منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


صراحة القرآن (4)




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع








صراحة القرآن (4)

الصراحة مع عباد الله المسلمين


والمسلمونَ يحتاجونَ إلى تذكيرٍ وتنبيه، وتوجيهٍ وتسديد، فإنه يعتريهم من الضعفِ والخطأ ما يعتري غيرهم، ولكن الفرقَ أنهم إذا ذُكِّروا تذكَّروا وآبوا؛ لإيمانهم.


مما يعتري النفسَ من ضعفٍ إيثارُ الأهلِ والوقوفُ إلى جانبهم ولو كانوا مائلينَ عن الحقّ؛ ولذلك جاء التحذير: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ ... [سورة المجادلة: 22].

أي: لا تجدُ أحدًا من المؤمنينَ باللهِ واليومِ الآخِرِ - بصدقٍ وإخلاصٍ - يُوالُونَ ويُصادقونَ أعداءَ اللهِ ورسولِه، ولو كانَ هؤلاءِ الأعداءُ آباءَهم، أو أبناءَهم، أو إخوانَهم، أو قبيلتَهم وعشيرتَهم، أو أيًّا من أقاربِهم، فالعقيدةُ أهمُّ من النَّسب، ومَنْ وَالاهم فهو معهم يومَ القيامة. والذينَ لا يُوادُّونَهم ولو كانوا أقرباءَهم، فأولئكَ الذين أثبتَ اللهُ في قلوبِهمُ الإيمانَ وزيَّنَهُ لهم، فهم مُوقِنونَ مُخلِصون، وقوَّاهم بروحٍ من عنده، لتحصلَ لهمُ الطُّمأنينةُ والثَّباتُ على الإيمانِ والعملِ الصَّالح، ويُدخِلُهمُ اللهُ جنَّاتٍ عالياتٍ واسعات...

والحقُّ في قولِ المؤمنينَ للكافرين: ﴿ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾[سورة الممتحنة: 4].

ويقولُ ربُّنا جلَّ ذكرهُ في آيةٍ جامعةٍ حولَ هذا الموضوع: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء: 135].

أي: كونُوا عادلينَ في أمورِكمْ دائماً، لا يَصرِفْكم عن العدلِ صارف، وابتَغُوا بذلكَ وجهَ الله، لا غَرَضاً دنيويًّا ومصلحةً شخصيَّة، سواءٌ كان قيامُكم بالعدلِ أو قولُكمُ الحقَّ لصالحِكم أو لغيرِ صالِحكم، فإنْ كانَ الأوَّلُ فذاك، وإنْ كانَ الثاني فقد جعلَ اللهُ لكم مخرَجاً وعوَّضكم خيراً.

وحتَّى لو كانتِ الشهادةُ على الوالدَينِ والقرابة، فإنَّ الحقَّ حقّ، يحكمُ على كلِّ أحد، ويُقَدَّمُ على كلِّ شيء.

ولو كان الذي عليه الحقُّ غنيًّا أو فقيراً، فإنَّ القولَ العدلَ والشَّهادةَ المنصفةَ لا تُراعِي غنيَّاً لماله، ولا تُشفِقُ على فقيرٍ لحالِه، واللهُ يتَولَّى شأنَهما ويَنظرُ في حالِهما بعد ذلك، فكِلوا أمرَهما إلى اللهِ تعالَى.

ولا يَحملنَّكم غَرَضٌ ما في نُفوسِكم إلى الميلانِ نحوَ الباطلِ والعُدولِ عن الحقّ، فإذا حرَّفتمُ الشَّهادة، وأبطَلتمُ الحقَّ في أمورِكم، وتركتُم إقامةَ العدلِ، فإنَّ اللهَ عليمٌ بعملِكمُ الآثمِ هذا، مُطَّلعٌ على ما غيَّرتُموهُ وأبطَلتُموه، وسوفَ يُجازيكم على ذلكَ سوءَ الجزاء.

ومع أن الله حذَّرَ المسلمينَ من الغيبة، ووصفَ المتلبِّسَ بها بأبشعِ صورة، وهي أكلُ لحمِ الميت، إلا أنها منتشرةٌ بكثرةٍ في المجتمع، وطاعةُ الله واجبةٌ قبلَ كلِّ شيء.
﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [سورة الحجرات: 12].

أي: ولا يَذكُرْ بعضُكم بعضًا بما يَكرَه، فهذا من الكبائر، وهوَ يؤدِّي إلى التَّباغضِ والشِّقاقِ في المجتمعِ المؤمن. أيُحِبُّ أحدُكم أنْ يأكُلَ لحمَ أخيهِ وهو ميِّت؟ فإنَّكم تكرهونَ ذلكَ وتَعافُونَهُ وتَبغُضونَه، فابغُضوا غِيبتَهُ كذلك، فإنَّ ذِكْرَ المرءِ أخاهُ الغائبَ عنهُ بسوء، بمنزلةِ أكلِ لحمهِ وهو ميِّتٌ لا يُحِسُّ به.

واخشَوا اللهَ ولا تُخالِفوا أمرَه، وتُوبوا إليه، فإنَّهُ كثيرُ قبولِ التَّوبة، رحيمٌ بالمؤمنينَ منهم.

وكذلك التفرقةُ العنصريةُ موجودةٌ ومنتشرةٌ في البلادِ الإسلامية، فترى المسلمَ في غيرِ بلدهِ (أجنبيًا) عن بقيةِ إخوانهِ المسلمين، ويتميَّزَ الشخصُ في كلِّ بلدٍ عن الآخرينَ بـ (مواطنيَّتهِ) وليسَ بدينهِ وتقواه، ولا مساواةَ بينهما ألبتة! والقرآنُ الكريمُ صريحٌ في هذا الأمر: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [سورة الحجرات: 10]، ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [سورة الحجرات: 13].

أي: إنَّما المؤمنونَ إخوةٌ في الدِّين، فهم ينتسبونَ إلى أصلٍ واحدٍ في العقيدة، وهيَ أهمُّ شيءٍ في الحياة.

والأكرمُ عندَ اللهِ والأرفعُ منزلةً لديهِ هو الأتقَى، وليسَ الأرفعَ نسَبًا، فإذا تفاخرتُم فتَفاخروا بالتَّقوَى، والنَّسبُ ليسَ مُكتَسبًا بعمَل، فلا يكونَ مَدارًا للثَّوابِ عندَ الله. إنَّ اللهَ عليمٌ بأقوالِكم في مَجالسِكم، خبيرٌ بنيَّاتِكم وأحوالِكم.

وعاتبَ الله المسلمينَ لمـّا تركوا الخُطبةَ واتجهوا نحو قافلةٍ تجارية، والخطيبُ هو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سورة الجمعة: 11].

قال جابرٌ رضيَ اللهُ عنه: أقبلتْ عِيرٌ - أي قافلةٌ محمَّلَةٌ بالمتاعِ - يومَ الجمعة، ونحن معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فثارَ النَّاسُ إلاّ اثنَي عشرَ رَجُلاً، فأنزلَ الله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا... ﴾ رواهُ البُخاريُّ في صحيحه.

وإذا رأوا تجارةً قادمة، أو تصفيقًا وطَبلاً، أو دُفًّا يُضرَبُ به لاستقبالِ القافلة، تفرَّقوا من عندكَ وقامُوا إلى التِّجارة، وتركوكَ قائمًا تخطبُ على المنبر، قلْ لهم أيُّها الرسُول: إنَّ ما أعدَّهُ اللهُ ِمن الأجرِ والثَّوابِ في الدَّارِ الآخرة، خيرٌ من القيامِ إلى اللَّهوِ وطلبِ البيعِ والشِّراءِ في هذا الوقت، فإنَّ نفعَ ما عند اللهِ مُحقَّق، ونفعَ اللَّهوِ في الدُّنيا ليسَ بمُحقَّق، بل مُتَوهَّم، ونفعَ التِّجارةِ ليسَ بمخلَّد. واللهُ خيرُ من رزقَ وأثاب، وهو مُوجِدُ الأموالِ والأرزاق، فاسعَوا إليه، واطلبوا منه الرِّزقَ في وقتهِ كما أمركم.

ويعني هذا أن السلبياتِ في المجتمعِ تُذكَرُ ولا تُكتم، ولكنْ بحكمة، ومع معالجتها والتحذيرِ منها، حتى لا تستشريَ الأمراضُ النفسيةُ والاجتماعيةُ في المجتمعِ الإسلامي.

تصريح بأمور واضحة


وفي القرآنِ الكريمِ تصريحٌ بحقائقَ وبدائهَ يغفلُ عنها كثيرٌ من الناس، مع أنها واضحةٌ، مثاله: ﴿ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾[الأحزاب: 4].


أي: ما جعلَ اللهُ للشَّخصِ الواحدِ قلبَينِ في جوفِه، وكما لا يكونُ هذا، كذلكَ لا تصيرُ زوجةُ الشَّخصِ أُمًّا له إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، كما كانَ الأمرُ في الجاهليَّة. وكذلكَ لا يصيرُ أدعياؤكم أبناءً لكم إذا تبنَّيتُموهم، كما كان الأمرُ في الجاهليَّةِ أيضًا. فهذا الظِّهارُ والتبنِّي قولٌ بأفواهكم من غيرِ أنْ يكونَ له أساسٌ من الصِّدقِ والحقيقَة، فإنَّ زوجاتِكم أُمَّهاتٌ لأولادِكم، وأدعياؤكم أولادٌ لغَيرِكم. واللهُ يُثْبِتُ الحقَّ كما هو، ويُرشِدُكمْ إلى طريقِ الحقِّ فاتَّبِعوه.

والظِّهارُ محرَّم، والتبنِّي كذلك، ولكنِ لا تكادُ تخلو دولةٌ منها!

منافع من حرام!


قد يحرجُ المسلمُ أن يذكرَ منافعَ لأشياءَ حرَّمها الإسلام، بقصدِ أن الإسلامَ لا يحرِّمُ إلا ضارًّا. والحقُّ أنه قد يوجدُ في بعضها نفع، ولكن ما نسبتهُ إلى الضررِ الذي فيه؟ قليلٌ جدًّا قد لا يتجاوزُ الواحدَ والخمسةَ والعشرة بالمئة! وحتى هذه النسبةَ القليلةَ لا تنفعُ المسلم، لأنها جاءتْ من شيءٍ محرَّم.

مثالهُ قولهُ تعالَى في مرحلةٍ من مراحلِ تحريمِ الخمرِ والميسر: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [سورة البقرة: 219].

أي: يسألونكَ عن حُكمِ الخمرِ والقمار، فقل: في تعاطيهما ذنبٌ كبيرٌ ومَفْسَدةٌ كبيرة، مع شيءٍ من المنافع، ففيهما ذهابُ العقلِ والمالِ والدِّين، والمخاصمةُ والمشاجرةُ والمعاداة، وفيهما منافعُ جسميَّةٌ ونفسيَّةٌ مؤقَّتة، كالهضمِ والطرب، وربَّما ربحٍ في المقامرة، لكنَّ إثمَهما والخسارةَ فيهما أكثرُ بكثيرٍ من منافعِهما.

وكانَ هذا أوَّلَ خَطوةٍ في تحريمِهما، بأسلوبٍ تربويٍّ ربانيٍّ حكيم، ثمَّ نزلَ التحريمُ الشاملُ في قولهِ تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [سورة المائدة: 90].


يتبع

الجهاد



والجهادُ له شأنٌ كبيرٌ في دينِ الإسلام، ووردَ في فضلهِ وفضلِ الاستشهادِ في سبيلِ الله أحاديثُ جليلة، ولكن مع ذلك صرَّحَ القرآنُ الكريمُ أن الناسَ لا يحبُّونَ القتال، وقد فُرِضَ على المسلمينَ رغمَ كرههم له!

قال الله جلَّ ذكره: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة: 216].

أي: فرضَ اللهُ عليكمُ الجهادَ وهو شاقٌّ عليكم، تَكرههُ النفوسُ وتَستثقلُه، ولكنْ ربَّما كَرِهتُم شيئاً وفيه خيرٌ لكم، فإنَّ نتيجتَهُ -إنْ شاءَ اللهُ- النصرُ على الأعداءِ وفتحُ بلادِ الكفر، ورفعُ رايةِ الإسلام، أو الشهادةُ التي يَدخلُ بها المرءُ الجنَّة. وعسَى أن تحبُّوا شَيئاً وفيهِ شرٌّ لكم، فإنَّ القُعودَ عن الجهادِ والركونَ إلى الكسلِ والرفاهيةِ يُعطي نتيجةً عَكسيَّة، فيَستولي الأعداءُ على البلاد، وينهزمُ المسلمون، ويتحكَّمُ الكفّارُ في شؤونِهم.

فالجهادُ سببٌ لحصولِ النصرِ والأمن.

واللهُ أعلمُ منكم بمآلِ الأمور، وأخبَرُ بما فيه صلاحُكم في دنياكم وآخرتِكم، فالتزموا جانبَ الجهادِ والقوَّة.

وقد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: "مَنْ ماتَ ولم يَغْزُ ولم يُحَدِّثْ بهِ نفسَهُ، ماتَ على شُعْبةٍ مِنْ نِفاق".

وفي القرآنِ الكريمِ تصريحٌ باللومٌ لمن آثرَ السلمَ والراحةَ على الجهاد: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [سورة النساء: 77].

ألا تنظرُ أيُّها النبيُّ إلى بعضِ المسلمينَ الذينَ طُلِبُ منهم أنْ يَكفُّوا عن قتالِ المشركينَ ويَعفوا عنهم عندما كانوا ضعفاءَ بمكَّة، وقيلَ لهم وقتَها: قُومُوا بواجبِكم في الطَّاعةِ وجهادِ النَّفس، فأقيموا الصَّلاةَ بخُشوع، وأعطُوا الزكاةَ لتواسُوا بها الفقراءَ والمساكين، لكنَّهم كانوا يطلبونَ منكَ أن تأذنَ لهم بقتالِ المشركين؛ لِما يَلقَونَ منهم من الأذَى.

ولما قَوُوا وفُرِضَ عليهمُ الجِهاد، وطُلِبَ منهم مقاتلةُ الكفّار، إذا فريقٌ منهم يَخشَونَهم كما يَخشَونَ من اللهِ أن يُنْـزِلَ بهم بأسه، أو أكثَر، وذلكَ لِما أصابَهم من خوفٍ وجَزَع - والمسلمونَ مُتفاوِتونَ في قوَّةِ الإيمان، وفي لقاءِ الأعداء - وقالَ أولئكَ الخائفون: ربَّنا لمَ فرضتَ علينا القتالَ الآن، فلو أخَّرتَ فَرْضَهُ إلى وقتٍ آخرَ لكانَ أفضل، ففيهِ سفكٌ للدِّماء، ويُتمٌ للأبناء، وتأيُّمٌ للنِّساء...

قلْ لهم أيُّها النبيّ: إنَّ جميعَ ما يُستَمتَعُ بهِ في الدُّنيا هوَ قليلٌ جدّاً بالنسبةِ إلى الثَّوابِ المتَرتِّبِ على الأعمالِ الطيِّبةِ في الآخرة، ومنها الجهادُ في سبيلِ الله، فالآخرةُ لمن جاهدَ واتَّقَى خيرٌ من الدُّنيا ومتاعِها القليل.

وفي الآيات (5-8) من سورةِ الأنفالِ صورةٌ أخرَى من قلقِ فئةٍ من المسلمينَ تجاهَ مقاتلةِ الكفار: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾.

تفسيرها: وكما كَرِهَ بعضُ المؤمنينَ تسويةَ الغَنائم، فقد كَرِهَ فريقٌ منهم أيضاً إخراجَكَ من بيتِكَ بالمدينةِ بوحي وتدبيرٍ من عندِ اللهِ لمقاتلةِ المشركين.

وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد خرجَ مع ثلاثمِئةٍ وبضعةَ عشرَ رجلاً من أصحابهِ يطلبونَ قافلةً كبيرةً لأبي سفيان، مُحَمَّلةً بأطعمةٍ وأموالٍ جزيلةٍ لقريش، قادمةً من الشَّام، فسمعَ أبو سفيانَ بخروجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فبعثَ إلى مكَّةَ يستنجِدُ بمشركي قريش، فخرجَ منهم نحوُ ألفِ مُحارِب. وقد نَجتِ القافلة، ثمَّ شاورَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَهُ في الحرب، فوافَقوه، وكَرِهَ بعضُهم ذلك.

ويجادلُكَ هؤلاءِ الكارِهونَ في القتالِ بعدما تبيَّنَ لهم أنَّكَ ستُنفِّذُ أمرَ اللهِ وتُقاتل، ويقولون: ما كان خروجُنا إلاّ للقافلة، ولم نستعدَّ للحرب. ولشدَّةِ كراهيتِهم لذلك، كانت حالُهم كأنَّما يُساقُونَ إلى الموتِ وهم يشاهدونَ علاماتِه!

واذكُروا مع ما بكم من الجزعِ وقلَّةِ العدد، أنْ وعدكمُ اللهُ الفوزَ بإحدَى الغنيمتَين: إمّا قافلةَ أبي سفيان، وإمّا النصرَ على جيشِ المشركين. وأنتم تحبُّونَ التي لا قوَّةَ فيها ولا قتال، وهي القافلة. بينما يريدُ اللهُ أن يُظهِرَ دينَه، ويَرفعَ رايةَ الحقّ، ويُهلِكَ الكافِرين، حتىَّ لا يُبقي منهم أحداً. ولذلكَ أمركم بقتالِهم.

ليُثبِتَ الإسلامَ بذلكَ ويجعلَهُ غالِباً على الأديانِ، ويَمحَقَ الكُفر، ولو كَرِهَ المشركون.

وفي غزوةِ الأحزاب: ﴿ إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾ [سورة الأحزاب: 10].

واذكروا كيفَ جاءكم المقاتلةُ المشركونَ من أعلَى الوادي من قِبَلِ المشرِق، ومن بطنِ الوادي من قِبَلِ المغرِب، وقد مالَتِ العيونُ وشخَصَتْ من الحيرةِ والرُّعب، وخافتِ القلوبُ وفَزِعتْ فزعًا عظيمًا، وتظنُّونَ باللهِ الظُّنونَ المختلفة، فمن مخلِصٍ ثابتِ الإيمانِ يؤمنُ بنصرِ الله، ومن خائفٍ لا يتحمَّلُ ما يرَى، وظنَّ المنافقونَ أن الأحزابَ سيقضونَ على المسلمين.

ويُقالُ هنا: إن أحوالَ المسلمينَ تُذكَرُ ولو كان فيها سلبيات، ويعني أن المجتمعَ الإسلاميَّ يُذكرُ بإيجابياتهِ وسلبياته، ولكنْ بحكمة، حتى لا يظنَّ أو ينغرسَ في نفوسِ المسلمينَ وغيرهم أن المجتمعَ الإسلاميَّ مثاليٌّ ملائكيّ، بل تجدُ فيه الصالحَ والطالح، ولكنه يكونُ مجتمعًا متكاملاً ورائعًا آمنًا ومتكافلاً كلما كان قريبًا من دينِ الله ومطبِّقًا للأحكامَ الشرعية. وهذا يعني عدمَ توقُّفِ جهودِ العلماءِ والدعاةِ والقضاةِ والمصلحين في الدعوةِ والعملِ الإسلامي ومعالجةِ القضايا التي تهمُّ المسلمينَ أجمعين. فالحذرُ مطلوب، وإعدادُ القوةِ واجب، ومحاربةُ الفسادِ ومعاقبةُ المجرمينَ مستمرَّة...

المحاسبة



كلٌّ يتمنَّى ما يريد، ويتخيَّلُ مكانهُ في الجنةِ كما يشاء، ويتصوَّرُ نفسَهُ مع الحورِ العين، على الأرائك وفي ثيابٍ جميلةٍ من حرير... ولكنَّ الحقَّ أن الأمرَ ليسَ بالتمنِّي، إنما هو بالإيمانِ الصحيحِ والعملِ الصالحِ والإخلاصِ في ذلك كلِّه. وهذه صراحةُ القرآنِ مع المسلمينَ وأهلِ الكتابِ أجمعين. يقولُ الله تعالَى: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً [سورة النساء: 123].

في حديثٍ مُرسَلٍ بإسنادٍ صحيح، أنَّهُ احتجَّ المسلمونَ وأهلُ الكتاب، فقالَ المسلمون: نحنُ أهدَى منكم، وقالَ أهلُ الكتاب: نحنُ أهدَى منكم. فأنزلَ اللهُ الآية.

ليسَ الأمرُ كما تمنَّيتُم أيُّها المسلِمون، ولا كما تصوَّرتُمْ يا أهلَ الكتاب، فإنَّ كلَّ من يعملُ ذَنْباً سوفَ يُحاسَبُ عليه، إنْ عاجلاً أو آجلاً، فالعِبرةُ بالطَّاعةِ والعَمل، لا بالتحلِّي والتمَنِّي. وإنَّ الذي يعملُ السُّوءَ متجاوزاً بذلكَ الحدودَ التي وضعها الله، فلن يجدَ مَنْ يدافعُ عنه، أو يُنجيهِ من عذابهِ إذا حلَّ به.

والمقصودُ ما كان كلُّ دينٍ في وقتِه، أمّا بعدَ بعثةِ رسولِ اللهِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فلا دينَ سوَى الإسلام.

وفي تتمَّةِ الحديثِ السابقِ مِنْ سببِ النـزول، أنَّ المسلمينَ غَلبوا أهلَ الكتابِ في حُجَّتهم، بالآيةِ التالية: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾.

والعمومُ في الآيةِ السابقةِ مخصَّصٌ بالتوبة، وبمَنْ يتفضَّلُ اللهُ بالعفوِ عنه.

آدابٌ اجتماعية



من الآدابِ الاجتماعيةُ التي سنَّها الإسلامُ وحسمَها لصالحِ الحقِّ، وقد يتحرَّجُ منها المسلمُ ومازال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [سورة النور: 28].

والمقصودُ حالةُ الرجوع، فإذا طلبَ منكَ صاحبُ الدارِ عدمَ الدخولِ فارجعْ طيبةً نفسُك!

وتفسيرها: إذا طُلِبَ منكمُ الرُّجوعُ فارجِعوا ولا تُلِحُّوا في الدُّخول، فإنَّهُ أطهَرُ لقلوبِكم وأنفَعُ لدينِكم ودنياكُم. واللهُ عليمٌ بما تأتونَ وما تتركونَ ممّا كلَّفكم به، ومنه الدُّخولُ بإذنٍ أو بغيرِ إذن.

والله لا يستحيي من تبيينِ الحقّ، فهو الربُّ الذي يأمرُ بالحقّ، وما فيه صالحُ العباد، ويربِّبي المسلمينَ على آدابِ دينه.

يقولُ سبحانهُ وتعالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [سورة الأحزاب: 53].

أيُّها المؤمِنون، لا تَدخُلوا منازلَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلاَّ أنْ تُدْعَوا إلى طعامٍ فيُؤذَنَ لكم لتأكلوه، غيرَ مُنتظرينَ نُضْجَهُ واستِواءَه، ولكن إذا دُعِيتُم فادخلوا وكلُوا، فإذا أكلتُم فتَفرَّقوا واخرجوا من منزله، ولا تجلسوا لتستأنِسوا بالحديث، فإنَّ ذلكَ يشقُّ على النبيِّ لأُمورٍ تخصُّهُ وأهلَه، وهو يستَحيي أن يطلبَ منكم الانصراف، واللهُ لا يتركُ تأديبَكم وبيانَ الحَقِّ حياءً.

والحمدُ لله ربِّ العالمين.




مشكوور واللة يحفظك
سلمت الايادي ويعطيك الف عاااافيه على الطرح الرائع والمميز
تم التقييم ومنتظر المزيد والجديد من ابدعاتك
ارق تحيااااااااااااتي