منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


حدث النصرة... وقفات وتأملات




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع









حدث النصرة... وقفات وتأملات




بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، وبعد:
إن الأزمات المختلفة التي تمر بها الأمة المسلمة منذ أوائل القرن الماضي إلى الوقت الراهن، كانت توحي منذ بدايتها إلى ضرورة إحداث تغيير في العالم الإسلامي، تغيير في جغرافيته، وفي فكره واقتصاده وثقافته، وجميع شؤونه التي تمت إلى دينه وأخلاقياته، وقد وقع هذا التغيير حقيقة أمام أنظار الجميع حين سقطت فلسطين بأيدي اليهود وتحولت إلى دولة عبرية، بمباركة كثير من الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، وبعدها بدأت الأزمات تترى على هذه الأمة من كل الاتجاهات وبشتى السبل، أحيانًا على شكل مواجهات عسكرية، وأخرى على شكل غزو فكري، أو عبر الوسائل الدبلوماسية والسياسية الملتوية، لإجبار الأمة على التبعية المطلقة لها.
رغم أن تلك المؤامرات قد حققت كثيرًا من مآربها وأهدافها في المنطقة الإسلامية، إلا أنها كانت في حالة صدام مستمر مع القاعدة الشعبية لأبناء هذه المنطقة والتي تحمل عقيدة التوحيد والانتماء الصادق للإسلام، وهي سنة الله تعالى الباقية إلى يوم الدين.
وفي السنوات الأخيرة ازدادت وطأة هذا العدو على الأمة المسلمة، لا سيما حين ظهر لها إحياء جديد وعودة مباركة في أرجاء المعمورة، فسرعان ما أعلنت حالة التأهب في صفوف القوى الاستكبارية لإيقاف المد الإسلامي، فحوّلت هذه القوى العالم الإسلامي إلى مراتع غزواتها المتمثلة في العسكرة والإعلام، فمن جانب جهزت الجيوش واحتلت بلاد المسلمين، ومن جانب آخر بدأت تنفث عبر وسائل الإعلام النيل والطعن والتشويه للإسلام ورموزه ومقدساته، وكان من آخر هذا النفث والخبث حين نشرت صحفها الإساءات المتكررة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضت صورًا مسيئة إلى شخصه الكريم وسيرته العطرة عليه الصلاة والسلام، وهذا الفعل المشين جزء لا يتجزأ من الحرب الشاملة التي أعلنتها هذه الدول مؤخرًا.
وإزاء هذا الحدث الكبير الذي يحمل تحدِّيًا واضحًا وإهانة مكشوفة للأمة المسلمة، كان واجبًا على كل فرد ينتمي إلى هذه الأمة أن يدافع عن نبيه صلى الله عليه وسلم، الذي هو سبب هدايته وفلاحه، أن يذبّ عن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم بكل الوسائل والطاقات والإمكانات، فضلاً عن أهل العلم والرأي والفكر والتخصص.
ويأتي هذا البحث وهذه الوقفات إسهامًا متواضعًا في أحد ميادين المواجهة للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال التعريف بالرسول عليه الصلاة والسلام، وبيان بعض معالم سيرته، وكيفية التعاطي والتعامل مع هذا الحدث، واستخدام الوسائل الناجعة لمواجهة مثل هذه التحديات، واستخراج ما ينطوي عليه من المهام التي يجب أن يعيها كل فرد كما يجب أن تعيها الأمة بمجموعها.
وأسأل الله تعالى أن ينفع الجميع بهذه الوقفات، ويجعلها نبراسًا لمن أراد الهداية للإسلام والدراية عن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، ودافعًا للمزيد نحو العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذب عنه وعنها، إنه سميع قريب مجيب.

الوقفة الأولى
في حقيقة الأنبياء والرسل
من سنة الله تعالى في عباده، أنه أرسل إليهم الرسل والأنبياء لهدايتهم وأنزل معهم كتبًا فيها ما يصلح شؤونهم الدنيوية والأخروية، ويحذرهم من عاقبة مخالفة أحكام هذه الكتب من خيبة في الدنيا وخسران في الآخرة، ويمكن التعرف على رسل الله تعالى وأنبيائه من خلال المحاور التالية:
أأنهم جميعًا رسل لهداية للناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول تبارك وتعالى:(فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، ويقول جل وعلا: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).
"فالرسل عليهم الصلاة والسلام هم هداة الخلق، وهم أئمة الهدى، ودعاة الثقلين جميعًا إلى طاعة الله وعبادته، فالله سبحانه أكرمَ العبادَ بهم، ورحمهم بإرسالهم إليهم، وأوضح على أيديهم الطريق السوي، والصراط المستقيم، حتى يكون الناس على بيِّنة من أمرهم".
ب- توحدت دعوات الرسل جميعها وتمحورت حول توحيد الله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت).
ج- لا يمكن حصر الرسل والأنبياء ومواطن بعثهم وإرسالهم، وذكر أسمائهم وأقوامهم، لأن الله تعالى لم يترك أمة أو قرية أو جماعة منذ أن خلق آدم عليه السلام إلا وبعث فيهم رسلاً وأنبياءً، يقول تبارك وتعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير).
إلا أن الذين ذكرت أسماؤهم في القرآن هم خمس وعشرون نبيًا ورسولاً، في مواضع مختلفة، كما في قوله تعالى: (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين)، وقوله: (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)،وغيرها من الآيات.
وكان خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، يقول تبارك وتعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليمًا).
دالإيمان بهم ركن من أركان الإيمان، وعدم الإيمان بهم أو بما جاؤوا به كفر مخرج للملة، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره".
هـ- لقد فضل الله تعالى الرسل بعضهم على بعض، وذلك من خلال ما تميّز به بعضهم عن الآخرين بمزايا وفضائل معينة، مثل تميّز إبراهيم عليه السلام بالخلة، وتميّز موسى عليه السلام بالكلام، وعيسى عليه السلام بالتكلم في المهد وشفاء الناس على يديه، وتميّز محمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج وأنه رحمة للعالمين وأن خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات، وغير ذلك، يقول الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، ويقول جل شأنه: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً).
ومن هنا:فإن الجرأة على رسول من رسل الله تعالى بالسخرية أو التنقص جرأة عليهم جميعًا، فإنهم مرسلون من عند الله تعالى؛ بل هو جرأة على الله تعالى. فيحذر من هذا الفعل الشنيع، والجرأة القبيحة، وعليه فيجب أن يعظّم رسل الله تعالى أجمعين، كما ورد في الآيات والنصوص السابقة
الوقفة الثانية
من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن الحديث عن شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومناقبه وأخلاقه وسيرته ودعوته لا يمكن الإحاطة به في هذه الوقفات القصيرة، فقد كتب المؤرخون وعلماء السير والمحدثون والمفسرون وعلماء السير والمؤرخون عنه صلى الله عليه وسلم الكثير من الكتب والمصنفات والمؤلفات، ولم يتركوا شيئًا من حياته الخاصة والعامة إلا وتطرقوا إليها؛ بل لم تحفظ سيرة عظيم من العظماء، ونبي من الأنبياء، كما حفظت سيرته عليه الصلاة والسلام.
هذا وقد أشار الله تعالى في كتابه المبين إلى شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام في مواطن كثيرة ومناسبات متعددة، نشير إلى بعضها في النقاط الآتية:
أن الله تعالى بعثه رحمة للناس كافة:لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).
أنه تبارك وتعالى بعثه بالدين الحق لهداية الناس:لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
بعثه الله تعالى قدوة وأسوة للناس، في الأفعال والأقوال:قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا).
وصفه الله تعالى بالرسول، بقوله: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ).
كما ناداه جل وعلا بالنبوة، في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
وشرفه الله تعالى بالعبودية، في قوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
- عصمه الله تعالى من الناس، حين قال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
- أرسله الله تعالى من بين ظهرانيهم وهو المعروف بالصدق والأمانة والاستقامة قبل البعثة، يقول تبارك وتعالى: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، ويقول في موضع آخر: (هو الذين بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).
- جعله الله آخر الرسل وخاتمهم، وجعل رسالته خاتمة الرسالات، لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)
* * *
والرسول صلى الله عليه وسلم:
هو من زكاه ربه وأثنى عليه ومدحه بقسم عظيم في سورة النجم، بقوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، وجواب القسم تزكية عقله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)، كما زكى لسانه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى)، وزكى شرعه: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، وزكى قلبه: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)، وزكى بصره: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى).
كما زكّاه الله تعالى كله، بمعاملاته وأخلاقه وشمائله، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، وقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
- كما أنه جلّ وعلا كرّمه بأن جعله أفضل رسله إلى الناس، وخصّه بمزايا وصفات لم يأتيها أحدًا قبله من الرسل، يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
* * *
ورسول الله صلى الله عليه وسلم:
9- هو من أمر الله تعالى المؤمنين بطاعته واتباعه، وعلق على ذلك محبته جل وعلا والفلاح والنجاة، بقوله: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ)، وقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
10- ونهى عن مخالفته، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

* * *
رسول الله صلى الله عليه وسلم:
-هو الذي شرح الله صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره، يقول تبارك وتعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ).
- هو الذي لم يتركه ربه أو يهجره، بل وجده ضالاً فهداه، وفقيرًا فأغناه، وخيَّره بين الدنيا ولقائه فاختار لقاء مولاه، وقال: "بالرفيق الأعلى".
قال تعالى: (والضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى. وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى. وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى).
- وهو الذي صلى عليه الله تعالى وصلت عليه الملائكة، وأمر الناس بالصلاة عليه، يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
- هو الذي أوذي في جسده الطاهر الشريف، فوضع عليه سلا الجزور، ورمي بالحجارة، وحوصر في شعب ثلاث سنين، وكسرت رباعيته وشج رأسه عليه الصلاة والسلام، كما أوذي في عرضه، كل ذلك من أجل الدعوة إلى الله وهداية الناس، وقد عبّر الله تعالى في كتابه عن هذه الألوان المختلفة من الإيذاء بقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ).
- مع ذلك كله فهو عليه الصلاة والسلام بشر من البشر يأكل ويشرب، وينكح ويعاشر، ويبيع ويشتري، ويضحك ويحزن، ويمرض ويصح، ويمشي بين الناس ويكره أن يميز بينهم، يقول الله تعالى على لسان المشركين: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً).
* * *
والرسول صلى الله عليه وسلم:
- هو الذي أرسى قواعد اجتماعية عالية داخل الأسرة الواحدة بين الزوج والزوجة والأولاد والبنات، حين يقول: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله).
- هو الذي علّم الإنسانية مكانة المرأة وقيمتها، حين أوصى الصحابة بقوله: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).
- هو القدوة في تحقيق مفهوم العدل بين الزوجات، تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه).
- هو الذي ضرب أروع المثل في التعامل الراقي مع أهل بيته، حين قال لأحد الصحابة: (وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت، حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك).
- هو الذي أوصى بالإناث خيرًا، بقوله: (لا يكون لأحدكم ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا دخل الجنة)، وقوله: (استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا".
- ورسول الله صلى عليه وسلم هو الذي ضرب أروع الأمثلة في التعامل مع أصحابه، ورفع مكانتهم قال تعالى: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)،مؤكدًا ترضي الله عنهم بقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً).
- وضرب أروع الأمثلة في التعامل مع غير المسلمين من المشركين الذين آذوه في مكة، وحبسوه، واتهموه، وطردوه، فقال عام الفتح: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ومع اليهود الذين آذوه وسمَّوه، وحاولوا قتله مرارًا، ونقضوا العهود، والمواثيق، واحتصنوا المنافقين، ومع ذلك يزور مريضهم، ويعطيهم حقوقهم، ويعاملهم المعاملة الحسنة، وتكاثرت النصوص النبوية والأحوال الواقعية في هذا الأصل العظيم، بل لم يسب آلهة تعبد، ولا نبيًا من أنبيائهم، كيف ذلك والإيمان بالأنبياء والرسل من أصول الدين وقواعده، ولا يصح إيمان مؤمن إلا بذلك




الوقفة الثالثة
الصراع بين الحق والباطل

أما بالنسبة لمواقف الناس من الرسل والأنبياء، فهم على فريقين بين مصدق ومعاند:
الفريق الأول:وهم المؤمنون الذين صدّقوا رسل الله تعالى واتبعوهم في السراء والضراء، وقاتلوا معهم وتحملوا الأذى والتعذيب والتهجير في سبيل الله تعالى، يقول الله تعالى في شأنهم: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، ويقول تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ).
ويقول أيضًا: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
ويقول جل شأنه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).
الفريق الثاني: الذين يصدون الناس عن ذكر الله تعالى وتبليغ رسالته إلى الناس، وهم الكفار والمشركون والمنافقون، وهذا الفريق موجود منذ أن أرسل الله تعالى أوّل رسله إلى خاتمهم عليهم الصلاة والسلام، وإلى يوم القيامة، وقد ذكر الله تعالى في كتابه المبين أحوالهم وصفاتهم وأسرد بعض حواراتهم وأفعالهم مع أنبياء الله تعالى.
يقول تبارك وتعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا). ويقول جل شأنه: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون).
وهذا هو محور الصراع بين الحق والباطل، فمنذ أن خلق الله الناس وأرسل إليهم الرسل والأنبياء، نشأ هذا الصراع بين الحق المتمثل في هؤلاء الرسل ودعوتهم وبين الباطل المتمثل في أهل الهوى والضلال الذين يقفون في وجه دعوة الرسل ويمنعون إيصال الهدى إلى الناس.
* * *

فكل صراع حديث بين الحق والباطل هو امتداد لذلك الصراع القديم، لأن أهل الحق المعاصرين هم أنفسهم أهل التوحيد من المؤمنين، وأهل الباطل هم أنفسهم أهل الضلال من الكافرين والمنافقين.
* * *

والله تعالى قد تكفل بالنصر لأوليائه المؤمنين، وتوعّد أولياء الشيطان بالخزي والهزيمة في الدنيا والعذاب والعقاب في الآخرة، يقول عز وجل: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
فمهما صال الباطل وجال، واستكبر وتجبّر، وخطط ودبّر، للنيل من هذا الدين، والنيل من أوليائه ومقدساته ورموزه، فإن الله تعالى بصير بما يفعلون، يقول تبارك وتعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
فالعاقبة للتقوى والمتقين، والأرض يرثها عباد الله الصالحين، يقول تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، ويقول جل شأنه: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
لأن الذي يحدد نتيجة المعركة، ويفصل الخطاب في نهاية الأمر، هو ما يقدمه طرفا الصراع، فما ينفع الناس ويحقق لهم العدل والاستقرار يبقى في الأرض، وأما الذي يضرهم ويسبب لهم المظالم والفساد فيندثر ويتلاشى، يقول تبارك وتعالى: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ).
هذه أعني الصراع بين الحق والباطل سنّة من سنن الله تعالى لا تتخلف، فهي باقية ما بقي الناس، وإذا أدرك المسلم ذلك بل المسلمون بمجموعهم وجب عليهم أن يعملوا بعوامل النصرة ومن أهمها أن ينصروا الله تعالى، قال سبحانه: (إن تنصروا الله ينصركم)، قاعدة راسخة، وسنّة ثابتة مهما اختلفت الوسائل والعدة والعتاد وهذا النصر بمفهومه الشمولي، الذي يشمل أول ما يشمل التمسك بشرع الله تعالى في النفس والمجتمع، في التطبيق الفردي اعتقادًا وسلوكًاوفي مختلف ميادين المجتمع، وليس المقصود قصر المفهوم على النصر العسكري المتبادر إلى الذهن، فلا يكون هذا إلا في حال من أحوال النصر إذا احتيج إليه.
* * *

ومن هنا فهذه السخرية التي وردت في إحدى صحف "الدانمراك" وباركتها جهاتهم الرسمية، وتعاضد عليها مؤيدوهم في العالم عامة وفي الغرب خاصة، ما هي إلا حلقة في سلسلة الصراع بين الحق والباطل وصلت ذروتها الفكرية في التعدي على مصدرية الوحي والتشريع.
فإذا أُدرك هذا الأمر وجب على الأمة أفرادًا ومجتمعين أن يعملوا ما يستطيعون لإعلاء الحق بكل الوسائل التي يستطيعونها مستنيرين بالقدوة من أهل العلم المعتبرين.
* * *

ومن فقه هذه السنة الكونية أن على المسلم العمل وليس عليه حتم النتيجة، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه القاعدة الذهبية العظيمة في مواضع كثيرة منها ما جاء في قصة مريم عليها السلام في قوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً).
مع أنها كانت حاملاً وفي حالة الوضع، ولكن هذه هي السنة التي قضى الله تعالى أمره في هذه الحياة.
وحياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها شاهدة على هذه السنة، ومن أوضح الشواهد قصة الهجرة.
وعليه فعلى أصحاب الحق العمل والجد وإن لم تظهر النتائج كما يريدون وسيجدون ثمرة هذا العمل في الدنيا والآخرة. والله غالب على أمره


الوقفة الرابعة
الاستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام
ومن شأن المعاندين لدين الله تعالى ورسله، أنهم إذا انهزموا في الحوار مع رسل الله تعالى، وظهر الحق عليهم، لجأوا إلى أساليب أخرى للنيل منهم ومن دعوتهم، ومن هذه الوسائل:
1- الإيذاء الجسدي والقتل كما حدث لبعض أنبياء الله تعالى أمثال إدريس وزكريا وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً).
ويقول تبارك وتعالى: (سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق).
وقد حاول المشركون والمنافقون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآذوه وأصحابه وحاربوهم، واستخدمت معهم كل ألوان التعذيب والسخرية، يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه فدفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال:أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم".
2- الاستهزاء بهم، وإلصاق التهم بهم، من جنون أو سحر أو تعامل مع الجن أو غيره، يقول الله تعالى مخاطبًا رسوله عليه الصلاة والسلام: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليتُ للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب)، ويقول أيضًا: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)، ويقول تبارك وتعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون).
فقد اتُّهم رسل الله تعالى بالجنون كما في قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر)، وقوله تبارك وتعالى: (وقالوا يا أيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون).
واتَّهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والشعر كما في قوله تعالى: (ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون).
يقول شوقي:



لما دعوتَ الناسَ لبَّى عاقلٌ
أبَوْا الخروجَ إليك من أوهامهم
ومن العقول جداولٌ وجلامدٌ
حسدوا، فقالوا:شاعر، أو ساحر
يا أيها الأمّيّ، حسْبُكَ رتبةً
بك يا ابنَ عبدالله قامت سمحة


وأصمَّ منك الجاهلين نداءُ
والناسُ في أوهامهم سجناءُ
ومن النفوس حرائرٌ وإماءُ
ومن الحسود يكون الاستهزاء
في العلم أن دانَتْ بك العلماءُ
بالحق من ملل الهدى غرّاءُ





ولكن ماذا بعد الاستهزاء والسخرية؟ هل يضير ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ويقلل من قيمته بأبي هو وأمي وما أملك؟ أم أن ذلك يزيده رفعة عند الله تعالى ويزيد من حب المؤمنين له ودفاعهم عنه، فضلاً عن اللعنة والعذاب الذي ينتظر هؤلاء المستهزئين، يقول تبارك وتعالى: ِ(إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً)، ويقول جل وعلا مخاطبًا رسوله عليه الصلاة والسلام: (إنا كفيناك المستهزئين)،وهذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن كيد هؤلاء المستهزئين ضعيف، وأنه جل وعلا متكفل بحماية هذا النبي ومحاسبة ومعاقبة من يسيء إليه بقول أو فعل.
وصدق الله تعالى حين قال: (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله).
* * *

فتلخص لدينا من استهزاء تلك الصحف "الدانمركية" ومن والاها أنها حلقة في الاستهزاء والسخرية الذي ابتدأه المشركون في أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وواصلوا هذا الفعل الشنيع اليهود والمنافقون في المدينة بعد الهجرة، ومن صور تلك الاستهزاء:
1- الاتهام بالكهانة والسحر والشعوذة والشعر.
2- الاتهام بالتلقي من رهبان النصارى: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ).
3- السخرية من صلاته، ووضع سلا الجزور عليه صلى الله عليه وسلم.
4- التضييق عليه في الشعب.
5- الاتهام من المنافقين بالذلة والهوان: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ).
6-الاتهام بأنه وأصحابه أهل أكل وجشع وطمع.
7- اتهامه وأصحابه بالجبن والخور والخوف.
8- اتهامه وأصحابه بطول الألسنة وكثرة الكلام.
9- اتهام شريعته بالنقص، وغيرها، مما لا تحصيه هذه الوقفات، وهذا خلاف المحاولات الإيذائية الجسدية، والقتل حتى مات مسمومًا عليه الصلاة والسلام.
* * *

ومن هنا نعلم أن النيل منه عليه الصلاة والسلام، ومن سنته، ومن شريعته، ديدن سار عليه الكفار من اليهود والنصارى، وأتباعهم من المنافقين وإن ظهروا بمظاهر الإصلاح والتباكي على الشريعة، والمجتمع، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ).
ومن هذا كله نخلص إلى ثلاث نتائج مهمة:
أولاها:تصوّر هذه الحقيقة، وأنها باقية ما بقي الصراع بين الحق وأهله، والباطل وأهله.
ثانيها:عدم الغفلة، واستمرار العمل، ومواصلة الطريق للدعوة إلى الله، وإقامة الشريعة، والسعي للإصلاح الحقيقي، مهما نعق هؤلاء وأمثالهم، ومهما تباكى المنافقون ومن خدع مثلهم وبهم، ومهما لبّسوا من المفاهيم، ولبسوا لبوس الناصحين.
ثالثها:أن العاقبة والنتيجة للحق وأهله إذا عملوا بما سبق كما كانت لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، وكما كانت للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فليبشر أصحاب الحق، ويتفاءلوا، ويؤملوا، والله غالب على أمره




الوقفة الخامسة
دراسة السيرة وإحياؤها (للنشء والأجيال)
إن من أهم معاني النصرة للرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه بعد وفاته هي الحفاظ على سيرته العطرة وأحاديثه الشريفة من الدس والتبديل والتحريف، وإحياؤها في نفوس الأزواج والأبناء والبنات والأجيال اللاحقة، ولا بد أن تكون سنته وسيرته جزءا من حياة هذه الأجيال وواقعًا عمليًا لسلوكياتهم وأخلاقياتهم وجميع تعاملاتهم. وهذا يقتضي دراسة شاملة عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم المتمثلة في:
- دراسة شمائلة وأخلاقه عليه الصلاة والسلام.
- دراسة تعامله مع خالقه وأهل بيته وأسرته.

- دراسة تعامله مع الرجال والنساء، والكبار والصغار، والضعفاء والأقوياء.
- دراسة تعامله مع غير المسلمين في حالتي السلم والحرب.

* * *
ويمكن الخوض في هذه الدراسات من خلال المصادر الحيوية التي تنقل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بصورة حقيقية بعيدة عن الزيادات والأساطير، ومن أهم هذه المصادر:
أ - كتاب الله تعالى:
الذي تحدث عن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرًا وعن شمائله وأخلاقه وغزواته ودعوته كما ورد في وقفة سابقة -.
ب الحديث النبوي:
وهو المصدر الثاني للسيرة النبوية، من حيث التوثيق، حيث وضع علماء الحديث وأهل العلم الحديث النبوي تحت شروط دقيقة للأخذ به أو ردّه، وكان هذا التقويم على رجال الإسناد وعلى متن الرواية، ومن أجل ذلك تم تصنيف الحديث من حيث القوة والضعف، حسب توافر تلك الشروط فيه، فكان منه المتواتر وهو أصحه، والصحيح الحسن، والمرسل والمرفوع والضعيف وغيرها.
ومن أهم كتب الحديث:صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، وسنن النسائي ومسند الإمام أحمد، والموطأ للإمام مالك، والمستدرك للحاكم، وغيرها.
ج كتب السيرة النبوية:
فقد كتب كثير من علماء الأمة المقربين من عهد النبوة في السيرة النبوية، حتى صارت كتبهم من المراجع الأساسية في السيرة، ومن هذه الكتب:السيرة النبوية لأبي محمد عبدالملك بن أيوب الحميري المتوفى سنة (213 أو 218هـ)، والمعروف بسيرة ابن هشام، والتي يعدها العلماء استقاء من كتاب "المغازي" لمحمد بن إسحاق بن يسار المتوفى سنة (152هـ)، وكذلك "طبقات ابن سعد" لمحمد بن سعد بن منيع الزهري المتوفى سنة (230هـ)والذي بدأ كتابه بذكر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الصحابة والتابعين حسب طبقاتهم.
ومن كتب السيرة أيضًا:تاريخ الطبري تاريخ الأمم والممالك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة (310هـ)، وفيه تاريخ الأمم قبل البعثة، وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والطبري من علماء الأمة الكبار في التفسير والفقه والحديث، لذا كان كتابه من أهم كتب السيرة، رغم وجود بعض الأخبار الضعيفة، ويذكر ضعف رواتها حتى يتبين للناس حقيقتها.

* * *
ومن ثم التحرك تحت ضوء هذه الدراسات، واتخاذه عليه الصلاة والسلام الأسوة والقدوة في جميع الشؤون والأحوال، في البيت وفي العمل وفي السوق وفي المدرسة والمؤسسة والمصنع والمتجر وغيرها.

* * *
ونشر السنة النبوية والحفاظ عليها وحمايتها مسؤولية المسلمين جميعًا، والعلماء خاصة، يقول عليه الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية)، ويقول أيضًا: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
ثم إن أي تهديد أو خطر تتعرض له السنة إنما بمثابة تهديد للأمة قاطبة، لأن السنة هي المصدر الثاني للتشريع لهذه الأمة بعد كتاب الله تعالى، ومن أجل ذلك ينبغي تكثيف الجهود، وبذل الطاقات والإمكانات لنشر هذه السنة والمحافظة عليها، ومن أهم وسائل النشر المعاصرة:
1- الكتب:
وهي وسيلة قديمة حديثة يمكن نشر السيرة النبوية من خلالها، فقد تيسرت السبل للكتابة عن السيرة بسهولة، فهناك توافر في المراجع والمصادر، وتبادل للكتب على نطاق واسع بين أقطار العالم، حيث يمكن الحصول على أي مرجع في أي قطر كان خلال وقت يسير، إضافة إلى كثرة دور النشر والمطابع التي تقوم بمهمة نشر هذه الكتب والتآليف، وليس من الضروري أن يكون الكتابة عن السيرة في مجلدات، أو كتب ضخمة، فربما يكون الكتاب على شكل رسالة وتعم فائدتها أكثر من تلك التي تكون في كتاب كبير ذات حجم كبير، وقد يكون الكتاب يدرس جانبًا معينًا من السيرة وليست السيرة كلها، حسب الظرف المناسب والإمكانات المتاحة.
ولعلنا في هذا الوقت نحتاج بصفة خاصة إلى القادرين على الكتابة للأطفال والناشئة والشباب بما يناسب مداركهم ومستوياتهم فمن أعطاهم الله تعالى تلك الوسيلة فلينشطوا في هذا الباب والمكتبة الإسلامية بحاجة شديدة إلى ذلك. أعان الله الجميع.
2- في الصحف والمجلات:
يمكن الاستفادة من هذه الوسيلة في كتابة مقالات ومقتطفات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخباره وشؤونه، على شكل حلقات متسلسلة في أعداد متتالية أو متتابعة، حيث سيتعرفون على السيرة النبوية من خلال هذه المقالات، لأن هذه الوسيلة عبارة عن آلة إعلامية يومية أو شهرية، وقريبة جدًا من المجتمع، فلا يخلو محل أو مؤسسة أو عيادة أو مكتب أو بيت من الصحف والمجلات.
ويجب أن نفوّت الفرصة على أولئك الذين يريدون استغلال أكبر مساحة من الصحافة للكتابة عن آرائهم وأفكارهم الملوثة، ويبثون السموم الغربية في عقول الشباب، ويعرضوهم عن قيمهم الدينية وأخلاقياتهم الإسلامية، أو ربما تكون لهوًا ولعبًا تشغل الشباب عن قضايا أمتهم الحية التي تمس واقعهم. وما أكثر أولئك الذين يكتبون في هذا المجال، وما أكثر الصحف التي تنشر لهم هذه الترهات مشغلة لشباب الأمة وشيبها.
فلتكن الكتابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبًا حتميًا يسعى إليه القادرون.
3- في الفضائيات:
وهذه الوسيلة من أكثر وسائل الإعلام انتشارًا في العالم وأكثرها ممارسة، فهي داخلة في كل بيت ويراها كل الناس بمختلف مستوياتهم، الصغار والكبار، والمثقفون وغير المثقفين، والعلماء والجهال، حيث لا تحتاج إلى وجود خبرة لاستقبالها وبثها.
واستغلال هذه الوسيلة لعرض الإسلام وتخصيص برامج عن السيرة النبوية سيكون لها أثر فعال في حياة الناس، لا سيما خصص لها أوقات كافية، والأفضل من ذلك كله إنشاء قنوات إسلامية خاصة تكون لها برامج مختلفة عن السيرة وغيرها من العلوم والمعارف الإسلامية، والدعوة إلى الله، فإن الأمة بحاجة إلى ذلك، لأن الأعداء ما فتئوا لاستغلال معظم القنوات في وقتنا المعاصر، ويتحكمون فيها ما يشاؤون، ويبثون منها ما يفيد مصالحهم ويحقق مآربهم في أوطانهم وفي عالمنا الإسلامي.
وما نجد اليوم في العالم الإسلامي من مظاهر الفسق والسفور، وميوعة الشباب وانحلالهم إلا والفضائيات عامل من العوامل فهي لا تميز بين الخبيث والطيب، بل يغلب عليها الخبيث، فقد عمت هذه الفضائيات الأفلام السخيفة، والأغاني الماجنة، والرقصات الخليعة التي لا حياء فيها ولا أدب، وصار معظم الذي يؤدون هذه الأدوار من الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات نماذج لشباب الأمة وفتياتها يقتدون بهم، وتجردوا من قيمهم الدينية السامية، وجهلوا سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهجروا قرآن ربهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله. بل وصل الأمر إلى التلاعب بالمصطلحات، فالمفسدون سمّوا أنفسهم مصلحين، والباطل حقًا، والشر خيرًا، والمصلحون متشددون وأصوليون، ومتأخرون، ولا يسايرون الواقع، وكثير من غوغاء المسلمين يصدق هذا الهراء العجيب وينطلي عليه.
4- في الانترنت:
وهي من الوسائل الإعلامية الحديثة التي ظهرت في الفترة الأخيرة، وهي شبكة عالمية فيها النافع والضار، إلا أن الضار متمكن منها في كل شيء، وهي وسيلة إعلامية حيوية نشطة، يمكن الاستفادة منها في نشر السنة النبوية، وذلك بإنشاء مواقع متخصصة لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته، وإضافة كل المعلومات التي تمت إلى السيرة من الكتب القديمة والحديثة، والمقالات، والتسجيلات والمرئيات، وإنشاء منتديات خاصة للسيرة النبوية، وعقد لقاءات وندوات عبر شبكات المحادثة المتنوعة حول هذه السيرة وردّ أباطيل المستشرقين والمنافقين وشبهاتهم بالأدلة والبراهين، حتى تكون لدينا حصون في كل مكان تحمي لنا مبادئ ديننا وسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
5- الخطب والمحاضرات والندوات:
والتي تمثل منبرًا أصيلاً في تبليغ الكلمة، وإيصالها، فالمنبر بحاجة إلى أن يتعطر ويعطر السامعين بسيرته سيّد الخلق أجمعين عليه الصلاة والسلام، كأن يؤخذ حدث من السيرة، ويستنبط منه الدروس والمواعظ، مثل:بعثته عليه الصلاة والسلام، ودعوته في مكة، وهجرته إلى المدينة، وهجرة أصحابه إلى الحبشة، وغزواته، وشمائله وأخلاقه، وتعامله مع ربه، وتعامله مع الناس كلهم، سيرته مع المخالفين، منهجه في عبادته، هديه في حجه وعمرته... وغيرها من الموضوعا التي لا حصر لها.
6- الدراسات والبحوث:
والتي غالبًا ما تكون للمختصين سواء فيما يتعلق بالسنة من حيث ثبوتها، أو فقهها، أو سيرته عليه الصلاة والسلام، ودراسة ما كتبه الأعداء من المستشرقين وغيرهم، وتقويم ذلك. أو كتابة عنيت بالتأصيل لهذه السيرة وترجمتها للغات العالم، وهذا بلا شك من أكبر وسائل الدعوة المعاصرة، وهذا الحدث فرصة لهذا النشر، فربّ ضارة أصبحت نافعة.
وغير ذلك من الوسائل الكثيرة التي ننشر بها سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام

الوقفة السادسة
محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمور العقدية التي فرضها الله تعالى عليها، حيث ربط بين الإيمان به ومحبة الرسول عليه الصلاة والسلام واتباعِه، وأنه يجب أن تكون هذه المحبة فوق كل المصالح والأهواء والأنفس والأولاد والأموال، يقول تبارك وتعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين).
ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أحمعين).
ويؤكد عليه الصلاة والسلام هذا الأمر في حديث آخر: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار).

يسري مع الدم يحيي نبض شرياني
وهو السلام على روحي ووجداني
فأذرفُ الدمعَ من شوق وتحنان
تسبِّح الله في سري وإعلاني
ما دام للوُرق سجع فوق أغصان
وأهل بيتي وأحبابي وخلاني
ونوره في العُلا عامٌّ ببرهان
أعزُّ وهو الهدى من كل سلطان
وحاز منزلة لم يرقَها دانِ
عاش الحياة ذليل القدر والشانِ
مهما العِدا حاولوا كفرًا بإمعان
برئت من إفكهم من كل بهتانِ


حبي نبي الهدى ديني وإيماني
يسمو بنفسي على الدنيا وزخرفها
وتخشع النفس في محراب سيرته
هذي الجوارح بالتسبيح لاهجةً
وبالصلاة على المختار من مضر
هو المقدم في نفسي على نفسي
وكيف لا تعتلي قلبي محبته
هو السراج المنير في الورى أبدًا
هو الأعزّ الذي رقا السماء سنى
هو الأعزّ ومن يشنأ أياديَه
يا أيها النور ما لا ينطفي أبدًا
نفسي الفداءُ لعرض أنت صاحبه


* * *
وتتجلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم في اتباعه والعمل بما جاء به من كتاب الله تعالى وسنته، كما يعلو هذا الحب في محبة شخصه عليه الصلاة والسلام من القلب والدفاع عنه بكل غال ونفيس، يقول تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم.قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين).
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أول من حققوا هذا الحب على الأرض، والأحداث شاهدة على ذلك، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يحرسه من جميع الجهات أثناء الهجرة إلى المدينة، وذك أنس بن النضر رضي الله عنه يتلقى الطعنات والضربات في غزوة أحد حتى لا يصيبه أذى عليه الصلاة والسلام، وكذلك أم عمارة رضي الله عنها التي كانت تحمي النبي صلى الله عليه وسلم من جميع الأطراف.
ولعل الموقف العظيم الذي سجله الصحابي الجليل زيد بن الدثنة حين أُسر وقُدم ليُقتل، قال له أبو سفيان:أنشدك الله يا زيد، أتحبّ أن محمدًا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك! قال:والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. فقال أبو سفيان:ما رأيت في الناس أحدًا يحب أحدًا كحبّ أصحاب محمد محمدً.
وكيف لا يصل الحب إلى هذا المستوى وهو النبي الهادي الذي أرسل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهو النبي الرحيم الذي أحبّ أصحابه وأمته وجعل من نفسه وليًا على كل فرد منهم بقوله: (أنا أولىَ بكل مؤمن من نفسه‏)‏.
ويقول الله تعالى عن هذا الحب والرحمة والحرص بقوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).

* * *
ويمكن أن أذكر هنا أهم النقاط التي تنبني على حبه عليه الصلاة والسلام، حتى لا يكون حبنا له صلى الله عليه وسلم ادعاءً قوليًا، أو حركة عاطفية غير متوازنة. نحبه كما أسلفت أمر عقدي يجب أن يستقر في القلوب، ويترجم في الواقع إلى سلوك عملي تقوم به الجوارح:
1- الإيمان به:بأنه رسول من عند الله تعالى إلى الناس كافة، جاء بدعوة التوحيد بشيرًا ونذيرًا ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، قال تعالى: (الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
2- محبته صلى الله عليه وسلم محبة تفوق محبتنا لأنفسنا وآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأزواجنا، وكل ما نملك، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أحمعين"، بحيث تكون هذه المحبة واقعًا عمليًا تظهر آثارها في السلوك والتعامل والأخلاق.
3- طاعته فيما أمر واجتناب فيما نهى عنه وزجر:لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)،وقوله سبحانه: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
4- الصلاة والسلام عليه:قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
والصلاة عليه واجبة أثناء الصلاة، وكذلك عند ذكره، ومندوبة في مواضع كثيرة في الصباح والمساء، وفي كل مجلس، وبعد الأذان ويستحب الإكثار منها يوم الجمعة، يقول عليه الصلاة والسلام: (من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرًا)، ويقول في حديث آخر: "البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ".
5- الرضا بحكمه صلى الله عليه وسلم وبشرعه والوقوف عند حدود شريعته، وتحكيم سنته، والتحاكم إليها في جميع الأحوال لقوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)،وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).
6- نشر سنته بين الناس، والذبّ عنها لقوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، لا سيما في هذا العصر الذي يتعرض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته لأشرس حملات التشويه والتزوير.
7-محبة أصحابه:وهذه من مستلزمات حقوقه عليه الصلاة والسلام على أمته:وذلك بتوقيرهم والترضي عنهم، وعدم الإساءة إليهم أو الانتقاص من شأنهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه"،وقوله عليه الصلاة والسلام: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، ثم إن الانتقاص من شأن الصحابة يعني الطعن في الدين والتشكيك فيه، لأن الصحابة هم الذين نشروا هذا الدين، ونقّلوه لنا بالصورة التي عليه الآن.


الوقفة السابعة
نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
فمن أجل تلك المكانة الرفيعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أجل أن الله تعالى قرن بين طاعته وطاعة هذا الرسول، ومن أجل أنه الهادي إلى النجاة والفلاح والمنذر من العذاب والعقاب، كان حقًا على المؤمنين نصر هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، يقول تبارك وتعالى: (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً)؛ بل ذلك واجب شرعي على الأفراد والمجتمعات والدول.

* * *
ونصرة الرسول صلى الله عليه وسلم تكون في كل زمان وكل مكان، وهو نصر لدين الله تعالى ونصر للمؤمنين كافة، وهي من أهم الواجبات التي ينبغي القيام بها، لأن التقاعس عنها يعرض الأمة لغضب الله تعالى وسخطه، ويعرضها للضعف والهوان والانهيار أمام أعدائها، ومن ينصر الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى سينصره لا محاله لأن من يتعرض له بسوء أو إيذاء لعنه الله وسخط عليه، يقول تبارك وتعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز).
ويقول تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا)،ويقول في موضع آخر: (إن الذين يحادون الله ورسوله كُبتوا كما كُبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بيِّنات وللكافرين مهين).
ولنتذكر دائمًا قول الصحابة رضي الله عنهم وهم ينشدون:

نحن الذين بايعوا محمدا على الإسلام ما حيينا أبدا
ومن هنا فإنه يجب على الأمة قاطبة وعلى المستويات المختلفة أن تنصر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام مما تعرض من إساءة من بعض الدول الكافرة، بل ليس لهذا الحدث فحسب وإنما في كل حين وآن، وبكل الوسائل المتاحة وأن تقف يدًا واحدًا وكلمة واحدة في وجه هذا التمادي نحو أهم رمز من رموز هذه الأمة، وتتلخص وسائل النصرة المتاحة في الوسائل الآتية:

الوسيلة الأولى:المقاطعة الاقتصادية:
وهي مقاطعة دولة الدانمرك مقاطعة اقتصادية شاملة، وهي مسؤولية التجار الكبار ومسؤولية عامة الأمة، وهذه المقاطعة ستؤثر عليها تأثيرًا كبيرًا، وستربك أحوالها الاقتصادية وحساباتها المالية، وستزيد من البطالة عندها، وستدخلها في مواجهة داخلية مع شعبها لأنها لم تقف موقفًا قويًا من هذه الصحيفة، وينبغي هنا الإشارة إلى ما قام به كثير من التجار الكبار في البلاد الإسلامية من تصفية متاجرهم من منتوجات هذه الدولة، وتوقيف استيرادها، وهو موقف مشرف ولهم الأجر في ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذه أعني ما سمي بالمقاطعة الاقتصادية الشعبية من عدم التعامل مع منتجات تلك الدولة، مما يقتضيه التعامل في هذا الوقت إذ أن للاقتصاد تأثيرًا بالغًا. وقد التبس على بعض الناس جواز ذلك من الناحية الشرعية، وفهموا أن هذا تحريم للتعامل مع اليهود والنصارى، ولا شك أن هذا لبس في المفهوم، فلا تعني المقاطعة الاقتصادية تحريم الفعل ذاته، فالنبي صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم تعامل مع اليهود والمشركين في مكة والمدينة، ولكن هذا أسلوب للتعامل الرادع عن هذه الأفعال المشينة منهم ومن غيرهم، بالإضافة إلى أنه بيان لقدرة المسلمين أفرادًا وشعوبًا أن يعاملوا الآخرين بما يؤدي إلى احترام معتقداتهم ودينهم.
وقد فرّق البعض بين عمل الشعوب وعمل الحكومات، ولا شك أن عمل الحكومات المسلمة مختلف مع ما تعمله الشعوب، حيث إن الحكومات ملتزمة بعقود ومواثيق، وما يقدره ولي الأمر في دراساته المصلحية من منطلق هذه العقود وغيرها، وما تمليه المصالح العامة هو الذي يسعهم غير أنه لا يكون مخالفًا لأحكام الشرع.

* * *
ومما يجدر ذكره أن على العلماء والعقلاء من أصحاب المال والمفكرين أن يجتهدوا في تحديد أمد المقاطعة وأهدافها، ومتى تنتهي ومتى لا تنتهي؟ حتى لا تضمحل وتذهب مكتسباتها.

* * *
الوسيلة الثانية:المقاطعة السياسية والدبلوماسية:
وهي مسؤولية القادة وأصحاب القرار السياسي، مثل استدعاء السفراء من هذه الدولة وقطع جميع الاتفاقيات والمواثيق معهم.
مع الحذر من توسيع دائرة المقاطعة، وتوزيع الضغط على غيرها من الدول، حتى تؤتي هذه المقاطعة ثمارها بقوة، وتردع هذه الدولة الماردة وتصبح عبرة لأخواتها التي تشاطرها في مواقفها.
كما ينبغي ألا تكون هذه المقاطعة زوبعة آنية سرعان ما تتلاشى، بل ينبغي أن تكون مفتوحة وإلى أجل غير مسمى، وأن تكون محددة الأهداف بما تمليها مصلحة المسلمين.

* * *
الوسيلة الثالثة:تكثيف الجهود الدعوية:
إن مثل هذه الأحداث وغيرها، من التي تعادي دين الله تعالى ومقدساته ورموزه، تزيد من شغف الشعوب إلى معرفة هذا الدين ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه فرصة لتكثيف الجهود الدعوية وتبصير هذه الشعوب بحقيقة هذا الدين، لا سيما شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام وسيرته، ورسالته، من خلال وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمرئية والمسموعة، وباللغات المختلفة، فربَّ ضرة نافعة، والمؤمن كيس فطن، يجب أن يستغل كل الأحوال والظروف لنشر دعوته، كما فعل نبي الله يوسف عليه السلام حين كان يدعوا وهو في ظلمات السجن.
وقد ظهرت بوادر مباركة في هذا الأمر المهم، الذي هو من أهم ثمار هذه الحادثة التي أصبحت بابًا نرجوا ألا يوصد لمزيد التعريف بالإسلام ورسوله، وأن تنشط لذلك المكاتب الدعوية، والجمعيات الخيرية، والشخصيات العلمية والفكرية، ودور الترجمة، واللجان والمراكز الإسلامية.
ولعلي هنا أخص المراكز الإسلامية في الغرب والشرق لتكثف تواصلها فيما يناسب كل بلد بعينه، وأن يتواصلوا مع إخوانهم العلماء والدعاة في البلدان الإسلامية لتتواصل الجهود، فلعلّ هذه المحنة أن تنقلب منحة.

* * *
الوسيلة الرابعة:الجهود الاجتماعية والتربوية:
يقال: "قد تصح الأجسام بالعلل"، فلا شك أن هذا الحدث من حيث هو أمر محزن، ولكنه كالمرض قد يوقظ بعض المعاني الخيّرة في نفسية المريض، ليصح جسمه وتسمو روحه، ولذلك نأمل أن يكون الحدث موقظًا للأمة المسلمة في تجديد التعرف على رسولها عليه الصلاة والسلام، وعلى رسالته، وتجديد التمسك بها، والدعوة إليها، ونشرها، والدفاع عنها، ومما يقترح في ذلك من الجهود التربوية والاجتماعية ما يلي:
1- إعادة كتابة السيرة بما يناسب جميع الفئات العمرية كبارًا وصغارًا.
2- عمل ندوات في المدارس والمساجد لمختلف موضوعات السيرة، وشخصية النبي صلى الله عليه وسلم، مثل:دورة عن شمائله وأخلاقه، دورة في هديه في العبادة، دورة في أسلوب دعوته، دورة في تعامله مع غير المسلمين، دورة في تعامله في بيته.
3- عمل مسابقات في السيرة متنوعة:قصيرة وطويلة على طريقة الأسئلة أو الأبحاث ونحوها.
4- عمل دروس منزلية عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
5- قصائد تحكي هديه عليه الصلاة والسلام.
6- تأليف كتب ونشرات فيما يجب تجاه النبي صلى الله عليه وسلم.
7- خطب الجمعة في شيء من سيرته، والتحذير من البدع والمخالفات والمنهيات.
8- عمل ملصقات تحكي جملاً من أخلاقه عليه الصلاة والسلام.
وغير ذلك مما يستطاع من الوسائل المشروعة التي تقلب الحدث إلى أن يستفاد منه إيجابيًا


الوقفة الثامنة
المنافقون ومواقفهم
في كل حدث عظيم يظهر المنافقون بمواقف مضادة للأمة بكاملها، وهذا الحدث كغيره من الأحداث الذي يجب التذكير فيه بمواقف بعض المتخاذلين والمثبطين الذين يحاولون مجاملة تلك الدولة، وينقدون سياسة العلماء والدعاة والمفكرين في موقفهم تجاه سبّ النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الفئات موجودة منذ الصدر الأول للإسلام، وتؤدي الدور نفسه الذي كان يؤديه المتخاذلون والمنافقون في تلك الفترة، حيث لا يهمهم التنازل عن ثوابت الأمة وقيمها من أجل إرضاء أسيادهم في الشرق والغرب، والله تعالى قد حذّر المؤمنين من هذا المنحى الخطير والالتفات إليه، لأنه جل وعلا أعلم بمعادن تلك الأقوام وما تخفيه صدورهم، يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون).
حيث يخرج بين الفينة والأخرى بعض هؤلاء القوم، فيملؤون صفحات الصحف بكتاباتهم، ويعجون الفضائيات ضجيجًا بصرخاتهم، ويتحركون من ندوة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، من أجل أن يقدموا لأعداء الأمة القرابين والبراهين على إخلاصهم ووفائهم لهم، وقد ظهرت مواقفهم واضحة أمام هذا الحدث الكبير الذي استهزئ فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تخرج من أفواههم كلمة استنكار أو تنديد، ولم يظهر لهم موقف متعاطف مع المسلمين ومشاعرهم، بل ظهر الواحد تلو الآخر ليذم المقاطعة الاقتصادية ويلصق التهم بالمسلمين ويصفهم بالجهل والتخلف وغيره، وأن هذا من مخالفة العولمة، ولا يتسق معها.

كم أوسعونا إشاعات وبهتانا
يؤذون أهل الهدى بغيًا ونكرانا
أضحى النفاق لهم وَسْمًا وعنوانا
يمسي فتاها غريب الدار حيرانا
طريقنا، واحبنا بالحق سلطانا



نشكو إلى الله أحزابًا مضللةً
ما زال فينا ألوف من أبي لهب
ما زال لابن سلول شيعةٌ كثروا
فما لدور الهدى تبقى مُغلَّقةً؟
يا رب إنا ظُلمنا فانتصر، وأنر





هذا وقد يخرج بعض من يحمل أفكار هذا الفريق بصورة مقبولة من الناس، فيتحدث باسم الإسلام ويستشهد بنصوصه أحيانًا ولكن في غير مواضعها، من أجل أن يبين للناس أنه ينتمي إلى هذه الأمة ويغار عليها، ولكنه يخفي تحت هذا الغطاء سمومًا قاتلة للأمة وقيمها وثوابتها، يقول الله تعالى: (وإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
فالواجب على جميع أبناء الأمة وشرائحها المختلفة، من المسؤولين وأولياء الأمور والمربين، والمؤسسات التربوية والتعليمية، والمؤسسات الإعلامية المتاحة أن يكونوا على قدر المسؤولية أمام هذا التيار الخطير الذي يهدد عقيدة الأمة وأخلاقها وأمنها من الداخل.

* * *
قد يكون الخطر واضحًا من العدو، فهو قد أعلن عداوته أما المنافق الذي يلبس لباس الإيمان، ويتكلم بألسنة المؤمنين وبلغتهم فخطره أشد، وشبهته أقوى، لذا يجب على الأمة أن تعرف هؤلاء وصفاتهم.
وقد ذكر الله تعالى شيئًا من ذلك:
1- ادّعاء الإصلاح، قال تعالى عنهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ).
2- تمجيد الأعداء وجعلهم قدوة لهم.
3- التقليل من شأن أمة الإسلام.
4- ثقل العبادة عليهم، قال عليه الصلاة والسلام: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر)،نعم إنهم يصلون ولكنهم يبطنون ما لا يظهرون.
5- الغمز والهمز واللمز في مجالسهم وصحفهم ومنتدياتهم بالمؤمنين، وهذا ما يغلب على كثير من مجالسهم كما كان أسلافهم عندما قال سيدهم: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ).
وقال جملة منهم: (ما رأينا مثل قرأئنا هؤلاء يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته أكبر بطونًا وأطول ألسنًا وأجبن عند اللقاء).
6- الكذب والظهور بوجهين: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)، وغيرها مما لا يخفى.
وهذا الحدث أبرز عددًا منهم فاحت رائحتهم وزكمت أنوف المؤمنين فقال قائلهم:ما هذه الغوغائية؟ وآخر:إن المقاطعة الاقتصادية أسلوب متخلف، وثالث:إن هذا يخالف العولمة.. وغيرها. تلك الأقوال المشينة.
فمتى يعي هؤلاء؟ وماذا يريدون من أمتهم؟ وأين مشروعهم الإصلاحي المدعى المتكامل؟؟
وليتأمل القارئ معي هنا:إن كل ما قدموه مما يعتبرونه إصلاحًا ما هو إلا هدم لمكتسبات الأمة في جميع أوطانها. فمن أهم معالم مشروعهم:
1- إخراج المرأة في جميع الميادين بلا قيد ولا شرط، والسؤال:إذا خرجت هل نهضت الأمة؟ وماذا يريدونها أن تصل؟
2- جعل الدين صلاة فردية لمن أراد ولا يحجر على أحد، دون أن يدخل شؤون الحياة.
3- التراث كله بما فيه السنة النبوية قابلة للأخذ والرد وتحكم في عقولهم.
والسؤال:أي عقل يريدون أن تتحاكم إليه السنة النبوية التي تحكم شؤون الحياة كلها؟
أما القرآن فمقدس ولكن لكل إنسان أن يفهمه بالطريقة التي يريدها دون الرجوع إلى قواعد وضوابط.
4- القدح المكشوف وغير المؤدب بالعلم الشرعي والعلماء تصريحًا وتلميحًا بحسب مقتضى المرحلة. ولا يستغرب منهم ذلك، وقد استهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يتحرك فيهم ساكن؛ بل سخروا ممن تحرك، مع الزعم الكاذب بحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
وغير ذلك من أفكارهم التي أبرزها هذا الحدث. فهل يوقظ هذا الحدث كل مؤمن ومسؤول لمعرفتهم؟


الوقفة التاسعة
الحدث لا يزيد المسلمين إلا قوة وصلابة
يشهد التاريخ وتنطق الأحداث، أنه كلما اشتدت الأزمات على الأمة المسلمة وتكاثرت عليها الخطوب والنوازل، زادت هذه الأمة قوة وصلابة، واشتد تمسكها بعقيدتها وقيمها. هذه حقيقة يجب أن تعيها الأمة لأجل أن تستثمرها.
والمطّلع على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، سيجد هذه الحقيقة في معظم الأحداث التي كان تحرك أحوالهم في ذلك الوقت، فقد ذاق المؤمنون الأولون ألوان العذاب من المشركين، من تعذيب وقتل وحصار وتهجير وحروب وغيرها، ولكن ذلك لم يثن من عزائمهم وإصرارهم على المضي في تبليغ رسالة الإسلام للعالم، بل إن تلك العذابات كانت تمنحهم شحنات إيمانية وقّادة تقربهم إلى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، مثلما حدث لهم في غزوة أحد، وأصابهم من الدماء والحزن والانكسار ما أصابهم، وقال بعض المشركين إن أبا سفيان قد ومن معه قد أجمعوا أمرهم لاستئصالكم فاحذروهم، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانًا وتصديقًا بوعد الله تعالى بالنصر، يقول تبارك وتعالى عنهم: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
فإن المظالم والاعتداءات السافرة على هذه الأمة تزيد من تلاحم أبنائها وتعاضدهم، وهذا السرّ يجهله الكثيرون من الأعداء، حين يظنون أن العقائد والمبادئ تتغير وتتبدل بالقوة الفكرية والعسكرة، وما غزوات هولاكو والحروب الصليبية عن عالمنا الإسلامي ببعيد، حين أحرقت الأخضر واليابس، فقد خرج من ظلمة تلك المعاناة والمآسي فجر الدعوة الإسلامية، التي أطاحت بالطغيان والمحتلين، وألبست الأمة ثوب العزة والتمكين، حتى أخذت ريادة العالم من جديد بعد أن فقدت الكثير من مقوماتها وأسباب قوتها.
لذا فإن الاستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام، وتمزيق المصحف وتدنيسه، وقتل نساء المسلمين وأطفالهم وهدم البيوت على الآمنين، لن يضير الأمة أبدًا، بل إنها من أسباب وحدتها وتلاحمها، وربما تكون من أسباب انهيار تلك الدول ونهايتها، لأنها قد وصلت قمة الهرم، ولا بد أن تتبعها مرحلة السقوط والذوبان.

* * *
وهذه الحقيقة العظيمة تندرج تحت سنن الله تعالى في هذا الكون العظيم، ومن هذه السنن أن الأفكار والإبداع يظهر بالتحدي، وكلما زاد هذا التحدي زاد ظهور الإبداعات، وأقرب شاهد على ذلك أن الأمة المسلمة لم تتّحد في تاريخها المعاصر مثلما اتّحدت على هذه القضية وإن حزن الأعداء والمنافقون لبلوغ التحدي عظم الأمة.
ومن هنا من الخير لقادة الأمة وعلمائها ودعاتها وعي هذه الحقيقة، والاستفادة من هذه الأزمات بمزيد من الوحدة والقوة، وتناسي الخلافات الجانبية، فالتحدي كبير على مختلف المستويات والمجتمعات، والكل يتفق أن جدول أعمال الأمة مشتعل ومتزاحم، ولكن أولى الأولويات وحدتها على عقيدتها، وثوابتها، فآن الأوان لئن تحيي هذه الأزمة ما اندرس، وتوقظ ما خفي من المعاني وبخاصة وأن الأعداء بمختلف مللهم ونحلهم لا يجتمعون إلا على أمة الإسلام، ومن صور هذا التلاحم ما يلي:
1- عدم التناحر بين مختلف العلماء والدعاة.
2- الاتحاد والاجتماع على العقيدة الإسلامية، ونبذ ما يخالفها.
3- عمل اللقاءات المشتركة لتدارس ما يهم الأمة ويزيدها تلاحمًا وقوة.
4- العناية بتربية الناشئة، وإعادة تأهيلهم من جديد.
5- تلاحم أهل العلم مع قياداتهم الوطنية والسياسية للعمل المشترك بينهم.
6- إيضاح العلماء للأصول الشرعية التي يتفق عليها الناس في كل بلد.
7- إشاعة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه الشامل.
8- عمل برامج مشتركة على مختلف المستويات، سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وحضارية وغيرها.
9- تبصير الأمة بواجبها الواقعي حتى لا يتخذ عامتها وسائل غير شرعية كما حدث في بعض البلدان في هذه الأمة من تدمير لممتلكات وقتل للأفراد ونحو ذلك