منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


الوسطية في العقيدة




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع





الوسطية في العقيدة


إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].


﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].

أمَّا بعدُ:
فإنَّ العقيدة الإسلامية الصحيحة بأصولها الثابتة وأسسها السليمة ودعائمها الراسخة هي - دون غيرها - التي تحقِّق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة؛ لصحَّة دلائلها، وقوَّة حججها وبراهينها، ووضوح معالمها، ولموافقتها القلوبَ السليمة والفِطَرَ القويمة والعقول الصحيحة.

وتمتازُ هذه العقيدة المباركة بميزاتٍ جليلة وخصائص عظيمة تظهرُ حسنها، وتبرز كمالها وجمالها، ومن جملة هذه الخصائص كونها وسطًا بين الغلوِّ والجفاء، والإفراط والتفريط، والزيادة والنقصان، وأهلها أهل وسطيَّة واعتدال، فهم الوسط في فرق الأمَّة، كما أنَّ هذه الأمَّة هي الوسط في الأمم؛ قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

ومعنى قوله: ﴿ وَسَطًا ﴾: عدولاً خيارًا معتدلين، كما جاء في "صحيح البخاري" عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُجاء بنوحٍ يوم القيامة فيُقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتُسأل أمَّته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، يقول: مَن شهودك؟ فيقول: محمد وأمَّته، فيُجاء بكم فتشهدون))، تم قرأ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143][1].

وكذلك أنَّ التوسُّط هو الاعتدال بين طرفي الغلوِّ والدعاء الغلو في الحق بالزيادة فيه، والجفاء في الحق بالنقصان منه.

أي: إنَّ هذه الأمَّة توسَّطوا بين الأمم؛ فلم يغلو غلوَّ النصارى، ولم يجفوا جفاءَ اليهود، يقول الإمام الطبري - رحمه الله تعالى - عند تفسير هذه الآية: "وأرى أنَّ الله - تعالى ذكرُه - إنما وصفَهم بأنهم وسطٌ لتوسُّطهم في الدِّين؛ فلا هم أهل غلوٍّ فيه غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهُّب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصيرٍ فيه تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنَّهم أهل توسُّط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها"[2].

وفي هدا يقول شيح الإسلام - رحمه الله تعالى -:
"... فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه، وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام"[3].

ويقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
"وأهل السُّنَّة وسط في النحل، كما أنَّ أهل الإسلام وسط في الملل، توقد مصابيح معارفهم من شجرةٍ مباركة زيتونة لا شرقيَّة ولا غربيَّة، يكاد زيتها يضيءُ ولو لم تمسَسْه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره مَن يشاء"[4].

وقد جاء القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة بالتأكيد على لزوم التوسُّط والاعتدال ومجانبة طرفي الغلوِّ والجفاء في جميع جوانب الدِّين؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: 29]، وقال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، وقال - تعالى -: ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ [لقمان: 19].

وصحَّ في الحديث عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((القصدَ القصدَ تبلغوا))[5].

أي: عليكم بالقصدِ من الأمور في الأقوال والأفعال، والقصد هو الوسط بين الطرفين.

وصحَّ عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أيضًا في "المسند" وغيره أنَّه قال: ((عليكم هديًا قاصدًا، فإنَّه مَن يشاد الدِّين يغلبه))[6]، وصحَّحه الألباني[7].

وفي معنى هذه النُّصوص قولُ رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب - رضِي الله عنه -: "إنَّ دين الله بين الغالي والمقصر، فعليكم بالنمرقة[8] الوسطى؛ فإنَّ بها يلحق المقصر، وإليها يرجع الغالي".

وهو كلامٌ حسن عظيمُ الفائدة، قال فيه ثعلب اللغوي المشهور: "ما رُوِي في التوسُّط أحسن من قول أمير المؤمنين علي - رضِي الله عنه"، يشيرُ إلى كلامه هذا المتقدِّم[9] وكان ابن مسعود - رضِي الله عنه - يقول: "الاقتصاد في سنَّةٍ خيرٌ من الاجتهاد في بدعة"[10].

وقال أبو سليمان الخطَّابي صاحب كتاب "العزلة"[11]:
وَلا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَمْرِ وَاقْتَصِدْ
كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ



مظاهر وسطيَّة أهل السُّنَّة والجماعة في العقيدة


تطهر وسطيَّة أهل السُّنَّة في الاعتقاد في عدَّة أمور، من أهمها ما يلي:
أولاً: وسطيَّتهم في باب أسماء الله وصفاته:
فأهل السُّنَّة وسطٌ في باب الأسماء والصفات بين أهل مقالتين باطلتين، مقالة مَن عطَّل الصفات وفي مقدِّمتهم الجهميَّة، ومقالة مَن يُشبِّه الله - تعالى - بصفات المخلوقين كما هو طريق الممثِّلة؛ فالتعطيل باطل لأنَّه جحد ونفي لما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال، والتشبيه باطل لأنَّه تمثيلٌ لله بالمخلوقات.

أمَّا أهل السُّنَّة فلم ينفوا الأسماء والصفات عن الله - تعالى - ولم يُشبِّهوا الله بالمخلوقات، فمنهجهم قائمٌ على إثباتٍ بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، على حدِّ قوله - تعالى -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، فسلموا من الآفتين، ومضوا في سواء السبيل.

يقول عنهم شيخ الإسلام - رحمه الله -:
"فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسطٌ بين أهل التعطيل الذين يُلحدون في أسماء الله وآياته ويُعطِّلون حقائق ما نعت الله له به، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذي يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.

فيؤمن أهل السُّنَّة والجماعة بما وصَف الله به نفسه، وما وصَفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل"[12].

ثانيًا: وسطيتهم في باب القدر:
إنَّ أهل السُّنَّة وسط كذلك في باب القدر بين الجبرية؛ الذين يزعمون أنَّ العبد ليس له مشيئة، وأنَّه مجبور على فعله، ليس له فيه مشيئة ولا اختيار، فهو عندهم كالورقة في مهبِّ الريح، وإنما تُنسَب الأعمال إليه مجازًا، وإلا فالفاعل الحقيقي هو الله - تعالى.

وبين القدريَّة الذين لا يؤمنون بقُدرة الله الشاملة ومشيئته النافذة، ويقولون: إنَّ أفعال العباد ليست داخلةً تحت القضاء والقدر، فالله عندهم لا يُقدِّر على العباد أفعالهم، وليست لمشيئته تعلُّقٌ بها، فلا يهدي الله ضالاًّ، ولا يضلُّ مهتديًا، وإنما العبادُ هم المحدثون لأفعالهم الخالقون لها[13].

أمَّا أهل السُّنَّة فتوسَّطوا في هذا الباب بين هذين الباطلين؛ حيت يعتقدون أنَّ للعبد مشيئةً واختيارًا، وأنَّه الفاعل الحقيقي لأفعاله، وأنَّ مشيئته تحت مشيئة الله - تعالى - كما قال - تعالى -: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 28، 29].

فقوله - تعالى - في الآية: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ ردٌّ على الجبرية نُفاة مشيئة العبد، وقوله - تعالى -: ﴿ وَمَا تَشَاؤونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ رد على القدرية نُفاة مشيئة الربِّ.

فالوسط قول أهل السُّنَّة الذين يُثبِتون للعبد المشيئة، ويجعلونها تحت مشيئة الله - تعالى.

يقول عنهم شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في ذلك:
"وهم في باب خلقه وأمره وسطٌ بين المكذِّبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة، وخلقه لكلِّ شيء، وبين المفسدين لدِين الله، الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل؛ فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 148]، فيؤمن أهل السُّنَّة بأنَّ الله على كلِّ شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلب قلبونهم وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فلا يكون في مُلكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنَّه خالق كلِّ شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أنَّ العبد له قدرة ومشيئة وعمل، وأنه مختارٌ، ولا يسمونه مجبورًا؛ إذ المجبور مَن أُكره على خلاف اختياره، والله - سبحانه وتعالى - جعَل العبد مختارا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره"[14].

ثالثًا: وسطيتهم في باب الوعد والوعيد:
إنَّ أهل السُّنَّة والجماعة وسطٌ كذلك في باب الوعد والوعيد بين المرجئة والوعيديَّة من الخوارج وغيرهم.

فالمرجئة أعمَلُوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد، والوعيدية أعملوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، أمَّا أهل السُّنَّة فوسطٌ بين هؤلاء وهؤلاء؛ فأعماوا نصوصَ الوعد والوعيد، فلم يُهملوا الوعيد إهمالَ المرجئة، ولم يهملوا الوعدَ إهمالَ الوعيديَّة، بل جمعوا بينهما، وتعبَّدوا الله بهما، وهذا هو منهج القُرآن؛ ترغيب وترهيب، رجاء وخوف، جنَّة ونار؛ قال - تعالى -: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ [الحجر: 49، 50].

رابعًا: وسطيتهم في باب الأسماء والأحكام[15]:
إنَّ أهل السُّنَّة وسطٌ في هذا الباب بين الحروريَّة الخوارج والمعتزلة الذين يسلبون اسمَ الإيمان عن مرتكب الكبيرة، فيُسمِّيه الخوارج كافرًا، ويجعله المعتزلة في منزلةٍ بين المنزلتين، أمَّا في الآخِرة فاتَّفق الفريقان على أنَّ مَن مات على كبيرةٍ لم يتبْ منها أنَّه مخلَّد في النار، وبين المرجئة الجهمية الذين يقولون: إنَّ مرتكب الكبيرة مؤمنٌ كامل الإيمان، وارتكاب الكبائر لا يُؤثِّرُ في الإيمان.

أمَّا أهل السُّنَّة فتوسَّطوا حيث قالوا: مرتكب الكبيرة دون الشرك مؤمنٌ ناقص الإيمان، فلا يُعطي الاسم على الإطلاق، ولا يسلبه على الإطلاق، هذا من حيث الاسم، أمَّا حكمه في الآخِرة فهو تحت مشيئة الله، إنْ شاء غفر له وإن شاء عذَّبه على قدر ذنبه، ثم أخرجه من النار فلا يُخلَّد فيها[16].

يقول شيخ الإسلام عن أهل السُّنَّة في ذلك:
وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيديَّة الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلَّدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدِّين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكليَّة.

فيؤمن أهل السُّنَّة والجماعة بأنَّ فُسَّاق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنَّة، وأنهم لا يخلَّدون في النار، بل يخرج مَن كان في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأنَّ النبيَّ ادَّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمَّته[17].

خامسًا: وسطيَّتهم في باب الصحابة:
ومن مظاهر وسطيَّة أهل السُّنَّة والجماعة في الاعتقاد أيضًا توسُّطهم في الصحابة - عليهم رضوان الله - بين الخوارج النواصب الذين كفَّروا عليًّا - رضي الله عنه - وطائفة كبيرة من الصحابة، واستحلُّوا دماءهم، وبين الرافضة الذين غلوا في عليٍّ وأهل بيته حتى فضَّلوه على أبي بكر وعمر.

أمَّا أهل السُّنَّة والجماعة فمنهجهم عدلٌ ووسط مع الصحابة؛ فلم يُكفِّروا أحدا منهم، أو يتبرَّؤوا منهم، بل أنزلوهم منازلَهم التي يستحقُّونها؛ فأحبوهم ووالوهم ودعوا لهم، وترضَّوْا عنهم، ولم يقعوا في أحدٍ منهم أو ينتقصوه، ويعتقدون أنهم خيرُ الناس بعدَ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ولم يغلوا في عليٍّ أو غيره، أو يعتقدوا العصمةَ لأحدٍ من الصحابة[18].

فعقيدتهم في الصحابة - عليهم رضوان الله - على وفق قوله - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ جَاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].

وهم كذلك وسطٌ في علي - رضي الله عنه - وآل بيت النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بين الغالية الذين يغالون في غلي - رضي الله عنه - فيفضلونه على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ويعتقدون أنَّه الإمام المعصوم دونهما، وربما جعلوه نبيًّا أو إلهًا، وبين الجافية الذين يعتقدون كفرَه وكفرَ عثمان - رضي الله عنهما - ويستحلُّون دماءهما ودماء مَن تولاهما، ويستحبُّون سبَّ عليٍّ وعثمان ونحوهما، ويقدَحون في خلافة عليٍّ - رضي الله عنه - وإمامته[19].

سادسًا: وسطيتهم في الجمع بين الأخذ بالأسباب وبين التوكُّل:
ومن مظاهر الوسطيَّة في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة كذلك وسطيَّتهم في الجمع بين التوكُّل على الله وبين الأخذ بالأسباب معًا، على وفق قولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((احرِصْ على ما ينفعُك، واستَعِنْ بالله))[20]، فقوله: ((احرِصْ على ما ينفعُك)) أمرٌ بكلِّ سببٍ ديني ودنيوي، بل أمرٌ بالجدِّ والاجتهاد فيه نيَّة وهمَّة، وفعل وتدبير.

وقوله: ((واستعِنْ بالله)) أمرٌ بالإيمان بالقضاء والقدر والتوكُّل على الله في جلب المنافع ودفع المضارِّ.

فهم يعتقدون أنَّ التوكُّل لا بُدَّ فيه من الجمع بين الأمرين: فعل السبب، والاعتماد على المسبِّب وهو الله، فمَن عطَّل السبب وزعم أنَّه متوكِّل فهو في الحقيقة متواكل مغرور مخدوع، وفعله هذا ما هو إلا عجزٌ وتضييع وتفريط، ومَن قام بالسبب ناظرًا إليه، معتمدًا عليه، غافلاً عن المسبِّب، معرضًا عنه، فعمله هذا عجزٌ وخذلان، ونهايته ضياع وحرمان[21].

يقول ابن القيِّم - رحمه الله تعالى -:
فمنع الأسباب أنْ تكون أسبابًا قدحٌ في العقل والشرع، وإثباتها والوقوف معها وقطع النظر عن مسبِّبها قدحٌ في التوحيد، والتوكُّل والقيام بها وتنزيلها منازلَها والنظَر إلى مُسبِّبها وتعلُّق القلب به جمعٌ بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر، وهو الكمال[22].


يتبع

سابعًا: وسطيَّتهم في الجمع بين المحبَّة والخوف والرجاء:
ومن مظاهر وسطيَّة أهل السُّنَّة في الاعتقاد أيضًا وسطيَّتهم بين الفِرَق في الجمع بين المحبَّة والخوف والرجاء، فلم يغلوا في واحدة منها على حساب الأخرى، بخلاف مَن سواهم من المبتدعة، فالخوارج غلبوا جانبَ الخوف حتى كفَّروا أصحاب الكبائر.

والمرجئة غلَّبوا الرجاء حتى أقدَمُوا على فعل الكبائر.

والصوفيَّة غلَّبوا جانب المحبَّة حتى تزندَقُوا وقالوا بالحلول والاتِّحاد.

أمَّا أهل السُّنَّة فقد عبدوا الله - تعالى - بالجمع بين هذه الثلاثة: قال بعض السلف: "مَن عبد الله بالحبِّ وحده فهو زنديق، ومَن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومَن عبده بالرجاء وحدَه فهو مرجئ، ومَن عبده بالحبِّ والخوف والرجاء فهو مؤمن موحِّد[23].

ثامنًا: وسطيَّتهم في باب كرامات الأولياء:
الكرامة أمرٌ خارق للعادة يظهره الله - تعالى- لمَن يشاء من عباده المؤمنين، غير مقارن لدعوى النبوَّة، فإنْ لم يكن مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح فهو استدراج[24].

ومن أصول أهل السُّنَّة التصديقُ بكَرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق وعادات في أنواع العلوم والمكاشفات والتأثيرات.

وأنَّ الكشف والكرامة ليسا بحجَّةٍ في أحكام الشريعة المطهَّرة، ولا يمتاز صاحب الولاية والكرامة عن آحاد المسلمين في شيءٍ من الزي والعمل والقول، ولا يختصُّ بالنذر وغيره ممَّا ينبغي لله سبحانه[25].

فهم وسط في هذا الباب بين المتصوِّفة الذين غلوا في شأن الكرامة، وأفرطوا وتجاوزوا فيها الحدَّ حتى ادَّعوا للأولياء - باسم الكرامة - ما هو من خصائص الله وحدَه، حتى قال بعضهم: إنَّ لله عبادًا لو شاؤوا من الله ألا يقيم القيامة لما أقامها!

وبين المعتزلة الذين جفوا في شأن الكرامة وفرَّطوا فيها، ونفوا وقوعها؛ بحجَّة أنَّ الخوارق لو جاز وقوعها من الأولياء لالتبس النبيُّ بغيره؛ إذ الفرق بينهما - عندهم - إنما هو المعجزة، وبنوا على ذلك ألا يجوز ظهور خارقٌ إلا لنبيٍّ.

أمَّا أهل السُّنَّة فقد توسَّطوا بين الفريقين؛ حيث ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلوِّ المعتدين؛ فأثبتوا الكرامات للأولياء على ضوء النصوص ووفق الأدلَّة، دون غلوٍّ أو جفاء، أو إفراط أو تفريط[26].

وهذه أمثلةٌ قليلة ضُرِبت في بيان وسطيَّة أهل السُّنَّة في المعتقد، وإلا فمظاهر وسطيَّتهم في باب الاعتقاد أكثر من أنْ تُذكَر في هذه الصفحات، وأوسع من أنْ تُورَد في هذه الورقات.

والوسطيَّة في الأمور والاعتدال فيها وخاصَّة الأمور العقدية أمرٌ عزيز، لا يظفر به إلا مَن وفَّقه الله للالتزام بنصوص الشرع، فعض عليه بالنواجذ، وتمسَّك بها تمسُّك الغريق، واتَّبع آثار السلف الصالح؛ وذلك لأنَّ الشيطان حريصٌ على إغراء بني آدم وإضلالهم وصرفِهم، عن الجادَّة الحق والطريق السوي، إمَّا إلى الغلوِّ والإفراط والمجاوزة في الأمور، وإمَّا إلى التفريط فيها والتقصير والجفاء.

يقول بعض السلف: "ما أمر الله - تعالى - بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إمَّا إلى تفريط وتقصير، وإمَّا إلى مجاوزةٍ وغلوٍّ، ولا يُبالي بأيِّهما ظفر"[27].

فمن كيد الشيطان - أعاذنا الله جميعا منه - أنَّه يشمُّ النفس؛ حتى يعلم أي القوَّتين تغلبُ عليها؛ قوَّة الإقدام والشجاعة، أم الانكفاف والإحجام والمهانة، فإنْ رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخَذ في تثبيطه وإضعاف همَّته وإرادته عن المأمور به، وثقله عليه، فهوَّن عليه تركه حتى يتركَه جملة أو يقصر فيه ويتهاوَن، وإنْ رأى الغالب عليه قوَّة الإقدام وعلو الهمَّة أخَذ يُقلِّل عنده المأمور به، ويوهمه أنَّه لا يكفيه، وأنَّه يحتاجُ معه إلى مبالغة وزيادة؛ فيقصر بالأول ويتجاوز بالثاني، وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديَيْن؛ وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدِّي، والقليل منهم جدًّا الثابت على الصرط الذي كان عليه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه.

فقوم قصر بهم في حقِّ الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بأخرين حتى عبدوهم، وقصر بقومٍ في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات؛ كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلُّم العلم، وتجاوَزَ بقومٍ حتى خالطوهم في الظلمِ والمعاصي والآثام.

وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخَرين حتى جعلوا العلم وحدَه هو غايتهم دون العمل به.

وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب وبنات البرية دون غذاء بني آدم، وتجاوز بآخَرين حتى أطعمهم الحرام الخالص.

وقصر بقومٍ حتى قالوا: إنَّ الله - سبحانه - لا يقدر على أفعال عباده، ولا شاءها منهم، ولكنَّهم يعملونها بدون مشيئة الله - تعالى - وقدرته، وتجاوَزَ بآخرين حتى قالوا: إنهم لا يفعلون شيئًا ألبتَّةَ، وإنما الله - سبحانه - هو فاعل تلك الأفعال حقيقةً، فهي نفس فعله لا أفعالهم، والعبيد ليس لهم قدرةٌ ولا فعل ألبتَّةَ.

وقصر بقوم حتى قالوا: إنَّ ربَّ العالمين ليس داخلاً في خلقه، ولا بائنًا عنهم، ولا هو فوقهم ولا تحتهم، ولا خلفهم ولا أمامهم، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، وتجاوز بآخَرين حتى قالوا: هو في كلِّ مكانٍ بذاته كالهواء الذي هو داخلٌ في كلِّ مكان.

وقصر بقوم حتى قالوا: لم يتكلَّم الربُّ - سبحانه - بكلمة واحدة ألبتَّة، وتجاوز بآخَرين حتى قالوا: لم يزل أزلاً وأبدًا قائلاً: ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴾ [ص: 75]، ويقول لموسى: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [النازعات: 17]، فلا يزال هذا الخطاب قائمًا به ومسموعًا منه كقيام صفة الحياة به.

وقصر بقومٍ حتى قالوا: إنَّ الله - سبحانه - لا يُشفِّعُ أحدًا في أحدٍ ألبتَّةَ، ولا يرحم أحدًا بشفاعة أحدٍ، وتجاوز بآخَرين حتى زعموا أنَّ المخلوق يشفعُ عنده بغير إذنه، كما يشفع ذو الجاه عند الملك ونحوهم.

وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسقِ الناس وأظلمِهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضلاً عن أبي بكر وعمر، وتجاوَز بآخرين حتى أخرجوا المسلمَ من الإسلام بالكبيرة الواحدة.

وقصر بقومٍ حتى نفوا حقائقَ أسماء الرب - تعالى - وصفاته وعطَّلوه منها، وتجاوَزَ بآخرين حتى شبَّهوه بخلقِه ومثَّلوه بهم.

وقصر بقومٍ حتى عادوا أهلَ بيت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقاتَلوهم واستحلوا حُرمتَهم، وتجاوَز بقوم حتى ادَّعوا فيهم خصائصَ النبوَّة من العصمة وغيرها، وربما ادعوا فيهم الإلهيَّة!

وكذلك قصر باليهود في المسيح حتى كذَّبوه ورموه وأمَّه بما برَّأهما الله - تعالى - منه، وتجاوَزَ بالنصارى حتى جعلوه ابنَ الله وجعلوه إلهًا يُعبَد مع الله.

وقصر بقومٍ حتى نفوا الأسباب والقُوَى والطبائع والغرائز، وتجاوز بآخَرين حتى جعلوها أمرًا لازمًا لا يمكن تغييره ولا تبديله، وربما جعلها بعضهم مستقلَّة بالتأثير.

وقصر بقومٍ حتى تعبَّدوا بالنجاسات وهم النصارى وأشباههم، وتجاوز بقومٍ حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال وهم أشباه اليهود.

وقصر بقوم حتى تزيَّنوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقومٍ حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم، وسموا أنفسهم الملاميتة.

وقصر بقوم حتى أهملوا أعمالَ القلوب ولم يلتفتوا إليها، وعدوها فضلاً أو فضولاً، وتجاوَزَ بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثيرٍ من أعمال الجوارح وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده.

وهذا بابٌ واسع جدًّا، لو تُتُبِّعَ لبلغَ مبلغًا كثيرًا، وإنما أشير إليه أدنى إشارة[28].

قال ابن القيم - رحمه الله -:
"فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخيرُ الناس النمط الأوسط، الذين ارتفَعُوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلوِّ المعتدين، وقد جعَل الله - سبحانه - هذه الأمَّة وسطًا؛ وهي الخيار العدل لتوسُّطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرَّق إلى الأطراف، والأوساط محميَّة بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها[29].

فنسأل الله أنْ يهديَنا إليه صراطًا مستقيمًا، وأنْ يُوفِّقنا للزوم الوسطيَّة والاعتدال، وأنْ يُجنِّبنا الزلل في القول والعمل، وأنْ يمنَّ علينا بالعمل بكتابه واتِّباع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنَّه سميع مجيب، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وآله وصحبه.
___________________


[1] "صحيح البخاري" رقم ( 6917).

[2] "تفسير الطبري" (2/8).

[3] "الجواب الصحيح" (1/69).

[4] "بدائع الفوائد" ( 1/180).

[5] "صحيح البخاري" (6463).

[6] "المسند" ( 5/350/ 361).

[7] "صحيح الجامع" ( رقم 4086).

[8] النمرقة: الوسادة.

[9] "إغاثة اللهفان": (1/136).

[10] رواه اللالكاني في "شرح الاعتقاد" (1/88).

[11] كتاب "العزلة" ج1 ص256.

[12] "مجموع الفتاوى": ( 3/373).

[13] ينظر: "شرح الأصول الخمسة" ص 323، "الفرق بين الفرق" ص 186.

[14] "مجموع الفتاوى" ( 3/373- 374).

[15] المراد بالأسماء هنا أسماء الدِّين مثل: مسلم، مؤمن، كافر، فاسق، أمَّا الأحكام فالمراد به أحكام أصحاب هذه الأسماء في الدُّنيا والأخرة، ينظر: "الفتاوى" ( 3/38).

[16] ينظر" "مجموع الفتاوى" ( 7/673-679)، و"وسطية أهل السنة" ص ( 335-339).

[17] ينظر: "مجموع الفتاوى" (3/374-375).

[18] ينظر: "شرح الواسطية"؛ للرشيد ص ( 202- 204)، و"وسطية أهل السنة" ص (399).

[19] ينظر: "مجموع الفتاوى" (3/375).

[20] رواه مسلم في "صحيحه" برقم (2664) من حديث أبي هريرة.

[21] ينظر: "الفوائد المنثورة" ص (35-37).

[22] "طريق الهجرتين" ص (391).

[23] ينظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص (330)، و"العبودية" ص (128).

[24] ينظر: "قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر" ص (100).

[25] المصدر نفسه.

[26] ينظر: "الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف"؛ للصنعاني ص (6).

[27] "إغاثة اللهفان"؛ لابن القيم: ( 1/136).

[28] ينظر: "إغاثة اللهفان" (2/ 116- 118).

[29] "إغاثة اللهفان" ( 1/201).







سلمت يدااك ويعطيك الف عافيه على المجهود والمشاركه المميزه
تم التقييم وفي انتظار المزيد من مواضيعك الشيقه
ارق تحيااااااااااتي