منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


الحق أحق أن يتبع




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع








الحق أحق أن يتبع


إنَّ الحمد لله نَحمَده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يَهدِ الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ مُحمدًا عبده ورسوله - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

أمَّا بعدُ:
فاعلم أنَّ التمسُّك بالحقِّ ونَبْذ الباطل، هو نَجاتُك في دُنياك وأُخراك، وسيفُك وسلاحك على أهل الباطل، وسفينتك في بَحر الكُفر والفتن والمعاصي والشهوات والشُّبهات، وحُجَّتُك في الآخرة في يومٍ لا يَنفعُ مال ولا بنون، ولا خُلَّة ولا شفاعة.

من تَمسَّك به عدَل واعْتدَل، وهو النور الذي تَمشي به في ظلمات الليل والنهار، وهو هدايتُك على الصراط المستقيم والتي هي أقْوم، واتِّباعك رضوانَ الله إلى سُبُل السلام، ونَجاتُك من سُبُل الغواية والخسران؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].

وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].

ومَن حادَ عنه، حرَف وانْحرَف، وتَخبَّط في ظُلمات الليل والنهار، وضلَّ ضلالاً بعيدًا، واستحقَّ سخَط الله وغضَبه إلى سُبُل الهلاك وأوْدِية الخسران.

قال الراغب الأصفهاني في مُفرداتِه: "قوله تعالى: ﴿ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ [الأعراف: 105]، قيل معناه جَدير، وقُرِئ "حقيق عليّ"، قيل: واجِب.

وقوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ [البقرة: 228]، والحقيقة تُستعمَل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - لحارثة: ((لكلِّ حقٍّ حقيقةٌ، فما حقيقةُ إيمانِكَ؟))؛ أي: ما الذي يُنبِئ عن كون ما تَدَّعيه حقًّا، وفلان يَحمِي حقيقته؛ أي: ما يَحقُّ عليه أنْ يُحمى، وتَارَة تُستعمَل في الاعتقاد كما تَقدَّم، وتارة في العمل وفى القول؛ فيُقال: فلان لفعْله حقيقة إذا لم يكن مُرائيًا فيه، ولقوله حقيقة، إذا لم يكن فيه مُترخِّصًا ومُستزيدًا، ويُستعمَل في ضدِّه المُتجوِّز والمتوسِّع والمُتفسِّح، وقيل: الدنيا باطِل والآخرة حقيقة؛ تَنبيهًا على زوال هذه، وبقاء تلك"؛ ا.هـ.

إذًا الحقُّ هو الصدق والحقيقة ومُطابَقة الواقع، والباطل هو المُزيَّف والكذِب، ومطابقة خلاف الواقع؛ لذلك قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19]؛ أي: بالصِّدق والحقيقة ومُطابقة الواقع الذي يَعرِفه كلُّ الناس - مُسلِمهم وكافِرهم - ولكن بعض الناس - هداهم الله - قد يُحاوِل لشدَّة حبِّه للدنيا أنْ يَحيد منه، ويُخادِع نفسَه بالكذب والباطل.

وتأتي كلمةُ الحقِّ في القرآن الكريم باسم الصِّدق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 33].

وتأتي أيضًا في كتاب الله باسم الطيب؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾ [المائدة: 100]، وقال تعالى: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأنفال: 37].

قال أبو جعفر - رحمه الله -: "يقول - تعالى ذكرُه -: يَحشُر الله هؤلاء الذين كَفَروا بربهم، ويُنفِقون أموالَهم للصدِّ عن سبيل الله - إلى جهنَّم؛ ليُفرِّق بينهم - وهم أهل الخَبَث كما قال، وسَمَّاهم (الخبيث) - وبين المؤمنين بالله وبرسوله، وهم (الطيِّبون)، كما سَمَّاهم - جلَّ ثناؤه - فمَيَّز - جلَّ ثناؤه - بينهم بأنْ أَسَكن أهل الإيمان به وبرسوله جنَّاته، وأَنزَل أهلَ الكفر نارَه".

وأيضًا قد جاء مِثلُ هذا الأسلوب بأنَّ أهل الحقِّ هم الطيِّبون، وأنَّ أهل الباطل هم الخُبثاء، كذلك في قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179].

وأيضًا تأتي كلمة الحق كما في كتاب الله باسم الهُدى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ [القصص: 50].

كما تأتي هذه الكلمة الإسلام كما فُسِّر الصراط المستقيم: أنَّه الحق، وأنَّه الإسلام، وأنَّه الكتاب، وكل هذه المعاني تَتَّفِق ولا تتنَافى؛ كما قاله شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - أو شَبَهه.
أمَّا بالنسبة للمُقابَلة: فتجد أنَّ الله - سبحانه - يُقابِله بلفظة (الباطل) كما هو المشهور؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، وقال - تعالى - : ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [سبأ: 49]، وقال تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 18].

هذه الآيات تدلُّ على أنَّ قوة الحقِّ وغَلبتَه على أهل الباطل عظيمة مهما طَغَوا وتَجبَّروا، ما دام أهلُ الحقِّ معهم القوي المتين، وهو الله - جلَّ جلاله - الذي إرادته تَنفُذ، وإرادة ما دونه من العبيد تَزول،وتَضمحل أمام إرادته؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 10 - 11].

وقد يُقابِل الله تعالى الحق بالهوى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [المؤمنون: 71]، الآية.

وقال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ [الجاثية: 23]، الآية.

وقد يُقابِله الله تعالى بالظن؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم: 28].

وقد يُقابِله الله بالسراب والخيال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور: 39]، الآية.

وقد يُقابِله الله تعالى بالسِّحر؛ كما قال تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الطور: 15].

وأيضًا قال الله تعالى في آية أخرى حكاية عن أهل النار: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: 30].

فالله - سبحانه - هو الحقُّ والقرآن الذي جاء به النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حقٌّ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حقٌّ، والموت أيضًا حق؛ لأنَّه شيء واقِع لا محالة لكلِّ إنسان كما أسلَفنا.

وفي الدعاء المأثور الذي ثَبَت في صحيح البخاري:
6950- حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا سفيان عن ابن جريج عن سليمان عن طاوس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدعو من الليل: ((اللهمَّ لك الحمد؛ أنتَ ربُّ السموات والأرض، لك الحمد؛ أنت قَيِّم السموات والأرض ومَن فيهنَّ، لك الحمد؛ أنت نورُ السموات والأرض، قولُكَ الحق، ووعْدُك الحق، ولقاؤك حقٌّ، والجنَّة حقٌّ، والنار حق، والساعة حق، اللهمَّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنَبْتُ، وبك خاصَمتُ، وإليك حاكَمتُ، فاغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وأسْررتُ وأعلنتُ، أنتَ إلهي لا إله لي غيرك))، حدَّثنا ثابت بن محمد: حدَّثنا سفيان بهذا، وقال: أنت الحق، وقولُك الحقُّ.

قال تعالى: ﴿ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [محمد: 2].

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كلُّ ما خلا الله باطِلٌ))؛ رواه البخاري - رحمه الله.

قال الراغب الأصفهاني في مُفرادته: "بَطَلَ: البَاطل نقيضُ الحقِّ، وهو ما لا ثَباتَ له عند الفَحص عنه؛ قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ﴾ [لقمان: 30]، وقد يُقال ذلك في الاعتبار إلى الْمَقال والفِعال، يُقال: بَطَل بُطْلاً، وبُطُولاً، وبُطلانًا، وأَبطَله: غيَّره؛ قال - عز وجل -: ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 118]؛ ا.هـ.

ونَقَل البيهقي في "كتاب الأسماء والصفات" عن الحليمي قال: "الحق ما لا يَسع إنكاره، ويَلزَم إثباته والاعتراف به، ووجود الباري أَوْلى ما يجب الاعتراف به، ولا يَسَع جحوده؛ إذ لا مُثبت تَظاهَرتْ عليه البيِّنة الباهرة ما تَظاهرتْ على وجودِه - سبحانه وتعالى"؛ ا.هـ.

وقد قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 191]، ولقد مثَّل الله لنا الحقَّ في القرآن الكريم أمثلةً كثيرة؛ لنَفْهم مفهومه الصحيح، ولنتمسَّك به بالنواجذ، ونَذَر ونَبتعِد عن الباطل.

المثال الأول: جاء الله في كتابه الكريم بأمثلة كثيرة من خلْق الله تعالى في سورة الأنعام، فخَتَم: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ﴾ [الأنعام: 102]؛ أي: هذا هو الخالِق المُبدِع - كما بيَّن لكم ربُّكم وخالقكم - الذي لا يستحقُّ معبودٌ غيره العبادةَ، فاعبدوه واجعَلوه - سبحانه - وكيلكم على كلِّ شيء، وذَرُوا أيَّ شيء آخرَ لا يَخلق، بل يُخلَق.

فتحقيق توحيد الربوبية حق التحقيق، يَستلزِم توحيد العبودية، وذلك لمن يُوفِّقه الله الحقُّ المبين.

وهكذا جاء مثل الآية السابقة في سورة غافر، لما جاء الله بأمثلة كثيرة مُتنوِّعة من خلْقه - سبحانه -: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [غافر: 62]، الآية.

المثال الثاني: وهكذا تجد أنَّ الله - سبحانه - جاء بأمثلةٍ كثيرة في القرآن الكريم من كيفيَّة خلْق الإنسان في سورة الحج من أوَّل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ﴾ [الحج: 5]، الآية، فخَتَم الله - سبحانه -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير ﴾ [الحج: 62].

وقد تَطوَّرت العلوم التجريبيَّة في هذا العصر الحديث، حتى وقَفتْ على ما قاله الله - سبحانه - في هذه الآية التي في سورة المؤمنون قبل ألف وأربعمائة عام، والتي هي عين الحق، وكما قاله - سبحانه - ولكنَّه عناد وحسَدٌ لِمَن طمَس الله بصيرتهم من أن تتوقَّد قلوبهم بنور الحق، ويَنقادُوا ويُذعِنوا له.

المثال الثالث:
فقد مثَّل الله - سبحانه - أهل الباطل في سورة البقرة - خُصوصًا أهل النِّفاق - مرَّة بمِثال مائي، ومرَّة بمثال ناري؛ قال تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ [البقرة: 17]، الآيات.

أما أهلُ الحقِّ، فنورُهم عظيم ثابتٌ، فهم مُطمئنُّون به مُستمتِعون به، وليس نورهم كالبرق الذي يلوحُ في الأفق تارة، ويغيب تارة أخرى، كما هو حال المنافقين الذين ليس لهم مبدأ يَثبُتون عليه، وليس لهم سكينة ولا طمأنينة ولا قَرارٌ، والله أعَلْم.

وقد قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 122].

وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ [النور: 40].

وهكذا يكون حال نور المؤمنين والمنافقين في يوم القيامة، فبينهم فرْقٌ شاسِع كما سترى في هذه الآية، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 12 - 13].

المثال الرابع: مثال للدنيا في سورة الكهف من أوَّل قوله: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ﴾ [الكهف: 32] الآية، إلى قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ [الكهف: 44].

والآية دليل على أنَّ مَن جعَل وَلايته لغير الله مهما كانت، فحَبْله مقطوع كما هو مَخذول وله خَيْبة الأمل، وإنَّما وَلاية الحق لله، وهي خير ثوابًا وخير أملاً، كما هي حالة الرجل الذي تَبرَّأ من الحول والقوة، وأسندَ كلَّ شيء لله - سبحانه وتعالى - وتوكَّل على ربِّه وحدَه، وقال: ﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [الكهف: 39]، فحَبْله مَتين وماسِك بالعروة الوثْقى التي لا انفصام لها، وله خير الأمل والثواب في الدنيا والآخرة.

المثال الخامس: مِثالٌ للحق والباطل في سورة الرعد؛ قال تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17].

وقد ذكَر الله - سبحانه - في خاتمة هذه الآية أنَّ الباطل كالزَّبَد الذي سيَذهب جُفاءً لا قيمةَ له، بل ولا يُنتفَع به في شيء أبدًا، كما ذكَر الله أنَّ الحق كالماء الذي يَمكُث في الأرض، ويَنتفِع به العباد والبلاد، والشجر والدواب.

لذا جاء في الحديث:
عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري، أنه كان يُحدِّث، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُرَّ عليه بِجَنازة، فقال:
((مُستريح ومُسترَاح منه))، قالوا: يا رسول الله، ما المُستريح والمُستراح منه؟ قال: ((العبد المؤمن يستريح من نَصَب الدنيا وأذَاها إلى رحْمة الله، والعبد الفاجِر يَستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدوابُّ)).

يُفهَم من الحديث أنَّ العبد المؤمن وإن اسْترَاح من نَصَب الدنيا وتَعبها، فإن العباد والبلاد، والشجر والدواب، لَم يَستريحوا منه، بل هم مُحتاجون إلى نفْعه وبركته.

وقد قال تعالى: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴾ [الدخان: 29]، ويُفهَم من هذه الآية أنَّ السماء والأرض تَبكي لموت المُوحِّدين الصالحين المُخلِصين، بل قد اهتزَّ عرش الرحمن بموت سعد، فهنيئًا لِمَن آمَن وسعد.

وهكذا تجد أنَّ أهل الحقِّ عندهم الخيريَّة المُطلَقة، وهم الجديرون] أنْ يُتَّبَعوا، وأنْ يَهدوا الناس إلى سُبُل الخير والرَّشاد؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ [يونس: 35].

أمَّا المُكذِّبون للحقِّ، فتَجدهم في حَيرة وضلال وتَخبُّط، كما تَتجدَّد آراءهم وقوانينهم بين حين وآخر، فهم دائمًا في شطْبٍ وتعديل، وإضافات لا حصْرَ لها، وقد قال الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ [ق: 5].


والله - سبحانه وتعالى - أعلم.






الساعة الآن 08:38 AM.