرة.

واقترب موعد صلاة المغرب، والهجوم كاسح من المسلمين، يقابله تراجع غير محسوب من الروم، واقتراب عنيف من الهاوية، وجاءت الأوامر أن يؤخر المسلمون صلاة المغرب مع العشاء، حتى يصلوها بعد الفتح، وذلك حتى لا ينسى أحد المجاهدين نية جمع التأخير فتضيع عليه الفريضة، فمع كل ذلك القتال العنيف، إلا أن الصلاة تكون دائماً في أذهانهم.

وأتى الليل، واسود الظلام، فاخترق أحد المسلمين جيش الروم ووصل إلى باهان قائد الروم العظيم، وقاتله قتالاً قصيراً فقتله.

وأثر قتل باهان على نفسية الروم تأثيراً شديداً، وانهارت معنوياتهم تماماً، ورفع أبو سفيان صوته بالنداء: "يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين" على الرغم من أنه أصبح كفيفاً إلا أنه لا يزال يحمس المسلمين، بإرادة تهد الجبال. يقول الرواة: فكأن الروم حائط قد هدَّه المسلمون فوقع.

وهكذا لقي المسلمون أعظم انتصار على أقوى جيش أعده الروم منذ بدأت حروبهم، على الرغم من كل الإعدادات والقساوسة والرهبان، الذين أعدهم (هرقل)، فانتصر المسلمون عليهم انتصاراً رائعاً.. وكان شهداء المسلمين 3 آلاف شهيد.

ويعلق ول ديورانت على ذلك قائلاً: "وهكذا قامر الإمبراطور هرقل ببلاد الشام كلها في معركة واحدة، فلما خسرها أصبحت تلك البلاد قاعدة الدولة العربية الآخذة في الاتساع".

الإستراتيجية العسكرية لخالد بن الوليد


صورة
بذل الروم جهوداً لمنع جنودهم من الفرار، فوضعوا الجيش أمام (الواقوصة) وهي هاوية عمقها أربعمائة متر من هوى فيها مات، كما ربطوا 30 ألف مقاتل منهم بالسلاسل، يضعون كل 10 في سلسلة، حتى يمنعوهم من الهرب، هذا بالإضافة إلى الوعود المادية الكثيرة، وقليل منهم من يفكر في الأموال في هذا الموقف؛ فالروح أعز وأهم، فيظلون متشبثين بالحياة، ويفكرون في الفرار طويلاً.
وهذا هو الفرق بين الجيش الإيماني، جيش العقيدة، وجيش دنيوي، مما يضع أمامنا بعض مفاتيح النصر.

يقول أحد المحللين العسكريين الألمان المعاصرين (كلاوس فيتز) في القرن التاسع عشر، الذي كان أقوى محلل عسكري في ذلك الوقت، ويذكر في كتابه (في الحرب) أن أروع لحظات الدفاع هي لحظة الانتقال السريع والقوي إلى الهجوم كضربة ثأر بسيف بتار، والطرف الذي لا يفكر في هذه اللحظة منذ البداية، ولا يدخلها عند نشوب العمليات في مفهوم دفاعه، لا يمكن أن يفهم أبداً تفوق الدفاع.

يرى أن الدفاع خير وسيلة للهجوم، فيظل الجيش في الدفاع، حتى يستهلك العدو قوته، ثم يبدأ الهجوم، وهذه أروع لحظات المعركة، وفيها تُشَلُّ قوة العدو، وقد وضعها في القرن 19 الميلادي.

ثم جاء محلل آخر يدعى (ليدل هاد) يسمونه: نبي الإستراتيجية العسكرية في القرن العشرين؛ فنقض نظرية الألماني في جزء منها، فقال: إن الهدف من المعركة هو إحداث صدمة تربك تفكير العدو، بتوجيه ضربة له في مكان لا يتوقعه، وإحداث خسارة مادية تؤثر على نفسية العدو.

وبذلك فهو يرى أن الأجدى ليس الدفاع، وإنما توجيه ضربة للعدو لا يتوقعها، تحدث خسارة مادية، تكون نتيجتها انهيار معنويات العدو.

ثم يقول: وحاول أن تخلق الفوضى في صفوف عدوك، إذا كنت تنوي ضربه الضربة الساحـقة. ويؤيد (كلاوس فيتز) في جزئية أخرى، تخص ما نحن بصدد الحديث عنه هنا، فيقول: إذا كان عدد الجنود في معسكرك يقل عن عدد الجنود في معسكر العدو (كموقف المسلمين في موقعة اليرموك) فحاول مؤقتًا أن تعطيه فرصة للهجوم على معسكرك، ولا تهجم عليه.

وأكبر الظن أنك ستواجه ناحية ضعيفة في معسكر العدو، لتفاجئه أنت بالهجوم، عندئذٍ استجمع كل قوتك، واعزم على النصر، وسيكون النصر حليفك.

ولو نظرنا لخطة خالد بن الوليد، ثم قارناها بما يقوله خبراء العسكرية بعده بقرون، لوجدنا خالداً في الجزء الأول من المعركة في اليرموك كان عازمًا على الأخذ بخطة كلاوس فيتز الأولى، وهي أنه يدافع حتى تنهك قوى الجيش الرومي، ثم يقتحم بعد ذلك، ويهجم عليهم، وفي الجزء الثاني من المعركة، أراد أن يفاجئ جيش الروم بضربة تحدث خسارة مادية واضحة، وتؤثر على نفسيتهم ومعنوياتهم.

وبذلك استعمل خالد النظريتين معاً في هذه المعركة، قبل خبراء العسكرية بنحو 13 قرنًا، وهاتان النظريتان يدرسان في الكليات العسكرية الآن، ولا يشار بأي كلمة إلى أن هناك قائداً مسلماً طبَّق هذه النظريات في موقعة واحدة، هو سيف الله المسلول.

أسباب النصر

بعد انتصار المسلمين في موقعة اليرموك، وانهزام جيش الروم هزيمة نكراء، وهروب 70 ألف مقاتل، (30 ألفًا أثناء القتال، و40 ألفًا بعد ذلك).

كانت قوة الجيش الإسلامي آنذاك 30 ألف مجاهد، وقد اعتادوا أن يلاحقوا الفارِّين بعد كل معركة، فخرجت قوة مكونة من 5 آلاف مجاهد، بقيادة خالد بن الوليد لتعقب الفارين، حتى لا يعودوا للقتال مرة أخرى، وبالطبع فإن 5 آلاف قادرين على ردع الـ 70 ألف، لاختلاف الدوافع عند كل منهم، واختلاف العوامل النفسية، بين فارين منهزمين، ومنتصرين أقوياء..

فخرج خالد بن الوليد في إثرهم، عن طريق دمشق، وقابل في الطريق بعض فلول الجيش الرومي، فقاتلهم، وأبادهم عن آخرهم في معركة قصيرة جدًّا، ثم وصل إلى دمشق (100 كلم) بعد يوم صعب من القتال، فخرج له أهل دمشق، واستقبلوه، وقالوا له: إنهم على العهد معه، وأنهم سيدفعون الجزية، فأقرهم خالد على ذلك، وقبل منهم نفس العهد السابق، وأخذ منهم الجزية، واتجه فوراً في اتجاه حمص في إثر بقية الفلول الرومية الهاربة، وقابل في طريقه إلى حمص مجموعة أخرى من الروم في ثنية العقاب، فحاربهم وانتصر عليهم انتصارًا سريعاً.

ثم انطلق باتجاه حمص (نحو 225 كلم)، وهناك وجد أهل حمص – كذلك - يخرجون إليه، يؤكدون أنهم على العهد، لرضاهم بالجيش الإسلامي، فقبل منهم خالد، وأخذ منهم الجزية، وبقي في حمص في انتظار الأوامر من أبي عبيدة.

وبعد أن عرف أبو عبيدة بوصول خالد إلى حمص ترك فرقة في اليرموك على رأسها بشير بن كعب، وتوجه إلى دمشق، وأرسل من هناك رسالة لعمر بن الخطاب، يبشره فيها بالفتح والنصر، ومعها خمس الغنائم، فقال في رسالته:

"لعبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، من أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي أهلك المشركين، ونصر المسلمين، وقديماً ما تولَّى اللهُ أمرهم، وأظهر نصرهم، وأَعَزَّ دعوتهم، فتبارك الله رب العالمين، أُخبرُ أمير المؤمنين أنا لاقينا الروم في جموع لم تلق العرب مثلها قَطُّ، فأتوا وقد علموا أنه لا غالب لهم اليوم من الناس أحد، فقاتلوا المسلمين قتالاً شديدًا ما قُوتل المسلمون مثله في موطن قط، ورزق الله المسلمين الصبر، وأنزل عليهم النصر، فقتلهم الله في كل قرية، وكل شعب، وكل واد، وكل جبل، وسهل، وغنم المسلمون عسكرهم، وما كان فيه من أموالهم، ومتاعهم، ثم إني اتبعتهم بالمسلمين حتى أني بلغت أقاصي بلاد الشام حمص، وقد بعثت إلى أهل الشام عمالي، وقد بعثت إلى أهل إيلياء أدعوهم إلى الإسلام فإن قبلوا وإلا فليؤدوا إلينا الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون، فإن أبوا سرت إليهم حتى أنزل بهم، ثم لا أزايلهم حتى يفتح الله على المسلمين إن شاء الله، والسلام عليكم".

ولما وصلت الرسالة إلى عمر بن الخطاب فرح بها، ولم تنم المدينة ليلتها، بل باتوا فرحين يهنئ بعضهم بعضاً بالنصر، ثم أرسل عمر رده إلى أبي عبيدة، يقول له: "من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله للمشركين، ونصره للمؤمنين وما صنع لأوليائه وأهل طاعته، فأحمد الله على حسن صنيعه إلينا، واستتم الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تظهروا على عدوكم بعدد ولا عدة ولا حول ولا قوة، ولكنه بعون الله ونصره، ومنه وفضله، فلله المنُّ والطَّوْل، والفضل العظيم، والسلام عليكم".

فهذه رسالة عمر بن الخطاب في وقتٍ غدا هو فيه رئيس أعظم دولة في العالم آنذاك، ومع ذلك نلمح في خطابه التواضع، ونسبة الفضل كله لله، وأن النصر كله من عند الله، وأنهم جند الله، ليس لهم من الأمر شيء.

الخلاصة

موقعة اليرموك هي الباب الذي دخل منه المسلمون ساحة الروم فاتحين، وهي الانطلاقة الكبرى للإسلام نحو الغرب..

في هذه المعركة اعتصم المسلمون بحبل الله، والروم لا عاصم لهم من أمر الله.. في هذه المعركة أثبت المسلمون أن التوحيد والتوحد هما سر نجاحهم وفوزهم.

ومن هذه المعركة ندرك أنه كلما زاد المسلم قوة وتمكناً زاد قرباً من الله وخشوعاً له وتمسكاً به وتوكلاً عليه ولجوءاً إليه.

ومن هذه المعركة ندرك أن تحقيق النصر يبدأ من داخل النفس بتوفير أسباب القوة الإيمانية ثم تطبيق ذلك على أرض الواقع.

وكما يقول الشيخ محمد إبراهيم الحمد فإن النصر في تلك المعركة تحقق بوجود رجال يتميزون بالعفة والسمو والتضحية، وتحمّل الشدائد، والخضوع لله، والاستعلاء على كل ما سواه.. ولأن الثبات لا يتحقق بنفوس المنهزمين، الذين تغلبهم شهواتُهم، وتستحوذُ عليهم شياطينُهم.. وتشغلهم الدنيا عن دين الله.


المصادر

- (تاريخ الأمم والرسل والملوك)، محمد بن جرير الطبري.

- (موقعة اليرموك.. دراسة تحليلية)، د. محمد السيد الوكيل - مجلة الجامعة الإسلامية - العدد 49.

- (قصة الحضارة)،ول ديورانت.


اللهم اغفر لكاتبها وناقلها,وقارئها واهلهم وذريتهم واحشرهم معا سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم







يعطيك الف عافية
وبارك الله فيك



بارك الله فيك
وجزاك الله خيرا
























جزاك الله خيـــــرًا